مشاهدة النسخة كاملة : متصفح خاص بالماغوط


أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 10:27 AM
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/ar/thumb/0/00/Mohammad_Al_Maghout.jpg/220px-Mohammad_Al_Maghout.jpg

محمد أحمد عيسى الماغوط (1934- 3 أبريل 2006) شاعر وأديب سوري، ولد في سلمية بمحافظة حماة عام 1934. تلقى تعليمه في سلمية ودمشق وكان فقره سبباً في تركه المدرسة في سن مبكرة، كانت سلمية ودمشق وبيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة حيث كان من المؤسسين لجريدة تشرين كما عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي وألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية والشعر وامتاز في القصيدة النثرية وله دواوين عديدة. توفي في دمشق في 3 أبريل 2006.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 10:28 AM
http://saddana.com/up/images/mf4k5m7szut8qckeuonn.jpg


حياته


عام 1934 كان ميلاد الشاعر محمد الماغوط في مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماه السورية، نشأ في عائلة شديدة الفقر وكان أبوه فلاحاً بسيطاً عمل أجيراً في أراضي الآخرين طوال حياته. درس بادئ ذي الأمر في الكتّاب ثم انتسب إلى المدرسة الزراعية في سلمية حيث أتم فيها دراسته الإعدادية، انتقل بعدها إلى دمشق ليدرس في الثانوية الزراعية في ثانوية خرابو بالغوطة، يذكر أن والده أرسل رسالة إلى الثانوية يطلب منهم الرأفة بابنه فقاموا بتعليقها على أحد جدران المدرسة مما جعله أضحوكة زملائه؛ الأمر الذي دفعه إلى الهروب من المدرسة والعودة إلى سلمية [1].
قام الماغوط بعد عودته إلى السلمية بدخول الحزب السوري القومي الاجتماعي دون أن يقرأ مبادئه، وكان في تلك الفترة حزبان كبيران هما الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث، وهو يذكر أن حزب البعث كان في حارة بعيدة في حين كان القومي بجانب بيته وفيه مدفأة أغرته بالدفء فدخل إليه وانضم إلى صفوفه، لم يدم انتماؤه الحزبي طويلاً وقد سحب عضويتها في الستينات بعد أن سجن ولوحق بسبب انتمائه.
وفي هذه الفترة عمل الماغوط فلاحاً وبدأت بوادر موهبته الشعرية بالتفتح فنشر قصيدة بعنوان "غادة يافا" في مجلة الآداب البيروتية. بعدها قام الماغوط بخدمته العسكرية في الجيش حيث كانت أوائل قصائده النثرية قصيدة "لاجئة بين الرمال" التي نُشِرَت في مجلة الجندي، وكان ينشر فيها أدونيس وخالدة سعيد وسليمان عواد، ونشرت بتاريخ 1 أيار 1951، وبعد إنهاء خدمته العسكرية استقر الماغوط في السلمية.[1]
كان اغتيال عدنان المالكي في 22 أبريل 1955 نقطة تحول في حياة الماغوط حيث اتُهِمَ الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله في ذلك الوقت، ولوحق أعضاء الحزب، وتم اعتقال الكثيرين منهم، وكان الماغوط ضمنهم، وحُبس الماغوط في سجن المزة، وخلف القضبان بدأت حياة الماغوط الأدبية الحقيقية، تعرف أثناء سجنه على الشاعر علي أحمد سعيد إسبر الملقب بأدونيس الذي كان في الزنزانة المجاورة.[2]
خلال فترة الوحدة بين سورية ومصر كان الماغوط مطلوباً في دمشق، فقرر الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينات، ودخول لبنان بطريقة غير شرعية سيراً على الأقدام، وهناك انضمّ الماغوط إلى جماعة مجلة "شعر" حيث تعرف على الشاعر يوسف الخال الذي احتضنه في مجلة «شعر» بعد أن قدمه أدونيس للمجموعة[1].
وفي بيروت نشأت بين الماغوط والشاعر بدر شاكر السياب صداقة حميمة فكان كان السياب صديق التسكّع على أرصفة بيروت، وفي بيروت أيضاً تعرّف الماغوط في بيت أدونيس على الشاعرة سنية صالح (التي غدت في ما بعد زوجته)، وهي شقيقة خالدة سعيد زوجة أدونيس، وكان التعارف سببه تنافس على جائزة جريدة «النهار» لأحسن قصيدة نثر.
عاد الماغوط إلى دمشق بعد أن غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى "حزن في ضوء القمر" (عن دار مجلة شعر، 1959)، التي ألحقها عن الدار نفسها بعد عام واحد بمجموعته الثانية "غرفة بملايين الجدران" (1960)، وتوطدت العلاقة بين الماغوط وسنية صالح بعد فدومها إلى دمشق لاكمال دراستها الجامعية. وفي العام 1961 أدخل الماغوط إلى السجن للمرة الثانية وأمضى الماغوط في السجن ثلاثة أشهر، ووقفت سنية صالح وصديقه الحميم زكريا تامر إلى جانبه خلال فترة السجن، وتزوج الماغوط من سنية صالح عقب خروجه من السجن، وأنجب منها ابنتيه شام وسلافة.
في السبعينات عمل الماغوط في دمشق رئيساً لتحرير مجلة «الشرطة» حيث نشر كثيراً من المقالات الناقدة في صفحة خاصة من المجلة تحت عنوان "الورقة الأخيرة"، وفي تلك الفترة بحث الماغوط عن وسائل أخرة للتعبير من أشكال الكتابة تكون أوضح أو أكثر حدة، فكانت مسرحياته المتوالية "ضيعة تشرين" و"غربة"، وفيها أراد الماغوط مخاطبة العامة ببساطة دون تعقيد، وهو واحد من الكبار الذين ساهموا في تحديد هوية وطبيعة وتوجه جريدة تشرين السورية في نشأتها وصدورها وتطورها في منتصف السبعينيات، حين تناوب مع الكاتب القاص زكريا تامر على كتابة زاوية يومية، تعادل في مواقفها صحيفة كاملة في عام 1975 وما بعد، وكذلك الحال حين انتقل ليكتب «أليس في بلاد العجائب» في مجلة المستقبل الأسبوعية، وكان لمشاركاته دور كبير في انتشار «المستقبل» على نحو بارز وشائع في سورية.
كانت فترة الثمانينات صعبة وقاسية، بدأت بوفاة شقيقته ليلى أثر نفاس بعد الولادة عام 1984، ثم وفاة والده أحمد عيسى عام 1985نتيجة توقف القلب، وكانت أصعب ضربة تلقاها هي وفاة زوجته الشاعرة سنية صالح عام 1985 بعد صراع طويل معه ومع السرطان وهو نفس المرض الذي أودى بحياة والدتها وبنفس العمر وكانت نفقة العلاج على حساب القصر الجمهوري في مشفى بضواحي باريس حيث أمضت عشرة أشهر للعلاج من المرض الذي أودى بحياتها، ثم كانت وفاة أمه ناهدة عام 1987بنزيف حاد في المخ، وقد تركت هذه المآسي المتلاحقة الأثر الشديد على نفسه وأعماله وكتاباته.
في ظهيرة يوم الاثنين 3 نيسان 2006 رحل محمد الماغوط عن عمر يناهز 72 عاماً وذلك بعد صراع طويل مع الأدوية والأمراض عندما توقف قلبه عن الخفقان وهو يجري مكالمة هاتفية.
يعتبر محمد الماغوط أحد أهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي، كتب الماغوط الخاطرة والقصيدة النثرية، وكتب الرواية والمسرحية وسيناريو المسلسل التلفزيوني والفيلم السينمائي، وامتاز أسلوبه بالبساطة والبراغماتية وبميله إلى الحزن.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 10:36 AM
http://saddana.com/up/images/je498df0yza6p1nuaxew.jpg


الأعمال المسرحية


1.ضيعة تشرين - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1973-1974)
2.شقائق النعمان - مسرحية
3.غربة - مسرحية (لم تُطبع - مُثلت على المسرح 1976)
4.كاسك يا وطن - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1979)
5.خارج السرب - مسرحية (دار المدى - دمشق 1999، مُثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد) ‏
6.العصفور الأحدب - مسرحية 1960 (لم تمثل على المسرح)
7.المهرج - مسرحية (مُثلت على المسرح 1960، طُبعت عام 1998 من قبل دار المدى - دمشق)


الأعمال السينمائية

الحدود
التقرير

أهم مؤلفات محمد الماغوط


الشعر

1.حزن في ضوء القمر - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1959)
2.غرفة بملايين الجدران - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1960)
1.الفرح ليس مهنتي - شعر (منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1970)

المسرح

1.ضيعة تشرين - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1973-1974)
2.شقائق النعمان - مسرحية
3.غربة - مسرحية (لم تُطبع - مُثلت على المسرح 1976)
4.كاسك يا وطن - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1979)
5.خارج السرب - مسرحية (دار المدى - دمشق 1999، مُثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد)
6.العصفور الأحدب - مسرحية 1960 (لم تمثل على المسرح)
7.المهرج - مسرحية (مُثلت على المسرح 1960، طُبعت عام 1998 من قبل دار المدى - دمشق)

مسلسلات تلفزيونية

1.حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني (من إنتاج التلفزيون السوري)
2.وين الغلط - مسلسل تلفزيوني (إنتاج التلفزيون السوري)
3.وادي المسك - مسلسل تلفزيوني
4.حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني
السينما

1.الحدود - فيلم سينمائي (1984 إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام)
2.التقرير - فيلم سينمائي (1987 إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام)

أعمال أخرى

1.الأرجوحة - رواية 1974 (نشرت عام 1974 - 1991 عن دار رياض الريس للنشر وأعادت دار المدى طباعتها عام 2007)
2.سأخون وطني - مجموعة مقالات (1987- أعادت طباعتها دار المدى بدمشق 2001)
3.سياف الزهور - نصوص (دار المدى بدمشق 2001)
4.شرق عدن غرب الله (دار المدى بدمشق 2005)
5.البدوي الأحمر (دار المدى بدمشق 2006)
أعماله الكاملة طبعتها دار العودة في لبنان. وأعادت دار المدى طباعة أعماله في دمشق عام 1998 في كتاب واحد بعنوان (أعمال محمد الماغوط) تضمن: (المجموعات الشعرية: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي. مسرحيتا: العصفور الأحدب، المهرج. رواية: الأرجوحة). تُرجمت دواوين الماغوط ومختارات له ونُشرت في عواصم عالمية عديدة إضافة إلى دراسات نقدية وأطروحات جامعية حول شعره ومسرحه.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 10:47 AM
http://saddana.com/up/images/ryxvkl54gupqud300j2.jpg


الجوائز التي نالها الماغوط خلال حياته:

1.جائزة "احتضار" عام 1958.

2.جائزة جريدة النهار اللبنانية لقصيدة النثر عن ديوانه الأول "حزن في ضوء القمر" عام 1961.

3.جائزة سعيد عقل.

4.صدور مرسوم بمنح وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة للشاعر محمد

الماغوط من بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية.

5.جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر عام 2005.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 10:56 AM
محمد الماغوط

حزن في ضوء القمر

http://saddana.com/up/images/7xwt2bvhkoe7begrcft.jpg




أيها الربيعُ المقبلُ من عينيها

أيها الكناري المسافرُ في ضوء القمر

خذني إليها

قصيدةَ غرامٍ أو طعنةَ خنجر

فأنا متشرّد وجريح

أحبُّ المطر وأنين الأمواج البعيده

من أعماق النوم أستيقظ

لأفكر بركبة امرأة شهيةٍ رأيتها ذات يوم

لأعاقرَ الخمرة وأقرضَ الشعر

قل لحبيبتي ليلى

ذاتِ الفم السكران والقدمين الحريريتين

أنني مريضٌ ومشتاقٌ إليها

انني ألمح آثار أقدام على قلبي .

دمشقُ يا عربةَ السبايا الورديه

وأنا راقدٌ في غرفتي

أكتبُ وأحلم وأرنو إلى الماره

من قلب السماء العاليه

أسمع وجيب لحمك العاري .

عشرون عاماً ونحن ندقُّ أبوابك الصلده

والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا

ووجوهِنا المختنقةِ بالسعال الجارح

تبدو حزينةً كالوداع صفراءَ كالسلّ

ورياحُ البراري الموحشه

تنقلُ نواحنا

إلى الأزقة وباعةِ الخبزِ والجواسيس

ونحن نعدو كالخيولِ الوحشية على صفحاتِ التاريخ

نبكي ونرتجف

وخلف أقدامنا المعقوفه

تمضي الرياحُ والسنابلُ البرتقاليه ...

وافترقنا

وفي عينيكِ الباردتين

تنوح عاصفةٌ من النجوم المهروله

أيتها العشيقةُ المتغضّنة

ذات الجسد المغطَّى بالسعال والجواهر

أنتِ لي

هذا الحنينُ لك يا حقوده !

. .

قبل الرحيل بلحظات

ضاجعتُ امرأة وكتبتُ قصيده

عن الليل والخريف والأمم المقهوره

وتحت شمس الظهيرة الصفراء

كنت أسندُ رأسي على ضلْفاتِ النوافذ

وأترك الدمعه

تبرق كالصباح كامرأة عاريه

فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبوديه

وقربَ الغيوم الصامتة البعيده

كانت تلوح لي مئاتُ الصدور العارية القذره

تندفع في نهر من الشوك

وسحابةٌ من العيون الزرقِ الحزينه

تحدقُ بي

بالتاريخ الرابضِ على شفتيّ .

. .

يا نظراتِ الحزن الطويله

يا بقع الدم الصغيرة أفيقي

إنني أراكِ هنا

على البيارقِ المنكَّسه

وفي ثنياتِ الثياب الحريريه

وأنا أسير كالرعد الأشقرِ في الزحام

تحت سمائك الصافيه

أمضي باكياً يا وطني

أين السفنُ المعبأةُ بالتبغ والسيوف

والجاريةُ التي فتحتْ مملكةً بعينيها النجلاوين

كامرأتين دافئتين

كليلة طويلةٍ على صدر أنثى أنت يا وطني

إنني هنا شبحٌ غريبٌ مجهول

تحت أظافري العطريه

يقبعُ مجدك الطاعن في السن

في عيون الأطفال

تسري دقاتُ قلبك الخائر

لن تلتقي عيوننا بعد الآن

لقد أنشدتُكَ ما فيه الكفايه

سأطل عليك كالقرنفلةِ الحمراء البعيده

كالسحابةِ التي لا وطن لها .

. .

وداعاً أيتها الصفحات أيها الليل

أيتها الشبابيكُ الارجوانيه

انصبوا مشنقتي عاليةً عند الغروب

عندما يكون قلبي هادئاً كالحمامه ..

جميلاً كوردةٍ زرقاء على رابيه ،

أودُّ أن أموتَ ملطخاً

وعيناي مليئتان بالدموع

لترتفعَ إلى الأعناق ولو مرة في العمر

فانني مليء بالحروفِ ، والعناوين الداميه

في طفولتي ،

كنت أحلم بجلبابٍ مخططٍ بالذهب

وجواد ينهب في الكرومَ والتلال الحجريه

أما الآن

وأنا أتسكَّعُ تحت نورِ المصابيح

انتقل كالعواهرِ من شارعٍ إلى شارع

اشتهي جريمةً واسعه

وسفينةً بيضاء ، تقلّني بين نهديها المالحين ،

إلى بلادٍِ بعيده ،

حيث في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء ،

وفتاةٌ خلاسيه ،

تسهرُ وحيدةً مع نهدها العطشان .

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:10 AM
لقطات من فيلم الحدود


http://www.youtube.com/watch?v=FPpqo09A8UY&feature=related



http://www.youtube.com/watch?v=LO1hrxNgJdo&feature=related


http://www.youtube.com/watch?v=Ah3bURioFv4&feature=related

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:18 AM
قناة الجزيرة


http://www.aljazeera.net/mritems/images/2006/4/11/1_610660_1_3.jpg


محمد الماغوط.. سجن العصفور الأحدب

ضيف الحلقة: محمد الماغوط/ شاعر وكاتب مسرحي
تاريخ الحلقة: 10/4/2006

- سجن بلا حدود
ضجيج الخوف


محمد الماغوط- شاعر وكاتب مسرحي: عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف مَن يضع رأسه؟ حلوة عيون النساء في باب توما حلوة.. حلوة وهي ترنو حزينة إلى الليل والخبز والسكارى ليتني حصاة ملونة على الرصيف أو أغنية طويلة على الزقاق ليتني وردة جورية في حديقة ما يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة أو صليبا من الذهب على صدر عذراء تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى وفي عينيها الجميلتين ترفرف حمامتان من البنفسج، أشتهي أن أقبل طفلا صغيرا في باب توما ومن شفتيه الورديتين تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه فأنا مازلت وحيدا وقاسيا أنا غريب يا أمي.
أهلا وسهلا.. لما دخلت السجن شايفه كيف؟ حسيت أنه بداخلي شيء تحطم بعد السجن كل كتابتي مسرح شعر سينما صحافة حتى أرمم هذا الكسر وما قدرت لحد الآن، هلأ إذا بالليل دق الباب ما أفتح أقول إجوا يأخذوني مع أني محمي الدولة حاميتني وآخذ وسام وبأخاف، السجن مثل الشجرة له شروش شروشه بتروح على القصيدة على المسرحية على الفيلم تروح على الفم اللي عم تقبليه على الصدر اللي عم ترضعي منه على الله اللي عم تصلي له.
أنا محمد الماغوط أبي اسمه أحمد عيسى وأمي ناهدة الماغوط الأب والأم من نفس العائلة كنا فقراء كثير نحن كنت بخرابو هون في الشام أبي الله يرحمه بعث رسالة أن يرأفوا بحالي لأنني فقير علقوها في لوحة الإعلانات بالمدرسة والرايح والجاي يقرأها ويضحك ومن يومها هربت من المدرسة، ما كان يخطر لي في يوم من الأيام أني أكون أن أصل للذي وصلت له، كنت كل أحلامي كابن ضيعة أتزوج بنت خالتي بنت عمي وأجيب أولاد وعيش بالضيعة وأدفع بدل عسكرية وأخلص، انقلبت الآية دخلت بحزب لم أقرأ مبادئه وصرت من سجن إلى سجن حتى وصلت لعند حضرتك الآن، كانت الدنيا برد وشتوية كان في حزب البعث والحزب القومي حزب البعث في حارة بعيدة وَحْل وكلاب تعوي وجانب بيتنا الحزب القومي وفيه صوبيا دخلت فيه.
مراسلة الجزيرة: وحزب البعث ما كان عندهم صوبيا؟
محمد الماغوط: ما أعرف كان مسؤول الحزب هناك سامي الجندي وهو ملاكم وأنا أكره العضلات يسفقني شي بوكس يرجعني لبطن أمي، الدنيا ليل ومطر وبرد قرأت عبلة خوري مذيعة كانت عن إعدام أنطون سعادة استغربت أنا بهذا الليل ليش الإنسان يعدم؟ وبالسجن تعرفت على أدونيس وعملت لهم مسرح في السجن ديكور وإكسسوار وحوار.
مراسلة الجزيرة: سجن المزة؟
محمد الماغوط: بالمهجع الرابع وأدونيس كان بالمهجع الخامس كنا دائما أمام بعضنا حتى خليت الشرطة يمثلوا.
مراسلة الجزيرة: شو المسرحية؟
محمد الماغوط: ليوسف وهبي شو عرفني! وحتى بمشهد من المشاهد صرت أحكي مصري ومعنا واحد قال لي لا صرنا نقول المرض المهيمن على المجتمع قال لي لا. أحب سنية كثير أشوفها بمنامي كثير أحب بناتي كثير، هادول أظافري اللي أواجه بهم العالم، سنية شاعرة مهمة كثير في فترة كنا بالسجن بنفس الليلة لكن هي بمكان وأنا بمكان، يوم رحت على بيروت أخذت أشعار ناشرها هنا الشتاء الضائع أغنية لباب توما قرأهم يوسف الخال وقال لي يا محمد بدنا لمجلة شعر قصيدة.. ممكن تعمل لنا قصيدة لها المجلة متى تبعثها؟
قلت له بكرة قال شو بكرة؟ قلت له خلاص بكرة كتبت حزن في ضوء القمر، أيها الربيع المقبل من عينيها خذني إليها قصيدة غرام أو طعنة خنجر.. والله نشرها بأول العدد بعدين كنت أنا بالسجن هربان مُهرب معي قصيدة مذاكرتي قال ما عندك شيء للنشر؟ قلت عندي مذكراتي ومخيط عليها بثيابي الداخلية قال لي هاتها نشوفها والله طبعناها مقاطع اسمها القتل عن سجن المزة التحقيق والاستجواب والضرب واللبط والمسبات والخوف والظلم يعني كله. ضع قدمك الحجرية على قلبي يا سيدي الجريمة تضرب باب القفص والخوف يصدح كالكروان، ها هي عربة الطاغية تدفعها الرياح وها نحن نتقدم كالسيف الذي يخترق الجمجمة، آه ما أتعسني إلى الجحيم أيها الوطن الساكن في قلبي منذ أجيال لم أر زهرة.
"
الخوف حفر فيّ مثل الجرافة داخل أعماقي بقلبي بروحي بعيني بأذني، فلا أرجف من البرد ولا من الجوع بل أرجف من الخوف
"
كمال خير بك علاقة عمر والتقينا بسجن المزة ببداية الستينات يوم انقلاب القوميين هرب هو كان من القادة، صديق كارلوس كثير كان هو الموجِّه له كتب عني بأطروحته فصول حلوة كثير اللي أخذها بجنيف دكتوراه، إلياس مسوح سجنت معه وأدونيس سجنت أنا وإياه، صداقة السجن والسفر شغلة والجوع، الخوف حفر في مثل الجرافة جوه بأعماقي بقلبي بروحي بعيني بأذني بركبي الخوف بالركب وهي عم ترتجف أنا ما أرجف من البرد ولا من الجوع أرجف من الخوف. بِعْ أقراط أختي الصغيرة وأرسل لي نقوداً يا أبي لأشتري محبرة وفتاة ألهث في حضنها كالطفل لأحدثك عن الهجير والتثاؤب، فأنا أسهر كثيراً يا أبي أنا لا أنام حياتي سواد وعبودية وانتظار فاعطني طفولتي وضحكاتي القديمة على شجرة الكرز وصندلي المعلق في عريشة العنب لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري لأسافر يا أبي. الخوف هو فقدان الحرية انعدام الحرية هذا هو الخوف أنا بطبيعتي ما أنظر أقول كلمة وخلاص اللي يفهمها يفهمها اللي ما يفهمها عمره ما يفهمها، الخوف لا يُشرَح مثل الله لا يُفَسََّر مثل البحر مثل السماء، فيه حدا يعرف شو فيه بالسماء؟ كواكب متصلة ببعضها والخوف سياط كماشات أسنان مقلوعة وعيون مفقوءة عم تغطي العالم والعالم عم يرقص ويغني ولا يبالي، الخوف هو الظلم.
مراسلة الجزيرة: تعذبت كثير؟
محمد الماغوط: كثير.. لا أنا المبدأ كان يضايقني أكلت كرباجين ثلاثة ولحد الآن أحكي فيهم وكَفّين ثلاثة على فمي.
مراسلة الجزيرة: التقيت شي مرة بالسَجّان؟
محمد الماغوط: نعم بالصدفة.. فتح بياع حلو ودخلت بدي أشتري حلو لقيته قلت له أنت كنت بسجن المزة قال لي مضبوط قال لي أنا كنت موظف وبس وصرنا أصحاب لا أشتري إلا من عنده، مثلاً كان عندنا بالسجن سجانين واحد من دير الزور لئيم كثير وواحد من حوران يده حجمها حجم سهل البقاع خبطته لا توجع هداك لكزته مثل السم، مرة بالسجن جايبين عشان الصلاة راديو وميكروفون.. تعرفي أول أغنية طلعت فيه وهم عم يجربوه يا ظالم لك يوم.. أقسم بالله صرخوا أغلقوا الراديو.. كثير أحبه {وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى} ما أحلاها. الآن في الساعة الثالثة من القرن العشرين حيث لاشيء يفصل جثث الموتى عن أحذية المارة سوى الإسفلت، سأتكئ في عرض الشارع كشيوخ البدو ولن أنهض حتى تُجمع كل قضبان السجون وإضرابات المشبوهين في العالم وتوضع أمامي لألوكها كالجَمَل على قارعة الطريق حتى تفر كل هرّاوات الشرطة والمتظاهرين من قبضات أصحابها وتعود أغصاناً مزهرة مرة أخرى في غاباتها. الجوع والخوف والعار والفشل وأنا مع الإمام علي لما يقول الفشل شكل من أشكال الموت.
مراسلة الجزيرة: تخاف من الموت؟
محمد الماغوط: لا.. صديقي وأحبه ما أعرف أحكي ما أحكي ما أعرف ما أنظر أكره العقل أكره التنظير.. الحزن هو الوحدة وحدة القلب كل شيء بالعالم حزين رغم الممثلين الكوميديين وأفلام كارتون العالم حزين بضوء القمر أو في الظلام الحزن مثل الله موجود في كل مكان أنا شايفه، كيف بكتابتي أحب دائماً الشيء المريب اللي يلفت النظر أكره الشيء العادي أحب الطويل أو القصير العاهرة أو القديسة اللص أو الشرطي.

[موجز الأنباء]
سجن بلا حدود
"
القافية الشعرية ما كانت تعني لي شيئا، إذا كان عندي خطأ لغوي أو مطبعي أصر عليه وما أسمح لأحد يعبث بكتاباتي
"
محمد الماغوط: مَن كان مثلي يحب العناوين؟ رياض الريّس وكان يشجعني يعني مثلا سأخون وطني كانت نفحات من المزبلة العربية أو سأخون وطني قال لي لا سأخون وطني وكان ممنوع بقى سنتين ممنوع والكتاب بألفين ليرة بعدين سمحوا فيه، بالنسبة للقافية ما كانت تعني لي شيئا بدلا من البحث عن قافية تركب على البيت كان بدي حذاء ألبسه بدي رغيف آكله بدي محل أنام فيه حتى مرة واحد لغوي يعني شافني على باب مقهى الهافانا قال لي أنت بقصيدة من القصائد وضعت طالما وبعدها اسم.. طالما لا تدخل على الاسم قلت له لا بدها تدخل.. ناس عم يدخلوا السجون على المعتقلات على المصحات العقلية جواسيس طالعة فايتة ما ضاقت عينك إلا من طالما تبعي.. بدك وفعلا هاي راحت معي هيك.. شغلة لأن حتى إذا عندي خطأ لغوي أصر عليه أو مطبعي ما أسمح لأحد يعبث بكتابتي أكتب صح وأنطق صح خلاص شو بدي بقى.. بالنسبة لرواية الأرجوحة قصتها قصة كتبتها في فترة كنت ملاحَق فيها كل أجهزة الأمن كانت عم تدور علي الناصرية والبعثية والقومية كلهم وكاتبها أنا كانت حوالي 150 صفحة كيف بدي أهربها على السلمية لعند أمي؟ فصرت مثلا كلمة حزب أضع لها شخبطة لفوق وسهم إلى تحت أكتب كلمة الحزب جَرَبْ.. كلمة المخابرات حرباية.. وأسهم أسهم من كثرة ما صار فيه أسهم صارت مثل بيوت المسؤولين في الشتاء، راحت الأيام طلب مني رياض الريّس مادة للنشر في الناقد قلت له والله ما عندي شيء جاهز بس عندي رواية عند أمي قال جيبها فجبناها وكنت أوصيت أمي 25 سنة بقيت الرواية تحت رأسها جئت لأقراها لم أفهم شيئا أسهم طالعة أسهم نازلة وشام شريف والشيشكلي وحزب السهرة الراقص منين هي؟ قال لي رياض عندي أجهزة بلندن لفك الخط.. الخط مهما كان معقد قلت إحنا نفس الشيء قلت له هي مكتوبة من خمس وعشرين.. ثلاثين سنة لا نفس المشاعر ولا نفس الأحاسيس فطبعناها كما هي. كنا في البيت أنا قومي سوري وأخي شيوعي وواحد من جماعة أكرم الحوراني وأمي تقول عن ماركس سركيس لا تعرف نطق الاسم.. سمعت عن مجلة الآداب ليوسف إدريس كنت أنا طالب زراعة قلت لنفسي شو طالب زراعة!؟ فكتبت محمد الماغوط دكتور في الزراعة وأرسلت القصيدة فنشروها، مرة وأنا راجع من البستان حافي الدرك قال أنت الماغوط؟ قلت أنا قال تعال معنا قلت شو فيه؟ قال بتعرف حالك شو عامل والله كان قائد الفصيل قاعد ببيته على هضبة وحوله موظفو البلدية والطابور وموظفو النفوس وغيرهم قام وسلم علي قال أنت ناشر قصيدة اسمها النبيذ المر عن فلسطين؟ قلت نعم فيها شيء؟ قال لي لا يعطيك العافية تفضل قعدت أنا وارتحت نفسيا ووضعت رجل على رجل وأنا حافي فاكتشفت كم كنت صغيرا قال أنا عم أبعث لمجلة الآداب ما عم ينشروا لي قلت والله أحكي لك معم. أكره الكرافات لما أكون لابس كرافات وهذا يصير أحيانا لا أفهم ما أحكي ولا أفهم ما أسمع أنا مبسوط ببجاماتي الجدد اليوم فيه اثنين جدد اثنين جايين.
مراسلة الجزيرة: تحب اللبس؟
محمد الماغوط: نعم كثير كنت معقدهم ببيروت لعلي الجندي ولعاصي الرحباني باللبس عاصي كان يقول لي يا محمد على الواجهة أشوف الكنزة هيك ألبسها بتصير هيك، بالنسبة لمسرحية العصفور الأحدب كنت ملاحق من كل أجهزة الأمن تمام كالعادة في غرفة نصية لما أقف يطرق برأسي بالسقف فدائماً كنت منحني وأنظر من زاوية على مطعم أبو كمال كل قادة الثورة كانوا يأكلون هناك وأنا أقول لهم أفرجيكم. لن أضع رأسي حيث يضعه الآخرون مثل الشهيد عدنان المالكي في أرقى شوارع دمشق بقبعة وسيف بيدي ونياشين على صدري حتى أعرف مَن صرعه في ريعان شبابه وقلب المنطقة عاليها سافلها وجعلها تتدحرج بكل طاقتها ومواردها وأحزابها ومثقفيها ومطربيها صعوداً وهبوطاً يميناً ويساراً من جبل إلى هضبة إلى سفح إلى نفق إلى كامب ديفد إلى أوسلو إلى صبرا وشاتيلا إلى قانا إلى مدريد إلى ابن لادن إلى علي الكيماوي إلى علي الديك ورَسَم خريطة جديدة لنا وللعالم أجمع لن نكون أكثر من جدار لتعليقها أو بعوضة على إطارها. كل مشاكلنا وتشردنا وجوعنا وسمّونا خونة بالجيش ويسلمونا سلاح من وراء مقتل عدنان المالكي يعني مثلاً قُتل المالكي الساعة الخامسة بالملعب البلدي الساعة أربعة كانوا عم يسألوا عني بالسلمية معناها القصة مرتبة مع أن الذي قتله يونس عبد الرحيم صديقي كثير كان بالشرطة العسكرية كنت أمر لعنده كل ما أنزل من قطنا إلى الشام وكنت عامل عملية لعيني وعليها ضماد والله مررت عليه سألت عنه قالوا لي بمهمة قلت لهم أنا محمد الماغوط قولوا له أنا بحاجة له لأمور ضرورية فيه خطط تغيرت.. والله وحياتك.. اغتالوا المالكي جمعوا كل القوميين ومنهم أنا سنة 1955..
مراسلة الجزيرة: كثير بشعرك تذكر الأمة العربية؟
محمد الماغوط: أمة ما فيه عندي نعم دائما حتى انتمائي للحزب كان دائما لجوء للأكثرية الأكثرية تحمي، لما صارت الوحدة هربنا على بيروت هناك التقيت بجماعة شعر يوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا والرحابنة وسعيد عقل بيروت أحبتني كثيرا حبتني حب غير طبيعي وأعطتني شيء غير طبيعي..
مراسلة الجزيرة: والشام؟
محمد الماغوط: الشام تأخذ ما تعطي لا تعطي أبداً.. الشام كثير أحبها وسميت بنتي شام. دمشق يا عربة السبايا الوردية وأنا راقد في غرفتي أكتب وأحلم وأرنو إلى المارة من قلب السماء العالية أسمع وجيب لحمك العاري عشرون عاماً ونحن ندق أبوابك الصلدة والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا ووجوهنا المختنقة بالسعال الجارح تبدو حزينة كالوداع صفراء كالسل ورياح البراري الموحشة تنقل نواحنا إلى الأزقة وباعة الخبز والجواسيس ونحن نعدو كالخيول الوحشية على صفحات التاريخ نبكي ونرتجف.. أي مسؤول في الدولة يقول لي مسرحيتك أو قصيدتك أو مقالتك حلوة أقول أنا لا هذه كتابتي فيها غلط..
مراسلة الجزيرة: طب كيف عم تتكرم الآن؟
محمد الماغوط: ما أعرف أنا يعني الآن إذا أحبوا أن يساهموا مثل كأنني مشروع أنا مشروع قبر يساهموا فيه لا أنا السلطة لا أتصالح معها والأشخاص أشخاص الشاعر عمره لا يكون رفيق سلطة أو صديق سلطة مستحيل عبر العصور أو أنا هذا إحساسي حتى مرة في لبنان هذا سامي الخطيب كان وزير داخلية كان بالمخابرات قال لي شو تشتغل يا ولد؟ وكنا ممسوكين قلت له.. والله يعني بالـ 1959 انقلاب القوميين 1960 – 1961.. قلت شاعر قال لي فيه كيس شَعْر بـ (كلمة نابية) تشيل لي إياه؟ والله العظيم كنت دائما أختلف أنا وسعد الله ونوس إنه يريد حرية وقلت أنا بالعكس القمع هو الأم الرؤوم للشعر وللإبداع، أنا كل ما أكون خائف أبدع وعندي احتياطي من الخوف لا ينضب مثل البترول أحب المجابهة أنا التحدي.. طفولتي بعيدة وكهولتي بعيدة وطني بعيد ومنفاي بعيد أيها السائح أعطني منظارك المقرب علّني ألمح يدا أو محرمة في هذا الكون تومئ إلي صورني وأنا أبكي وأنا أقعي بأثمالي أمام عتبة الفندق وأكتب على قفا الصورة هذا شاعر من الشرق.. هي سعلة المزة..
مراسلة الجزيرة: لحد ها اللحظة فيه سجناء رأيك داخل وخارج السجون؟
محمد الماغوط: طالما فيه ظلم لازم يكون فيه سجون شيء طبيعي.
مراسلة الجزيرة: كيف بتشوف المصائب اللي عم تصير حوالينا وأنت قاعد ببيتك؟
محمد الماغوط: ماني قاعد عايش الأحداث كلها ومتنبئ فيها أحسن من السكون اللي عم يصير أحسن من السكون المطلق..
مراسلة الجزيرة: شو تتمنى؟
محمد الماغوط: إنه ما يبقى سجين على وجه الأرض ولا جائع على وجه الأرض بس أمنية واحدة تكفي.. أنه عجيب حياة سبعين سنة يقدر الواحد يلخصها بخمس دقائق. دموعي زرقاء من كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيت دموعي صفراء من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية وبكيت فليذهب القادة إلى الحروب والعشاق إلى الغابات والعلماء إلى المختبرات أما أنا فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق لأعود كما كنت حاجباً قديماً على باب الحزن ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان تؤكد أنني لن أموت إلا جائعاً أو سجيناً

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:27 AM
محمد الماغوط

العنقاء

http://saddana.com/up/images/e89e6durp57nzulayl.jpg


السيف يكتب

والصدر يقرأ

والزمن يمحو كل شيء

تماسكي أيتها المشنقة

وهدئي من روعك أيتها الحبال

وأنتم أيها السوقة والرعاع

ألم تروا في كل هذا الشرق

معلماً يشنق

في بداية أو نهاية أي عام دراسي؟

أو ثرياً مجهولاً يستدرج غزالاً برياً

ويغدق الرصاص بين عينيه؟

أو بطلاً يستسلم في ذروة المعركة

من الضجر؟

إنها أغنيتي وليست أغنية اليوت

وأعراسي وليست أعراس لوركا

وحقولي وليست حقول غوغان

ومتاهتي وليست متاهة كافكا

وكبريائي وليست كبرياء بايرون أو المتنبي

إنهم يسلبونني كل شيء في وضح النهار

وأنا أكره الخريف المزاود

سأكتب كتابي عليك بالمطر

وأعقد قراني كربطة العنق أو هدية بابا نويل

إنها أساطيري ونبوءاتي

سلاسلي وآفاقي

وأنا حر بها.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:35 AM
لقطات من مسرحية كاسك يا وطن

للماغوط


http://www.youtube.com/watch?v=MLauqQvxjeA&feature=related


http://www.youtube.com/watch?v=148vb94NNlc&feature=related

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:43 AM
[/URL] (http://www.alarabiya.net/save_pdf.php?cont_id=5448)
(javascript:void(0)) (http://www.facebook.com/sharer.php?u=http://www.alarabiya.net/programs/2004/08/03/5448.html&t=روافد: مع الشاعر محمد الماغوط (2))[URL="http://digg.com/submit?phase=2&url=http://www.alarabiya.net/programs/2004/08/03/5448.html&title=روافد: مع الشاعر محمد الماغوط (2)"]

اسم البرنامج: روافد (الجزء الثاني)، مقدم البرنامج: أحمد علي الزين.، تاريخ الحلقة: الجمعة 30/7/2004


ضيف الحلقة:

محمد الماغوط (الشاعر والكاتب المسرحي)


http://images.alarabiya.net/59/94/436x328_87790_5448.jpg



أحمد علي الزين: ثانية إلى عزلة محمد الماغوط، هنا في هذه الحارة الدمشقية يزاول هذا الشقي المتمرد احتجاجه بالصمت حيناً, وبالكتابة حيناً آخر، ولمن نسي صورته القديمة يمكن أن يعيد تشكيل ملامحها حينما يسمع صوته التبغي الأجش، أو ضحكته المشحونة بألم خفي، ولمن لا يعرفه يمكن أن يستخلص حكمة المتمرد الذي لم يحنِ رأسه إلا لجلال الحرية, ولوطأة السنين، لا بأس من منادمته كأس العزلة في نصف ساعة أخرى من الزمن، والتأمل في نَصِّه وعالمه القائم على المفارقات المتوحدة تحت رايته الخفاقة على قمم جباله البعيدة، هكذا غادرته متّكئاً على عمره تسعفه موسيقى باخ لاحتمال وحشة العالم، وصوت فيروز لتخفيف الرعب, والعتابا لمعانقة الجروح القديمة، وهكذا حين عدت إليه.

في السجن بدأت الكتابة


http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_start.gif محمد الماغوط الإنسان الشاعر المسرحي مثل حبة ملبس، الملبسة درجات نكهتها طيبة، بس عالغميق فيه عتمة, فيه غموض, فيه شك, فيه حياة معذبة, فيه جنون, فيه تشاؤم http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_end.gif يعقوب الشدراويمخرج مسرحي


أحمد علي الزين: مثل ما ذكرت حضرتك أن محاولاتك الأولى بكتابة المسرح كانت بسجن المزة.محمد الماغوط: إي بالمزة لأ يعني كنا ..أحمد علي الزين [مقاطعاً]: محاولات صغيرة..محمد الماغوط: محاولات..بحب الحوار أنا، شايف كيف؟ ومشان هيك بشكّ بأصولي العربية. العربي ما بحب الحوار، شفت كيف؟أحمد علي الزين [مقاطعاً]: بيحكي لحاله.محمد الماغوط: بيحكي لحاله.. آه ممنوع يحكي، واحد بيحكي, وواحد بيسمع، أنا بحب الحوار، أنا ما بقول هناك شعب, وهناك مسرح, وهناك صحافة, هناك نص جميل..أحمد علي الزين [مقاطعاً]: بغض النظر عن نوعه.محمد الماغوط: بغض النظر.أحمد علي الزين: عن نوعه.. طيب، يعني لمن قرأت بالمسرح؟ قبل ما تكتب ما قرأت لأحد بيكتب مسرح؟محمد الماغوط: والله ما قرأت.أحمد علي الزين [مقاطعاً]: ما قرأت؟ محمد الماغوط: لا والله.أحمد علي الزين: عجيب، عجيب أمرك.. محمد الماغوط: حتى مثلاً أنا بعد 8 آذار لوحقت قضائياً من أكثر من جهة، فتخبيت ببيت، فكانت تعرف فيه سنية زوجتي، وزكريا تامر صديق عمر هذا، فإجا على بالي بدي أكتب يعني قلت بدي أكتب قصيدة يعني شغلة هيك: العصفور الأحدب، بعدين حسيت وأنا عم بكتب إنه فيه أصوات تانية بدها تحكي, يعني بداخلي أنا، وكفّيت تابعت، وكان السقف واطي كتير هونيك، فظلني أكتب وأنا محني شايف كيف؟ فسمّيتها العصفور الأحدب.أحمد علي الزين: (لقد حطمتني يا رجل, ونثرت الملح القاتل في أكثر جراحي عمقاً وكبرياء, لا أستطيع أن أصغي إلى شرذمة العصافير المرذولة تغني, طالما هناك عصافير حمراء وخضراء تمزقها القنابل وهي على أهبة التحليق، وعذارى نحيلات وسعيدات ينتظرن عشاقهن عند المنعطفات يحضرن الكلمة الجميلة والنظرة الساحرة ليقلنها بين لحظة وأخرى، وعشاقهن ممزقو الرؤوس في الدهاليز, وتحت الأضواء البربرية، لقد جاؤوا إليك من قرى بعيدة لا يعلم إلا الله أين تقع بالسنابل المحطمة، لا لتعيدها خضراء أو حمراء ولكن لتقول لهم فقط: "حسناً أيها الرفاق القدامى عودوا إلى منازلكم لقد رأيتها"، وكما يقول: لقد أفادته تجربة بيروت كثيراً، في هذه المدينة حلّق الماغوط في مجلة شعر, وألف قصائد, وألّف أصدقاء كُثُر منهم يوسف الخال، الأخوين رحباني، ويعقوب الشدراوي، الذي أخرج له عملين: "المرسلياز العربي", و"المهرج". يعقوب الشدراوي (مخرج مسرحي): محمد الماغوط الإنسان الشاعر المسرحي مثل حبة ملبس، الملبسة درجات نكهتها طيبة، بس عالغميق فيه عتمة, فيه غموض, فيه شك, فيه حياة معذبة, فيه جنون, فيه تشاؤم، كابوس.. كابوس مرعب ومتعب بالوقت نفسه, كابوس كوميد مظلل بمسحات مأساوية.أحمد علي الزين: كيف علاقتك بيعقوب؟محمد الماغوط: من بعد ما اختلفنا يوم "المهرج" شايف كيف؟ ما عاد حكيت معه، ما عاد شفته ما تسألني عنه، أنا إذا أنا عندي نص, وبدّي أعطيه لمخرج رغم هالشّي بعطيه ليعقوب.أحمد علي الزين: ليعقوب..يعقوب الشدراوي: الماغوط متناثر غريب، بتتطلع فيه مرِح, مرَحْ وضَحِكْ بيوجّع الخواصر، وبتشوف فيه شغلات تانية مهمة كويسة، ولكن الماغوط لو أنا شاعر كنت بقول عنه: نزوة ومي مرسبة بسقف مغارة جعيتا، وإذا بدّك اختصره للماغوط بقول: "في الهزل جدٌ وفي الجد هزلٌ"، محمد الماغوط هديك الأيام ماغوط العصفور الأحدب, وماغوط المهرج, وقت كنت تقعد معه وتتحاور كان يخطر عبالك رابليه، لما تقرأه كان يخطر عبالك شعر مايكوفسكي الهجائي، ولما كنت تريد تصوّره كنت تقشع بخيالك رسوم دومييه رسام الثورة الفرنسية، هيدا هو الماغوط.[مشهد من مسرحية "كاسك يا وطن""غوار: في حدا بدو يضيّق لي خلقي ويكرّهني عيشتي, لأرحل عن وطني, ما بعرف مين هذا الحدا, من برّة من جوّة والله ما بعرف. بس مين ما كان يكون هذا الحدا, أنا ما بقدر أرحل عن الوطن أنا بدوخ بالطيارة يا أخي, ثم لنفرض إني أنا بعدت عن الوطن ورحلت عنه لبعيد, بس مشكلتي أنه الوطن ما بيبعد عني, بيضل عايش فيّ من جوّة وين بدي أهرب منه؟ وين؟ ( تصفيق حاد) لذلك بدي ضلّ عايش فيه غصب عن اللي ما بدّه, طالما عم بقدر احكي يلي بدي ياه مارح أيأس وبدي ضل أصرخ للغلط غلط بعينك, وبدّي أعمل ثورة بالبطحا, واشرب كاسك ياوطني على رواق, بدي أشرب كاس عزك, ولسّه بدي أكتب اسم بلادي على الشمس اللي ما بتغيب"] أحمد علي الزين: ولمن لا يعرفه, أو لمن يرغب أن يتذكّر هذا الشاعر هو الذي كتب للمسرح والسينما روائع هامة، كالمهرج, والتقرير, والحدود, غربة, وضيعة تشرين, وكاسك يا وطن, وسوى ذلك من الأعمال، وقد جمعته بعض تلك الأعمال بدريد لحام لسنوات طويلة، وجمعت حولهما جمهوراً كبيراً في أكثر من مكان عربي، وللذين تسنَّى لهم أن يشاهدوا تلك الأعمال أعتقد أنه من الصعب أن تخبو ومضاتها في باله.

