مشاهدة النسخة كاملة : المعلم (خاص بمسابقة القصة القصيرة)


عمار رماش
11-24-2013, 10:30 PM
متدثرا بمئزره الأبيض الذي تراءت من أسفل جيبيه ألوان مختلفة خلفتها هناك قطع وقطع من الطباشير مرت من هناك.استند إلى الحائط مصوبا نظره نحو مجموعة من التلاميذ يلعبون...كان يفكر في الماضي ، عندما كان يجري هو أيضا أيام الابتدائي ، ودون انتباه راح يسلط بصره على لباسهم ، ويبدأ مقارنة بين ما يلبسون وما كان يلبس هو في مثل سنهم ...الفرق شاسع ، ترتسم الصورة واضحة بالنسبة لطفولته ، فيرى طفلا كانه ، يلبس ثيابا تمزقت وخيطت عدة مرات ، حتى أصبح أثر الخيط باديا للعيان ، أما الحذاء فكان من المطاط ، عانت منه قدماه كثيرا ، ينتعله صيفا وشتاء ، ثم يتذكر بعض المعاملات القاسية من معلميه و التي حفرت في رأسه ، فيتألم كلما تذكرها وهنا يحركه سؤال مفاده:ترى كيف ينظر كل التلاميذ الذين درستهم إلي؟ ويقلقه أنه ربما أساء إلى أحدهم يوما وهو حانق عليه الآن.
التلاميذ الذين درسهم ويدرسهم ،لم تكن حالة أفقرهم بالمقلقة كثيرا بالمقارنة بما عاشه هو.
يدق الجرس، فيتجه نحو صف التلاميذ الذين يدرسهم ، يمسح على رؤوسهم جميعا ، يمشي بين صفي الإناث و الذكور ،فاردا يديه ممررا إياهما على رؤوس جميع التلاميذ ، وعندما دخلوا إلى القسم ، وأخذوا أماكنهم ، بقي مدة يتفرس في وجوههم ، وكأنه يراهم لأول مرة ، وقد استغلوا هذه الفرصة في الكلام فيما بينهم ، وكلما طالت المدة زادت أصواتهم حدة ، فيدق دقات متتالية على المكتب فيصمت البعض ويواصل البعض الحديث، فيخاطب الجميع : يا أبنائي، لنسكت الآن وننتبه ،حان وقت العمل. فيجيبون بحماس: نعم يا سيدي.
انتهى الدرس ، وخرج التلاميذ ، لكن الأفكار التي دخل بها من ساحة المدرسة لم تنته، ولم تخرج من دائرة الاهتمام ، وبقيت تروح وتجيء في رأسه وهو يغذيها باهتمامه، فيقف عند محطات كثيرة من حياته تخص عمله، فيحس كأنه عاش مائة عام لكثرة الأحداث التي عايشها و الظروف التي مر بها ، كانت ترافق تواتر الأفكار ابتسامات وتنهيدات لكن الغلبة كانت للتنهيدات ، فبين الابتسامة و الأخرى تمر تنهيدات كثيرة تجعل تلك الابتسامات لا تساوي شيئا...لقد عاد بعد أن رافق التلاميذ إلى الخارج ليجلس إلى مكتبه ، يفكر ويفكر، ويده تخط كلمات عشوائية على ورقة فوق المكتب ، وترسم أحيانا أشكالا لا يدري لماذا رسمها؟...
يتساءل بينه وبين نفسه في شبه إحباط : هل حقا كل جهودي المبذولة من أجل هؤلاء التلاميذ قد آتت أكلها؟ ، ولسبب ما كان اقتناعه يميل إلى الإجابة بالسلب ، ربما لأنه لم يرض يوما عن نفسه ، كان دائما يرى نجاحاته ما هي سوى ضربات حظ ! رغم اقتناعه بالإمكانات والمواهب التي يملكها، هل كان عدم رضاه راجع إلى اقتناعه بقدرته على تقديم الأفضل؟ هذا السؤال كثيرا ما مر به، يود لو أنه يستطيع إيجاد الإجابة عنه.
كتابته العشوائية التي كان يحبر بها الورقة الموجودة على المكتب انتهت بكلمة كتبها بخط كبير، ومرر القلم عليها عدة مرات، (النجاح) هذه هي الكلمةالأخيرةالتي تركها على الورقة عندما خرج من الحجرة وهو مصمم على بذل مجهودات أكبر لتحقيق نجاح تلاميذه الذي هو نجاحه أيضا.