الماغوط ودريد لحام


http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_start.gif محمد الماغوط أنا بعتبره خزان فرح, وخزان وجع، خزان ألم وأمل بنفس الوقت http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_end.gif دريد لحام


أحمد علي الزين: كيف كانت.. يعني كيف بلّشت العلاقة مع دريد؟ وكيف انتهت؟محمد الماغوط: هي ما انتهت الحقيقة..أحمد علي الزين [مقاطعاً]: بس مرت فترة هيك فتور ومشاكل.محمد الماغوط: هي المهرّج كانت إلو، أول شيء كنت عم بكتبها إلو، بعدين بدّو يتدخّل هوّ قلتلّه لأ..أحمد علي الزين [مقاطعاً]: يتدخل في كتابة النص؟محمد الماغوط: يعني أيوة بالشخصيات والهي، بعدين بحرب حزيران.. بحرب تشرين عملنا ضيعة تشرين, وبعدها غربة, وبعدها كاسك يا وطن, وبعدها شقائق النعمان، وعملتلّه للتلفزيون: وادي المسك، ووين الغرام؟ وبالسينما: الحدود والتقرير.أحمد علي الزين: طيب شو سبب الخلاف لاحقاً؟محمد الماغوط: الخلاف يعني كان عنده غرور، وفيه ناس دخلوا عالخط، شايف كيف؟أحمد علي الزين: في تخريب العلاقة.محمد الماغوط: إي.. إي..ليه يعني؟ لشو النص .. أنت بتطلع عالمسرح بتكفّي.[مشهد من مسرحية"غربة"] دريد لحام (مسرحي): محمد الماغوط أنا بعتبره خزان فرح, وخزان وجع، خزان ألم وأمل بنفس الوقت، وبسبب شاعرية كلمته بخليك غصباً عنك تكون شريكه بكل هدول، فـ.. بقولوا إنه المحبة بالمحبة بتُوْسَع المطارح, بتصير المطارح أوسع, مشان هيك قلب الماغوط واسع الوطن كله بكل فرحه وبكل حزنه. تجربتي معه كانت تجربه كتير.. كتير غنيّة، طبعاً جاءت فترة اختلفنا أنا وإياه بس حتى لما اختلفنا بالرأي ظل حبيبي, وظل صديقي, وظلّ بالنسبة إلي الشاعر الأهم, والكاتب الأهم. [فاصل إعلاني]
أحمد علي الزين: يقول بدون النظر إلى ساعة الحائط أو إلى مفكرة الجيب أعرف مواعيد صراخي، لا شيء تغيّر أيها الشاعر البري منذ صرختك الأولى يوم ولدت في شتاء يبعد عن صرختك الآن سبعين سنة، لا شيء تغيَّر سوى أن الجدران تعلو بين صراخك وآذان العالم، وسخريتك تعلو والطفل الذي فيك يشاغب ويحاول تسلق تلك الجدران، لا شيء تغيَّر سوى أن احتجاجات محمد الماغوط أخذت أشكالاً أخرى على فظاعة الظلم والهوان.


مصادر العيش في الشيخوخة


أحمد علي الزين: طيب، هلأ كيف بتعيش حياتك أستاذ محمد حالياً يعني أنه شو مصادر عيشك مصادر مصادرك المالية؟ الكتابات بتكفي؟ محمد الماغوط: إي يعني أولاً .. يعني هيّ لأ ما بتكفي، لك ممكن يعني الواحد هيّ شايف كيف، عندي تقاعدي.. أحمد علي الزين: كنت موظفاً.. محمد الماغوط: إي متعاقد أنا مع .. وانحلت عالتقاعد بعدين الرئيس بشار الأسد خصصلي راتباً مدى الحياة.أحمد علي الزين: حلو..محمد الماغوط: هي شغلة.. وكتبي بتطلّعلي.. وهيك مناسبات متل مناسبتكن مناسبة كذا..أحمد علي الزين: نحن مناخذ منك. طيب أستاذ محمد مين من اللّي هيك تعاملت معهم على مستوى النص المسرحي وأضافوا للنص شيئاً, يعني أضافوا له بعداً جمالياً آخر..محمد الماغوط: ما حدا لأ ما حدا.أحمد علي الزين: يعني المخرجين ما كانوا لهم أبعاد جمالية؟ محمد الماغوط: لأ وأنا مثلاً ما بحط توقيعي عالنص إلا ما بكون شربان 200 لتر ويسكي, ومدخن 20 ألف كروز دخان.. ما بعطيه هيك يعني أنا..أحمد علي الزين: يعني بتصرف بنزين منيح عليه؟محمد الماغوط: مهما كان يكون مثلاً, يعني لذلك أنا .. هاي المهرج مثلاً دريد.. يعقوب حرف ما شالوا ولا رقم.. أبداًأحمد علي الزين: ما بشيلوا..يعقوب الشدراوي (مخرج مسرحي): الماغوط أنا أخرجت له مسرحية ثانية هي المرسيلياز العربي, والمرسيلياز العربي اللّي اليوم الماغوط ما شافها, ولا حدا لعبها غيرنا لأنه مكتوبة على الدفتر, والدفتر يمكن كان مع انطوان كرباج بعده.


طقوس الكتابة ومصادرها


http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_start.gif ليس لي أوقات, ولا أكتب على طاولة, بحياتي ما كتبت على طاولة, بكتب على ركبتي http://www.alarabiya.net/assets/ar/images/quote_end.gif


أحمد علي الزين: بالشخصيات اللّي هيك كنا نشوفها بهالأعمال أنت يعني كيف كنت تركّبها, من وين بتستوحيها..محمد الماغوط: من الحياة..‌أحمد علي الزين: بتضيف من هذه الشخصية إلى تلك.محمد الماغوط: إي إي.. بطوّر عليها.. ما بكتب شي أنا .. ما فيه شيء كاتبه إلا إلو في ظل بالواقع أحمد علي الزين: يعني إنت مثلاً بتراقب الحياة اليومية في الشارع؟محمد الماغوط: ايه عايشها.أحمد علي الزين: كنت تعطي وقت؟محمد الماغوط: أوه كل حياتي للحياة.أحمد علي الزين: بتعطي وقت بتراقب الناس في الشارع, طيب على سيرة الكتاب أنت.. أين ومتى تكتب؟محمد الماغوط: ما لي أوقات, وما بكتب على طاولة, بحياتي ما كتبت على طاولة, بكتب على ركبتي.أحمد علي الزين: دفتر وقلم رصاص؟ محمد الماغوط: مو رصاص القلم العادي, بحب القلم يكون جميل, والدفتر أنيق, وعلى ركبتي بكتب, كل شي كتبته بعمري علي ركبتي.أحمد علي الزين: وبس تاكل وإنت وصغير كنت تحط الرغيف على ركبتك؟محمد الماغوط: إي طبعاً. أحمد علي الزين: يعني مثل الأكل الكتابة يعني.محمد الماغوط: إي طبعاً..أحمد علي الزين: بدنا ننتقل لموضوع هيك شراكة الحياة, إنت فقدت شريكة حياتك..محمد الماغوط: إي سنية صالح.. أحمد علي الزين: سنية صالح, كانت شاعرة وناقدة.محمد الماغوط: شاعرة وإنسانة عظيمة.أحمد علي الزين: يعني فينا نقول هي كانت آخر الأصدقاء الذين كنت تبوح لهم بهمك وبفرحك وبأسرارك. محمد الماغوط: إي هي هية..أحمد علي الزين: بعد منها ما عاد فيه أصدقاء.محمد الماغوط: صار علاقات هيك عابرة وكذا, لكن متل بقلّها بسياف الزهور: كلهم نجوم عابرة في السماء.أحمد علي الزين: طيب مسافة طويلة هيك بالحياة سبعين سنة ممَّ كنت تخاف؟ وعلى ماذا كنت تخاف؟محمد الماغوط: ليك عمري ما كرهت حدا كراهية..أحمد علي الزين: مش على الكراهية على الخوف. مم كنت تخاف؟محمد الماغوط: من كل شي. أحمد علي الزين: كنت تخاف من كل شي، يعني عندك حذر تجاه الآخرين. محمد الماغوط: بخاف من العصفور.أحمد علي الزين: وبتحبه للعصفور.[[[بحب الزهرة, وبخاف من الزهرة، دائماً أمامي سؤال: نسر خائف، نسر خائف، أم فأر مطمئن؟]]]محمد الماغوط: بحب الزهرة, وبخاف من الزهرة، دائماً أمامي سؤال: نسر خائف، نسر خائف، أم فأر مطمئن؟ أحمد علي الزين: طيب عندما ترى الآن يعني بعين اليوم إلى السلمية أمس وقت كنت صغيراً يعني لمين بتحن؟ لمين بيجرفك الحنين؟ لأي شخص؟ لأي مكان.. محمد الماغوط: كتار يعني كتار اللّي.. رفقات الطفولة هدول. أحمد علي الزين: بتشتقلهن محمد الماغوط: إي بشتقلن كتير, بس هلأ يعني اللّي هاجر, اللّي مات, اللّي انسجن, اللّي..أحمد علي الزين: طيب على مستوى السياسة مين هيك مرق بعالمنا العربي من نجوم سياسية أعجبت فيها بتجربتها بفكرها. محمد الماغوط: ما.. ما حبيت السؤال. أحمد علي الزين: ما حبيت السؤال؟ وأنا ما حبيت الجواب..[يضحكان] طيب بسياف الزهور أيضاً مثل ما بلّشنا بالبداية تحب الشيء ونقيضه, ليه؟ محمد الماغوط: بحب المفارقات بالحياة بتلفت نظري, شفت كيف؟ النسر – الفأر, القمة الحضيض شفت كيف؟ الربيع الخريف, يعني.. وأمثالها.. أحمد علي الزين: وأنت..محمد الماغوط: وأنا باعتبار مالي مثقف, ما مُطَّلع، ما عندي لغات, ما عندي كذا, فشايف كيف؟ بحب الصورة. يعني أنا بكل شعري هيّ الصورة اللّي بتلفت النظر. أحمد علي الزين: وأنت يعني في هذه المفارقات وين بتعيش؟ محمد الماغوط: نعم.أحمد علي الزين: [معلياً صوت] وين بتعيش بهالمفارقات؟محمد الماغوط: شخصية وحدة, أنا إذا كنت عاشقاً, أو حاقداً, أو طفراناً, أو ممتلئاً, أو شي, أنا ما بغيّر, ما بغيّر ولا ببدّل. أحمد علي الزين: طيب إذا بدي أسألك سؤال إله علاقة بالسياسة هيك إذا بدنا نعمل قراءة للمشهد العربي اليوم بتقديرك شو هي الأسباب اللّي أوصلتنا لهذا الـ..؟محمد الماغوط: هو مو ببكّي وهديك الكلمة كمان..أحمد علي الزين: ليه صار فينا هيك؟محمد الماغوط: نعمأحمد علي الزين [بصوت أعلي]: ليش صار فينا هيك؟محمد الماغوط: ما فيه حرية عنا, الإنسان العربي عمره ما عرف وين هي الحرية. أحمد علي الزين: عمره تاريخياً!!محمد الماغوط: بتاريخ حياته ما عرفها, دائماً هناك من يتكلم وعلى الآخر عليه أن يسكت ما في نقاش.أحمد علي الزين: من أجل ذلك أنت كتبت الحوار..محمد الماغوط: أبداً.. أبداً.. أحمد علي الزين: لجأت للحوار.محمد الماغوط: يعني هلأ يعني أهمية المسيحية كلها, بداية لما بطرس قلّن قال الرب أو قال المسيح ما بعرف مين قلّوا، بطرس يمكن اللّي قلّو، قلّو أنا بدي قول كمان. أحمد علي الزين: أنا بدي قول كمان! محمد الماغوط: بدون حوار, أسوأ.. أسوأ.. أسوأ ديمقراطية في الدنيا أهم من أعدل دكتاتور.أحمد علي الزين: قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر, أنني أرفع سبابتي كتلميذ طالباً الموت أو الرحيل, ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة من أيام الطفولة وأريدها الآن, لن أصعد قطاراً, ولن أقول وداعاً ما لم يعدها إلي حرفاً حرفاً ونقطةً نقطة, وإذا كان لا يريد أن يراني أو يأنف من مجادلتي أمام المارة فليخاطبني من وراء جدار ليضعها في صرة عتيقة أمام عتبة ما, أو وراء شجرة ما, وأنا أهرع لالتقاطها ما دامت كلمة الحرية في لعبتي على هيئة كرسي صغير للإعدام..يعقوب الشدراوي (مخرج مسرحي): يا محمد الماغوط بيقولوا لي بعدك شبّ, صار زمان ما شفتك .. من السبعينات, أنا ما بقيت شب ما بعدني شبّ, يمكن منشان هيك بعده عقلي ظاهر بمسرحية المهرج, [يقبل يده] طيري على الشام والزقي بجبهة محمد الماغوط.أحمد علي الزين: هذا الشاعر البري, هذا المتسكّع, والشريد في بداياته, هذا الصعلوك النبيل أو الفطري الصادق, الفريد في نصه لكأنه يحمل في جسده السبعيني كل شقاء السنين, وصخب الأطفال, وفي عينيه كل الدموع, وكل الفرح وفي صوته الأجش الذي جعله التبغ أكثر جرشاً يحمل كل صراخ أطلقه الإنسان من جوع أو تعذيب أو ظلم, في غرفته في عزلته يبقى مشحوناً برغبة الحياة يردد ساخراً: أيها المارة أخلوا الشوارع من العذارى والنساء سأخرج من بيتي عارياً وأعود إلى غابتي.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 11:45 AM
محمد الماغوط

وداع الموج

http://saddana.com/up/images/pwcm69rhs7bdz1yk4b1y.jpg




في المرافئ المزدحمة ، يلهثُ الموج

في قعر السفينة يتوهجُ الخمر

وتُضاء النوافذ ،

والزبد الحريري يرنو إلى الأقدام المتعبه

ويتناثر على الحقائب الجميله

هنا بيتي ، وهناك سروتي وطفلي .

ابتعدي أيتها السفنُ الهرمه ،

يا قبوراً من الأجاص والبغايا

عودي إلى الصحراء المموجه

والقصور التي تفتح شبابيكها للسياط

. . .

إنني أتقدم في ضجة الميناء

أبحث عن محرمة زرقاء وامرأةٍ مهجورة

أرسل نحيبي الصامت

نحو الشارع القديم ، والحديقة المتشابكه

يدي تلوح للنهدين المتألقين تحت الأشجار

للأشعار الميتة في فمي .

. . .

سأبكي بحرارة

يا بيتي الجميل البارد

سأرنو إلى السقف والبحيرة والسرير

وأتلمس الخزانة والمرآة

والثياب البارده

سأرتجفُ وحيداً عند الغروب

والموتُ يحملني في عيونه الصافيه

ويقذفني كاللفافة فوق البحر .

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:18 PM
الجزيرة توك في منزل الراحل الكبير محمد الماغوط

http://www.youtube.com/watch?v=Y8Babyl-edI

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:26 PM
محمد الماغوط

مدرجات رومانية

http://saddana.com/up/images/t2eik6xux52xgkipqa24.jpg


1

لم يبقى من أجراس الثورة سوى الصدى

ولا من جواد الشعر سوى اللجام

ولا من طريق الحرية، سوى الحواجز الثابتة والطيارة

لقد قضيت طفولتي وشبابي، ومسيرة الحرية والتحرير كلها،

بين البنادق والرشاشات، والسلاسل، والدبابات، والمجنزرات،

والدوريات المؤللة، والمجوقلة وكل خطوة والثانية:

قف: هويتك

قف: أوراقك

قف: جواز سفرك

قف: ماذا في حقيبتك؟

قف: ماذا في جيوبك؟

قف: ماذا في فمك؟

قف: إلى أين أنت ذاهب؟

قف: من أين أنت قادم؟

وكلما أردت القفز عن هذا الواقع، لا أقع إلا في النظارة!

***

نعم دخلنا القرن الحادي والعشرين

ولكن كما تدخل الذبابة غرفة الملك!

2

مستقبل العراق مظلم

مستقبل فلسطين مظلم

مستقبل الحرية مظلم

مستقبل الوحدة مظلم

مستقبل التحرير مظلم

مستقبل الاقتصاد مظلم

مستقبل الثقافة مظلم

مستقبل الحب مظلم

مستقبل الطقس مظلم

وفوق ذلك:

هناك تعتيم إعلامي

وتعتيم سياسي

وتعتيم عسكري

وتعتيم اقتصادي

وتعتيم ثقافي

وفوق ذلك انقطاع التيار الكهربائي كل نصف ساعة،

ومع ذلك لا يتحدثون في هذه الأيام سوى عن الشفافية!

3

أخذوا طريقتي في التكسع، واعتمار القبعات

وإشعال اللفافة ونفث الدخان،

وتذمري من المتسولين، وطالبي الإحسان

وأسلوبي في التحيات والرد عليها

وغضبي من الشكاوى العامة

والضحك بصوت مرتفع

ثم طريقتي في احتضان البار

وإدارة ظهري للجميع

والتصفيق للنادل

وعدد الكؤوس التي أشربها

ومقدار الحثالة التي أخلّفها.

ثم أخذوا طاولتي في المقهى

وطقوسي في الكتابة

وحجم الدفاتر التي أستعملها

ولون الحبر الذي أكتب به

والآن.. يريدون يدي

مع تجاعيدها

ووشم الغزال القديم عليها!

4

أيها الحدادون

أيها النجارون

أيها الحجارون

أيها البواقون في الاستعراضات العسكرية

أيها الطبالون في الفرق الكشفية

أيها المسحّرون في الأحياء الشعبية

أيها الباعة المتجولون في الأسواق التجارية

أيتها النساء المتلاسنات من نافذة لنافذة

يا سائقي السيارات والشاحنات

يا شرطة المرور

يا مشجعي المباريات الرياضية

أيها الخطباء والهتافون في المواطب الرسمية

أيها المشفطون بسيارتهم صباح مساء

أخفضوا أصواتكم

وأصوات صفاراتكم وأبواقكم ومطارقكم

تخاطبوا همساً

وسيروا على رؤوس أقدامكم

فالوطن يحتضر!!

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:32 PM
محمد الماغوط

سرير تحت المطر

http://saddana.com/up/images/260ipc3zg1tszi6itfy.jpg



الحبُّ خطواتٌ حزينةٌ في القلب

والضجرُ خريفٌ بين النهدين

أيتها الطفلة التي تقرع أجراس الحبر في قلبي

من نافذة المقهى ألمح عينيك الجميلتين

من خلال النسيم البارد

أتحسَّسُ قبلاتكِ الأكثر صعوبةً من الصخر .

ظالمٌ أنت يا حبيبي

وعيناك سريران تحت المطر

ترفق بي أيها الالهُ الكستنائي الشعر

ضعني أغنيةً في قلبك

ونسراً حول نهديك

دعني أرى حبك الصغير

يصدحُ في الفراش

أنا الشريدُ ذو الأصابع المحرقه

والعيونُ الأكثر بلادة من المستنقع

لا تلمني إذا رأيتني صامتاً وحزيناً

فإنني أهواك أيها الصنمُ الصغير

أهوى شعرك ، وثيابك ، ورائحة زنديك الذهبيتين .

. . .

كن غاضباً أو سعيداً يا حبيبي

كن شهياً أو فاتراً ، فإنني أهواك .

يا صنوبرةً حزينة في دمي

من خلال عينيك السعيدتين

أرى قريتي ، وخطواتي الكئيبة بين الحقول

أرى سريري الفارغ

وشعري الأشقر متهدلاً على المنضده

كن شفوقاً بي أيها الملاك الوردي الصغير

سأرحلُ بعد قليل ، وحيداً ضائعاً

وخطواتي الكئيبه

تلتفت نحو السماء وتبكي .

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:37 PM
محمد الماغوط

جناح الكآبة

http://saddana.com/up/images/0vlv2qsa21pbwcz124b.jpg

مخذولٌ أنا لا أهل ولا حبيبه

أتسكعُ كالضباب المتلاشي

كمدينةٍ تحترقُ في الليل

والحنين يلسع منكبيّ الهزيلين

كالرياح الجميله ، والغبار الأعمى

فالطريقُ طويله

والغابةُ تبتعدُ كالرمح .

. . .

مدّي ذراعيك يا أمي

أيتها العجوزُ البعيدةُ ذات القميص الرمادي

دعيني ألمس حزامك المصدَّف

وأنشج بين الثديين العجوزين

لألمس طفولتي وكآبتي .

الدمعُ يتساقط

وفؤادي يختنق كأجراسٍ من الدم .

فالطفولة تتبعني كالشبح

كالساقطة المحلولة الغدائر .

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:40 PM
الناقد صبحي حديدي عن الشاعر الراحل محمد الماغوط



http://www.youtube.com/watch?v=3EgXbfWrqRI

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:50 PM
نقد ادبي: مسرحية المهرج: لمحمد الماغوط.. دراسة نقدية في البنية والمفهوم:

خالص مسور


http://saddana.com/up/images/vl4s8cguks0kvxwh1yw.jpg


المسرحية تتألف من ثلاثة فصول 1- 2 – 3 . حيث جاء العنوان (المهرج) مناسباً لجزء من موضوع المسرحية وليس كلها، حيث يمثل المهرج البطل الثاني للمسرحية التي تثير دينامية الحدث ومحاربة الفساد والمفسدين في الأرض واستعادة الأراضي العربية المغتصبة، والدعوة إلى التغيير والبناء والتجديد والتطوير، ضمن حقول المتاهات المينوتورية للسياسات العربية الراهنة. حيث نرى المهرج يقف دوماً إلى جانب من يريدون التطوير والتغيير ويناصر بطل المسرحية الأساسي (صقر قريش) وهوالشخصية التاريخية التي استدعاها الماغوط من أعماق التاريخ العربي ليكون بطلاً لمسرحيته الأول(المهرج)، وصقر قريش هو المدعو عبد الرحمن الداخل والذي تصفه المصادر العربية بالحنكة والشجاعة والإقدام، وهو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عام 755م وكانت دولة قوية راسخة الجذور مزدهرة الأركان والركائز.

تعالج مسرحية المهرج موضوعاً يتكرر الحديث عنه كثيراَ في حياة الشعوب العربية في هذه الأيام، ألا وهي قضية الإستبداد و ضياع فلسطين وأجزاء من الأرض العربية وبيعها للأعداء بأبخس الأثمان والأسعار.
صقر قريش: ......جئت أسألكم كيف أضعتم فلسطين والأندلس واسكندرون.
هكذا يتساءل صقر قريش بمرارة حكام العرب الذين يمارسون الاستبداد على شعوبهم وبنائهم لبطانات السوء التي لاتمل ولاتكل من الرشوة والمحسوبيات وقمع الناس واضطهادهم، والإكثار من إطلاق الشعارات البراقة في الوطنية والدأب في التشكيك بوطنية الآخرين وتخوينهم كما في قول المدير:
المدير: .......ليس كل من ادعى الوطنية هو وطني، معظم الذين نقبض عليهم على الحدود يتظاهرون بالوطنية.
فيراها الماغوط شعاراتاً زائفة يطلقها أناس مستعدون لأن يبيعوا حتى الوطن وما فيه، بل التاريخ العربي كله إذا اقتضت مصالحهم الشخصية ذلك. حيث نرى كيف أن أحد المسؤولين العرب يساوم المسؤول الأسباني على بيعه حتى بطل الأمجاد العربية صقر قريش ذاته بثمن بخس.
المسؤول(العربي): إلى الجحيم، لن يذهب صقر قريش رخيصاً، ثلاثون ألف طن كلمة أخيرة.
المسؤول العربي( للمسؤول الأسباني): مبروك. أي لقد تمت صفقة بيع الصقر.
وهذه – على العموم- فكرة من الأفكار الأساسية للمسرحية.
ولكن المسرحية ورغم شاعرية الماغوط وأفكاره الحداثية والإصلاحية والإنسانية النيرة، ألا أنها جاءت مقترنة بشيء من العصبية القومية، وبإسلوب يفتقر إلى الإيحائية المقترنة بالرمزية، بالإضافة إلى نغمة التقريرية والمباشرة وخلوالمسرحية من الإيحاءات والغمز واللمز، وبإكليل من المباشرة والتقليدية والتبسيطية المبتذلة والتسطيح في المعالجة والطرح والتقديم، لموضوع يتكرر بمعانيه المطروحة في الطريق يعرفها القاصي والداني والبدوي والمدني على حد تعبير الجاحظ، كما في هذه المقولة المكرورة إجتماعياً للممثل الثاني:
الممثل الثاني: ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر(تصفيق).
ومن هنا، فإن الماغوط في قراءاته المسرحية لم يفلح في إثارة الدهشة لدى القاريء ومنحه فرصة للتأمل والتفكير، وهو ما أفقد المسرحية الكثير من عناصر التشويق والإثارة، بل قد انعكس الأمر سلباً على موضوع المسرحية وخلق إرباكات مملة في ذهنية المشاهد، أي لم تفلح المسرحية في الخروج من المألوف والمطروق، كما لم تفلح فكرة المسرحية رغم الثورية والتحريض في جذب المشاهد أليها، اللهم إلابإدخال المشاهد في حالة من التململ والملل والإرتباك النفسي فقط، نظراً لرتابة المعالجة المسرحية ومشاهد التكرار اليومي في مثل هذه الأمور التي مل منها المشاهد حكياً وثرثرة دون فعل وإنجاز. ولكن أنقذ الماغوط ولو قليلاً رتابة موقفه المسرحي ولو للحظات، وذلك بلجوئه إلى خلق مفارقة قيمية صارخة، تمثلت بالنهاية التراجيدية لبطل المسرحية الأساسي وهو صقر قريش الذي بيع بثمن بخس لأعدائه من قبل أحفاده. بينما بقي الحفيد البائع يجول ويصول لبيع ما هو آت وأغلى وأثمن.
والمشكلة التي أوقع الماغوط نفسه فيها هنا هو، أنه لجأ إلى إسقاطات تاريخية غير موفقة في معالجته لقضية الإستبداد في البلاد العربية، وذلك حينما أسقط شخصية تاريخية استبدادية قديمة على شخصيات حديثة يراها هواستبدادية مثلها، ولهذا فشخصية بطل المسرحية صقر قريش الأرستقراطية مثلاً، تكون باعتقادنا غير مؤهلة لاتخاذها قدوة لمحاربة الإستبداد واستعادة الأراضي العربية وبعث الديموقراطيات الحديثة للبلدان العربية، وبالتالي فهو إسقاد غير موفق بكل المعايير الفلسفية والأدبية، فشخصية كصقر قريش أو عبدالرحمن الداخل الأموي كانت ترفض في عهدها حتى العمل بالشورى الإسلامية ذاتها، خاصة إذا ما تعارضت هذه الظاهرة الديموقراطية مع حكمه لمملكته. ومعروفة للقاصي والداني النزعة الإستبدادية التي كانت للخلفاء الأمويين وإحراقهم كتب ابن رشد الفلسفية وظلمهم للبلاد والعباد. ونرى إن البطل الأنسب للمسرحية هنا وبعيداً عن التعصب القومي هو واحد من اثنين إما عقبة بن نافع، أو طارق بن زياد، وأرجح الأخير لأنه فاتح الأندلس وموسع أملاك الخلافة الإسلامية وواحد من عراب أمجادها، ولأنه مذكور اسمه في المسرحية ولذا فهو الذي يجب استدعاؤه من التاريخ العربي، ليرى كيف ضاع ملكاً كان قد فتحها بالسيف يوماً ما، هذا الملك الذي ضاع بين عشية وضحاها على مذابح إهواءات ملوك الطوائف وصراعاتهم البينية الأليمة، كما ضاعت فلسطين على أيدي البعض من حكام العرب اليوم.
لاسيما وأن صقر قريش ذاته وهو بطل المسرحية قد عمد إلى تقسيم الخلافة الإسلامية وتفريق كلمة المسلمين بعد توحد كما سنرى بعد قليل. وفي لقطة اخرى يبدو الماغوط هنا داعية حرب لاسلام، فيدعو الى دق طبول الحرب على لسان مهرجه ودون استعداد كامل لها. حيث يخاطب المهرج صقر قريش الذي أودع السجن فيقول:
المهرج: (....... لو قدر لك أن تخرج حراً من هنا، وهذا لن يحدث أبداً وترى خلف الجدار من خوف وجوع ولامبالاة، وما يتراكب في خنادق الحرب من الغبار وبول المارة.....). وفي قول صقر.
صقر قريش: فإلى السلاح أيها العرب.
وهنا دعوة صريحة إلى الحرب ومحاولة ربما بريئة لإدخال العرب في مواجهة مع أعداء شرسين كأمريكا وإسرائيل مثلاً مع ما تملكانه من أعتى أسلحة الدمار الشامل وفي ظروف غير مواتية لخوض الحرب. ومن هنا فإن استدعاء شخصية استبدادية رغم دورها المتميز في التاريخ العربي حتى يستعيد الأمجاد العربية وليكون شاهداً على ما فعله الأحفاد في ميراث الأجداد، لهي طريقة غير مجدية وغير سليمة للدعوة إلى التقدم والتحرر ومحاربة الإستبداد والفساد، كما أنها دعوة غير مناسبة للتغيير والتحديث على الإطلاق. بل أرى أن الكاتب يقع هنا في تناقض معرفي كبير في أدواته النقدية الثقافية والتأسيسية وبدا كمن يستنجد من الرمضاء بالنار.
وهكذا، وبتوظيف الماغوط غير المناسب لهذه الشخصية الإستبدادية والتركيز على ناحية قومية ضيقة المحتوى لاتتناسب وما جيء بها من أجله، أي دعوتها لتحرير الأرض العربية وهي متسلحة بنفس عقلية القمع والإستبداد، وبشخصية يعتقد الماغوط أن الأرض العربية قد خلت من محررين من أمثالها، مما يجعلها شخصية غير مؤهلة للتغيير واستعادة الأمجاد، لعدم خلوها من الاستبداد وعدم امتلاكها روح المرونة والديموقراطية والحرية، ودون خطط ورؤى واستشراف للمستقبل، أودون محاولات المرور بمرحلة تقيمات وإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية...الخ. أي ترك الماغوط الأمورعلى عواهنها لهذه الشخصية الكاريزمية التي ما خلت يوماً من سيرة الإستبداد بالإضافة إلى أنها فرقت العرب قبل أن تجمعهم، فهي التي قسمت العرب والخلافة العباسية إلى قسمين عباسي في بغداد وأموي في الأندلس بعد أن كانت خلافة عباسية واحدة ومزدهرة. ومن هنا نقول، لم يوفق الماغوط في توظيف بطله القومي في مسرحيته غير الشيقة والركيكة شكلاً ومضموناً.
ولكن بدا الماغوط يسعف مسرحيته مرة بعد أخرى بشيء ليس بالقليل من الأمل والتفاؤل، كما في الفقرة التي يؤكد فيها صقر قريش إيمانه الذي لايتزعزع بأحفاده العرب الآتين مستقبلاً، ولكن دون أن يبين السبيل الأنسب لأن يكون هؤلاء الأحفاد أهلاً لهذه الثقة المفرطة فيقول.
صقر قريش: (.........قد تتزعزع برج بابل من أساسه، وتنهار جبال الكون من جذورها. ولكن ثقتي بهذه الأمة لن تتزعزع.. وإيماني بهؤلاء الأحفاد لن تنهار.). وكذلك في قوله:
صقر: والعربي أشجع إنسان في التاريخ.
وفي النهاية نقول: رغم ما عرف به الماغوط من إنسانية وحب للخير ألا ان مسرحيته(المهرج) تفوح منها نسائم التعصب للقومية والتراث القومي العربي ولو بشكل عفوي، وبه أدخل الماغوط مسرحيته الهادفة في متاهات المشاكلة دون الإختلاف حسب التعابير الحداثوية اليوم، والمشاكلة تعني فيما تعنيه السكونية والإجترار والإنتصار للتراث والقديم دون الحداثة والتحديث. وهو ما أظهره الماغوط في مسرحيته بحنينه النوستالجي إلى الأمجاد العربية، واستدعائه الشخصيات التاريخية المستبدة للعمل في بناء وتحديث وتطوير البلاد العربية، وإنقاذها من أيدي الأحفاد الذين باعوا في نظره حتى وطنهم وتاريخهم، ولكن دون أن يظهر من كلامه، مايدل على ممهدات لمراحل هذا التحديث والبناء في بنية الكيان السياسي العربي، أي هنا دعوة إلى استعادة أمجاد هذه الأمة العريقة بشكلها الصقر قريشي القديم. ورغم مكانة شخصية صقر قريش في التاريخ العربي الإسلامي، إلا أن الماغوط لجأ إلى في معالجة موضوعه المسرحي، إلى إسقاطات تقليدية خاطئة للأوضاع السياسية والإجتماعية للبلاد العربية، لأن هذه البلاد لا تحتاج إلى صقر قريش ليحررها، بل أن هذه البلاد تعج اليوم بمن هم من أمثال صقر قريس نفسه، إن لم يكونوا أشجع وأذكى وأكثر إنسانية ومرونة منه، ولكن لم تسعفهم الظروف للظهور أمام الملأ لأسباب شرحها الماغوط نفسه.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 02:58 PM
تاريخ النشر : 2006-04-05
http://images.alwatanvoice.com/writers/2127265406.jpg
[/URL] [URL="http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2006/04/05/41651.html"] (http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2006/04/05/41651.html)
الماغوط يرحل مع "شقائق النعمان"

هو حزن على الشاعر و الكاتب الكبير "محمد الماغوط" إذ يرحل مع "برقوق نيسان" ....هو الشعور بخسارة مبدع عربي كبير, فارس قصيدة النثر العربية, التي ارغمت العموديين و العروضيين التقليديين على الاعتراف بدور الماغوط و قيمته الكبيرة كشاعر رائد, جعلَ من نثره الخاص المتألق شعراً خالداً زاهيا, ينتصب قامة شامخة, تدير مدرسة إبداعية منتشرة, كان عشقه و إخلاصه لوطنه, يزادد مع كل صيحة للمفارقات يطلقها في كتاباته"سأخونك يا وطني"

هو "حزن على ضوء القمر", و حزن آخر على مشهد من قصيدة حديثة, تغمس جرحها المرسل في أضواء الديار المعرضة لكل أنواع القهر و الهجمات الذئيبة و القمع و الحصار و التخلف, و خنق أنوار الحقوق العربية من فلسطين إلى العراق, إلى سائر أمصار الأسى و الصبر و العنفوان.

مع نيسان يرحل"و شقائق النعمان" تورق في نيسان.. عشرات القادة من الفلسطينيين عانقوا الشهادة في فصل الزهور و اليخضور, من أمثال, الشاعر و المناضل الكبير كمال ناصر و القادة الكبار, خليل الوزير"أبو جهاد", و يوسف النجار و كمال عدوان و الدكتور عبد العزيز الرنتيسي و سواهم من كواكب خالدة في مسيرتنا النضالية, بعد أن جرى اغتيالهم على أيدي الصهاينة الهمجيين المتوحشين, قاتل الربيع في ضلوعنا العربية, الممتدة من الماء إلى الماء.

كان الشاعر يدعونا , في مسرحيته مع الفنان الكبير دريد لحام, إلى شرب كأس الوطن.. و كانت هذه الكأس الوطنية-في الثمانينات زمن عرض المسرحية الشهيرة- مليئة بالغصات و المواجع, فماذا نقول في وقت الحملات المسعورة على أمتنا أيها الراحل الكبير؟ بماذا نحدث كأسنا التي أصبحت بساحة خريطة نازفة؟ يا لهذا الكأس الذي فاض بصرخاتنا.. بآلام شعبي العراق و فلسطين..بالمرارة التي تحس بها سوريا حين يتهارب الأشقاء عن نصرتها و تُحاك ضدها المؤامرات..

كأسك يا ماغوط نشربه على القذا! لأنه كأس الوطن الحبيب..و سنتخيله حلو المذاق و نحن على علقم في جرعات هذا الوقت الأرعن و ساعاته المدلهمة.

و" الغربة" يا محمد الماغوط, تتطاول وز تمتد في دواخلنا و بين الأهل و الخلان و في جوار السلطة, ماذا نقول للغربة يحس بها الإنسان العربي دخل مسقط همه.. و يكابر؟

عندما شاهدت مسرحيات الراحل الكبير الماغوط قلت" سوداوية! هو مسرح اللامعقول..! أيمكن أن يلجأ المواطن العربي إلى بيع أطفاله.. بسبب الفقر و الجوع و المرض؟لكن الوقائع الدامغة الكئيبة دلَّت على بعد نظرك و دقة تشخيصك لأمراض العربان في أزمان و أز مات الانبطاحات المتتالية...

كان الماغوط على حق في وصفه لمكابداتنا و سوء أحوالنا في المواقف و المبادرات و الأخذ بأسباب النهوض و التقدم و مغادرة كهوف الهوان و التحجر..

لقد شعرت بالرعب حين أبدى أحد أبطال مسرحيته خشيته من مجىء يوم تُقرا فيها الفاتحة-و لا سمح الله- بالعبرية..كان لخوفك يا ماغوط من هذا المصير الأسود القاتل, ألف مبرر و سند و لكننا لن نسمح لهم..أبطال المقاومة العربية الباسلة لن يسمحوا بمرور المزيد من الفواجع..

لك الرحمة الواسعة من العلي القدير , لك الخلود أيها الشاعر و الكاتب الكبير, محمد الماغوط.

سليمان نزال
دنياالراي

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:03 PM
مسرحيه شقائق النعمان

http://www.youtube.com/watch?v=50lqeCpAfVM&feature=related

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:14 PM
شقائق النعمان و أطفال الحجارة- دريد لحام


http://www.youtube.com/watch?v=iH8hW_z6aPM&feature=related

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:18 PM
قالوا عن الماغوط
منقول

الماغوط
أسير بلا نجوم ولا زوارق
عمر شبانة

أولاً: هذا الملف
بداية، نسأل: محمد الماغوط الآن.. لماذا؟
هل ثمة مناسبة تقضي بنشر "ملف" خاص بهذا الشاعر تحديداً؟
وهل نستطيع الادعاء برابط ما بين الماغوط، أعماله الشعرية والمسرحية ومقالاته النثرية، وبين ما يجري في عالمنا اليوم، في زمن العولمة، زمن أمريكا وتابعيها، ونحن نقرأ ما يقال عن كون الماغوط ينأى بنفسه عن القضايا الكبرى، ويركز الضوء على التفاصيل والقضايا الصغيرة؟ فهل هو حقاً كذلك؟ أليس هو القائل "سأظل مع القضايا الخاسرة حتى الموت/ مع دمشق القديمة كملامحي"!
وهل القضايا الخاسرة سوى قضايانا الكبرى؟
لعل الماغوط من أكثر من أثاروا القضايا الكبرى في تاريخ كتابتنا الشعرية المعاصرة، حتى لو قال هو غير ذلك. فحين يكتب شاعر، في الستينات، عن العدالة الناقصة "العدالة التي تشمل الجميع وتستثني فرداً واحداً ولو في مجاهل الأسكيمو، هي عدالة رأسها الظلم وذيلها الإرهاب. والرخاء الذي يرفرف على موائد العالم ويتجاهل مائدة واحدة في أحقر الأحياء، هو رخاء مشوه".
وحين يطالب ب "الكل أو لا شيء، طالما أن الشمس تشرق على الجميع، طالما أن السنبلة الأولى لم تكن ملكاً لأحد"، حين يكتب مثل هذا، فهو يجعلنا نتساءل، ونحن نقرأ روايته "الأرجوحة" (كتبها عام 1963، ولم تصدر طبعتها الأولى إلا عام1974)، عن أي إرهاب كان يتحدث الماغوط في ذلك الوقت؟
وهل كان- آنذاك- ثمة "إرهاب" ناجم عن نقص العدالة، كما يحدث الآن، أم أنه كان حينذاك يرى إلى المستقبل الذي هو "الآن" حقاً؟
أهي نبوءة الشاعر الرائي، أم ربما كانت القضية مرتبطة بجوهر الصراع في العالم، فهو صراع بين عالمين، صراع تلخصه عبارة في قصيدة، أحياناً، كما في قوله "نزرع في الهجير ويأكلون في الظل"، أو محاورة في مسرحية، أو مشهد في رواية. وهنا يكفي أن نعود إلى قصيدته "الظل والهجير"، ففيها صراع بين "هم ونحن.."، حيث يخاطب الشاعر حبيبته:

حبيبتي
هم يسافرون ونحن ننتظر
هم يملكون المشانق
ونحن نملك الأعناق
هم يملكون اللآلئ
ونحن نملك النمش والتواليل
نزرع في الهجير ويأكلون في الظل

(من مجموعة "الفرح ليس مهنتي").

كان رائياً كبيراً، لأنه كان شاعراً صادقاً وحقيقياً وشرساً، وهذا ما نفهمه من شهادة الشاعر نزار قباني، حين قال له "أنت، يا محمد، أصدقنا..أصدق شعراء جيلنا. حلمي أن أكتب بالرؤى وبالنفس البريء، البعيد النظر الذي كنت تكتب به في الخمسينات. كان حزنك وتشاؤمك أصيلين.. وكان تفاؤلنا وانبهارنا بالعالم خادعاً".
أما شراسته، شراسة لغته وكلماته، فيصفها الشهيد غسان كنفاني بأنها "كلمات مسلحة بالمخالب والأضراس. ومع ذلك، فإنها قادرة على تحقيق إيقاع عذب ومدهش، وأحياناً مفاجئ. كأن يتحول صليل السلاسل إلى عزف منفرد أمام عينيك ذاتهما في لحظة واحدة".
فالماغوط، الناثر، لم يترك قضية، كبرى كانت أم صغرى، إلا وراح يُجري جرداً لها في واحد من مقالاته التي درج على نشرها في مجلة الوسط بين 1998و2001، ثم جمعها في كتابه "سياف الزهور" (افتتح الكتاب بقصيدته التي تحمل العنوان نفسه، والموجهة إلى رفيقة دربه سنية صالح). نأخذ من مقال "اغتصاب كان وأخواتها"، مطلعها على سبيل المثال "فجأة، ودون سابق إنذار، ركنوا جانباً قضية فلسطين، وتعثر المفاوضات على المسارات كلها، واستمرار قصف الجنوب، وحصار العراق، واحتمال تقسيمه إلى حارات وأزقة، والحلف التركي- الإسرائيلي، ولوكربي، والمذابح في الجزائر، والوضع المتفجر في البلقان والقرن الأفريقي، وقضية أوجلان.."، فهل ثمة، في الكون، قضايا أكبر من هذه؟
وهو حين يسخر من السياسة، يحن إلى "الدفاتر المدرسية القديمة.. خاصة تلك التي على غلافها الأخير صورة جدول الضرب، وعلى الغلاف الأول صورة الكشاف أو الطالب المجد بكتابه المرفوع في الهواء، وخطواته الثابتة الواثقة وقد كتب تحتها: إلى الأمام.. لا إلى: مدريد.. وأوسلو وواشنطن وتل أبيب!!". كما أنه لا يجد أغرب من العرب، يلخص حالنا في أن "بلادنا غارقة في المرض والجهل والبطالة والديون والعمالة والجنس والحرمان والمهدئات والمخدرات والوصولية والأصولية والطائفية والعنف والدم والدموع، ونحن مشغولون بغرق تيتانيك". (سياف الزهور، دار المدى، أواخر عام 2001).
ومن هنا، ولأن القضايا التي يثيرها الماغوط، في شعره وفي نثره ومسرحه، كما في حياته وشخصه وسلوكه، كثيرة وتستحق إعادة النظر، خصوصاً الآن، في ضوء ما يجري في فلسطين، فقد حرصنا على أن يأتي هذا الملف، الذي اقترحه موسى برهومة، ليطرح تلك القضايا. وكانت محاولة الحوار مع الشاعر، تلك المحاولة التي تصدى لها هو ورفضها، كما تصدى للكثير غيرها، بشراسة وبسالة، فكان اللقاء الحميم معه أغنى من أي حوار.
ثانياً: قصة لقاء
مع أن اللقاء الذي جمعني بالماغوط، قبل شهرين، لم يكن الأول بيننا، إذ سبقه لقاء قبل أعوام في مقعد الشاعر/ ركنه الذي كان مستقراً يومياً له في مقهى فندق الشام، مع ذلك، شعرت وأنا أتهيأ للقائه هذه المرة، كما يشعر تلميذ مقبل على اختبار نهاية العام، أو كما يحس جندي ذاهب إلى معركة فاصلة. وهذه سمة من سمات علاقاتي بالآخرين جميعاً، فما بالك بلقاء الماغوط الذي أعرف، من لقائي الشخصي الأول به، كما من لقاءاتي المبكرة مع مسرحه وشعره، أنه لا يمكن أن يكون لقاء عادياً، وأن يمر هكذا دون مقدمات وحسابات.
أنا، حتى الآن، قلت لنفسي، لست صديقه الذي يزوره، في أي وقت، بموعد أو بلا موعد، بلا غايات ولا أهداف. كان ثمة غاية لم أحاول إخفاءها عنه في الهاتف، لأنني أعلم مدى حساسيته، فمجرد أن تنطق بأي كلمة، تكون نبتت في رأسه أشجار من التساؤلات حول؛ من تكون وما تريد؟ لذا كان لا بد من الصراحة منذ البداية. كان لا بد من الوضوح، علامة أولى لعلاقة لا أدري أين تقودنا! فأنا لا أحب العلاقات التي تقوم لهدف وتنتهي، وأسعى الآن لبدء علاقة مع شاعر شكل لي هاجساً إبداعياً في فترة من الزمن، وما يزال يشكل لي محفزاً على الكتابة حتى الآن.
في الطريق، كنت أفكر فيما سيكون عليه اللقاء؟ طافت في رأسي كتابات الماغوط وأشعاره، مسرحياته ومقالاته في مجلة "الوسط". تذكرت روايته "الأرجوحة"، و"البطل" فهد التنبل، الأديب المغمور "كالجذور في الربيع"، والمناضل المرعوب من العالم، ومن أجل العالم.. وصديقته المناضلة "غيمة". عادت بي الذاكرة إلى "ضيعة تشرين" و"غربة". ثم مسرحياته التي قرأناها في كتب" العصفور الأحدب، والمهرج. والكثير الكثير من قصائد خارجة على قوانين الكتابة والشعر السائد. ما الذي أريده من هذا الشاعر؟ ما الذي يريده العالم منه؟ لم لا نتركه في حاله وشؤونه؟ لكنني فكرت: هل تَرَكَنا الماغوط وترك العالم لشؤونه، حتى نتركه؟
ألم يكن هو الذي أثار الزوابع والأنهار والزلازل؟ لذا فإن "من أشعل النيران يطفيها"!
أخيراً، هانحن، خليل صويلح وأنا، نطرق الباب، وأتوقع أن يطل الماغوط بقامته الفارعة، وعيني الصقر الشاسعتين. لكن توقعي يذهب سدى، فسرعان ما انفتح الباب عن شاب طويل وسيم، قادنا في ممر قصير، خلتُ أنه لن ينتهي. فأخذت أتأمل جدران الممر المحتشدة بالصور، صور شخصيات وأمكنة، صور الماغوط وغيفارا، مكتبة تغطي جداراً في الممر، وفجأة ظهر الماغوط الذي أعرفه، لكنه الماغوط الذي لا أعرفه أيضاً. بدا وكأنه فوجئ بغزو من كائنات وهمية.. هل أنحني وأقبله، فيما هو جالس، متكئ في سريره؟ لقد بدا لي أضخم مما توقعت. كان وزنه قد تزايد فعلاً عن آخر لقاء، وعن آخر صورة له.
صورته الجديدة بدت لوهلة صورة صقر متعب، يحط على صخرة في صحراء مترامية، ولا يدري إن كان عليه أن يعاود التحليق، أم أن الأمر غير جدير بالمحاولة؟ وحين جلسنا، أخذت أتأمل الوجه والعينين، وأطوف ببصري في أرجاء الغرفة. غرفة ليست "بملايين الجدران"، لكن جدرانها من لوحات فنية ووجوه مألوفة وأخرى غريبة. لوحات وبورتريهات تمثل الماغوط، رسمها أصدقاء له في مراحل مختلفة. صور لابنتيه شام وسلافة (لم ألحظ وجود صورة لسنية صالح، فهل كانت هنا ولم أرها؟). فجأة وجدت نفسي غارقاً في تأمل المكان، وفي سؤال كبير حول الحياة التي عاشها هذا النسر المتشرد في القمم والأعالي والزنازين والأزقة والوحل؟ سؤال النظرة الساخرة إلى العالم والأشياء، نظرة مخذول خاب ظنه في كل شيء، وفي كل إنسان، كما خاب ظنه في الأحزاب من قبل.
ثالثاً - تساؤلات وذكريات
كنت قد فكرت، مجرد تفكير، في أسئلة كثيرة أطلب منه الوقوف عندها، لكنني رأيت اليأس جالساً على الطاولة بيني وبين الشاعر، فطويت أسئلتي ورحت أصغي إلى صمته الصارخ، وذكرياته الجارحة التي قرأتها هنا وهناك. كان يدخن بشراهة، كما لو أنها آخر سيجارة، فيما السيجارة التالية تشتعل بجمرة السابقة، لتنعقد حلقات دخان أزرق مثل كلمات الشاعر. فيما يتحدث عن أصدقاء ذهبوا، ويتوقف لحظة ليرفع سماعة الهاتف ويرد على حفيدته بعذوبة ورقَّةٍ. كان دافئاً في حديثه وحانياً في أسئلته. ذلك الدفء والحنان اللذين تتوقعهما من شاعر متسكع كالماغوط. من الصعب، طبعاً، توقع الشاعر والداً، فما بالك به جداً لأحفاد وحفيدات؟ لكنه حين يغدو كذلك، يتصرف كشاعر حقيقي. شاعر وأب وجد.
وتظل الأسئلة تحوم بيننا، أسئلة الحزن والتشاؤم القاتم الشديد الحضور في نصوص الشاعر، وأسئلة الفرح الغائب بقوة عن هذه النصوص. كيف يكون التشاؤم أصيلاً وحقيقياً، ويكون التفاؤل أعمى أيها الشاعر؟ هل هي فلسفة مترفة هذه التي لا ترى في الحياة سوى الدم والدموع؟ أم أنها الفلسفة الوحيدة الصادقة والحقيقية والعميقة؟
هل كان شعر الماغوط قاتماً إلى حد الاختناق فقط، كما يرى البعض، أم حد الاختناق الذي يدفع للبحث عن نوافذ. وإلا فكيف يمكن أن يكون "مع الأغصان الجرداء حتى تزهر"؟ وكيف يكون مسكوناً بالثورة والرفض؟
هل مأساة الماغوط، كما تقول زوجته الراحلة سنية صالح (1935- 1985)، أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط؟ وهل كان الحال سيكون أفضل لو أنه ولد في مكان آخر، أم أن القدر هو القدر؟ هل كان الماغوط يحلم بتغيير العالم بالشعر، بسلاح الشعر فقط؟ وكيف تكون الكلمة الحالمة طريقاً إلى الحرية، والكلمة في الواقع طريقاً إلى السجن؟
كيف لمن احترق بنيران الماضي، وما يزال يحترق بجحيم الحاضر، أن يلجأ إلى نيران المستقبل، أليس كمن يستجير من الرمضاء بالنار الكبرى؟
كيف انتقلت، أيها النسر الجريح، من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض المتمرد؟
وكيف تصنع من جراحك حقولاً من الخصب والتفجر؟
وهل ما يزال العالم خانقاً كالسجن، أو واهياً كالورق؟
وبماذا تعتصم، حيث لا قصيدة تعصمك؟
كيف نجت موهبتك من حضانة التراث وزجره التربوي، فنجت عفويتك من التحجر والجمود؟
واسمك الصغير كتابوت طفل، المغدور والراقد على حرفه الأول كالغزالة، كيف يتوهج؟
وفيم كان خوفك من البشر، وارتيابك الدائم والكثيف بهم؟

****

قرأت معظم ما كتب الشاعر، وكل ما استطعت جمعه من حوارات معه، لأسأله عن ثمانٍ وستين (68) سنة يحملها على كتفيه، هو المولود عام 1934، والذي يقول "أحمل السجن على ظهري، تماماً مثل ماكيت مجسم". هي ثمانية وستون عاماً من التسكع في الشعر والحياة، من "سلمية"، قريته التي أنجبته كما أنجبت معه علي الجندي وسواه كثيرين. سلمية

"الدمعة التي ذرفها الرومان
على أول أسير فك قيوده بأسنانه
ومات حنيناً إليها
سلمية.. الطفلة التي تعثرت بطرف أوروبا
وهي تلهو بأقراطها الفاطمية..
يحدها من الشمال الرعب
ومن الجنوب الحزن
ومن الشرق الغبار
ومن الغرب الأطلال والغربان..
لا تعرف الجوع أبداً/ لأن أطفالها بعدد غيومها..
حزينة أبداً
لأن طيورها بلا مأوى..
والنجوم أصابع مفتوحة لالتقاطها".

فهل هو "قرموطي" آخر، أم آخر القرامطة؟
سلمية هذه، البلدة القرمطية، المشاكسة، التي يتذكرها "فهد التنبل" بطل رواية "الأرجوحة"، ويتذكر نفسه فيها حين كان طفلاً، فيرى ذلك الطفل وهو يتصدى للإقطاعي، فيبدأ وعي الصراع الطبقي من الأرض، لا من الكتب. تقول والدة فهد عنه إنه "يخجل من النسيم، وإذا رأى فراشة تموت بكى طوال الليل. إنه الوحيد في قريتنا الذي لا تخافه عصافير الدوري، بل تغط على رأسه وكتفيه، وتمتص لعابه من بين شفتيه".
ورغم هذه الرقة، فهو الوحيد الذي يتصدى للإقطاعي "كان عمره تسع سنوات حين قذف جواد الأمير بحجر، وكان يقصد جمجمة الأمير، لأنه (الأمير) قذف له أجرته من فوق صهوة الجواد. كان بالطبع سيأخذها لو أعطاه إياها يداً بيد، ولكن أن يقذفها له والسوط في يده، فهذا ما لم يحتمله ولدي الصغير.. ولم يهرب. بل مكث واقفاً يلهث بأنفه الصغير أمام الأمير وسوطه وجواده، وكان قميصه الرقيق يخرج نتفاً على طرف السوط. لقد ضربه حتى أدماه.." (أعمال محمد الماغوط، الأرجوحة، ص 456). ومع ذلك فتهمته حين سجن أنه يتعاون مع الإقطاعيين. ومن حياة السجن وتفاصيله، ستتولد لديه ثنائية "القفص/ العصفور". ووعي أكبر وأوسع بالصراعات.
هذا الوعي الذي سيشقي حياته، ويقوده إلى الشعر بموهبته الفذة والبريئة. وهو الذي سيخرجه من سلمية إلى سجن المزة في دمشق، بين 1955و1956، حيث يتعرف إلى وأدونيس، الذي سيقدمه فيما بعد إلى شعراء مجلة "شعر"، حين كان الماغوط في بيروت لاجئاً سياسياً (يسخر فيقول إنه كان لاجئاً اقتصادياً.. فاللقاءات التي كانت تتم في بيت يوسف الخال، كان يحضرها الماغوط مستمعاً، يسمع أسماء شعراء (غربيين) لا يعرفهم، وعندما يحضر الطعام يأكل. فقد كان الخال وزوجته يعدان الطعام لأسبوع كامل، على الطريقة الأميركية).
ورغم هذه السخرية، فقد كانت بيروت محطة أساسية في ترسيخ صوت الماغوط. فقد كانت- أولاً- الملجأ من المضايقات والمطاردات التي سببها العسكر على أثر الوحدة المصرية السورية، وثانياً لأنها كانت مركزاً ثقافياً، ومركزاً للثقافة العربية بحق، في مقاهيها ومكتباتها ودور النشر الكبرى فيها. والأهم من ذلك، نسبة إلى الماغوط، هم الأصدقاء: أنسي الحاج، سعيد عقل، عصام محفوظ، رفيق شرف، سمير صايغ، شوقي أبي شقرا..الخ. وحتى الآن، ما يزال الحنين إلى بيروت يلح على طائر السلمية، فهو الذي لم يعد يسافر، رفض دعوة إلى كندا، لأنه كان مدعواً إلى النبطية.
سنية صالح ودمشق: عشق أبدي
وحين عاد الماغوط إلى دمشق، كان قد غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى "حزن في ضوء القمر" (دار مجلة شعر، 1959)، وعن الدار نفسها صدرت، بعد عام واحد مجموعته الثانية "غرفة بملايين الجدران" (1960). ثم مرت عشر سنوات حتى أصدر المجموعة الثالثة "الفرح ليس مهنتي" (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1970). وفي دمشق بدأت حياة جديدة تتفتح أمام الشاعر الغاضب الرافض الخارجي، وتركز نشاطه في المسرح، وتوقف عن كتابة الشعر كلياً، ولم يكتبه إلا بعد رحيل سنية صالح بسنوات، فقد كتب فيها أجمل قصائده، والتي ستنشر في مطلع كتاب النصوص النثرية المتنوعة "سياف الزهور" (دار المدى، أواخر 2001).
لقد بدأ الماغوط من "سلمية"، لكنه سرعان ما دخل علاقة عشق مع الشام/ دمشق، وهاهو يحن إلى قريته "سلَميّة" ولا يستطيع أن يعود إليها، لأنها تسكنه. يقول (بطل) قصيدة "المسافر"، يخاطب والده:

أرسل لي قرميدة حمراء من سطوحنا
وخصلة من شعر أمي
مع أقراط أختي الصغيرة
وأرسل لي نقوداً يا أبي لأشتري محبرة
وفتاة ألهث في حضنها كالطفل

(مجموعة "حزن في ضوء القمر").

ومع ذلك لم ينجُ من شعور الغربة والنفي. هذا الشعور الذي سيكبر معه حتى يلتقي رفيقته سنية صالح، الصديقة أولاً، والزوجة لاحقاً، التي احتضنت أحزانه وآلامه، وضمدت جراح روحه قبل طعنات جسده. سنية التي كتبت عن الماغوط في مقدمة أعماله الكاملة (الطبعة الأولى، وهي المقدمة التي تضمها الطبعة الجديدة الصادرة في دار المدى 1998)، أنها خرجت تبحث عنه في أثر أحد الانقلابات، "وكان في ضائقة قد تجره إلى السجن أو ما هو أمرّ منه"، فعملت على إخفائه عن الأنظار في "غرفة صغيرة ذات سقف واطئ حشرت في خاصرة أحد المباني، بحيث كان على من يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن.. سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم. في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهراً عديدة".
وشعرياً، ترى سنية أن الماغوط "من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل.. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر..". وقريباً من هذا، ما قالته الشاعرة والناقدة الفلسطينية سلمى الجيوسي، في معرض حديثها عن الحداثة الشعرية العربية وفرسانها، فقد رأت أن الماغوط "كتب الحداثة أكثر من الشعراء الآخرين الذين نظّروا بها. هذا الرجل لم أستطع أن أحل إشكاليته في قدرته على امتصاص الحداثة فهو ليس حداثياً، بمعنى الحياة الخارجية, وهو لا يتقن لغة أجنبية، وعندما كتب هذا الشعر لم يكن يعرف الشعر الغربي".
وسنية التي- برحيلها- أعادت الشاعر إلى كتابة الشعر، بعد انقطاع استمر من عام 1974حتى 1989، حين كتب "سياف الزهور: مقطع من موت واحتضار سنية صالح". في هذا النص عاد الماغوط بلغته الوحشية، وأسئلته الوجودية، ولكن بإيقاعات أشد شراسة. يقول:

يا رب..
في ليلة القدر هذه،
وأمام قباب الجوامع والكنائس،
اللامعة والمنتفخة كالحروق الجلدية..
أساعد الينابيع في جريانها
والحمائم المشردة في بناء أبراجها
وأضلل العقارب والأفاعي
عن أرجل العمال والفلاحين الحفاة
ولكن.. أبق لي على هذه المرأة الحطام
ونحن أطفالها القُصَّر الفقراء

فسنية صالح لم تكن زوجة وصديقة وأماً للأطفال فقط. كانت تعني الكثير للشاعر الطفل النزق الذي يحتاج من ترعاه. لذا فهي له "يتيمة الدهر وكل الدهور"، وهو من دونها يشعر أن "كل صحبتي تفرقت"، فيعاتبها "من أين ورثتِ/ هاتين الرئتين الواهيتين كرئتي عصفور؟ وهذا النمش المتجمع على ذرى الكتفين/ كما تتجمع العصافير الخائفة في أعالي الشجار؟".
وعن هذه القصيدة يقول كمال أبو ديب، إن لغة النص وصوره "مدهشة، مثيرة، تنبثق. صور عجيبة شرسة، تخمِّش وتخرمش وتذبح. كل علاقاتها تقريباً مما لم نألفه في تصور أو لغة شعرية قبلها.. لنحصِ الاستعارات والتشبيهات في شعر الماغوط، ستكون النتيجة رائعة: إن التشبيه، لا الاستعارة، هو الصيغة المثلى لتجسيد صوره الشرسة المخترقة.." (مجلة ثقافات، البحرين، ع 1، شتاء 2002).
كان بسيطاً وعفوياً وبدائياً هذا الشاعر، لذا كان عشقه لكل شيء عشقاً مدمراً وجارفاً، ولذلك كان غريباً ذلك العشق الذي جمع الماغوط بدمشق، جعله يسميها "عربة السبايا الوردية"، حيناً، ويهجوها هجاء مقذعاً حيناً، ويعود ويعلن عشقه لها في نهاية المطاف. والعشق نفسه كان تجاه نهرها بردى، فهو قد نال نصيبه من عشق الشاعر ومن لعناته التي كانت تعبر عن غضب شديد من الحال التي آل إليها "نهر صغير من الطبقة المتوسطة". طبقة كان الشاعر يرى فيها عدو الطلبة والعمال والكادحين. طبقة جعل النهر يعكس رؤيته لها، فجعل النهر كأنه هو الطبقة نفسها، وراح يهجوه بحزن ومرارة:

نهر صغير من الطبقة المتوسطة
أتى على كل شيء في حقبة واحدة
أروع مطر في التاريخ
أجمل سحب الشرق العالية
بددها على الغرغرة وغسل الموتى..

(من مجموعة "الفرح ليس مهنتي").

هنا يحضر النهر، وتحضر دمشق كلها، لا بوصفهما "مكاناً"، بل بشراً وعلاقات لا يُقرّها الشاعر، فهي علاقات يرى فيها تشوهات المجتمع، والاستغلال والقهر الطبقيين.
لذا فدمشق ستظهر هنا في صورة كائن بشري، امرأة ربما، تسأل عن الشاعر في مكتبه، وليس بالضرورة أن يكون الشاعر نفسه، بل أي "بطل" للقصيدة، فيسأل "من تكون هذه العجوز الجامدة عند المنعطف، والبعوض يحوم فوق رأسها، كأنه مصباح أو مستنقع؟"، وحين يخبرونه أنها دمشق، يسألهم أن يطردوها، فهو لا يعرف أماً أو شقيقة بهذا الاسم! وتستمر السخرية "أهي خزانة أم مطرقة أم مرآة؟". يقولون له "إنها مدينتك" فيجيب "لا مدينة لي سوى جيوبي"، يحاولون بإلحاح "إنها وطنك"، لكنه يصدها "لا وطن لي سوى هذه البقع والخربشات على الخرائط". ففي تلك المرحلة، بدا وكأنما يرد ثأراً بينه وبين دمشق، المدينة/ الحكم، التي سجنته وطردته وشردته، فهو لا ينسى حوارهما:
* قلت لها: عطشان يا دمشق
- قالت: اشرب دموعك
* قلت لها: جوعان يا دمشق
- قالت: كل حذائي
إنها دمشق المناسف والأهراءات، والبيضة المسلوقة والرغيف المطوي "بعناية" في حقيبة المدرسة، الخيول الجامحة والسفن التي تسد وجه الأفق، دمشق المحدودبة أمام الصنبور. هذه التناقضات التي شوهت وجه المدينة القديمة وروحها وملامحها، لم تستطع تشويه ملامح الشاعر وروحه و.. لغته. فقد حفظ الدرس، وكافح ليحافظ على هويته الحقيقية، هوية الريفي البسيط والواضح كحد السكين. فعاد إلى مدينته واعياً همومها، غير قادر على خذلانها رغم كل شيء، فبعد أن يقول كل ما قال، ويبلغ حد الأمر بأن يضربوها بالسياط، ويطردوها من الأبواب، لتظل وحيدة كالريح.. يبصر نور عشقه لها وراء الغلالة السميكة من الحقد الطبقي، ويدرك الفارق بين المدينة وحكامها، فيعلن أنه لا يستطيع رؤية ما سيحل بها، فيصرخ بهم:

ولكن..
اسملوا عينيّ قبل أن تفعلوا ذلك
إنني أحبها يا رجال
ولن أخونها

وهنا نتنبه إلى عنوان كتابه "سأخون وطني"، وهو عنوان شديد النفور والقسوة، شديدة الإيلام والسخرية في آن. عنوان صادم لوهلة. لكن الذي يقرأ جوهر ما فيه، سيجد أن الوطن الذي سيخونه الشاعر هو "وطن الذل والقهر والعبودية، فالوطن الذي يستحق الخيانة عند الماغوط، هو دائماً وطن الظلم والإرهاب والاضطهاد"، كما يقول رياض الريس. أما المتمرد الآخر زكريا تامر، فيقدم للكتاب بقوله إن الماغوط نجح في أن يجمع على أرض واحدة "بين الليل والنهار، بين الأمل واليأس، بين مرارة الهزائم وغضب العاجز، ليقدم صورة لما يعانيه الإنسان العربي من بلاء من سياسييه ومثقفيه وجنده وشرطته وأجهزة إعلامه، مكثفاً ذلك البلاء الكثير من الوجوه في بلاء واحد، هو فقدان الحرية".
ليست المسألة خيانة بالمفهوم السطحي والدارج، إذن. فما من شاعر، حتى نزار قباني، كتب عاشقاً دمشق، كما فعل الماغوط. لكن سورية الخمسينات التي كتبها هذا الشاعر العاشق، لم تكن تتيح مجالاً لعشق خالٍ من الهموم الوطنية والصراعات الطبقية، على المستوى الرؤيوي/ الإبداعي لا الأيديولوجي. وإذا جاز أن نتناول، على سبيل المثال، رواية "الأرجوحة" بوصفها تنطوي على مقاطع من سيرة الماغوط، فسنجد في هذه السيرة الكثير من القضايا، والكثير من الأسئلة التي كانت تمثل هاجس المثقف والسياسي الرافض والمتمرد.. خصوصاً لجهة تركيزها على مفردة الحرية، ونقيضها القمع.
إن عبارة "يداي لا تصلحان للقيود"، ليست مجرد صورة شعرية في نص، إنها صرخة الروح في براري القمع والقهر والاستبداد. وليس صحيحاً أن حريته هو كانت كل غايته، فالحرية لديه هي حرية البشر جميعاً، وتحديداً هي حرية الشعوب قبل حرية الأفراد، وإن كانت المسألتان لا تنفصلان. لكن هذا لا يعني أنه ضد حرية الفرد. على العكس. ففي حوار يجري بين "غيمة" وبين أصدقاء فهد التنبل، يقول أحدهم مبرراً اعتقال فهد بالثورة التي لا بد من التضحية من أجلها "اسمعي أيتها الآنسة.. هناك ثورة حدثت في الوطن، ونحن منها ولها".
فمن هو الفرد أمام قضية ثورة؟ كلنا فداء الثورة. فالسخرية تبلغ مداها هنا "إنها جائعة.. وهي لن تنمو ما لم نجد لقمة هنا ولقمة هناك". فأية ثورة هذه التي تتغذى على الشعب؟ "لتتغذَّ بنفسها إذا كانت جائعة إلى هذا الحد.." تقول صديقة فهد بسخرية مريرة. سخرية من الثورة التي تقود الناس إلى السجون. ومن يعرف حياة الماغوط، يعرف أنه سجن بلا مبررات سوى أنه انتمى- بالصدفة- إلى حزب كان قريباً من بيته، وكان لدى الحزب مدفأة، في الوقت الذي كانت غالبية بيوت الناس بلا مدافئ!
ثمة إشكالية هامة أيضاً تتصل بالحرية، وينبغي التنبه لها في تجربة هذا الشاعر، وهي كما تبدو على السطح إشكالية الضجر، الذي يعتبر واحدة من آليات القمع التي تشيعها الأنظمة، في زمن يقول عنه الماغوط إنه "عصر ضد الموهبة". فالضجر هنا، وفي حياة الماغوط ونتاجه الإبداعي، تعبير عن رغبة في مزيد من التحرر والطيران، وليس استسلاماً للخنوع كما نجده لدى كثير من مثقفينا ومثقفي العالم الثالث عموماً.
وغالباً ما ارتبط الضجر عند الماغوط بالمقاومة والثورة والحرية، حتى لو جاء أحياناً متجاوراً مع الاستعمار، فهو نقيضه. وهنا تتبدى واحدة من آليات السخرية التي نجدها بكثرة في إبداعات الماغوط. كما يمكن أن ترتبط بغياب الشعر، أو بشهوة التجديد:

صاخب أنا أيها الرجل الحريري
أسير بلا نجوم ولا زوارق
وحيد وذو عينين بليدتين
ولكنني حزين لأن قصائدي غدت متشابهة
وذات لحن جريح لا يتبدل
أريد أن أرفرف، أن أتسامى..

*****
كنت أود أن أكتب شيئاً
عن الاستعمار والتسكع
عن بلادي التي تسير كالريح نحو الوراء..

إنه شاعر الربابة والشوارع والأزقة، شاعر الهوامش والمهمشين، المتفرد في الشعر العربي المعاصر. والشاعر الذي ظل نفوراً، لم تستطع جماعة أو حزب أن تسجنه في إطارها. فهو لم يلبث طويلاً مع جماعة مجلة شعر، ثم وجد نفسه "خارجين السرب". ولو عدنا لروايته "الأرجوحة"، فسنلتقي بمثقف هامشي، يمقت الأجواء الثقافية والمثقفين. فهو على النقيض منهم يجنح إلى البساطة والوضوح، ويصرخ في صاحبه في السجن "لماذا لا تعلن الأمور مباشرة.. تنحَّ عن صهوة اللياقة الاجتماعية والمؤازرة اللامجدية، حتى يخترع الجائع طعامه والمريض دواءه".

******

وماذا بعد؟
هل وفينا الشاعر شيئاً من حقه؟ وهل يمكن لقراءة مستعجلة، مهما كانت، أن تكون أكثر من احتفاء بشاعر لا تكفي كل الكلمات للاحتفاء به؟
هي محاولة لإضافة ورقة إلى كتاب الاحتفاء بالماغوط، ولا شيء أكثر، حتى تتاح فرصة أخرى لكتابة أكثر عمقاً. فهل تأتي تلك اللحظة التي نقرأ الماغوط فيها كواحد ممن هدموا الكثير من الجدران والأبنية والسجون، ليقيم حديقة صغيرة بحجم ظله وروحه؟

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:22 PM
كسر التفائل الرومانسي بيأس كاسر

\http://saddana.com/up/images/jl10fwrp0n40w02s8663.jpg

قاسم حداد
(البحرين)

1

في ذروة مكتشفات شعراء مجلة (شعر) لمقترحات الحداثة الشعرية الأوربية، وفي غمرة انهماك شعراء العربية المحدثين في مشروعهم التموزي المتألق في تفاؤله، وبمعزل عن ورشة الشعر العربي المفعم بمكتسبات هواء العالم الثقافي (فكراً ورؤية ومبتكرات)، طلع علينا محمد الماغوط، من الركن القصي للمشهد، مجترحاً حزنه ولمسته الجارحة للعتمة المسكوت عنها في سياق مشروع الحلم العربي الناهض، ليفجر ضوءه الأسود في (غرفة بملايين الجدران) معلناً علينا حزناً صادقاً جريئاً يمسّ الشغاف (الفرح ليس مهنتي).

2

الآن، أريد أن أرى في تلك اللحظة المفصلية منعطفاً رؤيوياً، ليس على صعيد التعبير الشعري، منفلتاً عن تخوم التفعيلة وأقفالها، ولكن، خصوصاً، على صعيد الرؤية الشعرية النقيضة لمشروع التفاؤل العام الذي يكاد يطوي مجمل المتن الشعري العربي في تلك اللحظة، من كان مع تلك الأحلام (أيديولوجيا) ومن كان بعيداً عنها (سياسياً)، فقد كان الجيل العربي كله منهمكاً في ورشة ذلك الحلم، معتبراً مجرد الغفلة عن ذلك الحلم وتأكيده هو بمثابة النظر والفعل القاصر عن (المستقبل). هكذا كان المشهد الذي صار التفاؤل الفظ عنوانه الأول و الرئيسي و الغالب.
وهنا نستطيع أن نكتشف قوة الصدمة وعمق الدلالات الإبداعية التي أحدثتها نصوص محمد الماغوط في تلك اللحظة. و أريد أن أقترح، هنا، بأن هذه الخاصية المتميزة في جرأة الرؤية الحزينة الجارحة والأبعد من التشاؤمية، هي العنصر الجوهري الذي منح تجربة الماغوط أهميته الكونية في سياق حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، وأظن أن خروجه عن التفعيلة لم يكن هو (فقط) ما ميز شعريته عن جيله (قبله قليلاً، وبعده قليلاً). خصوصاً إذا لاحظنا أن ثمة تجارب رافقت السياب أو ربما سبقته قليلاً في كتابة القصيدة الحرة، لكن دون أن تخرج عن سكة التفاؤل التي تطلبها مشروع نهضة الحلم العربي في تلك اللحظة.

3

غير أن حزن الماغوط لم يكن حزن الرومانسيين المتثائبين على جسر التنهدات. لقد كان يضع أحداقه في الدم الفائر فيطفر حتى صدغيه. وهذا ما جعل كتابته تفتح أرضاً غير التي فتحتها مجلة (الآداب) أو التي ذهبت إليها مجلة (شعر)، كان محمد الماغوط كائناً وحشياً (طافراً) من غابة تغرس جذورها على أجسادنا وأرواحنا، دون أن يعبأ أو يكترث بالكلام عن البدائل، بمعنى أنه لا يطرح خطابات أحلام، كما كان يفعل شعر الآخرين، الأمر الذي لفت نظر الشعراء العرب محاولين أن يجدوا في عالمه نافذة على أفق مغاير.
وكنت عندما أجلس إلى كتاب (غرفة بملايين الجدران) أشعر برهبة غامضة لفرط المسافة التي كان يتوجب عليّ أن اقطعها بعد (أنشودة المطر)، أو (أوراق في الريح) أو أباريق مهشمة) أو (أحلام الفارس القديم) لكي اصل إلى الأرض التي يحرثها نص الماغوط بعظام أطراف الكائن البشري.
فإذن، كانت المسالة لا تتصل بالشكل دائماً، وأخشى أنها لم تتوقف عليه أبداً. لأن الروح الجديدة عند الماغوط هي ما ميزته بقوة، ومرة واحدة، عن رفاقه. وهنا تكمن أهمية التجربة الشعرية.

4

لكن، بعد ذلك كله، وبعد حوالي جيلين من الشعراء العرب، هل يمكننا الزعم بأن الأجيال الجديدة، وهي تطرح علينا الصوت عن الحداثة و التجديد في الكتابة الشعرية، منافحة عن حقها في التجديد، محتجة بمن سبقها من الشعراء، ومن بينهم محمد الماغوط خصوصاً، أقول هل نستطيع القول ، بدون قلق، أن الأجيال الجديدة قد قرأت حقاً تجربة الماغوط الشعرية بالشكل الذي يتوجب على الشاعر أن يكتشف تجربة شاعر آخر؟
أطرح هذا السؤال، ليس ترفاً، ولكن لأن قلقاً ينتابني وأنا أرقب العديد من الكتابات الشعرية الشابة وأعيد تأملها باحثاً عن ملامح تشي بأن ثمة وعياً لمجمل الإنجاز الشعري العربي الحديث، وأعني الإنجاز بالمعنى التقني و الفيزيائي المباشر، بحيث يمكننا أن نشعر بأن الشاعر الراهن، فيما يعمل على تجاوز النص السابق، قد أحسن القراءة و الدرس قبل وبعد الكتابة.
هذا السؤال من بين أسئلة أخرى لابد لنا، لكي نحسن التعاطي مع راهن ومستقبل كتابتنا الشعرية العربية، أن نتوقف عنده برحابة الصدر وجمال الأحلام.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:26 PM
لكن الحياة تتغير يا أبانا محمد

http://saddana.com/up/images/n2h3kmpy1w21l8lwfu6.jpg

شاكر الانباري
(العراق/سوريا)



سلمان تمام، ينتمي الى قبيلة بني لام، التي ينتسب إليها أيضا جمعة اللامي، هو من كتب الروايات والقصص عن تاريخ هذه القبيلة المنتمية الى طائفة الشيعة، وتسكن الأهوإر جنوب العراق، وفي مدينة الناصرية تحديدا. سلمان تمام كان واحدا من زملائنا في جامعة السليمانية، وهي من مدن كردستان العراق. كان يدرس الهندسة الزراعية،، هو شاب اسمر يشبه إلهاً سومرياً. قصير وسمين قليلا، صعلوك حقيقي من صعاليك الجامعة. أما أنا فكنت ادرس الهندسة المدنية، أيام كان المهندس واحداً من نخبة المجتمع. ما كان يميز سلمان تمام أكثر من غيره، ليس مواصفاته الجسدية، ولا شبهه بالسومريين، وإنما حفظه لكل شعر محمد الماغوط تقريبا. كان مهوساً بمحمد الماغوط. يفطر على قصائده، يتغدى بطرائفه، يتعشى بذكره.ولم نكن نعرف لماذا. كان يترنم بقصائده في المقاهي، في جلسات الشراب وعند أروقة الكلية، وفي السفرات الجامعية، حتى أوشكنا نؤمن ان سلمان تمام القادم من الهور، وكيل الماغوط الثقافي في جامعة السليمانية. ليس هنا الغرابة أيضا. المسألة ان سلمان تمام راح يعيش حياته اليومية طبقا لفلسفة الماغوط، المتشائمة من الواقع العربي، المتشكية من الحظ البائس، غياب العدالة السماوية،، الكفاف البشري في الحياة. لازمة سلمان الدائمة هي: أنا سأرفع رسالة الى الله، ممهورة بعذاب البشر، لكن كل ما أخشاه ان يكون الله أميا. ربما لم تكن القصيدة هكذا بالضبط، لأني اعتمد الآن على ذاكرتي، إلا ان جوهر القصيدة هو ذاك. يردد تمام هذا المقطع كلما رسب في الامتحان أو غابت عنه محاضرة مهمة أو أفلس وبدأ الجوع يعضه ولا يجد من يستدين منه.
اعتقد ان سلمان تمام استسهل قصائد الماغوط، لذلك كان يقف الى جانبه ومعجبا ومحازباً، وكلما جاءت المساجلات لتقارن بين أدونيس ومحمد الماغوط، في جلساتنا الخمرية التي كنا نجريها في نادي نقابة المهندسين، وهو ناد يقع وسط المدينة. والسليمانية لمن لا يعرفها، مدينة محاطة بالجبال، أسماء جبالها هي بيره مكرون، كويجة، قرداغ، وكانت في ذلك الوقت تشتعل بالنار ليلا. نراها ونحن جلوس الى كأس من العرق المستكه، نتجادل حول محمد الماغوط ومحمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف وقصيدة النثر الوليدة آنذاك. ذات مرة حرف سلمان تمام واحدة من قصائد الماغوط التمردية، قال بصوت عال: " أنا الشاعر من جبل بيره مكرون الى قرداغ". فما كان من أحد الشعراء الأكراد، الجالسين الى طاولة قريبة منا إلا ان رد عليه بصوت أجش: اخرس أيها الصعلوك. وكادت ان تقع مشاجرة حول قصيدة الماغوط في الظاهر، لكن الحقيقة هي وجود الحساسيات القومية وتوتر الوضع في كردستان العراق، التعريب الجاري على قدم وساق. وكاد ا المسكين سلمان تمام ان يذهب ضحية الماغوط الذي كان وقتها يعب العرق إما في بيروت، أو في دمشق، من دون ان يعرف ان شبابا لم تصل أعمارهم الى الخامسة والعشرين، في مدينة تختبىء وسط الجبال، يخوضون حروباً حول قصائده. وما كان يشعل النقاش وقتذاك سؤال هل ان قصائد الماغوط يمكن اعتبارها شعرا أم لا؟ كونها ليست موزونة، لا تتكىء على تراث القصيدة العربية؟ وهل يكتب الماغوط بهذه الطريقة لأنه لا يعرف الأوزان ليس إلا؟ أو هل يمكن كتابة القصيدة من فكرة عارية فقط؟ ولما كان معظم أصدقائنا وفي مقدمهم سلمان
تمام، لا يعرفون الوزن لكنهم يحبون الشعر، فقد هبوا يكتبون قصيدة النثر على شاكلة محمد الماغوط. يكتبونها في مقهى الجامعة، وفي الحدائق العامة، وقبل النوم على الأسرة، وفي المراحيض قبل ان يستمنوا. ومادتها كانت الجوارب والتبغ والنساء والجوع والبذاءات اليومية والشعارات السياسية التي تنتقم من خنوع ما هو سائد وعاهر. تركنا محاضراتنا ودروسنا وكتبنا، وانغمرنا حتى الآذان بقصائد الشعر. وكان الماغوط عملاقا بيننا. شيء يشبه الأسطورة، غامضا وعنيفا، يفتح نيرانه على الأرصفة والشوارع والمدن والحكام والفسق والسأم اليومي الضارب الإطناب على المدن العربية. تبغ وأرصفة وخمرة وموت، يخول بروح متصوفة شيئا من هذا القبيل. وكنا ندخن علبتين في اليوم، ونجلس على الأرصفة، وننظر بريبة الى العسكر والحزبيين والجرائد الصفراء بمحرريها الذين يركلهم رئيس التحرير على أقفيتهم من دون ان ينبسوا بحرف. الماغوط هو المتمرد الأوحد في تلك الشلة، بتلك المدينة. وكان سلمان تمام بكرشه الصغير، سنة بعد سنة، يروم بلوغ مرتبة محمد الماغوط. تحول سلمان الى ماغوط صغير، فهجر كتبه ودراسته، ولم يعد يأتي الى المحاضرات. سحره الماغوط بقصائده وعبثه وحياته المنفلتة، فكتب على غرفته في القسم الداخلي شعار رامبو: "من الغباء ان تبلى سراويلنا على مقاعد الدراسة". وحين رسب تمام سنتين متتاليتين، ولم تنفع قصائد الماغوط في معالجة الإحباط البشري، الذي غير العالم، سحب تمام الى الخدمة الإلزامية من شاربيه. صار جنديا مكلفا، يأتمر بأوامر عريف بالكاد أنهى دورة محو الأمية، يعاقبه أكثر الأحيان بالزحف في الطين أو حش الحلفاء في ساحات المعسكر.
زارنا ذات يوم في نهاية عهدنا بالجامعة، سهرنا في 5 نقابة المهندسين. صار سلمان شخصا مهدما، مروضا، وقال لنا بعدما سكر، ادرسوا، ادرسوا حتى لو أكلتم الحجار، فالحياة معقدة أكثر من الشعر. سمعت بعدما قامت الحرب العراقية- الإيرانية ان سلمان تمام قتل في واحد من الهجومات الصيفية على عبادان.وكان ان أكلت أنا الحجارة لكنني لم انس الشعر،و لا الماغوط. طوفت في ارض الله الواسعة، وتعلمت لغات عديدة، وعرفت نساء، وشاهدت مدنا، وكدت إلا قليلا ان أنسى الماغوط، أحزانه في ضوء القمر.، لم اعد ارفع رسائل الى احد، فلم أجدني بحاجة الى احد حتى لو كان ذاك الذي "صكئ!8 الماغوط. اشتعلت حروب وماتت حروب. وحفرت دهليزي الخاص الذي أعادني الى الشرق. عام 1997 رجعت من تطوافي الأبدي لاستقر في دمشق الشام، محبا لنسائها، خمورها وأنهارها، شبابها المتصعلكين، أحفاد الماغوط. وكان ان اشتغلت سكرتير تحرير ل"دار المدى للثقافة، النشر"، وكان احد واجباتي الإشراف على القراءة الأخيرة للكتب التي تطبعها الدار. وقع بين يدي "الأعمال الكاملة لمحمد الماغوط"، التي أصدرتها الدار لاحقا. مسرحيات، أشعار، مقالات. التقيت ثانية بمحمد الماغوط، بعد أكثر من عشرين سنة. لم أعد فتى كما السابق، كما لم يعد محمد الماغوط، فارس الساحة الشعرية.ولدت أجيال جديدة من الشعراء،وغابت قمم، وامحت قسمات ظن أنها واعدة. بدأت اقرأ مخطوطات الماغوط بدقة! حاملا رائي ثقافة لا بأس بها، خبرات حياتية جيدة، ودلتني الأيام على دروبها المعتمة، الخفية، المواربة. أسفر لي الماغوط عن شخصية أخرى. لم أجد الشخص نفسه الذي كان في خيالي وأنا اجلس مع سلمان تمام، جنان جاسم حلاوي، شيركو بيكيه وسط تلك المدينة الجبلية. لم استسهل الإنشاء، في جملة الماغوط، وهو الوباء الذي خلفته لنا قرون من الركود الحضاري في الروح العربية، لغة وعمقا وطزاجة. وكان هناك خلل في إمساك المعنى، يغطي عليه الضباب الكثيف الذي يثيره الشاعر ليستر ضياعه الشخصي. إما الاشتطاط والسرد المنفلش والتيه في التفاصيل، أو السباحة في عموميات الأفكار، فيمكن ملاحظتها بوضوح.
هناك أيضا السهولة المجانية، وهذا ما يؤول إليه شاعر لا يتمتع بعمق ثقافي ربما. كما لاحظت في شعر الماغوط ذلك الهروب الكبير من نبض الواقع. ناتج من العيش في أبراج الثقافة العاجية. أبراج مصنوعة من كتب، أفكار، شعر، روايات... الخ. لم أشم رائحة العرق، الأرصفة التي تكلم عنها. كما لم اقرأ ملامح المرأة التي أحبها شعريا، فكان يتمرد في فضاء اللغة، يحب في فضائها أيضا. يكفر في اللغة، يهاجم السلطة في اللغة، وظل شعره وليد لغة عربية مليئة بالإنشاء والتضخيم والادعاء والصنعة. وكان ان عرفت ان هذا ربما ناتج من بعد الشاعر عن إيقاع الحياة وعن إيقاع اليومي الذي يجده المرء في ساحة المرجة، عند سوق الحرامية في جسر الثورة، وفي أصقاع الريف بفلاحيه، بقره، حقوله. بحانات المدينة السفلية، هي تغص بالشاربين من كل صنف ولون. من الذين أنهكهم الدين واللصوص و القوادون، الصحافيون المحبطون، العمال المياومون، النساء العاهرات. كل ذلك الفرن المتوهج لم أجد صداه في شعر الماغوط.
وكان ان جاء الماغوط الى مكتب "دار المدى" في ركن الدين، وسط دمشق، شيخا يدب على عكازه، تلف سماءه غيمة من الارتباك، الهزيمة والوحدة. الزمن يبتلع ما عداه. لم اشعر بالرهبة منه. لم اعد صغيرا، صرت اعتز بتجاربي حتى لو كانت ضئيلة. شعرت بالاحترام العميق لهذا الرجل. هذا الكائن الذي ترنمنا بشعره بين قرداغ، بيره مكرون. هذا الذي تمردنا معه على الأرصفة، دخنا أحزانه وتشرده ويأسه، ونحن نحتسي الشاي الكردي، نتحدث عن ثورة البارزاني. محمد الماغوط اليوم يعيش في وحدة قاتلة، بعدما فارقته سنية صالح، وثقل سمعه وأرهق بصره الضوء. انه زمن الصحافيات الصغيرات، اللواتي يشتغلن مخبرات. لا زمن المتمرد العملاق محمد الماغوط. ربما أدرك الماغوط بؤس السلطة،وبؤس الزمن، وتفاهة مدعي الثقافة، لذا انتحى جانبا. كلما رأيته يسير نحو فندق الشام ليحتسي قهوته الصباحية، أندب حظ الثقافة في هذه الأمة. لكني مع نفسي أقف وأقول: أنحنى لك إجلالا أيها الشاعر، الذي أشعلت فينا جذوة التمرد منذ ربع قرن. وأتذكر أيضا الماغوط الصغير، المدعو سلمان تمام الذي شطرته الحرب شطرين، دفنته في مستنقعات الناصرية. أنحني لك أيها الشاعر الذي لقمتني التمرد. لكن الحياة تتغير يا أبانا محمد.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:29 PM
كأن الزمن لم يبرح مكانه

http://saddana.com/up/images/lll5i6n5daxp3x39bs7.jpg

سيف الرحبي
(عمان)

لم يكن محمد الماغوط، في انطلاقته الأولى ذات النزوع المغامر، يتبين خيطا من وضوح، لما ستؤول إليه تجربته الشعرية، وربما من هنا تأخذ صفة المغامرة جدارتها، في مناخ شعري يسود فيه ما هو مخالف لذلك الصوت الملتبس القادم من ضباب التخوم النثرية التي ستكون لها سطوتها وحضورها.
حين قدم أدونيس، الماغوط في إحدى مناسبات مجلة (شعر) وقرأ بعضاً من شعره من غير ذكر اسمه، ذهب التوقع الى أسماء ومرجعيات أجنبية، فرنسيه على الأخص، ولم يذهب الى ذلك الشاب المرتبك، القادم من الوهاد السورية الذي كان يجلس بينه (الحضور) والذي كان مسلحاً بموهبته وثراء أحاسيسه الفطرية والغريزية، التي ستكون وقوده الشعري في مقبل الأيام...
هذا الحدث الدال لهذا القادم الى بيروت، أسوة بأدباء ومبدعين سوريين، هذه المدينه المختبر، المحتدمة بالسجال الثقافي والفكري والشعري. لم يكن هذا القادم يمتلك تحصيلا دراسيا وأكاديميا يعين موهبته على فرض نفسها على نمط أقرانه، في هذه الأجواء المعبأة بالمشاريع والأحلام.
لكن الماغوط بموهبته وبذلك المناخ الليبرالي الفريد، خاصة مناخ مجلة (شعر) وجماعتها ذات المنابت والوجهات المختلفة، التي كانت تأخذ بمثل هذه المواهب الباحثة عن أفق، عن موطىء قدم في غابة القمع والسحل والإلغاء، من أقطار عربية مختلفة متجاوزة (دوغما) التصنيفات والتصورات القطعية التي كانت مزدهرة مع صعود الإيديولوجيات السياسية التي لم تكن تعتبر الأدب والشعر ذا أهمية إلا إذ كان متطابقا مع تصوراتها وبرامجها حول المجتمع والتاريخ.
لم يكن محمد الماغوط من الأساس، معنيا بتلك الأيديولوجيات يسارها ويمينها، التي مر عبر (مطهرها) اليسارية خاصة، معظم الأدباء والكتاب، فتكوينه الشخصي والشعري مفارقا لذلك التأطير والقولبة ولتلك التصورات الجاهزة السهلة، هناك آخرون بالطبع يندرجون في هذا السياق لكن الماغوط كان أكثر حديه ومزاجية وأكثر ميلا الى التحرر من أعباء تلك المعايير الناجزة في السلوك والشعر..
وهو لا يخفي تبرّمه وضجره البالغين من ذلك حتى فترة متأخرة من عمره، أي مطلع الثمانينات على ما أذكر، حين كنت أعيش في دمشق وسألته إحدى الصحف السورية في سياق مقابلة معه، عن ما يزعجه في تلك الأيام فقال (الضجر والشيوعيون) مثل هذا الكلام في ذلك المناخ المحتدم برايات اليسار وتطلعاتهم، يعتبر جرأة تصل حدود الانتحار الثقافي.

***

لم يكن الماغوط بحكم حدية مزاجه الشعري يمكنه الاندراج ضمن مشروع جماعي، ليس في السياسة التي لم تعرف عنه أي محطة مر عبرها، تبشّر أو تدعو الى يقين مستقبل ما، لفكر ضمن منظومة أفكار تلك المرحلة التي تبينت هشاشتها أمام أي ارتطام بالوقائع والتاريخ.
كان ذلك المزاج بنزعته الكارثية بمثابة حصانة، حصانة اليأس. واستشراف الشعر من غير تنظيرات ولا مقدمات منطقية ...
لم يكن الماغوط يندرج حتى ضمن تصور شعري جماعي، حتى قصيدة النثر التي يكتب في إطارها. لم يكن يهمه الدفاع عنها والذود عن حياضها المنتهكة من أكثر من طرف وجهة. كان يعبر صراحة وضمنا عن رأيه، بأن المسألة لا تعنيه كون هذه الكتابة تندرج ضمن ما يدعى بـ(الشعر) أو (النصوص) أو غيرهما.
كان حدْسه يقوده إلى جوهر الشعر، إلى روحه وحقيقته الداخليّة. كان ابتعاده عن السجال الدائر بهذا المعنى؛ جزءا من قناعة ضمنية بلا جدوى مثل هذا السجّال، وأن الشعر يقع في مكان آخر، بلا جدوى مثل هذا النقاش الذي ما زال على أشدّه حتى اللحظة الراهنة، أي ما يربو على الأربعة عقود. ما زالت مفردات وآليات الكرّ والفرّ والهجوم والدفاع قائمة فكأنما زمن الثقافة العربية لم يبرح مكانه، جامد ومتخشبّ كالحياة نفسها.

***

لم يبتعد كثيرا حضور ندوة (شعر) في إشارته إلى أسماء أجنبية، حين كان أدونيس يتلو مقاطع من شعر الماغوط، في انطلاقته الأولى، لأن تلك الأسماء كانت حاضرة في شعره بطريقة ما.
ربما لم يسمع الحضور أو بعضه من الشعر الذي يتوسل السلف الغربي بمثل هذه الخصوصيّة والفرادة وهذه النكهة الشخصيّة والتحرر، فالذين حذوا قبلاً حذو ذلك السلف كانوا مشدودين إلى أشكال وإيقاعات خارجيّة غالبا. لم يطرقوا بوابة النثر. بوابة التعبير الأرحب، والأشدّ إلتصاقا بالحياة والواقع مثل الماغوط.
السلف الغربي في الشعر العربي، حاضر في شعر الماغوط عبر الترجمة، لكنه حضور مُذاب في التجربة الشعريّة الخاصة التي لم تقع في التقليد الفج والمحاكاة. وبحكم ثراء مخيّلته وتلك النزعة الوحشية، المضطربّة، كانت استفادته من أفق الترجمة وهضمه، أفضل من كثيرين قرأوا بلغة أصليّة، مثلما أشار أحد النقاد الإنجليز، إلى استفادة (شكسبير) من (تحولات) (أوفيد) عبر الترجمة، هو الذي لم يكن ملماً باللغة اللاتينيّة مثلما كانت عليه النخبة الكاتبة في تلك المرحلة، فكانت استفادته عبر موهبته الخارقة، تحوّلت إلى كشف إبداعي في التاريخ.. المقارنة هنا لا تتعدى الإشارة إلى الأهميّة الحاسمة للموهبة والاستعداد الأولي في هضم المرجعيّات الأخرى في سياق أفق الشاعر والكاتب.
حضور، (شعر) لم يبتعدْ في توقعه، لكن الماغوط كان يساهم بصمت في رسم أفق آخر للشعريّة العربية.

***

وكمتشرد أصيل في الحياة واللغة وإن كانت الأولى لم تتعّد بيروت ودمشق كإقامة ومعيش، لكنها كهاجس وحلم شملت العالم بأصقاعه وقاراته، انطلاقا منهما؛ من الشوارع والأزقة، والحانات، والمقاهي، لفافات التبغ، العرق، العاهرات، الخيانات، الموت، الإحباطات الجاثمة والثورات المجهضة وذلك النسر الهرِم... الخ. كمتشرد أنزل اللغة من علياءها البالغ التجريد، إلى مفردات الواقع والأشياء المبعثرة، البسيطة المهملة للحياة اليوميّة وبشريّتها السارحة على بركة الله، تحت سقف أنظمة قاسية.
بساطة تلك المفردات التي توحي بأنها متداولة وعاديّة، لا تفتأ أن تتغير، طبيعتها في الدلالة والنبرة، بدخولها إلى مناخ النص الماغوطي، لا تفتأ أن تهجر عاديّتها إلى أفق آخر يسِمه بعض التعقيد، أفق الشعر والعزلة واليأس وانكفاء التاريخ على نفسه كقدِر من اللبن المتخثرّ في مواقد البدو.
تدخل تلك المفردات العاديّة إلى الأفق الشعر الكلي.
تكثر أداة التشبيه في شعر الماغوط وكتاباته، من بين تقنيات أخرى، تنتشل المفردات المتداولة إلى أفق الكثافة والتغريب. وان كانت في أماكن كثيرة تصيب النص بنوع من الوهن والتكرار. كلمة (تقنية) نستخدمها إجرائيا في شعر الماغوط، أي لا تذهب بنا المفردة- المصطلح إلى كون الماغوط يخطط ويبني ما يشبه المعمار الهندسيّ الدقيق. فشعره اقرب إلى صرخة الألم والاحتجاج وأقرب إلى العفويّة والتلقائية.

(ياعتبتي السمراء المشوهة،
لقد ماتوا جميعا أهلي وأحبابي
ماتوا على مداخل القرى
وأصابعهم مفروشة
كالشوك في الريح
لكني سأعود ذات ليلة
ومن غلاصيمي
يفور دم النرجس والياسمين)

تلقائية وعاديّة لكنهما يندرجان ضمن مناخ شعري مشترك الأواصر والسمات للجو الكليّ للقصيدة.
من هنا أعتقد أن الماغوط أثر في الشعر العربي الجديد على غير مسلك أو طريقة واضحة تماما فهو ليس صاحب معمار هندسي تنبني على أساسه قصيدته وتسطع أفكارها في دروب المخيلة على نحو من ضبطٍ وحساب وعقلنة في العبارة والصورة، إنه أقرب إلى التفجر الجوّاني والانفلات، وربما من هنا خطورة تقليده ومحاكاته من قبل شعراء في بداياتهم، الماغوط يستقطب قارئه المشغوف بقراءته عبر لعبة فنيّة خادعة في بساطتها وجاذبيّة هذه اللعبة وبريقها البراّني يخفيان منحا دلالياً أكثر خطورة خاصة في نصوص وقصائد بعينها. والمسلك الثاني، ذو القيمة الفنيّة يشبه مسلك الماغوط التأثري الذيّ أحاطه بذلك الضباب من الالتباس في مناسبة (شعر) وجعل الأصابع تشير إلى رامبو بودلير وإليوت ولماذا لا فهذا موجود في بعض نصوص الماغوط الجميلة؛ وهو المسلك بجانب موهبته الأكيدة، قد تخففّ من ضغط البدايات واندهاشها بالآخر، وفي هذا المسلك يتم هضم إنجاز الماغوط في سباق خاص، ربما أقوى وأكثر قيمة وربما أقلها، وهو يحاور النص الماغوطي من موقعه الخاص مستثمراً بعض إنجازاته الفنيّة وهو يحلّق نحو أفق آخر، تمليه لحظة تجربة شخصيّة وتاريخيّة مختلفة، وعبر تأمل آخر في الأسلوب وعناصره وتعدد منطلقاته وزواياه.

***
(مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي:
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكنّاسون
هذا القلم سيقودني إلى حتفي
لم يترك سجناً إلا وقادني إليه
ولا رصيفاً إلا ومرغني عليه)

هذه النبرة المأساوية، هذه الصرخة الملطخة بدم الاستغاثة هي من السمات الجوهريّة الأصيلة في شعر الماغوط ومسرحه وخواطره، لكن الزمن العربي خاصة والكوني، مضى ويمضي في قلب صيرورة احتشدت فيها كل عناصر التراجيديا وعتوّ قدرها ورعبها، بحيث أن أنبياء (التشاؤم) واستبطان وحشيّة الوجود والشر، ومن نُعتو بذلك، سيصيبهم الخَرَس أمام هذا المشهد المكتظ بأنقاضه وفنائه، والمكتظ بغياب القيم الروحيّة والمشاعر... وسوء طويّة الكائن البشري الحديث.
لم يعد هناك ((الأب)) الذي يتوجه إليه الماغوط أو غيره بالنداء، بالاستغاثة ورغبة الإنقاذ، صار الهلاك شهية الكائن وطعامه اليومي.
لقد توارى (الأب) تماماً، فرّ من هول المشهد أو داسته الأقدام وسط هذا الزحام العنيف.
ما الذي يشعر به قارئ الماغوط في هذه اللحظة بعد كل هذه التحولات والمجازر، ما الذي يقول ويشعر قارؤه بعد أن أوغلنا في قلب النفق، وما كان نبوءة واستشرافاً شعريا، أصبح واقعا عاديا مفرطا في عاديّته وألفته التي ينكسر أمامها ذلك الحزن الغنائي الشفيف في ضوء القمر، ليتحول إلى حزن سمكة القرش الأسطوريّة وهي تفترس صغارها وبشرها في مشهد قيامي بالغ القتامة والحلكة؟
ما الذي يشعر به قارئ الماغوط أمام تطور العبارة الشعريّة العربيّة أمام تلك التركيبات والثنائيات المبنية غالبا على المفارقة، نحو أفق أكثر تركيباً وتعقيداً بالمعنى الفني والدرامي للشعر والكتابة والزمن؟
ما الذي يتبقى من تلك القصائد التي هي ليست أفضل ما كتب، الماغوط، والتي تتبدى كألبوم تجميع لصور الحزن والألم والغربة والقمع والقدر الجبْري المظلم، التي تتبدى تجميعا شبه معلب برؤية مسبقة، وليس بحثا مضنيا في أحشاء الوجود واللغة؟؟
ما يتبقى من الماغوط الكثير.. وكما أشارت الشاعرة سنية صالح بأنه من أوائل من حملوا بوادر قصيدة النثر.. وأعتقد أنه وصل إلى أبعد من هذا الحمل، الى مناطق مدهشة في ضواحي هذه القصيدة التي باتت تشكل ما يشبه (سنترا) أو متناً إذا كان لهذا من أهميّة.
أشير في هذا المقام الإحتفائي برموز وعلامات في تاريخ الشعريّة العربية الحديثة وقصيدة النثر بشكل خاص، إلى أهمية الاحتفاء والكتابة والتقييم لواحد من أهم هذه العلامات وأكثرها بحثا وعمقا واستيعاباً للمنجز الثقافي العالمي وسطوعاً في سماء قصيدة النثر، هو توفيق صايغ الذي عانى الإهمال والقمع في حياته التي أفضت إلى الانتحار وما يشبهه وما زال يعانيه بعد موته بقدر كبير من التغيب والتهميش بقصد أو بدون قصد.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:32 PM
مسرح الماغوط: الكتابة بالسكين

http://saddana.com/up/images/dzuvcvzk9tvz0d0nig6u.jpg

صلاح حزين
(الأردن)

السكين لا القلم هو ما يكتب به محمد الماغوط أعماله، سواء كانت تلك قصائد أو مقالات أو مسرحيات، وهو يعمل القلم في ذلك الجزء الذي يبدو سليما من الجسد وينكأ الجراح المنتشرة فيه حتى لا تكون هناك راحة واسترخاء، وحتى لا تكون هناك طمأنينة إلى أن الجسد سليم معافى، فالجسد ليس سليما، بل مريض مثخن بالجراح من الرأس حتى أخمص القدم، والتغافل عن هذه الحقيقة يعني مزيدا من الجراح ومزيدا من الخراب.
السكين التي يكتب بها الماغوط هي سكين السخرية الجارحة القاتمة القاتلة المقطعة للأوصال، والجسد هو جسد المواطن العربي - بالمعنى الحرفي للكلمة - الذي أنهكته سياط الجلادين قبل أن ينهكه بؤس الحياة نفسها، والذي عانى من خيانات الأصدقاء أكثر مما عانى من طعنات الخصوم وهزمته الزنازين والأقبية قبل أن يهزمه الأعداء فتحول من "إنسان" يبحث عن مستقبل مشرق في وطنه الحر السعيد إلى "حطام إنسان" يبحث في حاويات القمامة عما يسد به رمقه.
وهذا البؤس وتلك القتامة ليست وليدة أخطاء هنا أوهناك، كما أنها ليست أخطاء في تطبيق نظريات التقدم السياسي والعدالة الاجتماعية حدثت في هذا البلد أو ذاك، بل هي وليدة خلل في المجتمعات العربية تراكم عبر تاريخ دموي مليء بالقمع والاضطهاد وتجريد الإنسان من آدميته، يتساوى في ذلك الحاضر مع التاريخ الحديث والقديم، والأمجاد التي يكثر الحديث عنها، هي مجرد قصائد تلقى وأناشيد ترتل وأغاني تؤدى، وهي في واقع الأمر نقيض الواقع والتاريخ معا، وما يزيد الأمر قتامة أن الذين يحاولون أن يغيروا هذا الواقع عادة ما يكونون حالمين أو انتهازيين، وإن نجحوا في إحراز نصر ما فإن هذا النصر محكوم بالوقوع في أيدي مجموعة من اللصوص وسارقي النصر والثورات والفرح.
في مسرحيات الماغوط يجد المتفرج نفسه وجها لوجه أمام التناقضات التي تعيشها مجتمعاتنا، وهي عديدة فهناك التناقضات بين طبقات المجتمع وفئاته؛ تناقضات الحاكم والمحكوم، الضحية والجلاد الثري والمسحوق المثقف والجاهل المناضل والانتهازي الثائر وسارق الثورة، وهناك تناقضات المجتمع مع قيمه؛ تناقضات بين الإنشاء الذي يملأ حياتنا عن واقعنا الزاهي وحياتنا الرضية ومجتمعنا المتكافل، وبين واقعنا الحقيقي الذي ينتشر فيه الفقر والجهل والظلم والاضطهاد ويسود التآمر وتكثر الوشايات والدسائس. تناقضات بين الإنشاء الفارغ الذي يتحدث عن المواطن باعتباره القيمة العليا في المجتمع وبين الحقيقة المرة التي ترى في المواطن عبئا ثقيلا يجب التخلص منه بالسجن (ضيعة تشرين)، أو بإقصائه خارج البلاد في غربة أكثر إذلالا من البقاء على أرض الوطن (غربة).
تكاد هذه الأفكار أن تكون قاسما مشتركا في أعمال الماغوط جميعا من شعر ومقالة ومسرح، ولكن بسبب الطبيعة الخاصة بالمسرح، باعتباره الفن الذي يطرح القضايا الكبرى للإنسان والمجتمع فإن السخرية تصبح أكثر حدة وتتسع مساحتها لتشمل الحاضر والماضي ولا تترك فسحة من الأمل للمستقبل في لوحة سوداء قاتمة لا تخترقها سوى أغنية شجية تنبعث من عمق المشهد أو نشيد حزين تتردد أصداؤه في جنبات المسرح.
مسرح محمد الماغوط مسرح أفكار أساسا، ولكنه لا يعبر عن هذه الأفكار من خلال أحداث متسلسلة تتطور دراميا نحو ذروة تحل في نهاية المسرحية، وعلى إيقاع هذه الأحداث تتطور الشخصيات وتتحدد مصائرها كما هو شأن المسرح التقليدي، بل من خلال معادلة مختلفة تماما، معادلة تتوالي فيها المشاهد واحدا إثر الآخر لترسم في النهاية صورة المجتمع الذي نعيشه وموقع المواطن فيه، وهي في العادة صورة داكنة لمجتمع منخور، أما موقع المواطن فيها فأكثر المناطق سوادا.
المعادلة المسرحية لدى الماغوط تبدو بسيطة لا تعقيد فيها، فهي تنطلق من وضع المجتمع أمام تناقضاته مباشرة، من دون أي محاولة للتنميق أو التجميل أو التزيين. تناقضات اجتماعية وسياسية وثقافية وقيمية تبدو في كثير من الأحيان مضخمة في صورة كاريكاتورية تستثير ضحكا أسود كالبكاء. والشخصيات في مسرحياته تنتمي إلى ذلك النوع المعروف بالشخصيات المسطحة(Flat Characters) ، وهي الشخصيات التي لا تتطور دراميا على مدى زمن المسرحية، ليس لعيب في تركيبها الدرامي أو في رسمها، بل لأنها تمثل قيمة ما أو طبقة أو فئة اجتماعية؛ في مسرحيات ضيعة تشرين وغربة وكاسك يا طن وشقائق النعمان، تقف كل شخصية فيها لتمثل فئة اجتماعية أو قيمة إنسانية ما. في "ضيعة تشرين" و"غربة" هناك المختار الذي يمثل السلطة، وهناك سكان الضيعة الذين يتوزعون على الفئات الاجتماعية المختلفة، وبعضهم يمثل قيما إنسانية نبيلة أو قبيحة؛ المدرس الذي يريد نشر التعليم بين جمهور الضيعة الجاهل، والعجوز غربة، التي تمثل الجانب المشرق والإنساني في مجتمع القرية، وفي "كاسك يا وطن" هناك المواطن المسحوق الذي يجاهد يوميا حتى "لا يبقى لديه من الوقت ما يمكنه من شكر الحكومة على كل ما تقدمه لمواطنيها" كما يقول. وفي المقابل هناك عشرات الانتهازيين والوصوليين، وهناك الجلادون بالمعنى الحرفي للكلمة، وهناك الناس العاديون الذين يعانون من الجهل والمرض والفقر من دون شكوى أو تذمر مستسلمين لها وكأنها قدر كتب عليهم، وفي شقائق النعمان هناك الشهيد الذي يفترض أن يمثل في بلادنا قيمة سامية، وهناك السكان العاديون الذين يتوزعون على الوطن العربي بأكمله.
على المستوى الفني تتحول هذه الشخصيات إلى شخصيات رقمية يلعب كل ممثل عددا كبيرا منها في محاولة لكسر الإيهام وتحويل الانتباه إلى خشبة المسرح للحؤول دون الاندماج مع ما يجري عليها بل اليقظة تجاهها، بطريقة تذكر بأسلوب بريخت الشهير القائم على التذكير بأن ما يجري على خشبة المسرح ما هو ألا رواية تروى. وقد مكن ذلك الماغوط من أن يوظف أكبر عدد ممكن من الأساليب الفنية لتعزيز أفكاره تلك من الميلودراما التي كثيرا ما نراها في قصة حب تنسج بين شاب وفتاة على هامش أحداث المسرحية، وحتى الفنتازيا التي تأتي من خلال مزج الأزمنة في مشهد واحد، في مسرحية "شقائق النعمان" يظهر أحد الخلفاء العابثين وهو يدندن بأغنية حديثة، أو من خلال مشهد يقف فيه المواطن البسيط في "كاسك يا وطن" على قارعة الطريق عارضا أبناءه للبيع. أو من خلال شخصية المرحوم، ذلك الميت الذي يشكو من الظلم الذي يلاحقه حتى بعد أن رحل من الدنيا إلى الآخرة.
في مسرحية "المهرج" يلجأ الماغوط إلى حيلة مسرحية مختلفة عبر مقابلة الماضي بالحاضر وهي حيلة أصبحت أثيرة لديه فكررها في معظم مسرحياته اللاحقة، وتقوم المقابلة في "المهرج" عبر استحضار شخصية "صقر قريش"، تلك الشخصية المبجلة في تاريخنا العربي ويحكم عليها بالعيش في زمننا الحاضر لتبدو المفارقة ليس بين مستويات اجتماعية مختلفة هذه المرة، بل بين ماض نعتبره مجيدا وحاضر لا مجد فيه على الإطلاق. والأوضاع المريرة في مجتمعاتنا الراهنة ليست نقيضا لتاريخ عربي مشرف ومضيء كما تذهب الأفكار الإنشائية المتداولة بكثرة في بلادنا، بل هي استمرار لذلك التاريخ، وهي منبثقة عنه. وهذه الأوضاع المهلهلة اليوم ما هي إلا تعبير حديث عن أوضاع أكثر هلهلة كانت سائدة في بلادنا في الماضي، وهي بالتالي الابنة الشرعية لذلك التاريخ الذي لم يكن مشرقا ومضيئا كما يقال، فهو في الحقيقة ممتلئ دما ورؤوسا مقطوعة وجثثا ممثلا بها، وأسلافنا العظام لم يكونوا في الواقع شجعانا عادلين مؤمنين بالضرورة بل كان فيهم المتهتكون والماجنون وعبيد الشهوات والملذات وصرعى الغواني.
المقابلة بين الماضي والحاضر موضوعة أساسية في مسرحيات الماغوط. ففي "ضيعة تشرين" يشير المواطن البسيط الذي يؤدي دوره دريد لحام إلى الأندلس باعتبارها وطنا سليبا، وإلى القصائد التي تقال في استرجاع فلسطين قائلا "إن لديه شعرا يستطيع أن يسترجع به الأندلس". وفي "كاسك يا وطن" تحضر الأندلس حين يتذكر ذلك المواطن أن العرب هم الذين كانوا يمثلون الاستعمار هناك.
في مسرحية "شقائق النعمان" يرسم الماغوط مقابلة الماضي مع الحاضر على مستويين مستوى مقابلة الحاضر البائس مع الماضي القريب الذي يتمثل في عودة الشهيد (دريد لحام) ليكتشف أن أخاه قد استولى على إرثه ولم يبق له شيئا فيضطر للسكن في المقابر، ومقابلة الحاضر مع الماضي البعيد حيث الخليفة يلاحق غانية في مشهد ويأمر بقطع رأس أحد المعارضين في مشهد آخر لتكتمل صورة الماضي الذي لا يقل بشاعة عن الحاضر.
لكنه في مسرحية "المهرج" يسترجع الماضي ليقول شيئا مختلفا، فهو يسترجع الماضي في صورة شخصية عبد الرحمن الداخل "صقر قريش"، الذي يجد نفسه في مواجهة آلة القمع في الوقت الراهن بما فيها من حداثة وقسوة فيضعف أمامها ويتحول، هو البطل التاريخي الهارب من بطش العباسيين وفاتح الأندلس ومؤسس الخلافة فيها، إلى جبان رعديد غير قادر على الصمود أمام آلة القمع الحديثة الجبارة.
لقد نظر الماغوط حوله فرأى القتامة والسواد والخراب. لم يهمل الناس البسطاء الذين يجابهون كل هذا الظلم بالصبر وبالأغاني الجميلة، ولم يتجاهل وجود أوجه للخير في مجتمعاتنا، ولكنه الخير المسروق دائما حيث يكافأ الشهداء بالطرد والزجر والإقصاء، و يكون مصير أبنائهم الإهمال والحرمان والتجاهل. ولم ينس الماغوط أن هناك كوى للأمل في هذه الصورة السوداء، لكنها بالنسبة له مجرد كوى متناثرة هنا وهناك، أما مجمل الصور فقتامة تشمل الماضي والحاضر وتلقي ظلالها على المستقبل، لذا فقد اختار الاستفزاز والكتابة بالسكين، فمن غير الماغوط يمكنه أن يعطي أحد كتبه عنوانا مثل "سأخون وطني"؟ أو لمسرحية عنوانا مثل "كاسك يا وطن"؟

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:35 PM
شهادة
ما زالت رائحة صوته تتردد
في كثير من الوالهين بالكتابة الشعرية

http://saddana.com/up/images/5503tw8ecdisi5be5hgp.jpg



غازي الذيبة
(الأردن)

تشبه لحظة اكتشافي لمحمد الماغوط شاعرا وناثرا، سفرا جديدا ورحلة خاصة، لهما طعم الاختلاف والغرابة الممزوجة بالدهشة المثيرة للأسئلة، فهذا الشاعر الخارج للتو من بر الطزاجة اللغوية، والعفوي، صاحب الوقع المفاجئ في الكتابة الشعرية والنثرية، والمتمرد الصاخب، والمندفع في ذهابه للحرية، يمتلك طاقة غير عادية على الجاذبية، بلغته المشفرة والعميقة والبسيطة التي تمنح قارئها خلوصا الى المعنى، وتذهب بالنص الى مناطق ما كان منشغلا بها قبل محمد الماغوط.
كانت الأسئلة وما زالت تتردد في داخلي، حين أصاب بوله ما، وغالبا ما كانت الكتابات الفاتنة هي التي تثير حاستها تلك في ّ، وتمنحني ولهها الفريد، الذي يتمكن من وضعي في دائرة الانشغال بها دون توقف.
ومحمد الماغوط هو الاسم الحركي لبعث هذه الدهشة.
السفر الخاص وطعم الاختلاف.

***

مثل ومض حاذق ينصب فخاخه، يدفعك الى قراءته بنظرة تبدد السكون فيك، تحرضك على أن تخرج على صمتك وسكونيتك المريبة، يدفعك الى الاحتجاج على الصمت، والاحتجاج على الوقوف في متاهة البلادة والبله، يخرج بك من كينونتك الصغرى الى فضاء تسبح فيه طيور زرقاء وخضراء وحمراء وبنية، طيور مشغولة بالتعدد والألوان والتحليق والخروج على الرمادي.
انه شاعر ممتلئ بالقلق، وقلقه معد، يجتاحك، ليعبئك بوجوده الكامل، تقرؤه لتصاب بالألفة، ولتذهب الى مكان جديد، تستطيع أن تصرخ وتضحك وتميل برأسك فيه، ولتقول أنك لا تفهم شيئا منه، أو أنك تفهمه، أو أنك لا تريد أن تفهم أو تريد أن تفهم، فالأشياء تصبح مثار توتر عال حين يكون الماغوط حاضرا، وهذا التوتر يفصح عن حاجة ملحة فينا للانعتاق والذهاب بعيدا في غواية الحرية وذهبها.
قصائده المتناثرة في أعداد مجلة شعر اللبنانية أو السورية ـ لا فرق ـ تشبه الغرابة في امتحانها الأول، الغرابة وهي تحاول قنص مكانها في المفاجئ والمثير والمحمل بالاختلاف، أوقفتني بهدوء عند ومضها الحاذق، ثمة سحب جديدة، وفضاءات ذات لون لم أره بهذه الكثافة من قبل، وعند هذا النوع الجديد من الكتابة التي تسمي نفسها شعرا، ولكنها بلا وزن وبلا قافية وبلا إيقاع مباشر، كنت أمضي باتجاه الاكتشاف، كان هذا في ثمانينيات القرن العشرين، ولم أكن بعد قد قرأت كتابا كاملا الماغوط، الشاعر والمسرحي وكاتب المقالات الإشكالي والروائي لاحقا، فقد كانت كتبه شبه ممنوعة من الانتشار في أمكنة عديدة على ما بدا، ربما لأنها مشحونة بكمية هائلة من الهواء النظيف، مما يفقد الذين أدمنوا تنفس الهواء الوسخ أعصابهم، ويجعلهم يشدونها من الغضب على من يفضحهم،
ويعريهم أمام ضحالتهم، حين يمنعون كتابا أو قصيدة أو مقالا، أو لوحة فنية، كما كان يحدث وما زال، وحتى أجمع أجزاء صورته التي صارت تتقاطع كلما تعرفت نصا أو مقالا له، بدأت أبحث عن كتبه فيما تيسر لي من مكتبات ولدى الأصدقاء، ثم عرفت أنه مؤلف مسرحيات: " ضيعة تشرين " و" كاسك يا وطن " و"غربة " وكان صدى عروضهن يتردد في أنحاء العالم العربي، ومن ثم صنعن شهرة غير عادية للممثل دريد لحام الذي كان يقوم دائما بأدوار البطولة فيهن، وظلت الصورة ناقصة، غير مكتملة، تبحث عن قطع مفقودة في اللوحة، فمحمد الماغوط على ما استطعت أن أعرف من خلال الأجزاء القليلة التي قرأتها آنذاك من كتابته، يصيب بالدوار، كتابته مستفزة وغامضة، حد إثارة السؤال وتعميق السجال فيه، إنها أيضا، كتابة جميلة حتى الألم، مبهرة، تأخذك منذ لحظتها الأولى الى تقليدها، لكنها صعبة الانقياد، جودتها عالية، ونبرتها الإنسانية حقيقية، فبطلها شاعر يعترف فيما بعد أنه كتب وسيظل يكتب، وغير معني بتسمية أو تصنيف ما كتبه كثيرا، المهم أنه كتب وما زال قادرا على الكتابة.

***

توقفت كثيرا عند ما أصابني بسبب مسرحياته التي أثارت جدلا واسعا حين بدأت تعرض في البلدان العربية في السبعينيات والثمانينيات ، وتساءلت عن سر هذه الشعبية العريضة لما يقدمه هذا المسرح ، الذي استحق وعن جدارة أن يكون جماهيريا ، محملا بنبرة صاغها نقاد متعبون من البحث عن مصطلح لائق به واستعاروا تسمية المسرح الملتزم ، ليشيروا إليه دون التباس ، ولأنه يحمل هوية ماغوطية سحرية ، ولم تكن هذه الهوية ، ليلة عرض أحدى مسرحياته في قاعة العرض تترك مقعدا فارغا ، ولم نكن نلمح إيماءة منه في مسرحية لم يكتبها ، حتى نقول : محمد الماغوط هنا أو هناك ، واستطاعت مسرحياته القلية التي عرضتها تلفزيوناتنا العربية بمناسبة وبدونها ، أن تقدم نوعا جديدا من المسرح ، له مفرداته ومضامينه الجادة والجذابة ، لكن هذه المسرحيات التي كنا نشاهدها ، كانت بعيدة عما ضمنه الماغوط بين دفتي كتب ووضعها في مجموعة أعماله الكاملة ، لتقدم لنا مسرحا آخر مختلفا ، يقرأ بطريقة أكثر سبرا لفهم الماغوط عن المسرح ، غير أن الروح الفائضة بالسخرية والتهكم والنقد التي رافقت مسرحياته التي عرضت على خشبة المسرح وشارك فيها دريد لحام ، ظلت تطارد مسرحه المكتوب والأكثر قربا من الجدة ، فحين قرأت مسرحيته " العصفور الأحدب " مثلا ، أصابني بوجع في ظهري لبعض الوقت وجعلني أمتلئ بالضحك المر لوقت طويل .
ان كتابته المؤثرة والعميقة تقرأ الذات، وتتمكن منها بسهولة، حتى وهو يقدم نصا غير شعبي، أو نصا مثقفا جادا ومتزمتا لقوانين اللعبة المسرحية، ويمتلك تلك الصيغ المحمومة بالتناسق والتناغم الهارموني، لكن مسرحياته الشعبية التي كان التلفزيون يعرضها بعد تسجيلها في عروضها على المسرح، كانت تثير رغبتي لمشاهدتها و كانت مع مسرحياته " المثقفة " تجعلني حائرا متسائلا: لماذا يكتب الماغوط نصوصا جارحة كهذه ؟ من أين يبتكر هذه الأحداث ؟ وشخوصه الذين يفرون من جلودنا، لماذا يستلهم من أجسادنا ليعيد صياغتهم بأرواحهم المتمردة والمدمرة بسبب العسف والطغيان والقمع ؟ كيف تمكن من رصد حيوات هذا العالم المريب والقاهر والأسود، بهذه الروح السلسة والبسيطة والبعيدة عن السوداوية المخربة ؟ ما الذي يريدنا أن نفعله من وراء إثارة حاستي التساؤل والتمرد فينا ؟ نعم.سرح هذا الذي يبتكر نظامه من إعادة تشخيص الواقع دون رتوش كثيرة ؟
نعم .. محمد الماغوط معلم كبير في كتابة الحرية والألم والحياة والواقع، سجل اسمه بريشة هذه الحيوات، وهكذا بدأت أتعرفه شاعرا ممتنا للحرية أكثر المساحات توقا لبحثه الإبداعي وانطلاقا في ذاته المتمردة والضاجة بالغناء لها، فهذا الطائر المجروح في الوطن العربي والذي يحمل اسم الحرية، ما هو إلا ابن حلمنا المصاب بالسجون والطغاة، ولأجله يخبط الماغوط أجنحته باتجاهه في حرقته العالية، حرقة كسر القيود التي عرفت لاحقا أنها نهشت الماغوط.

***

علي أن أعترف أن قصيدة النثر التي شغلني الماغوط بها الى جانب عدد من شعرائها العظام، لم تكن تحمل في هوائها غير جهة طلقة وحيدة حين انعتقت في سماء الشعر العربي في الخمسينيات، هي جهة الحرية والتحرر، فما أنتجته تلك الحقبة، وما تلاها من نتاج في هذا الفضاء الفسيح الذي أطلقنا عليه فرحين ومرتبكين اسم قصيدة نثر، كان بفعل توهج الرغبة العربية في اتجاه الحرية، حيث كانت الاستعمارات آنذاك تأكل أيامها الأخيرة، وكانت الحاجة تلح لكي تبني إنسانا عربيا يدرك معنى أن يكون مستقلا، بعدما نسي في حمأة الاحتلالات لأوطانه كينونته ككائن له حقوقه.
الحرية إذن هي التي دلت على قصيدة النثر، في انشغالاتها العظيمة، وفي ترجمتها لهموم الذات ا لعربية، الذات التي تستشعر كمية هواء كبيرة في رئتيها، وعليها ان تتعامل معها برحابة وطلاقة، الحرية التي كانت قصائد ومسرحيات الماغوط تتنفسها بحرية جميلة، حرية، تكون الكتابة فيها تعبيرا خالصا عن الإنسان في تحولاته وتبدلانه وحاجاته.
مجرد قصائد متناثرة في مجلة شعر التي كانت ضمن مجلدات لما صدر من أعدادها، عرفتني بمحمد الماغوط.
لقد حيرتني هذه الكتابة / القصائد، وأمام هذا النوع الجديد منها، حتى في شكله الهندسي، وأمام هذه الانقلابة المريبة التي صارت تذهب بي الى هؤلاء الذين يكتبون بطلاقة لا قيود فيها، محملين بعيون الناس في شوارعنا وهمومهم وآلامهم وغموضهم وانتكاساتهم ( كنت آمل أن أقول أيضا: وانتصاراتهم، لكن.. ) استطعت أن أشعر بالارتباك والحيرة والدهشة في آن واحد. انه عالم جديد.. عالم أوسع مما تخيلت، ومغامروه ليسوا خارج منطقة الحلم الذي أتطلع إليه: التغيير.
أصابتني هذه الكتابة الماغوطية بمسها ، الى جانب كتابات شعرية لـ : فؤاد رفقة وسعدي يوسف ونزار قباني وأدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وخليل حاوي والسياب ، وكل كتيبة مجلة شعر التي دفعتني الى أن أقرأها منذ المجلد الأول وحتى الأخير ، وحضتني على القراءة في مداراتها الجديدة والغريبة على ذائقتي التي تعرف الشعر في صورته السائدة آنذاك ، كان هذا الشعر الجديد مبعد عن السياق العام للشعر العربي الذي أعرف شكله وأوزانه ومواضيعه المنشغلة بالهجاء والمدح والوصف والحماسة والغزل والمباهاة وغيرها من التصانيف التي كان يضعها مؤرخو هذه الأنواع ، وعلى ما كنت أظن ، اعتقدت أنني صاحب هذا الاكتشاف الخارق والوحيد لهذا المجال الحيوي من الكتابة التي أسمح لنفسي أن أسميها كتابة حرة ، واعتقدت كذلك أن الماغوط أحد أسراري الخاصة ، الذي ما إن ذكرت اسمه أمام بعض الأصدقاء ، حتى تحسسوا ما يحملونه من كتب ، لكنني لم أهتم لذلك ، ذهبت الى كل تلك الكتيبة ، وبدأت أنحرف عن الكتابة السائدة بفضلها ، وبدأت أعي أن الماغوط واحد من قلة يستطيع تطويع الكتابة الى أن تصبح في متناول الجميع ، ودون أن تظهر على وجهها تلك الثقوب المميتة .
لقد كان محمد الماغوط.. شاعرا نوعيا ، منذ أطلق قصائده الأولى في مجلة شعر وغيرها من الدوريات ، لم يكن عاديا ، ولم يكن منمطا ، أو خاضعا لسيرة " شعر" التي شكلت ما يشبه النهج الكتابي الجديد عندما أصدرتها جماعتها ، لكن كل من كتب فوق صفحاتها كان يحمل حنجرته الخاصة ، يصرخ أو يغني بأوتاره الصوتية هو ، لا بأوتار غيره ، وقد راحت كتابات الماغوط لصناعة مثل هذا التوهج ، الذي شدني ببساطته وغموضه وغنائيته الرفيعة وجموحه وتوقه الحميم للتحرر من فضاء العادي ، والمضي في تمجيد الحياة واحترام المهمل ، ونبش المسكوت عنه وإماطة اللثام عن التفاصيل ، وقراءة اليومي بطريقة تثير الحب واستخدام المفردات الممنوعة دون خوف أو تربص ، وتأنيق النص كما لو أنه زهرة الجمال الفريدة .
ومثل أي مفاجأة حارة، قرأت الماغوط، ليخلف فيّ انقلابا نوعيا في التوجه الى الكتابة الحرة، كتابة العالم والحياة، بكامل بهائهما وغضبهما ونزقهما وتفجرهما وترددهما، وللحق كان شركاؤه في التأثير علي كثر في هذا المدى المؤرق، لكن أثره العذب جعلني أمتن لمنجزه في الكتابة، وأنحاز الى مغامرته التي لم تتوقف حتى وهو يمارس بعض كتابة المقالات في مجلات متناثرة مؤخرا، من باب استعادة الصوت لا أكثر ولا أقل، لكنها استعادة ملتبسة.

****

لقد تسنى لي أن أقرأ بكثافة مبالغ فيها أحيانا، أو ـ ربما مضرة ومسببة للتزمت ـ ما توافر في مكتبة أمانة عمان الكبرى وسط العاصمة، من كتب ونصوص الشعر العربي القديم بفترته الواقعة ما قبل الإسلام وما بعدها، وفي دهشة الاكتشافات الكثيرة التي ارتكبتني حين اقتربت من طرفة وأبو نواس وامرئ القيس والأعشى والنابغة الذبياني ولبيد والأخطل والفرزدق وجرير والمتنبي وأبو تمام وحسان بن ثابت والبحتري وعروة بن الورد وعنترة، وغيرهم ممن هجمت عليهم واحدا واحدا، كي أربي قريحتي على الأصالة، وجدتني ألتفت الى مساحة أخرى، أريد من خلالها أن أتعرف على الكتابة، ليس بمفهومها الذي عودتني عليه قراءاتي تلك، بل بما هو جديد ومغاير، ولكن أين سأجد ذلك، أين سأمسك بنصوص تربكني كالتي قرأتها للماغوط وأنسي الحاج والسياب ؟ أين ؟ وترددت في أسئلة مرتابة تبحث عما هو مختلف: هل شعرنا العربي كامن فيما قرأته من النصوص العربية القديمة والمنشغلة بالفخامة الأسلوبية، الذاهبة في تقاليد القصيدة الكلاسيكية الى أقصى عنايتها بالإيقاع والوزن والمعنى والتركيب والصورة ؟ أين المختلف من هذا الشعر المتفارق والجديد مع الشكل الهندسي والروح للقصيدة العمودية ؟ لم يكن هذا هجاء للكلاسيكي بقدر ما هو بحث مضن عما يمكنني من ممارسة ما قام به الكلاسيكيون أو القول. بعض مراحل توقدهم من بحث وخروج إلى مناطق جديدة في تصوراتهم عن الشعر والكتابة والقول.
لم أكن بعد قد وعيت أن مثل هذه الأسئلة ستقودني الى معركة عنيفة: التمسك بالشكل الذي عرفته للقصيدة والشعر العربيين أم التحلل منه، والبحث في مناطق أخرى تساعدني على قراءة تشبع حواسي المدربة على فخامة القصيدة الكلاسيكية، وآنذاك كنت قد بدأت أعنى بقراءة الكلاسيكيين العرب الجدد أمثال عمر أبو ريشة والجواهري وأحمد صافي النجفي والزهاوي وإبراهيم ناجي والياس أبو شبكة وإيليا أبو ماضي وإبراهيم طوقان وأبو سلمى وغيرهم، لكن تلك القراءات ما دفعت بي الى الاسترخاء في هدأتها، فالنفس أمارة بالخروج الى مناطق لم أعرفها من قبل، والنفس مشدودة الى المغاير، الذي كنت أقرأ بعضه لماماً في هذه الصحيفة أو ذاك الكتاب، والمغاير هو تلك النصوص كان تعرفي عليها، محروسا بخوف شديد من أن تتسرب إلى، بحكم التقاليد التربوية في مدارسنا، لذا اقتصرت قراءتي لها على التعرف على هذا النوع الكتابي الذي حاولت أن أرغم نفسي على عدم الاقتراب منه كثيرا، وبقليل من الجرأة تقدمت الى أرفف المجموعات الشعرية العربية الحديثة، قرأت نزار قباني في غزلياته الفاتنة، وهجائياته، قرأت السياب في أساطيره وانشغالاته التموزية، قرأت خليل حاوي الخارج على أعراف القصيدة العربية السلسة، قرأت بعضا من محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو، قرأت لكتاب قصيدة التفعيلة الذين مر بعضهم علي في مجلة شعر سابقا، لكن محمد الماغوط لم يحضر في مجموعاته الشعرية بعد، وكنت بحق أتشوق لكتاباته الشعرية والنثرية، وأتحين الفرصة لأجد شيئا منها، لكن ذلك لم يحدث إلا في وقت متأخر، فمع نهاية الثمانينيات، بدأت أحصل على كتب هذا الشاعر الذي حين قرأته أول مرة، فاجأني باستخدامه لبعض المفردات الضالة في الكتابة العربية، فأعاد لها رونقها، ووضعها في سياقات ارتاحت الكلمات لها، فبدت وكأنها جديدة، ابنة اللحظة الراهنة.
وبعدها تسنى لي قراءة ما صدر من أعماله الشعرية والمسرحية والمقالات، وعرفت أن صورة محمد الماغوط لا يمكن أن تكتمل بقراءة شعره ونثره وحدهما، وستظل ناقصة الى حين أن أراه، لكن محاولاتي لرؤيته باءت بالفشل، فحين زرت دمشق ليوم واحد، بحثت عنه في مقهى الهافانا كما قالوا لي، لكنه في ذلك اليوم الذي نسيت تاريخه من عام 1993لم يكن حاضرا، ثم غادرت الى اللاذقية، لأقيم فيها بعض الوقت، لكن الماغوط ظل ماثلا، ابحث عنه في مكتبات اللاذقية، وهناك وجدت بعض أعماله التي رافقتني أثناء زيارتي القصيرة والوحيدة لسوريا، فقرأتها مرة أخرى.
وحين صدر له رواية " الأرجوحة " وكتاب " سأخون وطني " عن دار رياض نجيب الريس، بعد غياب طويل نسبيا عن النشر والكتابة، كان محمد الماغوط هو هو، لم تتغير نبرته الفذة في اقتفاء أثر الحرية والمعادن النبيلة في الحياة وفي الكتابة، كان صوته رغم سني عمره المرهقة، ورغم المرض الذي أخذه الى أحد مستشفيات باريس قبل أعوام، عاليا ونقيا، لا تشوبه ارتجافة الوهن ولا سنوات الكهولة، كنت أتلمس فيه ذلك الشاب الذي قرأته قبل سنوات بعيدة، والذي أدهشتني حكايته حين كتب مسرحيته العصفور الأحدب في قبو، وكان متخفيا عن الأنظار لأنه مطارد ومطلوب لأسباب سياسية.
على يديه تعرفت طويلا على الهواء الطلق للكتابة المفعمة بالحنكة والجرأة والبعيدة عن المباشرة الفجة، وعلى يديه تمكنت من تذوق فاكهة جديدة من شعرنا العربي، فهو واحد ممن شكلوا وعي أجيال من المثقفين والشعراء والكتاب العرب، وما زالت رائحة صوته تتردد في كثير من الوالهين بالكتابة، ولن اغفل أثرا له في كتاباتي إذا ما دققت فيها قل

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:43 PM
شهادة
صوت من سلمية

http://saddana.com/up/images/a9wja4ubhmefb1gspes1.gif


محيي الدين اللاذقاني
(سوريا/لندن)

بعد خروجه من الإبرة يظن الخيط انه هو الذي ثقبها، وبعد مغادرتنا للأمكنة التي نحب نكتشف أنها لم تغادرنا وأننا ثقبنا بفراقها دون ان نبرحها، ولم يكن في الشعر الإنساني كله أرشق من كافافيس، وهو يعبر في "اسكندرياته" عن ذلك المغزى العميق لأمكنة تتغلغل فيها أرواحنا وتأبى ـ وان غادرتها ـ ان تفارقها.
لقد كانت "سلمية" السورية في شعر محمد الماغوط قبل ثلاثين عاماً ونيف، آخر دمعة ذرفها الرومان على أسير فك قيوده بأسنانه، وها هي تعود اليوم في شعر أسامة الماغوط على شكل قبيلة آسرة تظن انك خلعتها فتلبسك عباءة تحت الجلد وليس فوقه وهنا خطورتها.

ها أنت عار من كل قبيلتك ان أردت
تدنو من الخيمة التي تريد
معك رجولة ترفعها كسارية
لكن حين تخرج سأراك تجتر قصة عن أبيك
أو تبحث في الرمل عن صلاة الأم البعيدة

ولم ينس الماغوط الصغير ان يستلف من الماغوط الكبير عبارته المضيئة في الحنين الى سلمية "إنني راحل وقلبي راجع مع دخان القطار" وبهذه العبارة استدعى المقارنة بين سلميته، وسلمية محمد الماغوط وسلمية صاحب الناقة القرمطي الذي دمرها ليتخلص من حبها، وما استطاع الى الفكاك منها سبيلا، فسلمية واحة من العيون الخضر على كتف صحراء عطشى، ولا شيء يغري المخيلة مثل تجاور العطش والري وصراعهما قبل استسلام أحدهما.
ومشكلة أسامة الماغوط في ديوانه الجديد "بوح الحكايا" في كثرة الاستشهادات العميقة ذات المدلولات الوجودية الرهيفة في الشعر والحياة، فهو يستعير لقصيدته "سطور في بقايا دفتر" عبارة ابن عربي:
"كل سفينة ريحها ليست منها فقيرة"
وبعد عبارة بهذا الاختزال والتكثيف ماذا يستطيع أي شاعر ـ وان كان فحلاً ـ ان يقول أو يقرزم..؟
وفي قصيدة "حكاية الشهوة" يستعير من ابن عربي أيضا قوله "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه".. أما من
إليوت فيأخذ لقصيدة "حكاية الحكاية" عبارته التشريحية الموفقة:
"الكتابة تحويل الدم الى حبر".
وفي قصيدة أخرى يستلف عبارة ريلكة "اللغة مسكن الكائن" مع استشهادات وأقوال كثيرة أخرى خلقت له ضمناً مشكلة المقارنات، فمع أقوال من هذا النوع يرتفع سقف التوقع عند القارئ ولا تكون النتيجة لصالح الشاعر مهما كان مجيداً، وأسامة الماغوط من الشباب المجيدين، والإحساس بقصائده وشاعريته سيكون أفضل لو لم يزرع على بواباته تلك المفاتيح التي صكتها القمم من أرباب صناعة الكتابة وأخدان القلم والألم، انه شاعر مميز ذاك الذي يقول:

يا شيئاً من الرمال
وشيئاً من البحر
احترت ما سأكون
فتمددت شاطئا
والذي يقول أيضا:
كل ساعة تمر
تحمل ستين دقيقة معها وتمضي
إلا ساعة حضورك
تحمل ستين حكاية
تبقيها وتمضين

وفي الديوان الصادر عن دار الطليعة الجديدة بدمشق مفارق مشعة كثيرة تنبئ عن شاعر أدرك حكمة كيركهارد:
"تعاش الحياة باتجاه الإمام لكن لا تفهم إلا بالعودة الى الوراء". ومن شأن فهم وجودي يستند الى كيركهارد وابن عربي ومحمد الماغوط ان ينتج شعراً مثقلاً بالبصمات الخاصة والبراعم المتفردة التي وان لم تزهر كاملة في هذا الديوان ـ ولعله الأول ـ فإن الأفق الفسيح ما يزال أمامها لتتفتح على مهلها مالئة فضاء سلمية ودمشق بما يليق بتاريخهما الساحر من العبق والشذى.

المصدر : جريدة الشرق الأوسط 27 نوفمبر 2001

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:45 PM
ساعة مع محمد الماغوط

http://saddana.com/up/images/tn2x5qwldauhk6y3tyvp.jpg
عباس بيضون
(لبنان)

لا اذكر أول من قال لي بأن محمد الماغوط لا يتحرك من بيته وانه لضخامة ما صار إليه لا يستطيع أن يشيل جسده. قال انه يشرب نبيذا مخلوطا بالجِن وانه يعرض على طاولته أصنافا كثيرة من القناني الفارغة. ولا يتوقف مع أمراضه عن الشرب والتدخين. لم أكن رأيت محمد الماغوط منذ زمن بعيد، كان حينها ممددا على كنبته يعاني الديسك، لكن فكرة أن يحبس نفسه بين قنانيه الفارغة كانت بالنسبة لي ذات نهايات درامية، كانت تستدعي هاملت ولودفيغ فيسكونتي وحتى طيار سكورسيزي المتأخر، وهم يتحررون من أنفسهم وحيواتهم ويمنحونها بلا حساب لنوع من الانتحار الآلي اللاواعي أو حتى الجنون الإرادي. تحت وطأة صور كهذه. تهيبت كثيرا لقاء الماغوط. لم اعرف ماذا يمكنني أن افعل مع شخص حسم أمره على هذا النحو، كان كل جدل وكل كلام بالتأكيد خلف ظهره، ولم يكن ممكنا ولا حتى أخلاقيا أن أشده من تلابييه لينظر إلى الوراء أو حتى ليسمعني.
في حفل ذكرى ممدوح عدوان رأيت الماغوط على الشاشة، وهو يلقي كلمته في ممدوح. كانت فكرة تصويره ذكية بلا شك لكنها مخيفة. أنها تعكس غيابا من نوع آخر، ليس موقتا ولا عرضيا على الأقل؛ غيابا أشبه بأن يكون طبيعة أو حتى مصيرا. كان التصوير إعلانا عن وجود مهدد، أو وجود معلق، بدا الماغوط في أول الشريط من وراء باب أو ساتر كأنه في مكان لا تبلغه الكاميرا، في داخل خاص، بدا وجهه وجسده ثقيلين ومتعسرين. ثمة صعوبة هنا تطغى على كل تعبير، قام بحركة قبل أن يبدأ القراءة، ربما أطفأ سيجارته وهو يتطلع من وراء عبوسه ونظارتيه السميكتين. بدأ يقرأ لكن الحشرجة ابتلعت أحيانا نصه، كان علينا أن نصيخ جيدا جدا لنلتقط الكلمات. نجحنا في أن نسمع لكن الحشرجة ظلت التي في ذاكرتنا وكأنها الهدير الذي يسبق مرور طائرة. بدت الحشرجة تقريبا الصوت الطبيعي لتلك الهيئة المقطّبة، سجينة مكان ما أو حتى سجينة شيء ما.
في الليلة ذاتها أسرّ لنا محمد ملص أن الشريط ممنتج. قال هذا على كأس، وفي عتمة الحانة جعل تصريحه الأمور أصعب. كان هناك فوق ذلك كذب التقنية، إلصاق ووصل. في ذلك كله ما يوحي أن في الأمر تركيب حياة.
حين تمت دعوتنا إلى زيارة الماغوط تلبكت، لكنني جلست مع جودت فخر الدين وسيد محمود وعبلة الرويني في الجيب وقفزنا في النهار العاصف.
صعدنا طابقا واحدا بحسب سيد محمود تكرر ثلاث مرات. مررنا مسرعين في الكوريدور. كانت تنتظرنا على الباب صبية سلمنا عليها من دون أن نتبادل معها كلمة أو ننظر إليها. تركناها تستقبل غيرنا وأسرعنا في الكوريدور. ها هو محمد الماغوط فارشا جسده على كنبة وقبالته محمود درويش مضغوطا في طرف كنبة أخرى. أيام طويلة انقضت، عشرون سنة تقريبا، لم يتغير. كان فقط في صورة مكبرة، كل ما فيه بالكبير. بدا ذلك أكثر من أن يكون حقيقيا. كان موجودا وكأنه عملاق نفسه. عيناه. عيناه الكبيرتان المسلطتان النافرتان في العادة غدتا هائلتين. كان من الصعب معرفة إذا كانتا بهذا الحجم تملكان النظرة ذاتها، كان وجهه بملامحه المتضخمة اقل هماً مما بدا في شريط ملص، بدا أن (الصحة) طردت كل هم. بلا تجاعيد بدا وجه محمد الماغوط معفيا من العمر، بل معفيا من الوقت، أن لم نقل معفيا من الحاضر، كأنه صار، هكذا، شيئا من الحكاية أو شيئا من السحر. كان بعيدا بهذه الصفة وكأنه في غير لحظتنا وغير نورنا، لم تكن أمامه القناني الفارغة التي سمعنا بها، ربما بالغوا في ذلك. ربما شالوها من أمامه لكنهم لم يشيلوا صينية الطعام الصغيرة الملأى التي ظهر في طرفها كرواسان في كيس بلاستيك. هل استعد لهذه الزيارة المزمعة سلفا. إذا كان استعد فإنه لم يهتم بأن يبدل ثيابه. بقي يرتدي ثلاث كنزات بارزة من تحت بعضها البعض بأي ألوان وأي نسق، أشبه في ذلك بمسني الضيعة الذين يكافحون البرد بكل ما في خزائنهم. لم يلق بالا بالطبع لسروال بجامته. كان مفلوشا على كنبته في تلك الصالة الضيقة نسبيا والتي يتقارب جداراها المليئان بلوحات أصلية نصفها، نصفها تقريبا بورتريهات متعددة الأحجام لمحمد الماغوط نفسه. البورتريهات التي تقدمه في أعمار مختلفة. من أوائل الشباب حتى الكهولة، وبدت شريطا صامتا لحياة محمد الماغوط وشهودا صامتين عليها.
مسرورا كان محمد الماغوط بزيارة ضيوف ذكرى عدوان. كان في هذا تكريم قبله بامتنان وقطر صوته حفاوة بالقادمين. كان هناك في داخل الغرفة درويش وحجازي وفخر الدين وبزيع وسيد محمود وعبلة الرويني وشبان سوريون بالإضافة إلى وزير الثقافة محمود السيد.
لم يقل الماغوط كلمة ترحيب لكنه لم يحتج إلى ذلك. بدت في وجهه.
شاء فقط أن يكلم ضيوفه، اختار أن يبدأ من مطارح حميمة ومجربة. قال انه جاء إلى الأدب بغير استعداد، لم يحلم بأن يكون أديبا، لولا المصادفة لكان تزوج بابنة عمه وبقي في بلدته. يسره كما أظن أن يقدم نفسه على هذا النحو، أن يبدو وكأنه لم يتقصد شيئا، أو انه أكثر فرادة من أن يأخذ شيئا بجد. حياته الطريق. هو ملك التسكع وطفل الحرية، والمصادفات تتكفل بكل شيء. أحب أن يروي مجددا قصته عن دخوله الحزب القومي الاجتماعي، حكاية لا تخطئ أبدا وقعها. روى كيف وجد مكتبه اقرب إلى بيته وكيف أغراه موقد المكتب بأن يدخل ليتدفأ. (لم اقرأ شيئا من أدبيات الحزب)، يصر ولا تعرف عندئذ إذا كان يتنصل من أدبيات الحزب أم من القراءة بجملتها، وتتساءل إذا لم تكن تلك الحكاية الذائعة عن فطرية الماغوط وبساطة ثقافته من صنعه أيضا. قال انه يكتب كل يوم ويملأ دفاتره بقصائد ستظهر بعد ذلك.
بدا أفضل بكثير مما رأيناه في شريط محمد ملص، كان هذا مجلبة لمزاح حول نظرة ملص ونواياه. انتبه الماغوط إلى كلامنا عن ملص لكن فاتته النكتة التي فيه، ظن أن المقصود هو بطء ملص المشهود وقال معلقا انه يفضل ملص لفيلم عنه، لأن فيلما كهذا لن يقيض له أن يراه وربما لن يقيض له أن يرى النور. رفع رأسه وقال لمحمود درويش انه كتب قصيدة عنه، طلب منه محمود أن يقرأها لكنه رفض ولم يلح درويش. نظر إلى أحمد حجازي وقال انه أحب قصيدته لاعب السيرك. قال أن خالدة سعيد نصحته بقراءتها، كأنه بذلك يحافظ على صورته الفطرية ويتجنب أن يظهر محترف قراءة. قال انه يكتب باستمرار. وضع كتابه الأخير الضخم (شرق عدن، غرب الله) على الطاولة وأشار إلى انه أفضل ما كتبه في حياته.
(اكتب للبسطاء والعاديين وهذا الكتاب كذلك). إذا كان هناك كتّاب كثر يفضلون أن يقولوا أن كتابهم الأخير أحسن ما أبدعوه، في إلحاح نرجسي على شباب موهبتهم وفنهم، فإن الذين يفكرون في أن محمد الماغوط تراجع باطراد عن مستوى كتبه الأربعة الأولى انصرفوا عن التفكير في أن ما يعانيه أزمة كتابية. سمع حجازي الماغوط يقرأ عنوان كتابه (شرق عدن) بفتح الدال. كانت هذه مناسبة للتفوق على الماغوط لغويا، سأله حجازي إذا كان يقصد عدن المدينة أو عدن الجنة القرآنية، استنتج أنه لا بد يعني الجنة ما دام العنوان يحوي أيضا (غرب الله). والمناسبة هنا هي بالتأكيد بين عدن الجنة والله، إذا كانت عدن الجنة فلا بد من أنها (عَدْن) بتسكين الدال. استمع الماغوط لكنه عاند في تغيير لفظه، أنها عدن الجنة لكنها بالفتح وستبقى بالفتح. كانت هذه مناسبة عصيان صغيرة، قال انه يعرف اللغة جيدا، قرأ القرآن وكاد يحفظه. لكنه لدى نشر كتبه في بيروت كان لا يتسامح في تصحيح أي شيء فيها ويصر على أن يحتفظ بكامل أخطائه اللغوية والمعنوية والإبداعية (لم يكن الفطري هينا في مواجهة المتضلعين والمعلمين).
سأله حجازي إذا كان يكتب سيرته. قال انه لا يهتم بها، يعنيه دائما الحاضر الذي هو فيه، كان هذا جوابا يقلب كل تكهناتنا.
قال أن أمل دنقل حفظ (الفرح ليس مهنتي) كاملا. كانت هذه مناسبة للحديث عن حافظة دنقل وشعره. وجد من ذكر (لا تصالح). قال درويش انه لا يفضلها ويؤثر عليها ديوان دنقل الأخير (الغرفة رقم 7). أثنى حجازي على رأي درويش لكنه قال أن شعر (العهد الثاني) أيضا رفيع ويزاوج بين (اللغة المقدسة) واليومية، كنا أيضا وبسرعة أمام قراءة أخرى لأمل دنقل.
في استطراد بلا مناسبة واضحة قال الماغوط انه تلقى من السياب رسالة من 18 ورقة كبيرة حبر على وجهيها مديحا مطولا لعبد الكريم
قاسم. قال متأسفا انه فقد هذه الرسالة ولم ادر فيمَ الأسف. أهو لغياب رسالة من صديق أو فقدان وثيقة في محاكمته.
فجأة قال الماغوط انه يريد أن يقرأ قصيدته عن محمود درويش. فتح على صفحة دفتر وقرأ شيئا عن أشجار يمكن أن تغدو قاسية. أفلتت في مواضع في القصيدة إيقاعات قديمة من شعره. كانت القصيدة قصيرة. سمعناها بدون تعليق تقريبا. كان هذا احترامنا العميق للشاعر الذي تربينا على قصائده.
حديث من حجازي عن شعر الماغوط والسخرية العميقة الصادقة في شعره. يدخل شابان يقول المفوه بهما أنهما لم يستطيعا صبرا عن اللحاق بهذه (النخبة من أدبائنا الكبار) وأنهما يستميحاننا عذرا في اقتحام هذه الجلسة واقتطاع بعضها لبث إذاعي. قالا أن الماغوط وافق فلم يجد حجازي ولا درويش بدا من الموافقة. بدا الحديث مع الماغوط اقرب إلى المناكدة. يجيب الماغوط وكأنه فقط يقطع دابر السؤال. أجوبة سريعة تتصنع الضيق (ماذا تحس بعد أن يغادرك الأساتذة) (إنهم معي لا يغادرونني، معي حين اشرب وحين اكتب، معي على الكأس والطاولة وحتى في التواليت). (أستاذ أخشى أن نكون أزعجناك) يصرفه الماغوط بلا هوادة (نعم أزعجتموني). انتقل الميكرو إلى حجازي. سؤال عن الماغوط وشعره. أشاد بما فيه من سخرية ضرورية لكل شعر رفيع، وفجأة سؤال يقطع الجو تماما (هل أنت هنا لتأبين مبكر للماغوط). وقف السؤال في الجو. بقي مسلطا هنيهة كبيرة، كان صدوره من الشاب المبالغ في تهذيبه غريبا للغاية. بدا نوعا من دوي صامت، من فضيحة معلقة. كان وقاحة صرفا، هل كان استعراضا، أم أنها علبة باندورا انفتحت في أعماقنا.
هل خفنا من السؤال لهذا السبب أم تحررنا منه فجأة. أجاب حجازي بأن الموت حق، لعل الشاب شعر بالورطة فغطاها بالهرب إلى الأمام. سأل درويش عن موته أيضا واستغرب درويش (ما لك تحمل تابوتا). قال الماغوط أن الموت فرح. قلل الجواب من الجنائزية التي صارت إليها الجلسة. الموت فرح. الموت حق.. كان واضحا أن الجلسة انتهت، وان على كل منا أن يتساير قليلا مع الشبح الذي خرج من داخله.

السفير- 2005/02/05

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:47 PM
نحن ضيوفك أيها الماغوط

http://saddana.com/up/images/fli0f66qomnh7dncb0d.jpg

عقل العويط
(لبنان)

بأي لغة أحتفي بشاعر من طراز محمد الماغوط؟ بشاعر كهذا الشاعر "البدائي"، المكتمل اللغة منذ البداية، ذي الموهبة الرائية، العارفة كعيني الصقر، والجارحة كطعم العسل المكثف، والحقيقية كصرخة اللحم الحي، والمغدقة بدون حساب وقواعد والمنبجسة انبجاساً، والنازفة كما الينبوع الذي ينادم لياليه، ضائقاً ذرعاً بكتماناته وبانتظارات الباطن، إلى أن يحل عليه فجر الخروج إلى سيولة اللذة والشبق!
لا أدري بأي لغة أقترب من شاعر كهذا الشاعر البدوي المقامر الذي يبذل روحه برمتها على الطاولة، كثروة لا ضرورة لها، وتواً، ودفعة واحدة بلا تمهيد ومقدمات، مضافة الى حياته التي يريقها إراقة من يتلذذ بمشاهدة أيامه مسفوحة بكامل همجيتها وحواسها ونزقها وهوسها وضحكتها الساخرة، مرارتها السوداء!
لا أدري بأي لغة أقترب من شاعر، كهذا الوحش البري، الآتي من أدغاله، أعاليه الى المدن والأوطان، بكامل فؤاده وجلافته وبربريته العذبة، ومعه لغة جمة ذات صور مذهلة لا تحتاج الى براهين كي تخترق، تمتلك، تأسر، بل تنتظر بالتنهدات والرغبات المكبوتة! ولا أدري أيضا وراء أي ذهول يحتمي القارئ عندما يقرأ شاعرا كهذا الشاعر المرصود لغرائزه القصوى، والمحقون بعواصفه، والمبدد بين نيازكه وغيومه ومبتسما كرجل ميت، نازلا كسيول جارفة، كجبال تمنحها براكينها أن تسيل بلا انتباه. كجحيم مفتوحة على لمناتها من دوت أن ترعوي أو تكف أو تتراجع لحظة الى الوراء في ارتدادة أو في إعادة نظر! فأي شاعر هو هذا الشاعر، لا تحول دونه حافات، هاويات، ولا يبالى بتنكيل الهواجس ولا بهول ما يجتمع بين ضلوعه وحنايا فؤاده، مغمضآ عينيه كي لا تفز منه الرؤى، برعونة طفل يرى في لحظة صعق واحدة، فيهجم بجسده ويديه وجميع حواسه، لينام على النار ويحميها، يحتمي بها، يحتويها ويصير تابعآ لها. ومعه في هذا الهجوم ا!ؤ! شهي، قلبه الجريح الخائن، حدس الطفولة، فطريتها، بداءتها، عبثيتها، سذاجتها، براءتها، شرائط أحلامها، خيالاتها!
يفد محمد الماغوط، هكذا، مدججآ بغاباته،وعوله، أنهاره كمن يحمل خياله المراق فوق بياض الصفحات شبيهآ بسرب أفراس وخيول . تجمح بالشعر والنثر معا، الى حيث لا حدود ولا حواجز. فهل من لغة تليق بمديحه سوى الاعتراف الذي يؤكد نبوغ الأشياء، اكتنازها بذاتها! شاعر هو محمد الماغوط، كفى. فلا شيء يزاد لتجميل هذه الكلمة أو لتكريمها والترويج لها. فمثله، شاعرا لا يريد شيئا ولا يلوي على شيء. ميزته أن يأتي الى الكلمات مرة واحدة، وفي قصيدة واحدة. صحيح أنه، طبع أكثر من ديوان ومسرحية وأنه لا يزال حتى الآن يشعل حرائقه منثورة، متأججة، صحيح أنها أعمال محمد الماغوط التي صدرت له عن "دار المدى" في عام 1998، في نحيم من 060 صفحة، لكن شاعرا كهذا من صفاته أنه يقول كلمته، بصت. وإذا استعاد تلك الكلمة، فكمن يعيد التذكير بأن قصيدة واحدة تكفي. فهو يدلق سيولة روحه وأثقال كتفيه، كمياه الشتاء أو كثلوج الأعالي، لتتكئ على السطور في أعالي الأنفة والكبرياء، أو لتنزل الى الأعماق وطيات الروح. بل أكاد أقول إنه يحتمل ما يفعل، نباهته الشعرية- الملائ حرفأ شعريآ، نثريآ،، سردآ، بلاغة، كما الملأى عدوانية وشراسة ورقة، جموح تشبيهات، مؤلم وخيال لا يخلو من هول الحكمة الباردة وفظاءتها، بل، من صلف العقل معا. واليوم، بعد اثنين وأربعين عاما على صدور ديوانه الأ ل، "حزن في ضوء القمر" (1959)، لا يزال محمد الماغوط حاضرا بيننا، حتى قعر هجسه وجسدانية لذائذه وأعماق بوهيممته وصرخات ولجلجات أنفاسه، مستخفا بما يراد للشاعر أحيانا أن يكون، كائنا عاقلا، أنيقا في (..-؟-.،هو حاض! في ها كئت أنمذاك)، إذ يكفي أنه كتب ليكون فحسب. فشعره لا يحتاج الى براهين دائمة، متجددة فبرهان واحد يكفي لأنه شاعر تلتهمه روحه ويلتهمها، لتروح تبدد نفسها فوق بياض كريم لا يوازيه في نصاعته إلا بياض كلماته وأنينها، وإن محمولة أحيانا على (تبلي!، توض!يع) وإنشاء، بحبوحة ألفاظ وإضافات وإفاضات. إنه من عهد الينابيع، بياض الفجر، فلا بأس إذا كان شعره هادرآ، فوارآ، هاجمآ بشراسة وحش جريح.
لماذا أتحدث عن محمد الماغوط بهذه اللغة؟ عن هذا الشاعر الذي يقول "عيناي زرقاوان من كثرة ما نظرت الى السماء وبكيت" ؟ عن هذا الذي يصرخ "آه كم أود أن أكون عبدآ حقيقيآ بلا حب ولا مال ولا وطن"؟ عن حارس الليل هذا، عن هذا الطفل الكبير، البدائي، الشرس، العاشق، الرقيق، الشبع، الغريب، المجهول، الساهر، المتسكع!، المسافر، المهرج، المعربد، الشتام، الصارخ، المعترف، السكير، المتشرد، الحزين، اليائس، المدخن، الباحث عن الحرية، العاهر، الحقيقي، العاري، المستشعر لغة اللحم الحي، الشرقي، البدوي، الوحيد، القاسي، الهاشل، الخائب، الثائر، المتمرد،، المتألم كالماء حول السفينة...؟. لان تجربته الشعرية ومنذ زمن الستينات الباهر، هو وأنسي الحاج (على ما لدى الثاني من وهج شعري كياني يرتبط بتجربته، ومن خصوصية كاملة في الهجس، الرؤيا، اللغة، الثقافة، ابتعاد المرمى)، - أكثر من أي شعر لبناني أو عربي، حديث، آخر! التجربتان اللتان جعلتاني آو من (وقبلهما، زمنا، بدر شاكر السياب من موقع شعري آخر، مختلف، موزون، مفعل) بأن الشعر العربي "الحديث"- وقصيدة النثر تحديدا- جدير الى هذا الحد بربط معنى الشعر به.، أعني أن هذا النوع من شعر الحداثة العربية بالذات، شعر التجربة الذاتية (حصه آ)، متمثلآ، هنا، لشعر محمد الماغوط، هو، فى العربية، الشعر الذي أراه يخرج من البكر الالثيذ ارتباطا بالرنا،، الأكثر ذهابآ في جو هر
التجربة الذاتية وتجذرآ فيها. أي أنه شعر ينبع في طبقات العتمة الداخلية، ينبجس منها، ممسكآ بتلابيب البداهات الروحية القصوى، آتيآ من فرادة الأماكن التي تجتمع فيها حقائق الباطن والأسرار واللالئ والدهشات. ثمة تجاوب شعرية عربية كبرى، أخرى، مختلفة وكثيفة ومتنوعة، "هذا النوع" من الشعر يؤتى له أن يكتب، مرة أو مرارآ، وأن يكتب مجددآ على أيدي رواده، وأن تنتظر جديده في السبعينات، الثمانينات، التسعينات الى ما شاء الشعر، على أيدي شعراء آخرين، جدد أيضآ، بلا تكرار، ليصيب، في رأيي الشخصي، في مكمن مختلف عن غيره، مقتل "الحقائق" التي أحمث أن يقترن بها التعريف بالشعر، التعرف إليه.، هي" حقائق" الشعر الكوني في كل لغة وفي كلى مكان وزمان.
" ولدت عاريا وشببت عاريآ كالرمح كالإنسان البدائي"،
يقول محمد الماغوط، و"يخيل إلي أنني أكثر الأموات كلاما، لقد جئت متأخرا على هذا العالم/ كزائر غريب بعد منتصف الليل"أ؟ لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء، ف "أيها المارة/ اخلوا الشوارع من العذارى/ والنساء المحجبات.../ سأخرج من بيتي عاريا لأعود الى غابتي".
فبمثل نزف هاتين الوحشية والبدائية، وبمثل هذا العدوان الزاخر بغريزة الشعر، يكتب الماغوط حياته، نثره، شعره، قد صعقني ما يكتبه فأحببته عندما قرأته للمرة الأولى، منذ ان كنت في الصفوف الثانوية، ولا أزال أحبه. فهذا الذي قال يوما: "سئمتك أيها الشعر، أيها الجيفة الخالدة/ لبنان يحترق/ يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء" و "ضمني بقوة يا لبنان/ ألذ أكثر من التبغ والحدائق" و "لا أشعار بعد اليوم/ إذا صرعوك يا لبنان/ وانتهت ليالي الشعر، التسكع/ سأطلق الرصاص على حنجرتي"، مثله، شاعرا، لا يحتاج الى أن نستضيفه، لأننا ضيوفه على صفحات كانت ولا تزال- في عهد بيروت ولبنان وعهدهما- بيته وموئله. بل موئل المغامرة الشعرية والحرية.وحتى آخرهما.
__________________

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:51 PM
جرح فاغر
على رصيف دمشق

http://saddana.com/up/images/tx5t05ql1egymrkarzfe.jpg

أكرم قطريب
(سوريا/نيويورك)

الكتاب الذي استعرته آنذاك من مكتبة المجلس الأعلى في مدينتي السلمية، كنت أضعه تحت الوسادة قبل أن أنام. كتاب بغلاف رمادي، أتذكر منه ورقه الأصفر محمولا بملامح بشر هائمة على وجهها ونداءآت وعذابات مضمرة، ومشاهد متلاشية لريح تنبعث من الشرق لا تنام... فلا أنام: "الفرح ليس مهنتي" بعد أسابيع أعدته.
كان الزمن صيفاً.، بقيت المسافة التي تفصلني الآن عن سبعة عشر عاماً من عمر قصيدة بقيت مدوية في داخلي، محمومة، غريبة. مسافة بقدر ما رممت روحي المضطربة آنذاك، فيها ما أحتاجه أو أكونه، ألآن، ا، ألشعيره: صدقها الوحشي. بدا الحزن لدى الماغوط مثل نوجٌ سيمري مكتوب على لوح قديم، وإصحاح رعب لا ينتهي. حزنه الذي لا حسب له ولا نسب كان ملجأه المخضل. لم تفارقه نبرته الكربلائية، متعباً، متعترا ينطوي في لحم قصائده المفردة كتغريبة هلالية معاصرة انتهى بها المكان الى جنة الدم و الهزائم، اللعنات. المارد الذي قلب طاولة الشعر العربي يتكئ الآن وراء نافدة مغبشة لم في مخ!ى!ا رصيف الشام !1 محنياً على أيامه البيضاء المنكوبة، على الجهات كأنه يسافر في قطار الشرق السريع مثل شخصيات أغاثا كريستى الغامضة، 1، كنصب لرودان يكاد أن يتحرك. قبعته تحمي ما يفضح الأيام، العمر الذي لم يبق منه سوى عكاز يميل مع ظله الذاهب الى البيت. الذي كان يقطع على قدميه مسافات دمشق كلها، كأنه يدخن، يكتفي الآن بمتابعة أخبار الحاضرة العربية السعيدة بأمهات معاركها الخاسرة، الحاضرة التي ما زالت محمولة على ظهور الجمال، كخيول البسوس، صليل الميكر، فوتات، قصائد المهلهل، هو يستمع الى أغنية ناظم الغزالي: عيرتني بالشيب وهو وقار !!. ما الذي بقي من الماغوط الذي وضع الشعر، في أيامه، على مفترق طرق، ثم أدار له ظهره الى غير رجعة إلا في قصيدة متأخرة نسبياً "سياف الزهور"، التي بدت امتداداً أفقيا، استعادياً لكل ما كتبه سابقأً، سواء في "حزن في ضوء القمر" أو "غرفة بملايين الجدران" الى "الفرح ليس مهنتي". أقول استعادياً لأنه في هذه القصيدة أكمل دائرة سبق أن اكتملت، حتى في مقالاته، التي سماها رياض نجيب الريس "مسرحاً شعرياً"، نجد فيها الصدى الملتبس لمقالات آسرة، حارة كانت كتبت على صفحات قديمة انضافت إليها آثار حطام شخصي، شعور أعمق بالوحشة. ظل الماغوط الشاعر المجروح بحق، المأسور الى غلالة الحرية، هذياناتها التي لا تفارقه مثلما لم تفارقه علبة السجائر، زجاجة الى "بلاك ليبل"، غيوم حياته لما تزل نائمة على درج البيت في انتظار أن يستيقظ ليأخذها في نزهة الى مقهى (أبو شفيق) على طريق دمّر، أو الى شبح سنية صالح الذي خيم فيه ولم يتركه، أو هناك الى أقصى ما يمكن الحديث عنه حيث الزمان و المكان في أوجهنا، كانت عيناه، خلسة، تسترقان النظر الى ماض ليس قريباً تلامحت فيه وجوه مائلة في إطار خشبي مكسور، وتواريخ مربوطة بخيط التيه شاءت أن تبقى كما هي، لكن بغيابات كثيرة، محمولة في اسانسير الله نحو السماء الثامنة، وشراشف ملائكية، أو أصيص، نول، خيطان مشدودة، تماماً، قرب الإطار الخشبي المكسور نفسه، الذي بدا فيه بدر شاكر السياب (ضيف بيروت آنذاك)، توفيق صايغ، ثم يوسف الخال الذي حمل نظرية الشعر الحديث معه الى الجنة، كما لو أن يشاهد شروق الشمس من شرفة منخفضة في الربع الخالي. سواحل وقارات من الدموع نبشها، صاغها في أيقونة مشرقية لمتاحف أعمارنا المنصوبة تشبه الصفعة التي لا تنسى. ما الذي بقي من محمد الماغوط؟ عزلته، كيان يفلت بعيداً عن الزحام، في جيبه صورة عائلية له، لسنية، شام، سلافة، حتى لتظن أنه يحمل سحنة ماورائية، كأنه في طريقه الى موعد غامض، معه كلمة سر. بكامل هيئته، جرح فاغر على رصيف دمشق. ولكي تراه عليك أن تلتفت الى سنواته السبعين، مسودات عمره، منفرداً في شارع في مدينته الحجري باحثاً عن طفولة ضائعة في الاقنية الرومانية، سهوب القمح المشتعلة في حزيران. اصدقاؤه أمام العين كلفحة البرد تاركينه يصطك، يرتجف في كلاء البيت القديم، أمام عريشة الكنب اليابسة، ضحكة أمه المدفونة في الجدار ذكرى دمعة لا تنسى. مسبحة أبيه نجوم منفرطة، منذ زمان، مطفأة في خزانة الغرفة الترابية. صوته، لطالما هو هنا، سليل وحشة، يمزجها، يومض أج!ثن من دون ان يرى لمعان السطوح الماثلة تحت المطر. ما أغواه حينذاك أنه كان يقيم داخل اللغة وداخل الحياة معاً: لغة منخلتة، متعطشة، عارية، مضطربة لكثرة ما هي ناصعة، حادة، ترتسم بقدرتها على التخفف من عبء اختزال صوتها الهادر، فاتحة شبابيكها الموصودة لصواء (نثي، أ حاز،، بئهر). لم يتنفسها من الهواء الفاسد وحسب، بل عقد قرانها مع ينالميعه المركونة في دمه، مرة، واحدة، مثل من يرمي بنفسه من دور عال، أو يميل على فوهة بركان خامد.، داخ!م لحياة ا لأنه حملها الى ا، راقه، حبره كما يرجن معطفه " أعلى كتفيه، ويلبس على عجل، كنزته الزرقاء. هو، على قول انسي الحاج في "الناقد"، شباط 1993، "عبقري صورة، لا يجاريه أحد، خصوصاً في التشبيه. خياله مطبوع بعقله الباطن.، عقله الباطن خزان كبير من الألم، الحرمان، الرغبات الرائعة". انتفاض الصورة لديه أشبه بطائر مذبوح، لكن بشكل غير كامل: يتخبط في دمه، شرايينه المقطوعة. صورة تربض بحاسة نفاها جوار أنفاسها المتقطعة، كأنها من لحم، دم مهتوك. هي حول عوالمه الأرضية، مقطع حقوله الصفراء نصف المعتمة. ترفل لا متناهية، غير مكتملة. تاريخ أيامه، جروحه، تركها كما هي، بلهجته السحيقة تبين رائحة النار، الملاءات الممزقة من نايات فجر مصاب، بقايا وحل، رياح، مزاريب صدئة.
شعريته، وان بدت الآن بعيدة، مفضوحة، إلا أن أهميتها تبدو من مقاربة أثرها، الذي تحول الى زمن قوي وسحري داخل تاريخ القصيدة العربية، بحنين دفين والتماس لا يضاهى يغرياننا كي نكتشف واحداً من أسلافنا المعاصرين، يحيا بيننا، شاماناً شعرياً تستعيد روحه بلغة أخرى ومفارقة.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 03:57 PM
الغريب حتى النهاية

http://saddana.com/up/images/5aa3x7kaxr4p56wbvteg.jpg

عادل محمود
(سوريا)

لم يستطع غريب في هذا الحجم، أن يكون غريبآ حتى النهاية، مثل شاعر اسمه محمد الماغوط. فمنذ البداية أرشد الماغوط قارئه الى مصيرهما معآ، في وطن لا يعفو لكي يغفر، بل ليخفف زحمة العبودية. الماغوط رأى، من أول لحظة تعرض لها في الخمسينات، أن العربي ليس (اكم!) لبلده (قانونيا المواطنة) بل هو عنصر في (شركة) في حجم وطن يديرها حكام، قوادون أحيانا. فتعزف الى الغربة:
لا امرأة لي، لا عقيدة/ لا مقهى، لا شتاء/ ضمني بقوة يا لبنان/ ثمانية شهور وأنا المس تجاعيد الارض والليل/ اسمع رنين المركبة الذليلة/ والثلج يتراكم على معطفي وحواجبي./ فالتراب حزين والألم يومض كالنسر/.
وقد صارت الغربة في داخله أصيلة لان الاسوأ كان على العتبة دائما.، بتأصلها راح الماغوط يضع شعره في كل زاوية كبيض خرافي لطائر لا ييأس، بغريزة الديمومة، من فاعلية الحياة. والماغوط، أجد. أهم الشعراء الذين لم تفارق قولهم فكرة الانسان الفرد، الذات، الشخص بوصفه هكذا،وحيدا و ضئيلا ومكتنزآ وقويآ، وكائنأ من كان. الانسان عند الماغوط ذات محترمة ما دامت الحياة قد (أثفت) فيه روحآ ينبعث منها الأنين والزغاريد. وباستنكاره الحار والدائم لما يحدث له على أيد غاشمة أو مصادفات رديئة، دافع الماغوط وبقوة، عن الافتراض الصريح لجمال الحياة، عن الحق في أن تكون الحرية لا الجريمة هى الراية التي تظلل خيارا انسانيآ في بقعة من الأرض. ولقد ظل الماغوط شاعرا، (فيآل! ذه بى) الفكرة (مختفيا) فى مختبره، المتقشف، الحاد الأحماض، قصيدة إثر قصيدة، غير عابئ (ال!بنثر) الحياة في شعر ليسمى لاحقآ قصيدة النثر.، لعل الماغوط، بسبب من حدته، حدته،، ايضأ بسبب الماغوط، اقفآ الى اليسار، مع، (فاق الختوة) في ثياب البحر.!
الإصرار على قيمة وحيدة عليا، لم يستأنف مسيرته الشعرية. كأنما اكتفى بقول ما قيل. فللدهشة، للأمل، لليأس، للحب، للشغف بالجمال حدود، في نهايتها يقف الشاعر راثيآ أنقاض مملكة...، حسب. إن- الماغوط علامة أسف وحزن ورثاء في عصر عربي (تقشف) في هويته حتى كاد أن يخرج من العصر بلا هوية.

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:00 PM
لماذا نحترم الماغوط؟

http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:HN68lViuTt-3OM:http://www.axystechnologies.com/Portals/0/Corporate/Flags/MoroccoF.gif
عبد الرحيم الخصار
(المغرب)

إذا فتحت الألبوم الحديث للشعرية العربية ستجد صورا صغيرة لا تكاد تحصي، بعضها واضح و البعض الآخر يغطيه السديم، وأنت تقلب عشرات الصفحات يمكنك من حين لآخر أن تصادف صورا من الحجم الكبير، سيبدو لك السياب نحيفا بابتسامته الجانبية الشهيرة داخل إطار كبير لا يحاكيه سوي إطار نازك والبياتي، ستبدو لك فيما بعد صورة أدونيس بعينيه الدائريتين اللتين يتقافز منهما الطموح، صورة أدونيس أيضا كبيرة، لكن يعتريها الغموض، ثمة صور عديدة لشعراء من القرن الماضي تركوا أنفاسهم تسري في هذا الجسد الغريب الذي نسميه: الشعر.
هؤلاء الشعراء لا تتزايد درجات محبتهم لدي القراء بتزايد عدد دواوينهم أو عدد المهرجانات التي حضروها، بل تتزايد بعدد الآثار التي يخلفونها في نفس من يقرأهم.إنهم شعراء بسيطون كالماء واضحون كطلقة مسدس علي حد تعبير الشاعر رياض الصالح الحسين، ليس أولهم خليل حاوي الذي مات منتحرا بلبنان، ولا حسب الشيخ جعفر المنسي هناك، وليس أوسطهم عبد الله راجع أو إبراهيم نصر الله أو عدنان الصائغ، وليس آجرهم لقمان ديركي بسورية أو أحمد بركات بالمغرب.
الكتابات المتميزة كالنقوش العتيقة تقاوم الزمن وتبقي خالدة علي الأحجار والجدران وحتى في المغارات والكهوف، النصوص العميقة تجد القارئ العميق حتى في الأدغال، ألم يقل الشاعر عبد اللطيف اللعبي: ثمة كاسر يقرأني ؟
هذه الجمل المتعاقبة هي تمهيد للحديث عن صاحب واحدة من الصور الكبيرة داخل الألبوم الحديث للشعرية العربية، فالذين جايلوا الماغوط والذين وصلوا إلي أرض الشعر بعده أكنوا له احتراما هائلا ومحبة شاسعة.
منذ النصف الأخير من القرن الماضي وإلي حدود السنة الثالثة من الألفية الجديدة ظل الماغوط في أعين القراء هو الماغوط، لم تتغير ملامحه ـ فقط ظهرت عليه علامات الشيخوخة ـ فمواقفه هي مواقفه: تمرده، احتجاجه، وسخطه، عزلته وخوفه وريبته ووساوسه مازال محمد الماغوط يشبه صورته القديمة، ما زال كما تجلي في بداياته، لم يغادر خندقه الأول، إذ ظل متمرسا بأدواته نفسها وبمعجمه الهجائي وبنبرته الجارحة، لم تغيره الشهرة ولا الاستقرار، بل ازداد ضراوة وضجرا، كأنه لم يغادر الغرفة التي شهدت آلامه وأوجاعه الأولي، كأنه غير قادر علي التنكر لأيام التشرد والتسكع والخواء .
ربما ميزة الشعراء الكبار، في الغالب، أن يعيشوا الحرمان والبؤس والمرارة، فالماغوط ينتمي إلي عائلة شعرية كانت تفترش الألم وتتغطي بالتعاسة، الفقر بيتها الشاسع والجوع رفيقها البدي، فآرثر رامبو وجان جينيه وادغار آلان بو آباؤه، أما إخوانه وأبناؤه وحفدته فهم كثيرون داخل الوطن العربي وخارجه:

أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف
ولكنني أحب الرصيف أكثر
أحب النظافة والاستحمام
والعتبات الصقيلة وورق الجدران
ولكني أحب الوحول أكثر.
ـ شوارد الدم ـ

كانت حياة الماغوط قاسية، مغلفة بالفقر والشتات والحزن، ثم إن تجربة السجن قبل بلوغه العشرين غيرته بشكل جلي من مجرد فلاح بسيط إلي كائن آخر يسكنه الرعب وتتقاذفه الكوابيس السجن والسوط كانا معلمي الأول، وجامعة العذاب الأبدية التي تخرجت منها، إنسانا معذبا، خائفا علي الأبد ہ في حوار جريء مع بول شاؤول طلب منه الإدلاء برأيه في بعض الشعراء فقال عن أدونيس: لا يعنيني، وعن أنسي الحاج: شاعر، وعن الماغوط: شاعر كبير. لم يكن موقف شاؤول مجانيا، بل كان مبنيا علي خبرة كبيرة بالشعر ومحيطه، ثم إنه رأي أجيال متعاقبة. والحقيقة أن صورة الماغوط أصبحت تتسع شيئا فشيئا ـ مع تعاقب الأجيال ـ حتى بدأت تغطي صور أسماء كبيرة داخل الألبوم: أدونيس مثلا، يوسف الخال، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا...كأن حركة شعر الرائدة لم تنتج، في العمق وفي الجوهر، سوي الماغوط، رغم أن جسده الشعري كان أضخم بكثير من الحيز الذي كان يشغله في غرفة شعر ثم إنه لم يكن يتبنى الخيار الأيديولوجي الذي كان يتبناه زملاؤه، فقط كان يتبنى خياره الشعري لم يكن الماغوط من الأساس معنيا بتلك الأيديولوجيات يسارها ويمينها.. كان أكثر حدية ومزاجية وأكثر ميلا إلي التحرر من أعباء تلك المعايير الناجزة في السلوك والشعر

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:06 PM
هكذا يحشو الماغوط مسدسه بالدموع

http://saddana.com/up/images/6ncs7yuh7wonir0qt6h3.jpg
ممدوح عدوان عن الشاعر الانفجاري

بمناسبة صدور مختارات شعرية للشاعر السوري الكبير محمد الماغوط ضمن العدد الأخير من "كتاب الى جريدة" أقامت مؤسسة تشرين السورية حفل تكريم للشاعر بحضور وزير الإعلام عدنان عمران. "الأهرام العربي" تنشر نص الشهادة التي ألقاها الشاعر ممدوح عدوان بهذه المناسبة.
حين أردت أن أكتب هذه الكلمة لتقديم محمد الماغوط لم أحتج الى إعادة قراءته. اكتشفت أنه موجود في ضميري الذي أخاف منه، تسربت كلمات له كانت مروعة من وجداني فذكرتني بحقي الذي منحني إياه منذ طفولتي في الاعتراف بالخوف والذل والكبت.
يم يظهر محمد الماغوط صوتاً في المشهد الشعري العربي في الخمسينيات، بل انفجر فيه قنبلة فراغية، ومنذ أصواته الأولى كان شاعراً فاجراً ومنفجراً.
هذا الرجل الذي لم يهتم بوزن ولا قافية ولا آداب ولا شعائر سياسية، رأى نفسه مشرداً وجائعاً وخائفاً فعرف ببداهة الإنسان الأول أن العالم متآمر عليه، ولذلك فإن مؤامرة أخرى في هذه الدنيا الخادعة لم تكن تصلح لإلهائه عن مجابهة تلك المؤامرة الكونية.
ولأنه لا يخجل من دموعه ومن هزائمه ومن الاعتراف بإذلال العالم له، فقد علمنا أن الاعتراف بهذا الذل هو النصر الوحيد الذي بقي لأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم.
ولذلك لم أحس يوماً أنني أقرأ الماغوط، بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يقيم اعتباراً لشيء. وكلما كنت أقرأ الماغوط كنت أحس أن هذا الرجل يتغلغل الى أعماق روحي ليجبرني على الاعتراف بالوضاعة التي أوصلني إليها هذا العالم الذي أعيش فيه.
هو ذا شخص وحيد في الدنيا يعلن أنه يحشو مسدسه بالدموع. وينتهي الى أن يأكل النساء بالملاعق، ولا يرى فرصة للعنان إلا أن يضع ملاءة على شارة مرور ليناديها: يا أمي، ويأمر الغيوم بالانصراف لأن أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحول.
وفيما نحن نرى التبجج بالقوة الكاذبة، هو ذا شخص يعلمنا أن نحب ضعفنا وأمام الانتصارات الإعلامية الخلبية، يعلمنا أن نعتز بهزائمنا، وأما المراحل الوهمية يعلمنا أننا في حاجة الى البكاء، وأمام الانتماءات الضيقة يعلمنا أننا نملك الحق في أن نطالب أوطاننا بأن تعيد لنا الأغاني والدروع وكل فاصلة في أناشيد حبنا لهذه الأوطان قبل أن تطردنا من جحيمها.
ذات يوم كتب صديقي الشاعر علي كنعان: "سيكفي جبهة التاريخ من أمجادنا أن هُزمنا"، وأقول اليوم باعتزاز: سيكفي "حماسة" العرب الشعرية المعاصرة أن تحتويى على تلك الهزائم الوجدانية التي اعترف بها محمد الماغوط والتي تبدأ من هزائم الجبهات الى عزائم الروح، ومن خسارة الأرض الى خسارة الكرامة، ومن الفجيعة بالحكام الى الفجيعة بالأهل، ومن الحاجة الى اللقمة الى الحاجة للدفء، ومن الحاجة اليتيمة للأم الى الحاجة الشيقة للمرأة التي نتفرز بين نهديها كالصئبان. لقد هجا محمد الماغوط وطنه وهو يمزق ملابسه كأية أرملة، أو أن ثاكلة مفجوعة وأعلن عن رغبته في خيانة وطنه. ولكنني كنت أفهم المجاز الذي يشويه غضبه على ناره الهادئة، ولم أصدق يوماً إلا وصفه للرجل المائل الذي يقصد به نفسه، والذي يتشرد متأبطاً كتبه ووطنه.
محمد الماغوط لا يُقدم في أمسية تكريمية، ولا يقدم بكتابه المطبوع، بل يحق لمن يتورط في الإعلان عن ظهور شعره أن يطلق صفارة الإنذار، فها هنا غارة شعرية على ضمائرنا وعلى كل ما تعودناه من كذب ومكابرة وادعاء، إنني لا أقدم لكم شاعراً بل أطلق بينكم قنبلة انتُزع صمام أمانها.
إذا قرأ محمد الماغوط شعراً، أو إذا تورطتم باقتناء ديوان له، فانزلوا الى الملاجئ الأخلاقية التي تعودتموها، البسوا الكمامات الواقية من الصدق الجارح وتسلحوا بالمكيفات الإعلامية التي تعودتم على تهدئتها وتخديرها.
ولكنني أقول لكم إنها لن تنفعكم، ما من ملجأ يحميكم من هذا الاعتراف الشعري الجامع بأوبئتكم، طالما أنكم قد تورطتم بسماعه أو قراءته.
وأرجو أن أحذركم الى أنكم قد ترونه الآن رجلاً ضعيفاً يستند عكاز، هذا ليس رجلاً تقدم به العمر، بل هو رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع وتخمرت في أعماقه الدموع الحبيسة، وتعتقت في روحه الآهات التي لم يسمعها أحد.
وأحذركم أيضاً أن القنبلة التي يبدو غلافها صدئاً هي انفجاراته بالمقدار الذي كانت عليه دائماً.
وهو أيضاً تلك المرأة التي أهملناها قليلاً، ويكفي أن نفتح آذاننا وضمائرنا ليتساقط عنها الغبار ونرى أنفسنا فيها على حقيقتها.
لقد استطاع محمد الماغوط أن يحرجنا ويجرحنا بشعره لأنه ظل قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كأنه، طفل لا يندهش من الجمال ويفرح به فقط، بل يشمئز من القبح ويبكي من الظلم.
لقد صرخ منذ البداية: ألا ترون كم هو العالم فظيع وعفن ونتن كم هو غير لائق بمعيشة البشر؟ كم يثير من القهر والغضب والبكاء؟
احتقان كهذا لا يعرف كيف يقلم أظافره ليليق بأجواء الشرف العربي، ولا كيف يلبس الياقة والقفاز ليصلح لصالونات الأناقة الثقافية، فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً مشعثاً رثاً كما لو أنه ما يزال يلعب في وحل الحارة، ولم يهتم لملابسه المتسخة وقدميه الموحلتين، لم يهتم من نفور أبناء الصالونات أو الداعين أو استتباب الأمن في استعراضات الأناقة الفعلية والبروتوكوليا: ببساطة قال لهم: لم أجلب الوحل من بيت أبي، ولم أتسخ في حضن أمي، ولم يكن البكاء هوايتي، ولا الجوع رياضة أمارسها.
عالمكم وسخ وموحل ولعين وموحش، ولست معنياً بتنظيف نفسي أو حتى أسناني لكي أساعدكم على التهرب من مسؤولياتكم عن وسخ عالمكم.
معاناة اليتم والغربة والجوع والتشرد والكبت، وحب الوطن والنساء والحرية والتسكع والتدخين والشراء، والمجاهرة بالرأي في الكتابة وتعرية العالم الذي يحيط به كل صباح. . هذه هي حدود ملكوت محمد الماغوط وهي حدود عذاباته ذاتها.
لم يكتب من قارءته أو تأملاته بل كتب من زعيق بطنه الخاوية وارتجاف أعصابه الخائفة.
وهكذا راح يكتب دون أن يهتم بتسمية ما يكتبه، حتى أنه ذات يوم خاف من أن يكون الذين يسمون كتابته شعراً يقصدون السخرية منه والضحك عليه، فشتمهم في مجلة أدبية رائجة، ولكنه استمر ------ أظافره المتسخة على الحيطان ويكتب بهذه الأظافر، فيثير الصرير والغبار لترتجف منه العظام وترمد العيون.
وليصبح واحداً من أهم الشعراء العرب، شعر؟ فليكن، يقول الماغوط، ابحثوا أنتم إذاً عن قوانين لما أكتب ولا تطبقوا على قوانين كتابتكم.
إن صدور مجموعته الكاملة، أو صدور هذه المختارات في "كتاب في جريدة" حدث مهيب، وإرهاق سادي إذ من سيطيق أن يغامر بقراءة عذابات عمر الماغوط كلها دفعة واحدة؟ كم تستغرق منك قراءة المجموعة ؟ يوماً؟ شهراً؟ سنة؟ تصور أنك ستتحمل في مدة قصيرة كهذه عذابات رجل كان يتألم عن أمة كاملة وطوال جيل كامل، وقد ظلت روحه تئن تحت هذه العذابات طوال هذا العمر المرير. . حتى نخخت قلبه وجسده.
ونحن إذ نختار أن نقرأ شعره فإننا نجيء الى مخبر التحليل بأنفسنا، والشاعر المخبري المحلل سيقدم لنا تقريره ليقول لنا إننا مصابون بفقدان المناعة الأخلاقية والوجدانية والسياسية والوطنية، وإننا مصابون بالشلل الوطني وبسرطان الجبن والتخلي والتخاذل.
اقرأ دفعة واحدة إذا رغبت، ولكن احذر القرحة . . والرقابة فهذا من الشعر النادر الذي يحمل قارئه مسؤولية القراءة بمقدار ما حملها كاتبها حين كتب.
ولكن الماغوط، ولأنه مؤدب بآداب الشعر المتصعلك العظيم المقهور الرجيم المضمخ بالنزيف، سيوهمنا أنه لا يتكلم إلا عن نفسه وعن آلامه.
ولكن دققوا قليلاً، وستكتشفون أنه يحكي عنا جميعاً. . .

عن الأهرام العربي- الأحد 1 كانون الأول 2002

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:08 PM
كهرباء محمد الماغوط تسري في الشعر الجديد

http://saddana.com/up/images/pxi0gwq9n27kzutozmqr.jpg

محمد علي شمس الدين
(لبنان)

المختارات التي صدرت أخيراً للشاعر محمد الماغوط ضمن إطار (كتاب في جريدة) أعادت فتح السجال حول شاعر (حزن في ضوء القمر) وحول قصيدة النثر التي كتبها على طريقته الخاصة‚ وفي الوقت نفسه صدرت في دمشق مختارات مما كتب عن الماغوط عربياً‚ ماذا عن محمد الماغوط وقصيدته الرائدة؟ لم يبدأ محمد الماغوط بنشر قصائده في مجلة شعر‚ إلا ابتداءً من السنة الثانية لصدورها في يناير 1958‚ في العدد الخامس‚ فهو نشر في هذا العدد قصيدته (حزن في ضوء القمر)‚ وفيها يظهر‚ وللمرة الأولى في تاريخ الشعر العربي القديم والحديث معاً‚ وكأنه قائد مركب متشرّد في تيّار وحشي‚ في مغامرة غير مسبوقة في الكتابة‚ يدخلها الماغوط بلا اعتداد نظري أو تنظيري‚ وبسلاح وحيد هو نصّه العاري‚ يقول الماغوط في تلك القصيدة: إني ألمح آثار أقدامٍ على قلبي‚ ويقول في قصيدة (الخطوات الذهبية): آه كم أودّ أن أكون عبداً حقيقيّاً/ بلا حُبّ ولا مال ولا وطن‚ وفي العدد الثاني من العام الثاني لمجلة (شعر) (ربيع 1958) ينشر الماغوط قصيدته (القتل) وفيها يقول: ‚‚‚ ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ نجد أنفسنا في نصوص الماغوط أمام كهرباء تهزّ الكيان بكامله وهي جديدة‚ كاسرة (وإن مكسورة)‚ غير طالعة من مناطق ثقافية أو قراءات سابقة‚ بل منبثقة مثل نبع مفاجئ في دَغَل‚‚‚ وتحمل في أحشائها موسيقاها البكر العظيمة‚ لذلك لا يمكن أن يكون تجاهها سؤال: أين الوزن والقافية؟ لم يستطع أحد أن يطرح على الماغوط أسئلة حول شعريّة نصوصه‚ فهي قصائد بقوتها الداخلية‚ كما أنّ قراءتها لا تذكرنا بنصوص أخرى مشابهة في الشعر الغربي (الفرنسي أو الأميركي/ الإنجليزي) أو في الشعر العربي ‚‚‚ ولا ريب في إنها تكوّنت في سويداء صاحبها من تجربة حياتيّة قاسية‚ مباشرة‚ وفي أماكن ما قبل اللغة‚ قائمة في رعونة التجربة‚ ومتكوّنة في الدم والطمث والوحل ذاته للحياة‚ فانبثقت من هناك كما تنبثق زهرة من الوحل أو الصخر‚ والحليب من دم وطمث الحيوان‚ من هنا أسّس الماغوط لقصيدة النثر العربية‚ ولم يكن يرغب في ذلك نظرياً وثقافيّاً‚‚‚ إذ على نصوصه ستنبني بعد ذلك النظرية‚ كان هو شاعراً بكراً ابن تجربة حياتية بكر‚ هذا مجده‚ نعم: ضَعْ قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ وفي البحث عن الغرفة السوداء (السرية) التي تكوّنت فيها نصوص الماغوط‚ نفترض أنه لا بدّ من أن يكون هذا الجميل‚ الطفل‚ قد انجرح في جماله وفي أصل براءته‚‚‚ لا بُدّ من أن تكون إهانة رعناء قد ضربت قلبه بوحشية‚‚‚ إذْ ما الذي يدفع إنسانا للقول: ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي‚‚‚ سوى العنف الأرعن؟ وحين تضرب الجريمة باب القفص فهي وحش يضرب قفص طائر‚ ثم حين يصدح الخوف كالكروان‚ فأي رعب يشلّ الكائن? أيسدّ أذنيه أم روحه؟ افترضنا ذلك قبل أن يسلمنا الماغوط بعض مفاتيح تجربته‚ على قلّة ما يتكلم به أو يبوح‚‚‚ على قلّة ما يشرح‚ نعرف أنه تعرّض وهو في أوّل صحوة الشباب‚ للسجن‚ حدث ذلك في العام 1955ولم يكن مؤهّلاً حينذاك‚ نفسياً أو جسديّاً لما تعرّض له من هوان وذلّ‚ يقول: (بدلاً من أن أرى السماء‚ رأيت الحذاء‚ حذاء عبدالحميد السرّاج (رئيس المباحث)‚‚‚ نعم رأيت مستقبلي على نعل الشرطي‚ والآن حين أتذكر حفلات التعذيب وأنا في التاسعة عشرة من عمري أتساءل: ما هي تهمتي بالضبط؟ولم أجد إجابة شافية عن هذا السؤال‚ كنت وقتها مجرّد فلاح بسيط لا يعرف من العالم إلاّ حدود قريته فقط كمعرفة الرضيع للحياة ‚‚‚ ولعلّ من فضائل عبدالحميد السرّاج عليّ أنني تعلمت أشياء كثيرة في السجن‚ تعلمت كيف أقول (آه) وذقت طعم العذاب‚ والمثير أنني أنا الذي لم أكمل تعليمي‚ تعلمت كثيراً من السجن والسوط الذي بيد السجّان‚ السجن والسوط كانا معلمي الأوّل‚‚‚ وجامعة العذاب الأبديّة التي تخرّجت منها إنسانا معذّباً‚ خائفاً إلى الأبد) (من حوار معه أجراه خليل صويلح)‚ يضيف الماغوط في الحوار نفسه‚ أنه فرّ من (سجن المزّة) الى بيروت‚ حيث التقى رفاقه في مجلّة (شعر)‚ ويضيف أيضاً كلمتين عن الكتابة (كتبتُ لأنجو)‚ قَدَمُ الشرطي هي التي شكلّت لدى الماغوط سبب هذا الصراخ الوحشي لأشعاره في أروقة الأزمنة العربيّة الحديثة والمعاصرة‚ مثلما شكّلت حزوزُ الحبال على ظهر مكسيم غوركي سبب رواياته‚ ثمة جروح في قلب الإنسان لا تندمل‚ وهي التي تصنع الثورات‚ قصائد الماغوط ثورة مندلعة بلا توقّف‚ ولكنْ نسأل أين؟ سيكون من اللافت أنّ قصائد الماغوط التي طلعت باكراً كالدبابير من وكر سياسي‚ لم تؤثّر في السياسة‚ بل أثّرت في الكتابة‚‚‚ في روح الكتابة التي عاصرته والتي أتت من بعده‚‚‚ فهو الذي طلع من سجن المزّة عام 1955‚ وجاء الى بيروت‚ لم يعد للسجن المادي ثانية‚ ولكنه دخل في سجن آخر أصعب وأمرّ‚ هو سجن الحال العربي‚ وهو سجن رحب استطاع ان يهضم في الماغوط كل أعطابه‚ وأن يصغي بأذن صمّاء‚ لحشرجة روحه وهو يكتب (سأخون وطني)‚‚‚ بل لعلّ الماغوط دَخَل في سجن وجودي أكبر من السجن السياسي‚‚‚ دخل في العزلة المطلقة‚ أخلد للصمت‚ واللاأحد‚ وأدرك أنه‚ كسوداوي تعس‚ عاجز عن إدراك الفرح‚‚‚ رجل ظلمات هو ومصلوب بلا أم تبكي عليه‚‚‚ ويعيش في البرد والوحل وبين المقابر‚ متشرّد في الروح والقدمين‚‚‚ محمد الماغوط رامبو على أنتونان آرتو‚ عربي‚ شريد طويل على امتداد الأنهار العربيّة‚ وصراخٌ في جميع الدهاليز والأقبية السوداء والسجون‚ دمغة أبدية في قاع الهزائم وصرخة (وامعتصماه) على امتداد التاريخ العربي بلا ضفاف لها‚‚‚ بلا أمل‚ أفرك يديّ أحياناً وأقول هو موجود‚ وُجد من يعرّي الجيفة ويكشف الستار عن القبور المغلّفة بالديباج‚ وأشبّهه أحياناً بتماثيل سامي محمّد: بأيدٍ تتمزّق وهي تفتح أبواب السجون‚ أو ترفع صخوراً فوقها صخور‚‚‚ وربما ظهر لي أحياناً متجسداً في الصرخة لمونخ‚ على صورة رجل خائف ضعيف بفم مفتوح على مصراعيه‚ جالس الى خطي حديد‚ يمرّ عليهما قطار جامح‚ نعم إنّ محمد الماغوط هو هو الصرخة‚ وتتبعتُ الصرخة من أوّلها‚ من أصلها‚ وسألت نفسي: ألهذا الحدّ‚ استطاعت قدم شرطي في سجن أن توقظ هذا المجد الهائل؟ الماغوط يعتقد انه بلا مجد ولا أوسمة‚‚‚ متسكع أبدي على الأرصفة‚‚‚ آخر الجالسين في المقاعد‚‚‚ حسناً هذا هو مجد اللامجد لدى الماغوط‚ وتبعته من أولى قصائده حتى مجاميعه حتى صمته وانطوائه في العدم المطلق‚ تبعته كما تبع هنري ميلر آرتور رمبو‚ خطوة خطوة‚ شممت رائحة حريق الكلمات فتبعتها‚ كان ذلك في صيف وخريف 1958 في مجلة (شعر)‚‚‚ يتدمّر الماغوط ويدمّر الشعر وخزاً بالذنب أمام لبنان الذي يحترق:

سئمتك أيها الشعر
أيها الجيفة الخالدة
لبنان يحترق
يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء
وأنا أبحث عن فتاة سمينة أحتكّ بها في حافلة
عن رجل بدويّ الملامح أصرعه في مكانٍ ما
‚‚‚‚ عندما أفكّر‚‚‚ ببلادٍ خرساء
تأكل وتضاجع من أذنيها
أستطيع أن أضحك حتى يسيل الدم من شفتيّ‚‚‚ أيها العرب
يا جبالاً من الطحين واللذّة
يا حقول الرصاص الأعمى
تريدون قصيدة عن فلسطين
عن القمح والدماء

وكان ذلك في ربيع 1959 في (الرجل الميت) حيث يكتمل تشرّد المتشرّد بأدواته:

أيها الجسور المحطمة في قلبي
أيتها الوحول الصافية كعيون الأطفال
كنا ثلاثة نخترق المدينة كالسرطان
نجلس بين الحقول
ونسعل أمام البواخر
لا وطن لنا ولا أجراس

وكان ذلك في شتاء 1960‚ في (سماء الحبر الجرداء (حيث يخبّ الماغوط كحصان تحت المطر‚ وثلاثة رماحٍ في قلبه‚ وتبعته في غيبته وعودته وتقلّب أحواله‚ نادراً ما كان يظهر لي الماغوط كقمر مكتمل في سماء زرقاء‚ لم يكن مكتملاً ولا واضحاً‚ كان دائماً معصوب الجبين ملطّخ الوجه بغيوم داكنة‚ يغيب ويعود‚ ولكنه دائماً يزفر‚ يئن كحصان مريض‚ وحين افتقدته في خريف 1968 في مجلّة (شعر)‚ وجدت ألن غنسبرغ‚ ينفث في وجه أميركا كلماته ويقول:

أميركا
أعطيتك كل شيء
والآن أنا لا شيء
أميركا
دولاران وسبعة وعشرون سنتاً يناير 1956
أميركا: اذهبي فضاجعي نفسك بقنبلتِكِ الذريّة‚
أميركا: لماذا مكتباتك مملوءة بالدمع
أميركا إنني قصير النظر ومختلّ عقلياً على أية حال.

عن جريدة ( الحياة ) اللندنية

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:16 PM
الماغوط ملك الحزن والسخرية

http://saddana.com/up/images/46nxtgsng7x080xd1h1.jpg

تهامة الجندي
(دمشق)

"محمد الماغوط ملك الحزن والسخرية" هو عنوان المحاضرة التي ألقاها الدكتور عدنان حافظ الجابر مؤخرا في المركز الثقافي العربي بدمشق، والمحاضر فلسطيني الأصل من مواليد الخليل عام 1952، قضى سنوات طويلة في سجون العدو الإسرائيلي قبل خروجه وانتقاله إلى بلغاريا حيث حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الفلسفية من جامعة صوفيا أوائل التسعينات، عمل في عدد من الصحف وله كتابان "ملحمة القيد والحرية" و"سوسيولوجيا الثورة الفلسطينية" وفي محاضرته هذه تناول تعبيرات الحزن والسخرية في نصوص الماغوط.
انطلق الدكتور عدنان من مقولة الكاتب تينس وليمز: أرني شخصا لم يعرف الحزن، وأنا أبرهن أنه ضحل وسطحي للتدليل على مدى الدفء الإنساني والحساسية العالية التي تتمتع بها نصوص الماغوط التي تفيض بأحزانها كقوله مثلا :بدون النظر / إلى ساعة الحائط /أو مفكرة الجيب / أعرف موعد صراخي، وذكر أن إحساس الماغوط المكثف بالحزن علمه السخرية وخلق لديه مناخات تراجيكوميدية استطاعت أن تمزج الدموع بالابتسام وهذه السمة تميز غالبية نتاجه الإبداعي الذي طاول كل الأجناس الأدبية، فمن يقف أمام الماغوط يقف أمام سخرية فجائعية بعد ذلك تناول المحاضر سمات أخرى متجزرة في نصوص الماغوط هي : التشرد، الغربة، الذعر والعزلة وإن كان قد غير الأخيرة من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض.
وأشار في معرض حديثه عن لغة الماغوط بأنها لغة حادة وفجة لا تبحث عن مسوغات لها، وكأن الكلام أصبح وسيلته الوحيدة لمواجهة هذا العالم كقوله في كتابه الأخير: أيها السوط المجرم، ماذا فعلت بأمتي.
واختتم المحاضر محاضرته بالتأكيد على أن هذا الشاعر الكبير الذي أحبه وآمن بشعره الكثيرون لم يأخذ حقه من النقد والاهتمام وكأن مقولته في حادثة محاولة اغتيال نجيب محفوظ "ما من موهبة تمر بلا عقاب" تنطبق عليه أولا، وأشار إلى أنه عقاب التخلف الذي ينتج القمع والإهمال.

المصدر: البيان الثقافي
الأحد 15 يوليو 2001 - العدد 79

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:19 PM
حكاية الماغوط مع سعاد حسني


صلاح حزين
(الأردن)

قبل أعوام، تعرض الشاعر الماغوط لهجوم كاسح من جانب عدد كبير من الكتاب المصريين، حين قال ردا على سؤال حول رأيه في الشعر المصري "ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني"
- قبل أعوام، تناقلت الأوساط الصحفية و الأدبية في مصر والعالم العربي، ما يفيد بأن
الشاعر والكاتب والمسرحي السوري محمد الماغوط أجاب في واحد من لقاءاته الصحفية النادرة، قال ردا على سؤال حول رأيه في الشعر المصري "ليس هناك في مصر سوى سعاد حسني"
وقد أدي ذلك في حينه إلى ضجة كبرى ترددت في الأوساط الثقافية و الصحفية المصرية، وتعرض الشاعر الماغوط إلى هجوم كاسح من جانب عدد كبير من الكتاب والصحفيين والأدباء و الشعراء المصريين.
وفي لقاء أخير أجرته الصحفية والناقدة المسرحية المصرية، عبلة الرويني، و نشرته صحيفة "أخبار الأدب" المصرية، سألته عما حدث بالضبط آنذاك فأجاب ببساطة "كنت أتكلم عن السينما، و لكن الجرائد تفعل ما تفعل". و روى حادثة عن أنه كان مدعوا عند شريهان، و دعته سعاد حسني، لكنه اعتذر لارتباطه مسبقا بموعده عند شريهان، فقال له صديق "حد في الدنيا تدعوه سعاد حسني و يروح لشريهان؟" ويعلق الماغوط على ذلك قائلا: "فعلا عنده حق".
و في اللقاء المذكور، الذي أجرته معه عبله الرويني، وهي زوجة واحد من أبرز شعراء مصر، الراحل أمل دنقل، أجاب عن عدد كبير من الأسئلة باقتضاب، و بسخرية مريرة، هي نفسها التي ميزت أعماله الشعرية، كما في مجموعته الأخيرة "سياف الزهور"، وكتاباته الصحفية التي يكتبها في مجلة "الوسط" كل أسبوع، كما ميزت مسرحياته "العصفور الأحدب"، و"المهرج"، و كذلك "ضيعة تشرين" و "كأسك يا وطن" و غير ذلك
من مسرحيات مثلها له الفنان السوري الكوميدي دريد لحام.
عن انضمامه إلى الحزب القومي السوري في الخمسينات، قال الماغوط: "كانت تجربة مضحكة. كان عمري 13 عاما، وكان هناك برد و مطر في السلمية (بلدته في وسط سوريا). قالوا إن هناك أحزابا جديدة قادمة إلى البلد. و سالت، ما هي المواصفات؟ فقالوا حزب البعث بعيد عن بيتنا، وليس لديه مدفأة. الحزب القومي السوري كان قريبا من بيتنا ويمتلك مدفأة".
لكن عضوية الماغوط في الحزب القومي السوري مكنته من فعل أشياء كثيرة، فقد فتح له الحزب أبواب الشهرة كشاعر يكتب إلى جانب شعراء الحزب الآخرين، و خاصة أدونيس في ذلك الوقت. وبالطبع، أبواب المجلات الأدبية التي كانت قريبة من الحزب، مثل مجلة "شعر"، و أبواب الزواج، فقد تزوج من الراحلة سنية صالح، وهي أخت خالده سعيد، زوجة أدونيس، أي أن أدونيس عديله. و فتحت له أيضا أبواب السجن الذي دخله أكثر من مرة بسبب آرائه السياسية، كان أولها في العام 1955 كما يقول.
عن السجن يقول الماغوط: "فكرة السجن أكثر من مرعبة. أتحدى أن يدخل أي إنسان السجن ولو يوما واحدا وينساه. نحن جيل دشن فينا الإرهاب السياسي".
و عن الشعر يقول إن أول من التفت إلى شعره كان الشاعر نزار قباني الذي شاهده وهو يلبس الشورت ذات يوم في الخمسينات فقال له "اللي بتعملو شيء حلو". وعن جو مجلة "شعر" البيروتية التي كان يرأس تحريرها الشاعر يوسف الخال في أواخر الخمسينات قال الماغوط "إن أهم ما كان يشغلني دائما هو الثلاجة والأكل، بينما كل من حولي يتكلم عن الشاعر إزرا باوند، وعن الشعر والنظرية".
و يقول عن الشاعر اللبناني أنس الحاج إنه كان قليل الكلام، ويقول عن يوسف الخال الذي كان رئيس تحرير مجلة شعر، إنه كان مختلفا عن أدونيس، فهو في رأيه "إنسان غني داخليا. فكر وعلم وثقافة". ويروي كيف حاول مرة أن يعلمه التسكع، وهو الأرستقراطي.
أما أدونيس فيستأثر بهجوم خفي منه، فهو يرى أنه، الماغوط، كان سيكتب مثل أدونيس لو درس وتثقف. ولكنه لا يحب ذلك كما أنه لا يحب شعر أدونيس ويضيف "لا أحب القصيدة الفكرية. لو عندي فكرة لكتبتها في مقال". و يمضي قائلا رأيه في شعر "عديله" أدونيس فيقول: "أدونيس يكتب أفكارا، كل شعره فكر، وهو منذ البداية يعرف أين يذهب وكيف يسير، إنه منظم ومرتب. أحب شعره القديم، لأنه كان فيه معاناة. أما شعره الحالي فلا أفهمه".

أرابيا أون لاين - مايو 20, 2001

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:20 PM
من يسرق حرائقنا الطويلة

حسين عبد الكريم

كقامة الكلام ؟!
أي راقصة من النوع الرديء، تردّ عليها " هزات" خصرها أو اي هزات أرضية مردودا عيشيا ومالياً، يوازي مردود عشرين كاتبا، يصرفون مجمل أعصابهم ووقتهم، ونفسهم احتراقا بنار الكتابة..
وأي مطرب " موديل " مطرب وأي مطربة " ماركة" مزعجة يرد عليهما غناؤهما المطرب مالاً وافراً، قياساً لأفضل أنواع الكتابة وأميز الكتاب..
لماذا الحروف نهدر عمرها مجاناً، والآخرون لا يهدرون إلا أذواقنا، ويتقاضون مقابل فعلتهم السيئة هذه الأموال والمكافآت..
محمد الماغوط واحد من أكبر أثرياء العالم بالأحزان وأظنه فقيرا الى " حفنة" فرح واحدة غير ملوّثة، بدخان الزيف و"هباب" الكذبات المحترقة، احتراقا سيئا.. وقد عبر عن فقره هذا بعنوان مجموعته الشعرية الأولى:
(الفرح ليس مهنتي) وعبر ثرائه بالأسف والألم وحرائق الكتابة والأحزان ب: " حزن في ضوء القمر" وفي كلّ يومياته وتجربته ورحلته ظل محمد الماغوط واحدا من كبار أثرياء الدنيا بحزنه وكوابيسه.
ألا يحق له أن نحترم ثروته الضخمة هذه ؟!
الفنان المخرج، صاحب التجربة الإخراجية الجميلة " هيثم حقي" بالتعاون مع أحد
الكتاب يقوم بإخراج عمل تلفزيوني بعنوان "حزن في ضوء القمر" أليس حريا بمبدع كـ " هيثم حقي" وقد جرب الاحتراق بنار الهموم الإبداعية ان يحرص على حرائق زميل كبير ومبدع الى حد الكآبة التي لا تنام... محمد الماغوط ؟!
هذا المبحر في محيط أحزانه وكوابيسه منذ خمسين عاما تقريبا ألا ينبغي علينا جميعا ان نقدم كل التحية وكل مقابل يجلعه قويا على العيش والبقاء مع طيور عمره النارية؟!
لاشيء في عمر محمد الماغوط إلا الأرصدة الضخمة من المخاوف الإبداعية والمفارقات والحزن والحرائق هل يحق لأحد ان يسرق حرائقه الطويلة دون كلمة حب طويلة ودون مردود، ام على المبدعين الكبار ان يحترقوا دائما بنيران هواجسهم الجهنمية والآخرون يقبلون على هذه الحرائق على أساس إنها" مشاع "يمكن الاستفادة منها دون أي مقابل..
لأي راقصة أو ممثلة مبتدئة جدا أو ممثل في طور الأماني الفنية أو مطرب مكرب يجيد الصراخ من مختلف الدرجات..لهؤلاء جميعا ان نحترمهم وأن يعيشوا ويتقاضوا على " تفاهاتهم " المقابل الكبير والمردود الزائد.. وواحد مثل محمد الماغوط وأمثاله من المبدعين الذين يحترقون ألف احتراق واحتراق، حتى يقدموا كتابات عالية.. تؤخذ حرائقهم هونا من غير مقابل ؟!؟!

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:21 PM
شهادة
تامر و الماغوط: صهيل تحت سقف الحياة

تنفتح تجربة كل من الشاعر محمد الماغوط، والقاص زكريا تامر على فضاء واحد، تتداخل فيه الأصوات، والضمائر وقيم الوعي الفكري والجمالي، واللغة، والعلاقة الدرامية المتوترة مع العالم حتى يبدو الحديث عن تجربة أحدهما استدعاء لتجربة الآخر، مما يجعل كلاً منهما ضمير الآخر وفضاءه، ومرآة وجهه، وان كان الماغوط ينتمي الى حقل الشعر وزكريا الى حقل القصة،
فقد أدخل الماغوط السرد الى بنية القصيدة النثرية، التي انشغلت بأحزان الذات الجريحة المحاصرة والمحرومة التي تنوء بقسوة ضياعها وخوفها وأوجاعها، في حين جاء زكريا الى القصة من أبواب الشعر العريضة محققا تحولاً كبيراً في لغة القصة، وأساليبها الفنية والتعبيرية، والرؤية الى الواقع والإنسان في مرحلة كان الاتجاه الواقعي الصارم يفرض سلطته على الإنتاج الأدبي.
وبذلك شكل الاثنان ثنائية إبداعية جديدة، تمردت على أشكال الكتابة المستقرة، وفتحت أمام الإبداع الأصيل فضاءات واسعة كما أدخلت الى الأدب روحاً جديدة، سنجد آثارها الكبيرة، بعد سنوات عديدة، حاضرة في إبداع الجيل الجديد بامتياز.
تتقاطع التجربتان أولاً في فضاء الحرية، والتمرد على سلطة المنجز الأدبي السائد، والمرجعيات الخارجية التي تحكم حركته، فقد قابل تمرد زكريا على الاتجاه الواقعي، تمرد الماغوط على قصيدتي لتفعيلة والكلاسيكية، عبر انحيازه الى قصيدة النثر، بكثافتها الحسية وعفويتها، وبذلك تتأس التجربتان على عنصري الافتراق عن السائد، والتأسيس لاتجاهات إبداعية جديدة، تعكس حساسية أدبية مختلفة.
لقد جاء هذا التأسيس لقيم الإبداع والتجديد انطلاقاً من الإخلاص للتجربة، وللوعي الجديد، الفكري والفني الذي عبرت عنه بصدق، يرفض تزييف الواقع واغتيال الذات الإنسانية المأزومة، لصالح مقولات تصادر حرية الإبداع وتحوله الى أداة لخدمة رؤيتها وأهدافها، وبذلك أكدت التجربتان حق الذات في التعبير عن هواجسها وخوفها، وضياعها وحرمانها، باعتبار هذه الذات هي منطق وغاية أي مشروع إنساني فكري وإبداعي، وباعتبار انه لا يمكن اغتيال الحرية باسم التبشير بحرية مزعومة،
وهذا ما جعل ضمير المتكلم هو المهمين على خطاب الماغوط الشعري، وكذلك على نتاج زكريا القصصي الأول بالإضافة الى وطأة الشعور بالغربة والمرارة والهزيمة في واقع لا يمنح أبناءه سوى الخوف والخيبة والحزن والصراخ بملء القلب الوحيد والعاري.
إن هذا التحول في مضمونه ودلالاته الفكرية والإبداعية عبَّر عن وعي حقيقي بالحرية كضرورة وشرط وجود وكقيمة أساسية في الحياة مما جعل تجربتهما تمثلان إدانة لواقع لا يهبهما سوى الاختناق والخيبات والبؤس والأسى، الأمر الذي جعل تمردها يمثل الرفض للخضوع لاشتراطات الواقع، وسلطته التي تجعلهما يعيشان في "غرف بملايين الجدران" محاصرين باخفاقاتهما وحرمانهما، وغربتهما الطويلة، وبقوانين الأدب العرفية.
تحت سقف الحياة الواطئ
عاش الأديبان تجربة قاسية، وكانا أشبه بحصانين يصهلان بعذاب موجع تحت سقف الحياة الواطئ، أو في الغرف التي سقفها اوطئ كما يعبر بطل إحدى قصص مجموعة تامر الأولى عن ذلك، وكما يتقاطع معه عنوان ديوان الماغوط الثاني "غرفة بملايين الجدران" وإذا كان تامر يستخدم في أغلب قصص "صهيل الجواد الأبيض" ضمير المتكلم في السرد، فإن الماغوط هو الآخر يستخدم الضمير نفسه في خطابه الشعري، ولذلك فإن شخصيات هذه القصص تندغم في شخصية واحدة،
وان تعددت أشكال تجليها ووقائع تجربتها التي، تظل تعبر عن مناخ واحد، وحالات متماثلة على مستوى تجربتها الاجتماعية والنفسية والوجدانية، وعجزها عن اختراق المكان الخارجي، وإقامة علاقة تواصل حميمة معه ومع الآخرين، الأمر الذي يجعل هذه الشخصيات، تنكفىء في عزلتها على عالمها الداخلي، وأحلامها وكوابيسها التي تحاصرها.
ويشترك الماغوط مع هذه الشخصيات في تعبيره الموجع عن شعوره بالغربة والعزلة والحرمان والضياع، مما يجعل المعجم الشعري عنده يتداخل مع المعجم الأدبي في قصص تامر نظراً لتشابه التجربة وتقاطع الرؤية، واللغة الشعرية في الخطابين.
ان هذا الشعور بالإخفاق والرعب والحرمان والجوع العاطفي والجسدي هو الذي يجعل أبطال تامر المتحدين في صوت واحد، يتقاطعون مع صوت الماغوط في تعبيرهم عن النقمة والسخط والرغبة في الانتقام والثأر من المدينة التي لا تستجيب لحاجاتهم وأحلامهم ورغباتهم، وتغدو الطبيعة، أو الريف هي العالم الأكثر جمالاً وصفاء بالنسبة لهم.
وهكذا فإن بطل قصة "الرجل الزنجي" من مجموعة صهيل الجواد الأبيض يعبر عن هذه النقمة، والعدائية السافرة تجاه المدينة التي (لا تعطي أولادها سوى الجوع والتشرد والكآبة، أنا عدو المدينة المجهول) ص 11.
ويصف الماغوط هذه العلاقة بالصورة نفسها فيقول: كنا ثلاثة/ نخترق المدينة كالسرطان..
نبحث عن جريمة وامرأة تحت نور النجوم. ص 58 ان هذه الرؤية الرومانسية الى الريف، التي يقابلها موقف الإدانة والسخط على المدينة، يقابله في قصص وقصائد الماغوط وتامر تعلق كبير بالمدينة، وارتباط عميق بها، إذ تكتفي شخصيات تامر بالفوضى والتسكع في شوارع المدينة، وعلى أرصفتها، والعزلة والبطالة، وهو ما نجده في قصائد الماغوط الذي يجعل من ذلك قوة تعينه على الرفض، وتحديد خياراته في الحياة: ما من قوة في العالم/ ترغمني على محبة ما لا أحب.
وكراهية ما لا أكره/ مادام هناك تبغ وثقاب وشوارع. ص 234.
ويعلن بطل قصة تامر الأولى في مجموعة صهيل الجواد الأبيض "أنا رجل فقير بلا عمل، لا أضحك، لا أبكي، أحب الخمر والغناء والأزقة الضيقة وأحب الشعر والخبز الأبيض والنهود الفتية والمطر" ص 10.
ويقول الماغوط في قصيدة من ديوانه "حزن في ضوء القمر" معبراً عن نفس التجربة والرغبات.
أنا فقير وظمآن/ أنا إنسان تبغ وشوارع...
فأعطوني كفايتي من النبيذ والفوضى وحرية التلصص من شقوق الأبواب ص 45.
ان قصص تامر تستعير من الشعر لغته ومجازه واستعارته وصوره وهذه الكثافة الوجدانية، والعلاقة الدرامية المتوترة مع العالم، والرؤية الحزينة إليه، في حين تستعير قصائد الماغوط سردية القصص ودرامية المشهد للتعبير عن قسوة الحياة، والذات الجريحة في عالم لا يأبه لأحزانها ومقرها وأوجاعها،
ولذلك ترمز المرأة في كلتا التجربتين الى بشاعة وبؤس العلاقات الإنسانية التي تحكم مجتمع المدينة وعلاقاته الاجتماعية القائمة على بشاعة الاستغلال والظلم ويكاد اسم المرأة ـ البغي الذي يرثي الماغوط حالها، ويسميها "ماري" التي تبيع جسدها من اجل ان تأكل، يصبح نفس الاسم في قصة لتامر "قالت المرأة: "اسمي ماريا.. أترقص"؟" ص 30، بل تتوحد الحالة والمصير فـ "لحم حبيبتي الأبيض كان في الليل يؤكل على مناضد من حديد بارد" ص 10.
وإذا كان الماغوط يستنجد في رسالة شعرية عاجلة بأبيه لكي يأتيه بقطعة قرميد من سقف بيته، وبذكريات طفولته لكي يستعيد الشعور بالألفة والجمال والبساطة في غربة المدينة الغريبة، أو يتوقف الى السفر والرحيل إلى أرصفة المدن الغربية حيث الحرية والتسكع والأمان، فإن أبطال مجموعة تامر الأولى يعبرون عن الحنين نفسه والرغبة، والبحث عن الخلاص، إما من خلال الهرب من المدينة الى الطبيعة لاستعادة تلك العلاقة الحميمية الامومية، وتهديم المعامل وتحويل المدينة الى قرية خضراء ممتدة الى ما لانهاية، أو من خلال الرغبة في السفر، والتنقل الدائم بين المدن البعيدة "البحر وحلم الرحيل والسفر، آه لا شيء في العالم أجمل من البحر والسفر والتنقل الدائم" ص 35.
ان الماغوط الذي يرتطم بقاع المدينة، هو الوجه الآخر لبطل قصة "القبو" عندما تامر، والذي يشعر أن "العالم يجثم فوقي، إني سأظل حتى النهاية في قعر المدينة" ص 29، ولذلك يواجهان هذا العالم بالغضب والتمرد والإدانة تارة، وبالإعلان عن العجز والهزيمة والضياع تارة أخرى.
خارج التأطير.. داخل الحياة انحاز تامر والماغوط الى الإبداع، والإخلاص إلى التجربة والذات في تعبيرها عن نفسها، وتوقها الكبير الى الحرية والخير والجمال في عالم ملوث وحياة غير عادلة، وقد شكلت تجربتا الأديبين فاصلتين مع السياق الإبداعي الذي كانت تحكمه سلطة الإيديولوجية ورؤيتها الخارجية التي تجعل الأدب أداة للتعبير عنها، لهذا ظلت هاتان التجربتان خارج أي تصنيف مدرسي، فالإبداع الأصيل المؤسس لذاته يكسر حدود التأطير، ويرسم الفضاء الخاص به، والمعبر عن هويته الجديدة.
ان الإبداع الحقيقي هو الإبداع الذي يكسر إيقاع السياق الأدبي ويحقق انعطافه مبكرة فيه، وهذا ما جعل النقد الواقعي يستقبل هاتين التجربتين بالاتهام، والإدانة، لأنهما خرجتا على جوقة المنشدين وشكلتا صوتي نشاز فيها لكن ما ان سيمر عقد من الزمن تنضج فيه التجربة، وتتسع آفاق الرؤية حتى تغدو تجربتا تامر والماغوط المحرضتين على التجديد والإبداع بالنسبة لتجارب الجيل الجديد.
من هنا فإن قراءة هاتين التجربتين لا تتحقق، بمعزل عن دراسة القيمة الإبداعية والجمالية التي اشتركتا فيها على مستوى الوعي الفكري والجمالي، والتي منحتهما خصوصية التجربة والوعي والصدق مع الذات في تمثلها لشرطها الاجتماعي والإنساني، والتعبير عن مضمون هذه التجربة بكل القسوة والمرارة والشعور بالخذلان والرعب.
لقد ظل زكريا تامر وفياً لشعرية السرد واللغة حتى مجموعته المعروفة "النمور في اليوم العاشر" لكنه فيما بعد انعطف أكثر نحو بناء عالمه الحكائي، وتوظيف الشخصية والمكان والصراع في القصة للتعبير عن الفكرة التي يريد، مما أدى الى تراجع كبير للغة الشعرية، وان لم نقل الى غيابها تقريباً في أعماله الثلاث الأخيرة في حين ان محمد الماغوط، تحول الى المسرح فترة من الزمن ولم يكتب سوى قصائد قليلة، مقابل كتابته الساخرة في المجلات العربية، وهو ما أدى الى خسارة شاعر هام الماغوط.
بقي ان نشير في النهاية، الى تلك الروح الساخرة، والاشتغال على عنصر المفارقة في التجربتين، إذ شكلت هذه السمة ملمحاً واضحاً عندهما، ويمكن اعتبارها اقرب الى "الكوميديا السوداء" والتهكم اللاذع، الذي يعبر عن رغبة في فضح الواقع وتعريته، وإدانة قيمه، وبذلك كانت التجربتان تذهبان في اتجاه واحد نحو فضاء الحرية والإبداع بصوت عار تكتمل فيه أغنية الحياة الجريحة، وعذابات الروح الوحيدة في مواجهة دنس الحياة وسارقي فرحها.

المصدر: البيان الثقافي الأحد10 محرم 1423هـ 24مارس 2002 -العدد 115

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:22 PM
تركيب المتخيل
(محمد الماغوط في حزن في ضوء القمر)

عبدالقادر الغزالي
(المغرب)

للمتخيل الشعري وضعية استثنائية في كتابة وقراءة النص الإبداعي لاعتبارات عدة تتصدرها المكانة الجوهرية التي يحتلها "الخيال" بوصفه دالا أكبر في بناء الخطاب الشعري الحداثي. ومن ثم ندرك بجلاء، سر عناية الفلاسفة المسلمين بهذه الطاقة الخلاقة، مما جعلهم يرفعونها الى مرتبة المبدأ الأول الذي تتحقق بواسطته ماهية ما هو شعري، وبطاقة الهوية التي تثبت الانتماء الى هذا الجنس الفاتن المنافس للموجود والوجود، وذلك بخلقه أشكالformes - sens (1) تندغم فيها تجربة الكتابة بالتجربة اليومية.
ولعل ذلك هو السبب الذي جعل تعريف الشعر يقترن بالخيال الشاعر بين العرب القداس الذين أفادوا من الفلاسفة أمثال حازم القرطاجني الذي يبرز د. جابر عصفور مكانته النقدية البارزة ودوره الرائد، كما يتضح ذلك في الفقرة التالية "لقد أفاد حازم من الفلاسفة كل الإفادة وأستطاع أن يتجاوز خطي أقرانه وأسلافه من النقاد ويصل الى ما لم يصلوا إليه ويعالج مشاكل لها ثقلها وأهميتها في تاريخ النظرية الشعرية" (2).
ويحسن أن نشير الى أنه، رغم التحول الذي حصل في البيئة الثقافية القديمة، وذلك بتبني مبدأ الخيال، ووقف العملية الإبداعية على اشراقاته، وكشوفاته، فإن استمرار التصورات الأرسطية في تأطير ماهيته وتفاعلاته في النص، قد حد من حريته وقلص من أقاليمه وفتوحاته، وذلك بالاحتكام الى المنطق في قبول عوالمه وعيش فصولة أو طرح بنائه ووصله باللامعقول والمعمى والمبهم. وتفضي بنا هذه النقطة الى إحدى المنارات البيضاء في الثقافة العربية القديمة
أرسى قواعدها، وأعلى صرحها المتصوفة المسلمون الذين طرقوا الأبواب الموصدة وولجوا عالم الغيب والشهادة وغزوا اللحظة المبدئية، وذلك باتخاذ الخيال طاقة خلاقة بها تكتشف التحولات الدائمة في الوجود، وتتوارد المتجليات على القلب والخاطر. ولنتأمل تعريف ابن عربي: "...فالخيال لا موجود ولا معدوم ولا معلوم ولا مجهول ولا منفي ولا مثبت كما يدرك الإنسان صورته في المرآة يعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه ويعلم قطعا أنه ما أدرك صـورته بوجـه" (3).
ووفق هذا التصور نتبين ماهية الخيال البنائية سواء في العملية الإبداعية أو في تعيين أشكال تلقى ما يعرضه من صور ومشاهد في النوم أو اليقظة، وما طبيعة وقدر المسافة التي يجب أن يتخذها الرائي عندما يبلغ مقام التجليات. ولذلك يردف ابن عربي: "ومن الناس من يدرك هذا المتخيل بعين الحس ومن الناس من يدركه بعين الخيال وأعني في حال اليقظة" (4)، ويحسن أن نشير الى ضرورة التنبه الى خصوصية الاشتغال النظري واستراتيجية البحث في الخيال والمتخيل عند المتصوفة وعند أبن عربي الذي خصه هنري كوربان Henri Corbin ودراسات قيمة وعن استراتيجية في مبحث الخيال. يقول: "ولا شك أن انشغال ابن عربي الأول كان هو عقد صلات رؤيوية بين المقدرة التخييلية من جهة، وبين الإلهام الإلهي من جهة ثانية.." (5).
فرضيات القراءة:
إن اعتبار النص الشعري في كليته والانفتاح على الكون التخييلي الذي يؤسسه يفرض علينا اختيارا منهجيا يتمثل في مراعاة سياق توارد الصور والرموز التي تشكل النسق النصي، لكي يتجنب التفسير الآلي وذلك بعكس الدلالة المتحققة للصورة في المستوى الانطروبولوجي أو النفسي على الطبيعة التنظيمية الخاصة التي تدرج بها (الصورة) في البناء الدائم التجدد، علما بأن ما يمكن أن يدرج في إطار "المعرفة الخلفية" سيكون بمثابة إضاءات تفتح أمامنا أفاق المصاحبة.
ومن هذه الزاوية، نقترح في هذه القراءة الاستفادة من شعرية المتخيل التي يدافع عنها جان بورغوص Jean Burgus إن أول قرنية تواجهنا هي فرضية التركيب أي التأليف الحر واللانهائي للأنساق التخييلية. ومن هذا المنطلق يتم التنبيه الى أن القراءة لا ينبغي أن تكتفي بملاحقة الراهن، بل يجب أن تخترقا الى الممكن والمحتمل: "ومن ثم فإن عزو المعنى الماورائي، الذي يحدد أيضا ماهية الشعري، هو الذي يمكن أن يسمح بشعرية المتخيل" (6).
ومن ثم فإن إبراز الحدود بين الوظيفة الأسطورية والكتابة الشعرية، هي أولى المسائل التي يتصدى لها وفق خاصيتي: التكرير والتوليد. إذ أن الأسطورة وهي تقدم إجابات عن تساؤلات مركزية تصاحب الإنسان تعيد إنتاج وصياغة الحالات والأوضاع الى مالا نهاية، بينما تصهر الكتابة العناصر المعطاة لخلق أنساق جديدة وارتياد عوالم مجهولة، ومن ثم: "يميل الخطاب الأسطوري الى تكرير أوضاع بدئية الى مالا نهاية... في حين تدشن الكتابة وضعية لم تعش ولم يعبر عنها من قبل كما تنفتح على احتمالات جديدة" (7).
وهذا المبدأ العام هو الذي ينبغي أن يوجه الانشغال بطرائق تجميع الصورة والكوكبات الرمزية Les cons te llations symboiques التي تنتظم في إطارها لتحديد شكل تركيب المتخيل في الكتابة المقروءة. ولقد اقترح جان بورغوص Jean Buegus ثلاثة أشكال هي:
كتابة الثورة: التي يصفها بأنها "كتابة الفضاء الممتلئ في الحاضر" (8)، وتستند الى ملء الفضاء الذي يعني في وجه من وجوهه السيطرة على الزمن، وتوقيفه في لحظة مثبتة ولهذه الغاية يتم تشغيل علاقة التعارض.
كتابة الرفض: التي تسعي الى أبعاد الزمن والالتجاء الى مكان حميمي، وفي هذا الشكل الكتابي تهيمن ترسيمات التقريب والتقليص والانثناء، كما: "تقتضي هذه الكتابة رؤية أكثر تجريدية وذاتية خالصة، إنها أساسا رؤية حسية للعالم والأشياء أي رؤية متزنة حسب تصور باشلار" (9).
كتابة التمويه: التي توهم "بقبول السيرورة الكرونولوجية الحتمية" (10)، ومحاكاة الحياة اليومية، ثم لا تلبث أن تفجر تناقضاتها ولذلك: "كثيرا ما يشبه العالم المتخيل الذي تفتحه عالمنا المعتاد، ثم لا نلبث حتى نكتشف فجأة، بأن العبور من المتجول الى الزمني قد تحقق، وبأن الدرامي قد أخذ معناه" (11).
بهذه الفرضيات المركزة نقترح الاقتراب من الكون التخييلي الذي تؤسسه القصائد الشعرية المكونة للديوان الشعري، موضوع القراءة "حزن في ضوء القمر" للشاعر الغاضب محمد الماغوط.
البعد والأبعاد
يفجؤنا العنوان بصيغته التناقضية ذات الصفة الازدواجية إذ يتمظهر التعارض الأول في الشق الثاني: في ضوء القمر، شبه الجملة المزدوجة: جار + مجرور= مضاف + مضاف إليه. بما يحمله من قلب طبيعي للخاصية الزمنية: الليل والنهار، وملحقاتهما: نور - ضياء - (ظلام - عتمة) حيث أصبح الليل حاملا للنور، واتشح النهار بالسواد. الأمر الذي يفضي بنا الى التعارض الثاني المتمثل في الشق الأول: المركب الأسمى حزن، إذا ما اعتبرنا هذه العاطفة الشعورية تعتيم الذات لحظة انخطافية تبعث على الدهشة والمناجاة مما ينجم عنه رج للعلاقة بين المثير والاستجابة بلغة السلوكيين. ومن هنا يبرز تقابل بين حالة افتراضية، تكون اللحظة الطبيعية حافزها ومبررها لها ارتباط بعالم داخلي تؤثثه أحاسيس الرقة والسمو والصفاء والبهجة والفرح كما تنفتح على عالم خارجي تستحضره انخطافات العشق والمفاجأة وحالة سلبية واهنة تتقلص وتنكفئ فيها الذات، مما يفتح احتمالات الفقد والحرمان وينبئ بصلابة العوائق.
إن لترسيمة الفقد والغياب أهمية خاصة في بناء الأنساق التخييلية ومد الأطراف بماء الحياة، حولها تتكوكب ثيمات التشرد والضياع والشوق والحنين. ولعل أول مظهر للفقد يواجهنا، هو غياب المعشوقة التي تبعث الخصب وتغمر الكون بهجة وصفاء. وإذا كان البعد /الأبعاد حاصلا، والحب مستحكما مس العاشق بالوله والخبل، واستحالة اللقاء لا مراء فيها، فإن استدعاء التحولات لا مناص منه بها يهدم جدار البين وكفى مسافة الفصل. لذلك تسافر الذات في شكل "قصيدة غرام" حضور اقتضته الأجواء الرومانسية والدرامية التي يلقي العنوان بظلالها. غير أن هذا الانفتاح المرحلي، لا يلبث أن يستدعي تعارضا تجسده الجملة الاسمية المعطوفة، أو طعنة خنجر. ولعل جذوة الحرقة المتقدة في الفؤاد هي التي تفسر هذا التعارض، حرقة اقتضاها الاتحاد في البعد بواسطة اللقاء الرمزي تهيىء الكتابة مراسميه وطقوسه. وتفيد فيه من علاقة المحتوي والمحتوى ومن ترسيمة التنافذ والتداخل:
أيها الربيع المقبل من عينيها
أيها الكناري المسافر في ضوء القمر
خذني إليها (12)
من العين يقبل الربيع وفق تشخيص فصلي لا يفتأ أن يستدعي احتواء مناظر يتمثل في "الكناري المسافر". والعمليتان الاحتوائيتان تنسجان صيغتين تركيبيتين متناظرتين: (أيها الربيع.. خذني إليها) (أيها الكناري (...) خذني إليها) كما تتقوى الرابطة التنظيمية من خلال الصفتين المتقابلتين:
(أيها الربيع المقبل.. / أيها الكناري المسافر)
وفي الإقبال والسفر دلالة على التحول والحركة (الأبدية) وهنا يحضر الجسد الايروتيكي بجلاله وشبقيته ونقائه وطهره مما يتيح التسمية:
(حبيبتي ليلى... دمشق يا عربة السبايا..) عندئذ تفتح واجهة للصراع بين الذات والزمن. صراع يندحر فيه كل أمل في الانعتاق من السلطة القاهرة، فتتعالى أصوات البكاء والخيبة والانتكاس. وترفع رايات اليأس والعدمية لتلقي الذوات في فضاء مظلم أشبه بالهوة السحيقة التي لا قرار لها.
- عشرون عاما ونحن ندق أبوابك الصلدة (ص 16)
- ونحن نعدو كالخيول الوحشية على صفحات التاريخ (ص 17)
ويمكن أن نستنتج، في هذا المقام، بأن الترسيمة الموجهة لانتظام الصور هي: النقيضة التي واجهتنا صورة من صورها في عنوان القصيدة: حزن في ضوء القمر، المختار لتسمية الديوان الشعري، كما تواجهنا صيغ أخرى لقسماتها تتكوكب حول الجسد الأنثوي بفتنته وبشاعته،
وتبادله العلاقات التفاعلية وفق مبدأ التماهي مع البلاد - دمشق - الوطن. وفي هذا الكون التخييلي يتقابل عالمان متعارضان: عالم مضيء يقوم على أساس الامتداد وملء الفضاء تؤسسه تيمات البعث والخصب، التي يكون للعين في سلطانها مرتبة السيادة وطاقة الخلق، إنها عين الآلهة المخلصة والجذوة المتقدة التي ينبعث من إنسانها النور والضياء. كما يكون للغم والقدمين في شريعتها طاقة التهيج وإثارة الغرائز الجنسية بما أنهما مصدران للنشوة والانتشاء. أما العالم الثاني فيقوم على أساس التقليص والانحسار تتعالى فيه أصوات النواح والمرض، عالم مظلم تنسحب فيه الذوات وتنكفئ، ليلقي بها في ردهات الصمت والبكاء والخوف مكتفية من خلل الثقوب بالتفرج على المشهد الجنائزي الذي تعيش أطواره وفصوله، وتكتوي بنيرانه العاتية، ولننصت الى صوت الكتابة وذبذبته حين يلهج هذه المأساة مشددا على التعارض:
(1- أيها الربيع المقبل من عينها
2- في عينيك تنوح عاصفة من النجوم)
(1- ذات الفم السكران والقدمين الحريريتين)
(2- ذات الجسد المغطى بالسعال والجواهر)
وفي هذه اللحظة، لا نملك إلا الاستسلام والانقياد سريا لغواية قصيدة تأسيسية في الشعر العربي المعاصر هي قصيدة الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، أنشودة المطر، غير أننا نترك لذة اللقاء والوصل مفتوحة.
ومن هذه الزاوية، ندرك أيضا سر المراوحة بين النظام الانثنائي:reqine de repli:
فأنا متشرد وجريح
- إنني شبح
- إنني مريض
- إنني ألمح أثار قلبي
- وأنا راقد في غرفتي
- فأنا على علاقة قديمة بالحزن والعبودية. *
وتتجمع في هذا النظام الكوكبات الرمزية les conslellations symboliques القائمة على أساس التناظر - التاريخ الرابض على الشفة.. الاجتثاث من الجذور.
- الحب القاتل - البطل المنهزم - الرايات المنكسة..
ويحسن أن نشير الى أن التناظر بين الصور المعتمة إحدى ضرورات هذا النسق التخييلي، به تحقق وحدة الكائن، وألم الكينونة.
ويقابل هذا النظام، نظام مناقض تمديدي توسيعي فيه يبعث البطل من الرماد كما تبعث العنقاء فيحيى جذوة الحياة مستعيرا من الطبيعة طاقة الخلق المتجدد.
- وأنا أسير كالرعد الأشقر في الزحام (ص19)
- أملا في السيطرة على الفضاء والزمن
- أنت لي
- هذا الحنين لي يا حقودة ! (ص 17)
فاتحا بؤرة إشعاع ينبعث منها أضوء ومراهنا عي زمن أبدي يمحى فيه الى من الكرونولجي، وتجد فيه الذات مكانا حميميا وملجأ رحيما من عنف المحسوس وجبروته.
وفي مجامل الطريق، ووحشة السفر تعي "الذات" خيبتها وخذلان العالم لها. كذلك تستعيد ذكريات الطفولة، وتستحضر أحلامها السعيدة، مستلقية في أحضان الأم التي جف عودها وتوارت فتنتها لذلك تمني بالخيبة مجددا لأن الاحتماء تم بالهباء.
مقامات الكتابة
إن مشهد العذاب والشهادة الذي تعيش فصوله كل ذات مبدعة أصيلة تصل في هذا المقام درجة قصوى، فيه تعي الذوات تفاهتها وخستها فترفع نداء مقاومة الزمن لإلغاء جبروته وقهره ومن ثم تعبر لحظة تأملية تتغيا ملء الفضاء: العيون - الطفلة السحابة - هذه العناصر التي تشترك في بعث الحياة والخصب. إذ تتعاضد الطاقة الرؤيوية والبراءة الطفولية لتجديد مواسم الخصب والبهجة. غير أن ثبات المشهد الوحشي ينبئ بأن الزمن مازال جاثما حاملا أعلام الفجيعة والانكسار والهزيمة:
- إن ملايين السنين الدموية
تقف ذليلة أمام الحانات (ص 23)
وفي هذا الكون المظلم تحتمي الذات بالحلم، به تجرب اختراق الانفلاق. وعندئذ يتحول الحزن من طاقة شعورية تدميرية توهن الذات وتشل حركتها، (بما أنه خلاصة لرعب الزمن واقتياده الكائن الى الجحيم)، الى مادة تطهيرية، بها يخاض الصراع ضد الزمن لترويضه والسيطرة عليه.
- فالتراب حزين، والألم يومض كالنسر (ص 24).
ومن ثم نشهد محاولات مستمرة للاختراق والنفاذ الى الباطن، واستسلاما لغواية الكتابة وآلامها، وخضوعا لطقوسها، ودهشة أمام تقريبها السحري بين الحاضر والغائب، الظاهر والخفي، الداخل والخارج، الصاعد والنازل، الكائن والممكن، الواقع والمحتمل..
غير أن انحسار الرؤيا وقتامة الأفق، لا تثبت سوى مشهد الاندحار والتقلب في ردهات الجحيم فيها يمحى بهاء الكتابة ويجف ماؤها فتتلاشى الذات وحيدة وهي تراقب احتراقها وتشهد مد ما يقوضها ويشتتها مجسدا في التشابه والتماثل. لذلك تدوي نبرات الضعف والعجز:
- ولكنني حزينا لأن قصائدي غدت متشابهة
- وذات لحن جريح لا يتبدل (ص 17)
ومع تنامي حاجة الذات الى الانفتاح على المختلف والمتعدد، تتضاعف حدة الغضب والنقمة على الطبيعة: (الحقول) والكينونة (البشرية) لأنها تنشد السمو والتحليق في الآفاق اللامحدودة.
وهنا تستحضر شكلا من أشكال التوجيه الخارجي المجسد في الحب القاتل والعشق المدمر الذي أفنى الجسد في الوطن.
- وطني.. أيها الحرس المعلق في فمي (ص 48)
على الرغم من القهر والحرمان. وما أبشع أن يموت البشير جوعا وتتوارى النبوءة سرابا. وذلك هو المال الذي انتهت إليه الذات ساحبة وراءها أذيال الهزيمة والاندحار لتعترف علانية بالعجز:
- لكنني لا أستطيع (ص 49)
- لا أستطيع الكتابة، ودمشق الشهية
تضطلع في دفتري كفخذين عاريين (ص 49).
وفي هذه العتمة المدمرة، لا تملك الذات الانسحاب والهرب الى ملجأ حميمي، نشدانا لصفاء وسمو خالص تتعمد فيه بمياه الأبدية.
ويمكن أن نلاحظ في هذا النسق التخييلي، تقابل ترسيمتين منظمتين، ترسيمة الانثناء وترسيمة التوسيع والتمديد. لذلك نواجه انحسارا وانغلاقا تجسده تيمات الفقد والفراغ والألم والكآبة عبر استحضار نضالات المامي التي آلت إلى السقوط، وتعذر العبور بعد تحطم الجسور والحرمان من اللقاء نتيجة النفي والتشريد. وتلك هي علة الحرقة التي يذكيها الشوق والحنين الباعث على بسط سلطان الخيال وقدراته الإبداعية على التوسيع والتمديد، وهنا تحضر الرمزية الأنشوية كشكل من أشكال الانفتاح وتصعيد البشاعة الى ذروتها:
- ما من أمة في التاريخ
لها هذه العجيزة الضاحكة
والعيون المليئة بالأجراس (ص 62)
وفي هذا الأفق التخييلي تتقلص القارات: أوروبا، آسيا. لتتماهى مع العشيقة والأم، والساقطة. ومن ثم نلمح هذا التوق الى محو الواقع، وتصعيد الأوضاع الصدامية، والتأرجح بين العواطف المتناقضة، إذ تجتاح عواطف اللاجدوى والعبثية الذات، في الوقت الذي تبتهج فيه بنشوة الخلق وإعادة التشكيل.
فتوحات الهجرة والسفر
تتعالى من الأعماق أصوات تحث على الرحيل والسفر الذي لم تتحدد معالمه:
- سأرحل عنها بعيدا.. بعيدا (ص 33).
رحيل يخلص الذات من العناصر والأشياء، ويحصنها من الزمن ومهاويه وهبائه. وإذا كان قرار السفر لا راد له، فإن الغضب والنقمة التي تحملها الذات للعالم شديدة دفعتها الى حمل معول الهدم كي تتحرر من كل السلطات القاهرة بما فيها السلطة الأبوية باعتبارها علة "شر الكينونة".
وبما أن وحشة السفر، وغربة المسافر تقتضي الزاد والعدة، فإن كوكبة من الصور تنتظم حول عوالم الطفولة السعيدة. إن الهوة التي ألقيت الذات في مهاويها، ترسخ سيادة الظلمة والعتمة وهيمنة السكون. فالأشياء فيها حزينة، والزمن ذو وجه بشع لا يتبدل، والمدنية غارقة في المرض. إن المياه راكدة، والعفن والوحل يني الجوانب:
... حياتي، سواد وعبودية وانتظار (ص 35).
لذلك تحاول الذات جاهدة الاختراق والنفاذ الى كون مغاير يفزر المسافر مجامله، ويطأ أراضيه البكر.
ومما يرسخ التعارض والسلب، هو أن الملاذ الحميمي الذي تلوذ إليه الذات الغاضبة من عنف الزمن، قد أضحى مهددا، لأن المعشوقة (ليلى) قد هجرته بعد أن كانت تملؤه بؤر إشعاع ونور. ولهذا الفقد تتمزق الأوصال بين لحظتين: لحظة ماضية اكتوت الذات فيها بحرقة الهجر والفراق. ولحظة مستقبلية تحاصر الذات فيها هواجس الخوف والقلق.
- وأنا أرقب البهجة الحبيبة
تغادر أشعاري الى الأبد (ص 37)
عندئذ تنتصب القامة شامخة لتبسط همينتها على الكون وتوقف الزمن. غير أن القدر القاهر يفلق كل ثقب يتسلل منه بصيص صفاء، حيث ينفذ المصير المشؤوم المرعب الى الأعماق والدواخل، مكثفا هيستيريا القلق والخوف، فتوثق الأجساد في مهاوي سحيقة:
- قبورنا معتمة على الرابية (ص: 51)
لأن تجربة الموت، في هذا المقام، سلبية تفني الى الجحيم كما تتبين إيحاءاتها الرمزية الدالة للحصان الجهنمي:
- والموت المعلق في خاصرة الجواد
يلج صدري كنظرة الفتاة المراهقة
كأنين الهواء القارس (ص 52).
ويتسع مشهد الفقد، وفق تمديد متدرج من الإنسان الى الطبيعة: (فقد الأب - سعال الغابات - الأنين التائه بين الصخور - القطيع الميت)، وبما أن الذات تروع خوض غمار مغامرة انبعاثية جديدة، تحول تجربة الموت الى معبر الى حياة أنقى وأطهر، فإن مناجاة مصادر البعث والحياة في الطبيعة: الجبال - الأنهار، تغدو أشد إلحاحا. ويمكن أن نقول، بأن الكون الجديد الذي تفضي إليه تجربة الانفتاح من خلال الفناء، تحيل جسد الذات مصدر إشعاع وبوتقة نور، في موكبها توصل الأشياء والكائنات بما يناقضها ليسفر التركيب عن تطهير وتخليص من القوى الشريرة:
... أسير تحامين جريحتين
والفرح ينبض في مفاصلي
إني أسير على قلب أمة (ص 56).
لقد أصبح العالم المحسوس، بعنفه ورعبه ومشاهده البشعة: (الحياة الكريهة - نواح الأشجار -الجيوش الصفراء) دما يسري في الضلوع، هو مبعث الكآبة المتأصلة والإحساس الرهيب بفداحة الفقد وفي حضرة الغياب والتلاشي، تستسلم الذات لغواية السفر والرحيل لأنها اختارت المرافئ والسفينة، مسكنا وبيتا رمزيا، يكون الموت فيه معبرا لحياة أبدية ترتاد فيها غياهب المجهول، وأنوار الكشف والتجدد، من غير أن تنفصل عن الراهن بصخبه وفورانه. وقد يكون ذلك هو السبب الذي وجه حركة الأفعال: سأبكي... سأرنو... سأرتجف... مشهد مسرحي تحدد فيه حركة الممثل (المندحر) على الركع بدقة فائقة.
إغراء الجنس ولا نهاية التحولات
ترنو الذات الى الآخر: النساء، الطفل، رغبة واشتهاء، فتتوق الى احتضانه بحرارة احتماء من هول الفقد والوحشة، وألم الغربة وليس استحضار ذكريات الطفولة وأحلامها الباذخة، سوى شكلها من أشكال الانسحاب والاحتماء:
فأنا مازلت وحيدا وقاسيا
أنا غريب يا أمي
وفي نشوة العشق تتنامى التحولات، وتتمدد الذات لتشمل الكون، متماهية مع عناصر الطبيعة: الحصاة - تجويف من الوحل الأملس - وردة - صفصافة ومع العناصر الصادرة عن الإنسان:
أغنية طويلة...
ليعقد اللقاء بين الأرض والسماء:
أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة
(ص 26)
غير أن اللقاء لا يلبث أن يستعيد الصفاء الأرضي الذي يقابل الجحيم الراهن ليتشابك المتخيل والمعاش - إن هذا التفاعل هو الذي يوجه طبيعة تحول العناصر ويؤسس فضاءات الأكوان التخييلية التي تسبح في فلك الدمار والخراب، مما يعمق جروح الفقد، ويدفع الى استعادة تفاصيل المعاناة: الجوع - التشرد - الكآبة - الحزن..
ومن هذه الفجوة نخلص الى أن الشاعر يواجه الزمن بالزمن مصعدا الحرقة والمعاناة والبشاعة لكي يكتشف الجوهر الأسمى للإنسان باعتباره البؤرة التي تمد العالم المحيط والبعيد بأشعة النور والضياء، لأن السيرورة التخييلية تأخذ نقطة بدئها من الجسد الأنثوي في مظهره المزدوج: الإيروتيكي والأمومي حيث تختلط النشوة الجنسية والعاطفة الأمومية والتوق الطفولي. إن ملامح: البغي - ماري - الأم، تتحدد بالعلاقة مع بيع الجسد، واستباحة المفاتن، مآل بئيس يثير العواطف المتناقضة: الحب - الكره - الامتناع - الاشتهاء. ثم لا نلبث أن نواجه، وفي حركة التحولات تمديدا وتوسيعا للجسد ليشمل قارة وفق ترسيمة التكبير.
كنت أرى قارة من الصخرة
تشهق بالألم والحرير
والأذرع الهائجة في الشوارع (ص: 29).
ومن خلال التوسيع، تستعيد الذات تفاصيل المأساة السرمدية لأن الخوف والقلق من الزمن، لا عمر له، ومشاهد البشاعة قد تغير أقنعتها، لكنها تبقى هي هي. وما استحضار السيرة المشؤومة، وعرضها أمام الأنظار في مشاهد خليعة، وتغيير أوضاعها: أعلى - أسفل - أمام - خلف.. سوى أنموذج لجسد الزمن البشع. ومن بؤس الذات أنه لباس لها يكبح جماحها ويعوق حركتها. إن الوحول المتراكمة، توقد في الكيان شهب الغضب والنقمة، وتلطخ الكائن والأشياء بالدم، بقع قانية هي عبارة عن منافذ قاتمة تعرض العالم - المصغر، الذي هو الملجأ الحميمي من عنف المحسوس، للسقوط. وفي الوقت ذاته، ترسخ الوصل والفصل بين المحسوس والمتخيل، وبين الحادث والمحتمل:
في البساتين المرحلة.. كنت أنظم الشعر يا ليلى
(ص 49)
وإذا كان البرزخ الذي يصل الغائب بالحاضر قد محى والمعشوقة التي، يذوب من بينها العاشق قطرة قطرة متمادية في تمنعها، فلأن الانغماس في اليومي بصخبه وفورانه، هو شكل من أشكال تفجير السخط، وإزاحة الأقنعة التي تتوارى خلفها الكائنات والأشياء بخستها ولؤمها.
لقد غمرت الظلمة المكان - البيت الحميمي - وأطلقت قوى الشر من مواطنها، فألحقت الدمار والخراب، لذلك غدا قفرا هجرته العصافير، وساده الصمت الرهيب الأشبه بصمت القبور. وهنا تغدو الكتابة شهادة واستشهادا (بتعبير الناقد والشاعر الراحل عبدالله راجع)
أنا طائر من الريف
الكلمة عندي أوزة بيضاء
والأغنية بستان من الفستق الأخضر (ص 68).
ويحسن أن نشير الى أن للنهد والعين حضورا مكثفا، فهما البؤرتان اللتان تستقطبان العوالم اليهما: القارات - الوطن - المدينة - دمشق. والعضوان المضيئان في الجسد، اللذان يذكيان جذوة الاشتهاء والانتشاء، ويبعثان الأحاسيس والمشاعر المتناقضة: السعادة، الغضب -الفتور -الاشتهاء - الظلم - الأنصاف، اليهما يلوذ المشرد المحترق ليحتمي من البشاعة، وفيهما يستحضر الذكريات الهاربة: القرية - الحقول - السرير - ومنهما يتطلع الى السفر العلائي بعد أن بلغ السخط والغضب منتهاه. عندئذ يعاد بعث صورة الإنسان الكامل، الذي يسع الأرض والسماء، يتسامى الى حد التماهي بالنجوم، وينغرس في الأرض ليفجر الينابيع، ويصل الأسفل بالأعلى والأحط بالأسمى والمتعفن بالأنقى والأصفى:
نصفه نجوم
ونصفه الآخر بقايا وأشجار عارية
ذلك الشار المنكفيء على نفسه كخيط من الوحل
(ص: 40)
إنها قدرة سحرية على التماهي والتحول، ترتقي من خلالها الذات مدارج السمو والرفعة فتتحد بالعناصر: المطر - العيون - رائحة الغابات - هدير الأقدام العارية... غير أن لحظات الصفاء هاته لن تدوم لأن المأساة سرمدية، ونشوة الاكتشاف والمغامرة المتصلة

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش
1- انظر الملحق الاصطلاحي في كتاب Henri Meschonnic, pour la poetique, I,édition Gallimaid 1970
2- جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب المركز الثقافي العربي 1992- ط 3 - ص: 57.
3- محيي الدين بن عربي الفتوحات المكية، المجلد 1 - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. ص: 304.
4- نفس المرجع ص 305.
5- Heniro Corbin, L:IMAGINATION CREATRICE DANS LE SOUFISME D'IBN ARABI, 2? edition FLAMMRRION EDITUER, 1958, Ernest FLAMMARION. P. 741
6- للتوسع في مبحث المتخيل الشعري تنظر الدراسة العميقة التي أنجزها د. محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وابدالاتها ج: 2 الرومانسية العربية - دار توبقال للطباعة والنشر.
7- JEAN BURGOS, Pour une poétique de l'imaginaire, Edition du Seuil, 1982 p: 140.
8- نفس المرجع. ص 145.
9- نفس المرجع ص: 147.
10- نفس المرجع ص 164.
11- نفس المرجع ص 165.
12 - نفس المرجع ص 168.
13 - محمد الماغوط، الأعمال الشعرية الكاملة. سنكتفي في الاحالات الشعرية اللاحقة بتعيين رقم الصفحة.
* لم نورد المقاطع التي تتأسس حسب هذا النظام التخييلي، لضيق المقام،
لذلك ندعو القارئ الى عيش فصول الأقاليم التخييلية في هذه القصائد، لتتحقق المصاحبة.

المصدر: مجلة نزوى
__________________



توقيع : عواطف محمد


أبسط لك كفّي..
لا لـ تقرأ.. !
بل لـ تكتب في راحتها..
ما شئت من النبوءات والكلمات..
وترسم فيها
مايحلو لك من الخطوط والدروب والرموز
بوردتك..
أو .. بسكّينك !
غادة السمان




عواطف محمد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عواطف محمد
البحث عن المشاركات التي كتبها عواطف محمد

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:24 PM
الماغوط وقصيدة النثر السورية
راسم المدهون
(فلسطين)

قصيدة النثر السورية ورثت تجربة إبداعية رائدة - هي تجربة محمد الماغوط, الثرية, المقابلة للحياة في ازدحام التجارب وإزدحام الشعر, ومع أن الأجيال الجديدة من شعراء قصيدة النثر في سوريا يعترفون للماغوط بالريادة وبالتميز, إلا إنهم يطمحون بإستمرار إلى كتابة قصيدة مغايرة.. قصيدة يمكن أن تحمل نبض الحياة الجديدة, وتجاري في الوقت ذاته, ما حققته قصيدة النثر, العربية من تطور, خصوصا في لبنان, الذي كان أرض الحوارات النقدية العاصفة - التي أسست لهذه القصيدة, والذي رفد الإبداع الغربي بعدد لا يستهان به من شعرائها, هذه المقالة تحاول رصد عدد من التجارب لشعراء قصيدة النثر السورية الجديدة والذين عرفنا نتاجاتهم خلال العقد الفائت - عقد التسعينيات من القرن الماضي, وهم هالا محمد, رشا عمران, رولا حسن, أنيسة عبود, انتصار سليمان, خليل صويلح, صالح دياب, خضر الآغا, علي سفر, جبران سعد, لقمان ديركي, عابد إسماعيل, وعبد النور الهنداوي.
الشاعرة هالا محمد, أصدرت ثلاث مجموعات شعرية, "ليس للروح ذاكرة", "على ذلك البياض الخافت" (1997) و؛ قليل من الحياة" (2001).
هالا محمد لا تبحث عن شعرية القصيدة انطلاقا من نظرة نقدية, قدر بحثها عن التناقض في العادي من الأشياء اليومية, و العادي الذي يخبئ فجائع لا تبين بالعين المجردة وبالنظرة العابرة السريعة, في مجموعتها الأولى ليس للروح ذاكرة, تميل هالا إلى قصيدة اللقطة, التي تنبني على مفارقة ما حادة وسريعة, حتى في تلك القصائد الطويلة (نسبيا ) ثمة شيء من الحكاية, يبدو منطقيا في تسلسله, يمهد بمنطقيته لضربة المفاجأة الأخيرة, مفاجأة الأسى.
والشاعرة في هذا تميل غالبا إلى استحضار ذاكرتها إذ هي تكتب ما يجول في خاطرها من هواجس امرأة تعيش الوحدة في غياب الرجل, قوة هذا الاستحضار تبدو أكثر ما تبدو في التعبير الصادق عن أنثوية قلما عبرت عنها امرأة شاعرة, في زمن تميل فيه شاعراتنا إلى المراوغة والقول المبتور, مما يجعل من قصائدها قصائد امرأة, لا بالمعنى التقليدي الذي يقسم الإبداع الشعري إلى نوعيه التقليديين, شعر رجال, وشعر نساء, ولكن بذلك المعنى الذي يمنح خصوصية تثير الانتباه, لنتأمل قصيدة طويلة نسبيا حملت عنوان امرأة والتي تلمح فيها لمسات من درامية القص وشاعرية الأسى:

بعد زمن طويل من الغياب
عدت لبيتنا
كان اسمي
ما يزال مكتوبا بجوار اسمه
على بابنا
في الداخل
فردة حذائي
معطفي المعلق
ما يزال معلقا
في مكان تعليق ثيابنا
تختنا
مازال في حالة فوضانا
خزانتي
بأثوابي
برائحتي
هو,
كل شيء كما كان
كان خارجا
يا إلهي!!
كيف استطاعت
أن تكون مثلي
أنا !!?

وبقدر ما تلمح بساطة التعبير, والابتعاد عن التكلف (الذي يتنافر مع هواجس الشاعرة وموضوعاتها الداخلية) نشير إلى نوع من التقطيع الذي يقارب الكتابة السينمائية, خصوصا في تركيز القصيدة على الصور المتتابعة - والتي تكون كل واحدة منها جانبا من صورة عامة هي القصيدة ذاتها, وفي حين تسهم عفوية الموضوعات والهواجس في قوة معظم قصائد المجموعة, تجعل من بعضها الآخر ينزلق بالقلم دون رقابة الفن الصارمة.
أما في على ذلك البياض الخافت المجموعة الثانية, فإن هالا محمد لا تكتب انطلاقا من حدقة امرأة مسكونة بما هو جامح من رغبة في إعادة تنظيم الأحزان, ترتيبها في خزانة أنيقة, فيما هي تدرك صعوبة المحاولة, وارتطامها كل مرة بالمرارة.
قصائدها في هذه المجموعة تبدو حقيقية بالنظر إلى وشائجها العميقة, مع كل ما يسكن الروح الإنسانية من لوعة, وما يعتمل فيها من أسرار وخيبات, وحقيقيتها تتجلى كأهم ما يكون في انعتاقها الكامل من زخرفية القصيدة النسائية - المشغولة - في العادة بطقسية الكلام أكثر من انشغالها بانتباهات ذكية إلى ما يربط الأنوثة بوشائجها الإنسانية,
كثير من هذه الملاحظات, سنراها كذلك في مجموعة الشاعرة, قليل من الحياة, حيث تذهب القصيدة إلى فضاء المشهد, وتعيد ترتيبه من جديد, في لغة واضحة, وتخييل يمكن استحضاره بسهولة من القارئ.
في اتجاه مختلف, تكتب رشا محمد عمران, قصيدة قصيرة, تحاول توصيل فكرة, هي في الغالب, أقرب إلى الذهنية, وهي مسألة تدفع قصيدتها في أحيان كثيرة إلى الوقوع في النثرية.

قادمة من أول الحريق
أدخل تائهة في جهات الوقت
جهة الانكسار
الحلم يتسرب من بين أضلاع الندى.

أما رولا حسن, فهي تكثف في قصيدتها عواطف المرأة العاشقة, في صور شعرية - تبدو ناقصة, مبتورة, تعف عن الكلام, وتنحاز بدل ذلك إلى دفع القارئ كي يحاور القصيدة ويحاول إكمالها.
- رولا حسن في مجموعتيها؛ شتاءات قصيرة" و؛ حسرة الظل", تبدو صوتا شعريا نسائيا له مذاقه الخاص, بلغتها المقتصدة, واعتمادها الدؤوب على قصيدة المناخ, أكثر من قصيدة الموضوع أي موضوع فالمتأمل في قصائدها كلها, يلحظ انتباه الشاعرة إلى ما في المونولوج الذاتي من قدرات هائلة على تكثيف مشاعر ورسم صور علاقات, بل رسم صور حياة بأكملها:

غيري
من يدل الجداول
إلى أيامك
من يلفت انتباه العصافير
إلى أشجار قميصك
غيرك
من يعمر بيتي
بأحجار الغياب.

- ورولا حسن, إذ تكتب قصيدتها كخطاب يذهب في اتجاه الرجل, تؤسسها على رهافة العاطفة, ورهافة البنية الشعرية معا
تعالوا نتأمل مثلا هذه القصيدة القصيرة من مجموعتها الثانية "حسرة الظل" والصادرة عام 1999:

لو جاء أيلول
سأخبره
سيجت بك قلبي
هديت العصافير
إلى الغابات
سأخبره:
قربك
وحدتي
يبست على الشرفات

قصائد مجموعتي رولا حسن, تجربة شعرية جميلة في سياق قصيدة النثر الشعرية السورية, وإن كانت الشاعرة قليلة الإنتاج في العموم.
أما أنيسة عبود, التي قدمت تجارب لافتة, في القصة القصيرة, والرواية, فقد أصدرت مجموعتين شعريتين (مشكاة الكلام 1994), و(قميص الأسئلة 1999).
أهم ما يلاحظه قارئ قصائد أنيسة عبود, ميل الشاعرة إلى استقراء تصوراتها الخاصة عن العالم الخارجي, وفي الوقت ذاته, نقل هذه التصورات في سياقات سردية, تقترب كثيرا من روح القص, وإن افترقت عنه بعد ذلك في كثافة اللغة السردية, وفي اعتمادها اللامحدود على الصورة الشعرية, كركيزة أساس في تشكيل المشهد وإقامة معماره, إن أنيسة عبود, إذ تعيد تصوير الملامح الأخرى للواقع - وكما تتبدى من روحها هي, إنما تقصد أن تلامس تلك الحقيقة اللامرئية, اللا واقعية - في مظهرها الخارجي, والواقعية في اندياحها من الحساسية الشعرية التي تقدر, أكثر من عدسة الكاميرا, على تقديم القراءة الخاصة.
تجربة أنيسة عبود الشعرية إذ تتأمل في التفاصيل الصغيرة, تبدو كمن يسكن في هذه التفاصيل, حيث نلحظ إصرار الشاعرة على تجزئة هذه التفاصيل الصغيرة إلى جزئيات وتفاصيل تعيد قراءة الواقع من خلال قراءة أدق مفرداته, بما في ذلك الجماد ذاته والذي نراه في القصيدة يكتسب صفات إنسانية.
جانب مهم في تجربة أنيسة عبود الشعرية هو من دون شك, انشغالها بالأجواء -, والمناخات الحميمة, وذات العلاقة مع الآخر في حالاته العادية, والواقعية والمألوفة, فالحبيب الذي تتوجه إليه القصائد لا يتحول إلى رمز عاطفي مجرد, بل هو رجل من لحم ودم يعيش في قلب الحياة الواقعية, ويحمل ملامحها وهمومها, والتي هي في الغالب هموم الشاعرة ذاتها, وقصائدها إذ تلامس تلقائية القول الشعري, بما فيها من بساطة - تنجح في أن تكون مشغولة بنسيج شعري فيه الكثير من التوتر, الذي تنتقل عدواه إلى القارئ و الشاعرة خلال ذلك تواصل دفع الصورة الشعرية وإسنادها بصور أخرى متلاحقة.
في فضاء روح المرآة العاشقة تحلق قصائد الشاعرة انتصار سليمان وإن تكن أكثر اقترابا من حسية المشاعر, وهي تكتب إذ تكتب مسكونة برغبتها في صياغة مشهد شعري, يزدحم بالقلق, وتمور في تفاصيله رؤى, تبدو أقرب في صياغتها الشعرية إلى عوالم قصيدة التفعيلة, من حيث انضباطها لنظام معين, ومن حيث جملتها القصيرة, المبتورة, والنهائية في أحيان كثيرة,

أرى الشمس
ترحل عن حيهم
فيما أيها القلب المجرح
خذ حنيني بين يديك
وضعه بهدوء
تحت نافذة الحبيب.

لغة انتصار سليمان الشعرية - تبدو محايدة, بعيدة في أحيان كثيرة عن التوتر, بسبب من إتكائها على بنية سردية, تقول خطابها وتمضي :

يخطر لي
أن أطويك طي شعاع
في ضباب غربتي
قبل أن أنام

ومع ذلك فإن انتصار سليمان تنجح في منح قصيدتها كثيرا من الشاعرية, من خلال اعتمادها الصورة والصياغات المكثفة, ورشاقة العبارة.
في تجربة أخرى, يقدم خليل صويلح ثلاث مجموعات شعرية, لعل أهمها, الأخيرة (اقتفاء الأثر) والتي صدرت عام 1002.
خليل صويلح في قصيدته النثرية يبدو أقرب الجميع إلى التلقائية في القول الشعري - وإن أخفت هذه التلقائية الظاهرة, تمكنا فنيا أعلى من كثيرين كتبوا قصيدة النثر خلال العقد المنصرم, في مجموعته؛ اقتضاء الأثر" يقدم خليل صويلح؛ قصائد رعوية", تنداح من ذاكرة بدوية, تعلن عن دهشتها من المدينة, بل رفضها لهذه المدينة, من خلال استعادة الحياة الأولى في البادية وهي استعادة شعرية يتقن صويلح تقديمها في إهاب فني على درجة عالية من السخونة وفي فنية لا تخفى.

كأننا لم نشرب ماء الغدران
كأننا لم نأكل الثريد
في ليالي العشائر العاصفة
بالخديعة والمكائد
كأننا لم نسر ق الدجاج كالثعالب
كأننا لم نصب بالجدري والسل وفقر الدم والرمد
كأننا لم نصبغ أيدينا بالحناء
ونشم سواعدنا بالرماح والسيوف
هذه الصورستنشق رائحة الروث عشرين حولا.

هذه الصور المتلاحقة, إذ تلاحق وتستدرج ذاكرة الشاعر الفردية - تلاحق وتستدرج ذاكرة وحياة جيل بأكمله, لا أظن خليل صويلح في هذه القصيدة إذ يستعيد صور حياة البادية, يتوجه بخطابه الشعري لا بنائها فقط , قدر ما يشير إلى تحولات تصنعها المدينة الكبيرة عموما بكل من يأتي إليها من البادية والمدن الصغيرة الريفية والقرى على حد سواء .
خليل صويلح, في قصائده يبدو أشد اهتماما بالإصغاء إلى روحه الداخلية, حيث هناك تقبع مفردات القصيدة.
هو إذ يكتب يستخدم لغة على درجة عالية من البساطة, ولكن على درجة عالية أيضا من الفنية - التي تستفيد من الثقافة عموما, ومن اللغة السينمائية خصوصا فنرى قصيدته في كثير من الأحيان التقطيع والاسترجاع وبك ون بهما ومن خلالها كيانها الفني:

هذه الشرفة مطفأة
منذ الصيف الماضي
النبات ذبل
على درجات السلم
والستائر أبعدتها الريح
وحبل الغسيل
نسي الأصابع البيضاء والملاءات والجوارب.

أما تجربة صالح دياب (قمر يابس يعتني بحياتي) فإنها تفضي إلى حضور المشهد في حركية تتفاعل فيها عناصره كلها.... حركية درامية تشبه أن تكون مسرحا من نوع خاص تتكثف فوق خشبته فنون القول الشعري إلى الحدود القصوى, لتفت أمام القارئ بوابة الدخول مع الشاعر إلى لحظة القصيدة بانتباهاتها الصغرى والجريئة, والتي هي مجتمعه ومتفاعلة - كلية القصيدة التي تتعمد الالتباس وتمضي إليه بقصدية واضحة ورغبة مسبقة على أمل الوصول بالقصيدة والقارئ معا إلى تخوم حالة أو مناخ أكثر مما هي تقصد سردية لها تسلسلها المنطقي أو سيرورتها المنسجمة الشعر في مجموعة صالح دياب الوحيدة حرث في تربة شائكة فيها خليط من الحصى والرمال, وفيها ما فيها من تنوع الألوان بل وتناقضها, وفيها قبل ذلك كله لعبة زج الكلام في سياقات شعرية مختلفة, بل أنها تجد شاعريتها في تلك التركيبات الجديدة, التي تزج متناقضات المفردات في صراع علاقات لغوية تتأسس من جديد لتأخذ في تأسسها هذا حالة الشعر, من التباس لا يغمض. قدر ما يدفع إلى التأمل أو هو في غموضه الواضح ذاك يتقصد إقامة بنية شعرية يقوم المشهد الدرامي في ذروته, فيحضر من خلال صورة منسوجة من لغة بسيطة الكلمات, ولكنها مثقلة بالإيحاء النابع مما تضمره الكلمات والمشاهد, أكثر مما تبوح به, في طلاقة قلما نعثر عليها المجموعة, لأن صالح دياب, يذهب - غالبا - إلى المشهد الأخر الذي يقبع في المخيلة والذي يمكن أن تفضي إليه بوابات - القراءة المتأنية, المتأملة والمهمومة بالرغبة في المشاركة, وفي تأليف الصور وتشكيل المشاهد, ومن ثم في القبض على حالة الشعر ومناخه:

أن تزهر دمعة
في الدمعة
التي
تلي
لكن
اليدين مغمضتان

قصائد صالح دياب - تغامر بالانحياز إلى كثافة تؤكد حضور لغة شعرية قلقة, لا تشي بالقول حتى تغادره إلى مواقع جديدة, فتنجح في العموم, وإن لمسنا هنا وهناك وقوفا خجولا عند أبواب النثرية لا يسيء إلى تجربة أولى تبشر بصوت شعري جديد له نبرته الخاصة, أما زميله خضر الآغا, فإنه, وفي مجموعته الأخيرة ( أنوثة الإشارة) بالذات يذهب إلى كتابة قصيدة تناوش الخراب في معانيه المختلفة في قصدية تستحضر شواهده ولكن في صورة غير مباشرة, فالشاعر الذي يرى بعينيه هذا الخراب, يفضل أن يزج مخيلته في أزقته كي تختار الصورة كما تتبدى من المخيلة, إنها صورة يمتزج خلالها, الشعر بما هو تكثيف للمرئيات وتكثيف للقول, في مراهنة لا محدودة على موقع المناخ الشعري, ذلك الذي يتأسس في علاقات الصور المتلاحقة في تناقضاتها حينا, وفي لا معقوليتها أحيانا كثيرة:

كأنني أخبرتك
كان يجرحني الوضوح
وانشغال القهوة بالمرأة الضاجة
بالبنفسج
كان يبليني البيت المجاور
بخصره المسفوح في أعضائي
بغزالة الشرفة الآيلة للقلب
الذاهبة لما هناك.

من الواضح أن خضر الاغا قد غادر لعبة الموضوع التي دأبت على السباحة في مياهها قصائد الشعراء السوريين من الأجيال السابقة, والتي لا تزال تجد لها امتدادات كثيرة في صفوف شعراء جدد في حين لا نراها في تجربته .
وبجمالية أعلى, ونضج أكبر, تبدو تجربة, الشاعر علي سفر, الذي يختار؛ سفر" عنوانا لمجموعته الأحداث فهو يعلن منذ القصيدة الأولى في المجموعة انشغاله بكتابة شعرية تعتني بالتعبير المكثف عن عالم شديد التركيب, فيه الكثير من المناخات المتداخلة والشواهد المتناقضة والتي يجمعها الشاعر كي يحقق بما فيها من تناقصات حادة مشهده الشعري الأثير:

الراكضون إلى آبار مستحيلة
قبل المغيب
يلمون مطرا متأخرا
عفونة مرغت أنف التراب.

أهم ما في تجربة علي سفر الشعرية وقوفه الطويل عند تخوم التأمل, حيث تتحول الرؤية الشعرية إلى استقرار من نوع مختلف, إستقرار يقدر أن يقدم نشيدا مختلفا له من الواقع بعض ملامحه وله من رؤية الشاعر تشكيلاته الخاصة, حيث يعمد سفر باستمرار إلى زج القصيدة في صدام مباشر مع الواقع:

الاخضرار على نمو حجر في ا لصمت
إرهاق سندان
الهبوب
تحت لون
تفاصيل سواد
يمضي بأرجل حافيات على
قار كلام البحر

ومن بين تجارب قصيدة النثر السورية الجديدة تلفت الانتباه تجربة الشاعر الشاب جبران سعد, في مجموعته الشعرية (أشعار و 23 قصيدة ) والتي صدرت عام 1999, بما فيها من عودة إلى الطبيعة, أو إذا شئنا الدقة, عودة إلى بدائيات, فيها الكثير من شغف القول المسكون بالدهشة من كل الأشياء الصغيرة:

طفل مسكون
أغرته عصفورة النهر
بقشة
من حصيرة قلبها
فوقع غاشيا
بين الضفاف والصور,

بدائية جبران سعد تختلط بالثقافة, والنظر المتأمل فتتحول إلى شعر فيه الكثير من البساطة, ولكن فيه الكثير من الجمال أيضا.

أطبع قصيدتي
على شقة البحار
لأفك الليل
من أسر النهار

وعلى خلاف واضح مع كل شعراء قصيدة النثر السوريين يكتب لقمان ديركي, في سياق مغامرة تجريبية لا تتوقف عند أية ضوابط, ولا تكبحها أية مقولات نقدية, إذ هو يقفز إلى لون لم يسبقه إليه أحد, هو قصيدة النثر العامية, إذا جاز لنا أن نطلق هذا المصطلح.لقمان ديركي, في مجموعته الأحدث (وحوش العاطفة), يطلق قصائده في فضاء الشغب, ولكنه الشغب الشعري. يلاحظ قارئ مجموعته غياب العناوين عن القصائد فقد, تعمد لقمان أن يترك قصائده هكذا, وكأنه يقول للقارئ إنها وجدت كما تراها. موضوعات لقمان ديركي الشعرية أو بالأصح هواجسه التي يسردها تختار لغة البساطة, لغة لا تحتمل الـتأويل أو الغموض بل هي تترك للبنانية الشعرية أن تفتح باب التأويل.
اللغة هنا تكتفي بأن تكون خطوطا ترسم ملامح اللوحة وتحدد فضاءها في حين ينتبه ديركي أكثر ما يكون الانتباه إلى خلق حال, يمكن أن تنتقل عدواها إلى القارئ من خلال ما تعكسه من ألم, ثمة حبيبة يتوجه إليها الخطاب, بل هي تطلق الخطاب أحيانا, وثمة مكان يعبر دوما عن التشرد خارج جدران البيوت والأماكن المستقرة, وبين هذين الحدين, الحبيبة والمقهى تقع أحداث لقمان ديركي الشعرية, أكاد أقول أحداثا لأن قصيدة لقمان في وحوش العاطفة تعزف على أوتار عاطفة فيها الكثير من حضور درامي يؤسس في كل مرة مشهده وله أيضا أبطاله وشخوصه في مكانهم وزمانهم وحتى في لا مكانهم ولا زمانهم.
إنه شاعر هامشي ينتمي إلى رصيف الشعر بكل ما في الرصيف من قدرة على المشاكسة وممارسة الشغب الجميل الذي يقبض على الطفولة بشدة وينتقل بها من مقهى إلى مقهى ومن قصيدة إلى قصيدة,

في بار لا يشبه أيامنا
التقينا.. وتحدثنا كثيرا
بحماس... كما لو أننا نلتقي لأول مرة
وفي ذات البار
بعد زمن
إلتقينا
لم نحي بعضنا البعض
ولم نتبادل النظرات أو نتحدث
كما لو أننا نلتقي لأول مرة,

أما عابد إسماعيل, الذي درس الأدب الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية, وتتلمذ على هارولد بلوم, بل وترجم بعض كتبه إلى العربية فقد أصدر عددا من المجموعات الشعرية المميزة, وتلفت الانتباه في قصائده الرغبة العارمة في استقصاء احتمالات المشهد الحياتي الصغير والعادي, إذ نرى القصيدة تذهب إلى حدود رؤية الألم الإنساني في صورته الأخرى المتخيلة بل المحتملة, والشاعر في هذا الحال يكتب من خلال لحظة تأمل توازن فيها القصيدة بين حدي الرؤية الذهنية والاستجابة الإبداعية العفوية, بما تتصف به كل واحدة منهما من مواصفات متعارضة, قصائده لوحات يظللها الأسود, في سطوة حضوره وقوة إيحائه وملامسته الخشنة لمشاعرنا, وهي لوحات, تعتمد في أساسها على الابتعاد من الإطالة التي كان يمكن أن تبدو في مثل هذه القصائد عزفا نشازا وزائدا على أوجاع تحسن قول نفسها:

شموعا كثيرة أضاءت لنا الريح
الريح السوداء
التي خرجت من الإبريق
وبدأت تحل خيطانها
البيضاء
والصفراء
والزرقاء
في بهو العيادة

أما الشاعر عبد النور الهنداوي فهو في مجموعاته الثلاث, وبالذات الأخيرة "أنا طويل جدا وأخشخش بالورد" فيكتب قصيدة مختلفة كليا, أنه ينطلق من رؤية سوريالية, تجعله غالبا خارج النقد, بل حتى خارج التداول, إلا في إطار نخب ثقافية ضيقة المساحة. كتابة الهنداوي الشعرية أثارت ولا تزال جدلا في حدود ضيقة أيضا حول مشكلة التوصيل والعلاقة مع المتلقي, إلى حدود جعلت صدور مجموعته الشعرية الثالثة, ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب في سوريا حدثا لافتا إذ دأبت لجان القراءة في الإتحاد على رفض الموافقة على صدور أية مجموعة له في السنوات الماضية, خصوصا, أن تلك المجموعات كانت باستمرار تذهب ضحية, لجان قراءة من المتعصبين للشعر الكلاسيكي أو حتى شعر التفعيلة التقليدي. عبد النور الهنداوي, يواصل منذ ربع قرن ويزيد كتابة قصيدة شعرية, لا تقترب من الملتقي إلا لكي تشتبك مع ذاكرته الشعرية ومع ذائقته على حد سواء مبادرا بجملته الشعرية المتوترة, والمتحفزة إلى نقض وعيه, وإلى دفعه للارتطام بجدار القصيدة ارتطاما حادا يشعل نقاشات فيها ما فيها من حضور أسئلة عن مآل الشعر مرة, وعن جنس ما يقرأ مرات, و في الحالتين ثمة تكرار وتكرار لصياغات شعرية تؤكد حضورها عبر الخلاص من أية تشابهات مع أية رؤى أو حتى عادات شعرية أخرى:

الأشجار
ماذا أقول لها
كي لا تنحني أمام الريح
ماذا أقول للشوارع
وهي تستقبل الفجر
والفجر?
بدوره يتخثر كضوء في ممر ?

قصيدة النثر السورية الجديدة, أهم ما يشغل شعراءها هو التجريب ومساحة, التجريب, تزدحم كل يوم بأسماء وتجارب جديدة, ولكننا نقدر بنظرة متأنية أن نضع إصبعا على ما في الركام الضخم من نتاج جميل, يطل بين وقت وآخر
__________________

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:26 PM
قصيدة النَّثر من الماغوط إلى القصيدة الشّفوية

محمد علاء الدين عبد المولى

يمكننا بكثيرٍ من الثِّقة والاطمئنان، أن نزعم أن كتابات محمد الماغوط شكَّلت وما زالت، تحدّياً لكثير من (شعراء) قصيدة النثر. والمفارقة أنَّ الماغوط الذي كان يكتب ما يكتبُهُ على أنه (خواطر) لا (قصائد)، (ونحن من المفترض أن نكون على إطلاع على كيفية إطلاق صفة الشعر على كتاباته)، قد حقَّق فرادةً في قضايا "قصيدة النثر" دون أن يدري أو يقصد إلى ذلك في البداية، فرادة ما زالت نصوص كتّاب النثر عاجزةً عن مطاولتها. ويقول محمد جمال باروت بصدد خصوصيّة الماغوط في كتاب (الشعر يكتب اسمه ـ اتحاد الكتاب ـ 1981)، ما يلي: ((لقد استطاع الماغوط بقدرة إبداعية نادرة أن يترجم هذه المشاعر ـ يقصد باروت المشاعر اليوميّة ـ وهذه الحياة فنّيّاً وأن ينقلها من حقل الكلام اليوميّ المتكرر والمستهلك، إلى حقل الكلام الشعري الخصوصي والمتفرّد في مساحة غنائية، مظلّلة بخلفيّة رومنتيكية (نهلستيّة). لقد حقق الماغوط التّوافق الخلاّق مابين التّقنية والتّجربة الداخلية (المضمون). فالتّقنية تستمدّ ملامحها من حقل الكلام اليوميّ، وهذا ما يفسر الألفة والدّفء في جملة الماغوط الشعرية))(1).‏
ونضيف على هذا، أن الماغوط لم يكن يعلم أنه يحقّق هذا التوافق بين التقنيّة والتجربة الداخلية، ولم يكن دارياً بكل هذه التّقنية. وهنا تكمن أهميته في هذه اللحظة العفويّة الوحشيّة النَّابعة أساساً من طبيعة تعامله مع الحياة والكتابة، وهي طبيعةٌ مليئةٌ بالفطرة، لهذا لا نتَّفق مع باروت الذي يكتشف في الماغوط (إنتاجاً فنيَّاً لمشاعر المثقفين البرجوازيين الصّغار في الحياة المدينية المعاصرة)(2).‏
إذ لا يمكننا دائماً إلصاق مصطلحاتنا نحن بتجارب بريئة، ونحملها فوق طاقتها من أجل أن تستقيم معنا الأطروحة النَّقدية.‏
ومع إدراكنا لأهمية قراءة أي تجربة إبداعية في علاقاتها بسياقها الاجتماعيّ والفكريّ، نرى أنَّ هناك مبالغةً من صناعتنا نحن، تتعلّق بهذه التَّجربة أو تلك.... وقد تصل المبالغة أحياناً درجة يصبحُ معها النَّصُ معزولاً عن سياقه تماماً، ومحمَّلاً بسياق النَّاقد وحده.( ولاسيَّما إذا استحضرنا من الذاكرة الطَّريقة التي انتسب بها الماغوط إلى تيّار سياسيٍّ دون سواه....).‏
وقد يكون من حقّ أجيال كتّاب (النَّثر) بعد الماغوط، أن يبالغوا في كونه رائداً من رواد أسلوبهم، وأباً إبداعيّاً ارتسمت خطاهم على إيقاع تجربتهِ، وذلك من أجل أن يخلقوا مرتكزاً واقعيّاً يلقون عليه أحمالهم، ويتلمّسوا من خلاله مشروعيّة ما لتجاربهم، فذلك يروق للأبناء عندما يبجّلون الآباء. هذا من ناحيةٍ، ولكن من ناحية أخرى، مارس هؤلاء خيانةً لرائدهم، وقاموا بما يشبه (الاحتيال) على مقامه. ولا أجد أنَّ ما قاموا به، يدخل في علاقة الأبناء بأبيهم الرمزيّ، ورغبتهم بـ(قتل الأب) لإبراز شخصياتهم بمعزلٍ عن وجوده، أقول إن خروجهم على الماغوط في عمقه لم يكن قتلاً رمزيّاً للأب، بل كان نيَّةً حقّقوها، في كتابة نصوصٍ هابطةٍ ورديئةٍ وتصل درجة واقعيّتها حدَّ الابتذال، ولاسيِّما في مرحلة منتصف السبعينات وصولاً إلى الثمانينات. وأرادوا تبرير نصوصهم بأنها خروج على هيمنة الماغوط واختلاف عنه. وأعتقد أن هؤلاء في أعماقهم لا يقيمون وزناً للماغوط، لكنهم جعلوه (شمَّاعةً) يسوّقون مواهبهم المتدنّية بتعليقها على هذه الشَّماعة. ونحن نعتقد بأن الماغوط ـ على عفويِّته وبراءة طينته الداخلية وطبيعيِّة كتابته ـ لا يريد أن يحدث ما حدث باسم الانتماء إليه، وهو ليس مع الإساءة للشعر استناداً إلى ريادته، ولكن كم من الظواهر الشَّبيهة بالماغوط في حياتنا اليوميَّة على أي صعيد نختاره؟ ألا نتعمَّد دائماً اختراع متاريس سياسية ودينيَّة وإبداعية نحتمي بها وننّظمُ علاقاتنا مع الحياة بناءً على وجود هذه المتاريس؟ في حين أنها بريئة ممّا نصنع في حقّها.‏
علينا إعادة قراءة الماغوط لا بأهدافٍ سيكولوجيّة تخصُّ حاجتنا للاحتماء بأبٍ شرعيٍّ ننقلبُ عليه، أو باختراع هذه الأبوّة لنبرّر الخروج عليها، فنكون بذلك خرجنا على أبوّة مصطنعة هي نفسها لا تدري بأنها ارتفعت إلى مصافّ الآباء. علينا أن نضع أهمية الماغوط في موضعها الطبيعي دون أوهام وادّعاءات. دون أن نرى فيه ما ليس فيه، ودون إسقاط عضلاتنا التَّحليلية، وموسوعة مصطلحاتنا البنيويّة على كتابته، فنكون كمن يكيّف النَّصَّ وفق هذه العضلات والمصطلحات، في الوقت الذي علينا فيه تقريب آليّات نقدنا من النَّصَّ ونختار من أدواتنا ما يساعد في إعطاء الحجم الطبيعي للمبدع.‏
وربّما كان مفيداً هنا الاستعانة بمثالٍ واقعيٍّ على مدى مبالغة النَّقد في تعامله مع لغة الماغوط وتحميلها فوق طاقتها. يقول (يوسف حامد جابر) في كتابه (قضايا الإبداع في قصيدة النثر).‏
تعليقاً، أو تحليلاً، للنصّ التالي للماغوط:‏

(فأنا أسهر كثيراً يا أبي‏
أنا لا أنام‏
حياتي سواد وعبوديّة وانتظار‏
فأعطني طفولتي‏
وضحكاتي القديمة على شجرة الكرز‏
وصندلي المعلّق في عريشة العنب‏
لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري)

(يتحدَّد البناء اللّغوي في هذا النصّ من كون مفرداته الأساسية منتزعةً من عالمين متغايرين: عالم الطفولة، ويشكّل حركة ارتداد نحو الماضي. حيث الحياة تسير بتلقائية "الحرّ" الذي لا حواجز أمام حريته. وحركة الارتداد هذه، الغاية منها استحضار العالم الذي تشكلت فيه وقامت على أساسه).(3).‏
ثم يبحث الناقد (عن هذه النكهة في البنية العامّة المكوّنة للنصّ، محاولين أيضاً، الإمساك بالدلالات المرافقة لها، والتي لا تخرج عن طبيعة كونها ألصق بحركيّة الواقع اليوميّ).‏
ثم يذهب في تحليل هذه البنية اللغوية المكوّنة للنص بأن يجد في جملة (فأنا أسهر كثيراً يا أبي)، (ثلاثة ضمائر تعود جميعها للشاعر الذي وضعها في سياق خبريّ)، يريد أن ينقل إلينا، عن طريقه، حالةً ما يعيشها، هي حالة "السهر" والسهر فعل يومي يمارسه الناس بمختلف فئاتهم ويحمل طابعاً اجتماعياً.... الخ)(4).‏
ويخرج النَّاقد من تحليله للبنية اللغوية هنا بأنه لا يعرف السَّببَ الحقيقي للسهر. ومن أجل أن يعرف ويقف على حقيقة السهر ينتقل ليحلّل الجملة الثانية (أنا لا أنام) فيكتب عنها ثمانية أسطر، يتخلّلها تساؤلٌ حول السَّبب الخفيّ القابع وراء عدم النوم، هل (بسبب مرض يمنعني من النوم، مضايقات، طبيعة العمل في الليل.... الخ).(5). ثم يخرج كذلك دون أن يكتشف لغز هذا السهر. إلى أن يصل بعد صفحة كاملة من تحليلاته لخمس كلمات، إلى الكنز المفقود، وهو سبب عدم النّوم، وهذا السَّهر.... فحين يقرأ للشاعر (حياتي سواد وعبودية وانتظار).. يكتشف أن وراء السهر (قضية هامة تتعلّق بمسألة حرية الإنسان وما يتفرّع عنها). ويقول عن كلمة (انتظار)، (ربما كانت كلمة "انتظار" أشمل من حيث انفتاحها على حالات تعمل على تأكيد وضع الشاعر العام، بما يتفرع عنها من آمال مرتجاة وقلق، من اضطراب ووهن ويأس...).(16).‏
أتساءل: هل بربّكم يحتاج هذا المقطع العاديّ وإن كان شفَّافاً ومثيراً للألم، كلَّ هذا الاستنفار العالي لأجهزة النقد ومصطلحاته؟ ألا يثير السُّخرية أن ينشغل الناقد هو ومنظومته النقدية وبنيته اللغوية، بما يراه قضيةً هامةً تقف وراء عدم نوم المؤلف في النصّ؟ ثم ما هذه السذاجة والاستخفاف بعقولنا، وهو يصنع احتمالاً لسبب عدم نومه وسهره، هل السبب هو المرض، أم المضايقات، أم طبيعة العمل في الليل (يعني هل تعرَّض مؤلف النّصّ لإزعاج جاره، أو تشاجر مع جابي المياه، أو ربما كان يعمل حارساً ليليّاً).... هل يحتاج النص إلى كل هذا؟.. ثم ما هذا الغموض الإبداعي لكلمة لا أنام؟... يعني لماذا لا ينام المبدع؟ ولماذا يصاب بالأرق ويضطّر للسّهر؟ هل في هذا أسباب علينا أن نحشد طاقاتنا النقدية والبنيويّة لمعرفتها؟ وفجأة يعرف الناقد سبب السهر: إنه السواد والعبوديّة والانتظار... حقَّاً إن المؤلف يأرق لهذا السَّبب، وهو يقوله لنا بعد خمس كلمات، فلماذا لا نتعامل مع النَّصّ كبنية لغويّةٍ مكتملة، تتمّ فيها قراءة مستويات النَّصّ جميعها برؤيا شاملة، حتى نحقّق التّواصل الكليّ مع لغة النصّ؟.. وما الذي يعنيه المبدع عندما يستخدم في نصّ كهذا كلمة الانتظار؟...‏
هل سينتظرُ قطّة الجيران آخر الليل ليتسلّى معها؟ هل ينتظر بائع الحليب؟.. لو كان الماغوط استخدم كلمات ذات أبعاد متنوّعة معقّدة، أو تحمل تاريخاً ميثولوجيّاً أو دينيّاً، أو أدخل الكلمات في علاقات سوريالية غامضة، لكان الأمر على درجة من الخطورة بحيث تستحقّ هذه الكلمات التحليل والتَّركيب، معتمدين على معرفة نادرة بدلالة المفردات وإيحاءاتها المحتملة. ولكنْ ليس الأمرُ على هذا النّحو دائماً من الغنى الدَّلالي، وليست كلماتنا في النّصوص قادرة دائماً على أن تكون مشحونة، بما لا ينتهي من المعاني، أو معنى المعنى.... ولاسيما أن الماغوط هنا يتعامل مع مفرداته ببساطة متناهيةٍ وشفافية الطِّفل الطبيعي.... فلماذا لا نقبل من الماغوط أن يكون هكذا، ونستدرج نصوصه دائماً إلى مخابرنا (أو مخابزنا) البنيويّة؟ وكأن الماغوط لا يكون مهمّاً إلاَّ إذا عقّدنا نصوصه، وهي على درجةٍ راقيةٍ من التّدفّق والحيويّة، يبدو أن أبناء الماغوط (المزعومين) ليسوا أهلاً لاكتشاف هذا التّدفّق والحيويّة، والتّمتّع بلغتِهِ الحارّة الدَّافئة، وليسوا قادرين على التّعامل مع نصوصه إلاَّ وهم معقّدون مأزومون.‏
إن المثل النَّقدي السّابق واحدٌ من عديد الأمثلة، التي تهيمن على حساسية كتّاب (النثر) وهم يدّعون خروجهم من معطف (أو قبّعة) الماغوط.‏
أمّا الماغوط، فله رأيه في آراء النقّاد... وهو رأي طريفٌ، وصادق حقّاً. فقد سئل عن رأيه فيما يقوله النقّاد عن فرادة صوته وتميّز صوره.... فقال: (أنا شخصيّاً أعجز عن تفسير أو تبرير ما يقوله النقاد، لا أستطيع أن أنِّظرَ للشعر، فأنا أكتبُ الشعر... وهذه مشكلة مزمنة)). (أشعر أنَّ عالمي الخفيّ هو الارتباك والتّرّدد والرّيبة، هذه الحيطة أو الخجل أو الارتباك... ارتباك الشاعر المسحوق غير المعترف به في البدايات جعلتني أتّخذُ نمطاً معيّناً أو سلوكاً وحشيّاً من العالم)... ولنتذكر ما قلناه آنفاً عن (العفويّة والوحشيّة) لدى الماغوط... يتابع: (ما يقوله النقّاد عن الفرادة والتّفرّد، فهذا لا أستطيع أن أؤيّده، أو أرفضه، ولكنني أعتقد أنني ـ ولا أزال ـ لستُ أكثرهم موهبةً أو شاعريّةً ـ كما يقول الكثيرون ـ ولكن ربّما كنتُ أكثرهم صدقاً، أو شجاعة في قول ما أقول... طوال حياتي أكتب لنفسي، لا أكتبُ لجمهور أو لقارئ أو لجريدة أو لناقد أو لشهرة حتى الآن).(7).‏
إن الماغوط يصرّ على نصاعته ووحشيَّته وبراءته، ويريد الآخرون الاحتيال عليه لاستثماره وتوظيفه في مشاريعهم الخائبة. فهل امتلك هؤلاء نظرتَهُ الصّافية للحياة، وعلاقتَهُ العارية الخالية من أي زيف وادّعاء؟... هل استطاعت نصوصهم أن تتعلَّم منه ـ وهو رائدهم وأبوهم كما يزعمون ـ كيف يتحوّل الواقع عنده إلى شيء مثيرٍ للدّهشة بموهبته العميقة على الْتقاط عناصر الحياة المتناقضة، وكيف يأخذ هذا الواقعُ المعروف والباعث على السّأم، إلى واقعٍ معجونٍ بنيران الإنسان وأعصابه وقلقه وتوتّره؟...‏
إن البعض وبنيّة محبّته للماغوط، مارس على كتابته تشريحاً تحكمُهُ المغالاة. وهي محبّةٌ ضربتْ حجاباً بين هؤلاء وبين الماغوط. وإذا كان هذا مسوِّغاً على المستوى الشّعبيّ الجماهيريّ، فإنه مرفوض على المستوى الشعري والنّقديّ. لقد قتلوه بحبّهم، وقيّدوا تجربتَهُ بنرجسيّتهم، حين لم يكن هو يأبه لكل ذلك.‏
وقد نُتَّهمُ بعكس ذلك، ولكن نقول: لنا حبُّنا للماغوط كذلك، ولكننا لا نتخيّل (ماغوطاً) في أذهاننا نُسقط عليه مشاعرنا، بل نتناول شخصيته الواقعيّة بإنتاجها الأدبي المثير، دون كثيرٍ من الأوهام. لأن المبالغة في علاقتنا بأي موضوع تنقلب عماءً ولا نعود نبصر جماليات الموضوع لأننا رضينا أن نتعامل لا معه، بل مع الإضافات التي ألصقناها نحن عليه. وهذا وضعٌ مرضيّ باختصار.‏
أمَّا الماغوط والقصيدة (الشَّفويَّة). فهذا شأنٌ آخر من شؤون (قصيدة النثر)، ونقّادها. فما هي هذه (الشفوية)؟‏
سأعتمد هنا على محدّدات هذه القصيدة كما وردت في كتاب (الشعر يكتب اسمه) لمحمد جمال باروت المذكور آنفاً. فهذه القصيدة هي اتجاه جديد في الشعر السوري (في فرع قصيدة النثر في السبعينيات).‏
وهي قصيدة (تطرح تساؤلات الإنسان في المدينة العربية المعاصرة، حيث تلتقط توتّر الحياة اليوميّة، وشرائحها، وصيرورتها ولحظاتها الإنسانية المستمرّة.....).(8). وهي القصيدة التي وطَّد حضورها الشاعر الفرنسي (جاك بريفير). وهي مبنيَّةٌ (على شحن الكلمة اليومية العادية، بطاقةٍ شعريّة، وبكلمة أدقّ بتوتّر شعريّ. لذلك عندما تفتقدُ هذه الطَّاقة، أو التّوتّر فإنَّ القصيدة تتحوّل من كلام شعري إلى كلام نثري. ومن هنا كثر وقوع بعض نماذج هذه القصيدة في وظائف النثر الثلاث (الإخبار، الوصف، التقرير).)).(9).‏
وتحديد باروت للقصيدة الشّفويّة يتمّ في سياق مقارنته تجارب أجيال (قصيدة النثر) من الماغوط إلى نزيه أبو عفش ومنذر المصري وعادل محمود، فهؤلاء جميعاً كرّسوا اتجاه القصيدة الشفويّة المحدّدة أعلاه....‏
دون سابق تنظيرٍ ولا فلسفةٍ للمفاهيم، نطرح هذه التّساؤلات على القصيدة الشّفوية: هل طرحُ تساؤلات الإنسان في المدينة العربيّة، هو شأن خاصّ تمتاز به قصيدة النثر الشفوية؟ ماذا كانت تفعل قصائد كلّ من (السيَّاب ـ وحجازي وعبد الصّبور ـ ونزار قباني ـ وخليل حاوي.... وغيرهم).‏
إذاً؟ لقد شكلت المدينة للشعر الحديث فضاءً جديداً، أكان الشاعر ريفيَّ المنشأ أو مدنيّاً. وذلك عندما اتّسعت رؤى الشاعر وانفتحت إمكاناتُ شعره على العصر الحديث، بما فيه من إملاءات جديدةٍ، ومفاهيم وتصوّرات كان من الطبيعي أن تؤثّر في إحساس الشاعر وعلاقته مع الحياة. فالمعاصرة والحداثة ليسا مفهومين نظريَّين بمعزلٍ عن المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ممّا يعني ضرورة اصطدام الإنسان بفضاء المدينة التي تبدأ الحداثة منها. فكيف يمكن للشاعر القادم من الرّيف أن يتوازن داخليّاً وثقافيّاً أمام تجربة جديدة تقتضي منه ما يشبه الانقلاب في المفاهيم والذّائقة والمرجعيّات... كذلك تعرّض المدنيُّ الخارج من مدينةٍ صغيرةٍ ((لا تعرفُ الذَّرّة، طيّبة حرّة))، كما يعبّر عبد الباسط الصوفي، الشاعر الذي انتحر في الثلاثين من عمره، دافعاً ضريبة وعيهِ الممزّق بالمدينة والغربة التي تطحن الروح.... أقول تعرّض هذا المدنيّ الخارج من هذه المدينة إلى مفهوم جديدة للمدينة تؤطّره الصّناعة والمؤسَّسة والفراغ... كل ذلك كان حقلاً خصباً للشعر الحديث قبل ولادة سيدتنا (القصيدة الشفويّة) على أيدي شعراء النثر.‏
مع أن (السياب وحاوي وقباني وبعدهم مصطفى خضر وغيرهم)، لم يكونوا (شفويّين). وهم عبّروا عن أزمة الإنسان المعاصر في توتّره، والتقطوا ((توتّر الحياة اليوميّة، وشرائحها)). وعلاقة كلٍّ من هؤلاء بالمدينة تحتاج إلى دراسة مستقلّة مستفيضةٍ، ولكن شعرهم هو دليلُنا على ما نزعمه من أنهم كانوا نتاج الصراع النفسي والفكري والوجودي والحياتيّ مع المدينة بمظاهرها، وانحلالها، وعلاقاتها وفراغها وقيمها الاستهلاكيّة... ومنهم من كان متحدّراً من أصول فقيرة، أو شرائح بورجوازية صغيرة، أو ثريّة...‏
ما الامتياز في هذا الموضوع إذاً، الذي تدّعيه (القصيدة الشفوية)؟... إلاّ إذا رغب الناقد باروت بأن يسحب كل هؤلاء إلى مصطلحه ليشملهم برعايته، وما أظنه فاعلاً، ففي ذلك إطاحة النظرية من أساسها....‏
والطّريف في الأمر، أن باروت يربط (الشفوية) بمرجعيتها الفرنسيَّة، (جاك بريفير)، وهكذا فعل الشعراء الذين أتينا على ذكرهم آنفاً، حيث تفيدنا الدراسات النقدية حول الحداثة الأولى وما قبلها، بأن الشعراء كانوا يتأثرون بثقافتهم الأوروبيّة، إنكليزية وفرنسية، وهم يعبّرون عن قلقهم وأزمتهم في المدينة. وتطالعنا هنا ترجمات الوجوديّين مثلاً، وترجمات (إليوت) المعروف بتمثّله العميق لأزمة الإنسان الحديث في المدينة، وقد أثّرت أفكاره كما يقال في عديد من شعرائنا (ولنا تحفّظاتٌ على تأثير إليوت، ليس هنا مكان البحث فيها)....‏
بقي إذاً من امتيازات (الشفوية) أنها قصيدة قائمة على شحن الكلمة اليومية العاديّة بطاقةٍ شعرية، بتوتّر شعريّ....‏
هل لنا أن نتفحَّصَ مفهوم الكلمة اليومية العاديّة؟.. هل يعني هذا قيام كلمات غير يوميّة وغير عادية تقابل أو تناقضُ تلك اليومية والعادية؟... تنبئنا نصوص الشّعر بصورة عامّة أن جميع الشعراء يستخدمون جميع المفردات، سواء أكان الماغوط أم علي الجندي أم سواهما. ولنستعرض على سبيل المثال مفردات من الماغوط يمكن أن يستخدمها سواه، وهي كما سوف يتبيّن ليست مفردات يومية، ومع ذلك فهي مشحونة بطاقة شعرية، وتوتّر شعري... يقول الماغوط في مواضع مختلفة من أعماله الكاملة (اسمع وجيب لحمك العاري/ عشرون عاماً ونحن ندقّ أبوابك الصّلدة).(10).‏
لي ضفيرة في مؤخّرة الرأس/ وأقراط لامعةٌ في أذنيَّ/ أعدو وراء القوافل/ وأسرج الجياد في الليالي الممطرة).(11).‏
(هذه شهوتي/ سأبعثرها بقدميّ/ وأتصرّف بفيضها/ كما يتصرّف المنتصر بأسلابه وأسراه).(12)....‏
نحن نؤكد هنا على مفردات (وجيب ـ الصّلدة ـ أقراط ـ أعدو ـ القوافل ـ أسرج ـ فيضها ـ أسلابه....). ألا يمكن أن يستخدم المفردات نفسها ـ شاعر مثل (الجواهريّ)؟ بل لو كان المجال هو للنّكاية لأتينا بأبيات له في كل بيتٍ مفردة من هذه المفردات. لكن هذه المفردات دخلت في نسيجٍ خاصّ، استُعملت استعمالاً خاصّاً بالماغوط، كما أن الجواهري استعملها استعماله الخاصّ به، ولدى الماغوط شحنت هذه المفردات (غير اليومية) بطاقةٍ شعرية، كما قد يشحن الجواهري مفرداته بطاقة شعرية.‏
(وأنا أتعمّد المقابلة مع الجواهري لأبيّن أنّ المفردات لا تصنع امتيازاً للقصيدة الشفوية)... وقد ترد المفردات ذاتها لدى الماغوط في سياق آخر، لا طاقة شعرية فيه، ولا توتّر شعريّ. إن للشِّعر كله وظيفتَهُ التي عليه أداؤها ليُسمّى شعراً، وهي أن يُعيد ترتيب اللّغة ترتيباً غير معروف مسبقاً، ولا خاضعاً للمنطق، وعلى الشعر أن ينظّف اللّغة من الاعتياديّة، أو المباشرة، سواء استخدم لفظة (فيضها)، أو (رصيف). و ما قد نراه في (القصيدة الشفويّة) من لغةٍ يوميّةٍ من مثل: (هنا أسكن/ ما رأيك لو ترى/ ما ألصقتُهُ البارحة على زجاج نافذتي/ وستقدّم عمَّتي لنا/ كوبين كبيرين من اللّيمونادة المثلجة/ أهلاً وسهلاً/ أهلاً وسهلاً)(13).‏
فهذا لا يدخل في باب المفردات اليوميّة مطلقاً، لأننا أمام كلام يصل في إسفافه درجة ممتازة، ليس لأنه استخدم مفردات يوميّة، فلو دقّقنا جيّداً لرأينا أنه باستثناء (اللّيمونادة) فليس هناك مفردات خاصّة باليوميّة، ولكن لأن العلاقات بين هذه المفردات هي علاقات شاحبة لا ذوق فيها. وبهذا تتحطّم شعرية هذه الشفويّة... ومن المؤكد أن الماغوط لا يقبل لشفاهه أن تنطق بمثل هذا الكلام... لكن أبناؤه يمتلكون جرأة غير عاديّة على إطلاق العنان لمواهبهم المعدومة، دون رادع...‏
وفي سياق الشّفويّة المزعومة، يتَّفق (محمد جمال باروت) و(يوسف حامد جابر) على الاستشهاد، كلّ في كتابه، بعادل محمود مثالاً على شفوية القصيدة النثرية. ويقتطع كلٌّ منهما مقطعاً من القصيدة نفسها (متاعب فوتوغرافيّ). وكأن مجموعة عادل محمود ضاقت بالأمثلة حتى ينحصر (يوسف حامد جابر) بالمثال نفسه، أي القصيدة نفسها، ونحن نلومه هو لصدور كتابه (قضايا الإبداع في قصيدة النثر) عام 1991، بعد أن كان (باروت) أصدر كتابه (الشعر يكتب اسمه) عام 1981، وقد تكون (القصيدة) عظيمةً إلى هذا الحدّ، ولكن ما الذي يبرّر أن ينسخ (يوسف جابر) رأي (باروت) بالقصيدة فيقول: (إنَّ متاعب هذا الفنّان الذي ارتقى بفنِّهِ، فكانت لوحاته الجميلة المتوزِّعة في معارض هذا العالم، يتلقّفها المشاهد ويسعى إليها، إحدى ثمار هذا التعب، هي نفسها متاعب العامل والفلاح عندما يضيع عملهما في لجّة الحياة. وهي نفسها متاعب الإنسان، كل إنسان، يريد أن يرتقي بإنسانيته إلى الأفضل)(14). ألا يشبه هذا كلام باروت عن النصّ نفسه (إن متاعب هؤلاء الناس، الذين التقطتهم عدسة (الفوتوغرافي) هي نفسها متاعب الفوتوغرافيّ. إن عادل محمود ينجح في تطوير الخاصّ إلى العامّ، وتكثيف العامّ في الخاصّ). (10)، من (الشعر يكتب اسمه)؟ هل أصبح نقدُ القصيدة الشفوية، شفويَّاً هو الآخر، تتوارثه الألسنة؟ إن مثل هذا التّطابق بين آراء الكتابين ليس الوحيد هنا، بل هو مبثوثٌ بذكاءٍ في عدد من المرّات، بين ثنايا كتاب يوسف حامد جابر... ولكن ليس هذا من شأن هذا النقاش هنا، مكتفين بالمثال السّابق.‏
مرة أخرى، ما امتيازات القصيدة الشفويّة، رأينا أنها تشترك مع القصيدة غير الشفويّة، في مناطق عديدة، وعندما تختلف عن (قصيدة الرؤيا) فهي تختلف عنها في درجة الشعريّة من حيث الموقف الأبرز، لا في استخدام كلمات فقط. يبقى المهمّ إذاً، إمّا تحقُّقُ الشعرية أو غيابها... وعندما احتمت (قصيدة النثر) بالشفوية، سَمَحَتْ لنفسها أن تخسر كلمة (قصيدة) محافظةً على (النثر)، والرديء منه، لأنها أثبتت فشلها في إنجاز مهامّ الشعرية، فقامت بإلحاق السّبب بأنها شفوية وتستخدم المفردات اليومية.‏
وإذا أوغلنا في كتابة الماغوط، اكتشفنا أنها كتابة تحقّق الشعرية، لأسبابٍ لا تعود إلى الشّفويّة، بل تعود للموهبة والقدرة الفنية على صناعة نسيجٍ أدبيّ يمتع ويدهش ويمتلك أعماق القارئ. ولا تعني بساطة كتابات الماغوط تطابقاً مع الواقع، فلا واقع الماغوط بسيطٌ، ولا كتابتهُ بسيطة، بل إن نظرة الأبناء الخارجين على جمال الماغوط، هي وحدها النظرة البسيطة إلى حدّ التَّسطيح...‏

-------------

المصادر والمراجع:‏
(1)ـ محمد جمال باروت ـ الشعر يكتب اسمه ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 1981 ـ ص 93.‏
(2)ـ المصدر السابق ـ ص 93.‏
(3)ـ يوسف حامد جابر ـ قضايا الإبداع في قصيدة النثر ـ دار الحصاد ـ دمشق ـ 1991 ـ ص 114.‏
(4)ـ يوسف حامد جابر ـ المصدر السابق ـ ص 114ـ115.‏
(5)ـ المصدر السابق ـ ص 115.‏
(6)ـ المصدر السابق ـ ص 116.‏
(7)ـ حوار مع محمد الماغوط ـ أجراه حسان عطوان ـ مجلة تشرين الأسبوعي ـ عدد 8 ـ عام 1998.‏
(8)ـ محمد جمال باروت ـ مصدر سابق ـ ص92.‏
(9)ـ محمد جمال باروت ـ مصدر سابق ـ ص95.‏
(10)ـ محمد الماغوط ـ الأعمال الكاملة ـ دار العودة ـ بيروت 1981.ص16.‏
(11)ـ محمد الماغوط ـ مصدر سابق ـ ص54.‏
(12)ـ محمد الماغوط ـ مصدر سابق ـ ص185.‏
(13)ـ منذر مصري ـ بشر وتواريخ وأمكنة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1979.‏
(14)ـ يوسف حامد جابر ـ مصدر سابق ـ ص 125.‏
(15)ـ محمد جمال باروت ـ مصدر سابق ـ ص109.‏

الأسبوع الأدبي -سوريا

أسماء صقر القاسمي
11-07-2010, 04:27 PM
الماغوط الذي لا يمشي بين رصفين
مفيد نجم

لم تكن شعرية محمد الماغوط امتدادا لشعرية احد، وعلى الرغم من أنها أثرت في تجارب كثيرين أتوا بعده وحاولوا ان يقتفوا أثره، إلا انه ظل حالة شعرية خاصة تحمل علامات تفردها، وهويتها النابعة من خصوصية التجربة التي عاشها والرؤية التي رسمت فضاءه، والذات الشاعرة التي صاغت لغتها من عذاباتها وحزنها اليومي، وأحلامها المغتالة بين ملايين الجدران، وتحت سقف الحياة الواطئ.
من هنا فقد شكل صدور منتخبات من قصائده في كتاب في جريدة تحت عنوان "حطاب الأشجار العالية" مناسبة للاحتفال بشعرية الماغوط، فأصدرت مؤسسة تشرين كتاب "نسر الدموع" الذي تضمن قراءات في تجربة الشاعر قام بتحريرها خليل صويلح وبعد فترة وجيزة أصدرت دار البلد للنشر كتاباً آخر بعنوان "اغتصاب كان وأخواتها" وضم عدداً من الحوارات السابقة التي كان الماغوط قد أجراها، وقام بتحرير الحوارات
وتصنيفها خليل صويلح أيضا، مما يوفر للقارئ والباحث معاً فرصة التعرف على جوانب تجربة الماغوط المختلفة، والى آرائه ومواقفه التي يبدو ان الماغوط لم يفارقها ولم يتخل عنها في مسيرته الشعرية كما يلاحظ ذلك من خلال إجاباته التي يقدمها في حواراته المختلفة.
ينقسم الكتاب الأول الى قسمين اثنين يتضمن الأول أكثر من عشر مقالات نقدية لمجموعة من النقاد والشعراء العرب، في حين يشتمل القسم الثاني على مجموعة من الشهادات لأدباء وشعراء سوريين وعرب أيضا وتمثل الدراسة التي قدمتها الشاعرة السورية الراحلة سنية صالح زوجة الشاعر والتي كانت قد كتبتها كمقدمة لأعمال الشاعر الكاملة التي صدرت في منتصف السبعينيات أهم دراسة مكثفة تصف خصوصية الماغوط كشاعر وإنسان وكتجربة قاسية عاشها ظل يناضل فيها من اجل وجود بديل أكثر كرامة وحرية وعدالة.
ولذلك ظل حليفاً للقضايا الخاسرة في واقع لا يحتمل أحلامه وطموحه المؤجل والمخذول.
لقد شكل تفرد الماغوط في ريادته لقصيدة النثر موضوعاً مهماً للنقاد الدكتور صلاح فضل الذي يدرس الرهان الشعري للنثر ممثلاً بتجربة الماغوط الشعرية التي يحلل عناصرها الهيكلية، في حين ان خيري منصور يركز على دراسة الصورة الشعرية التي هي وسيلة التعبير الأساسية في شعر الماغوط الذي يؤكد محمد جمال باروت في دراسته انه أعطى الاعتيادية أفقا شعرياً لم يكن لها من قبل.
ويذهب الشاعر سيف الرحبي في قراءته لتجربة الماغوط الى ان جدية مزاجه الشعري جعلته غير قابل للاندراج ضمن مشروع شعري جماعي، ويرى الناقد خلدون الشمعة ان الشاعر كان رومانتيكيا بمنظار واقعي، إما الشاعر الناقد حاتم الصكر فيركز على موضوع الاندفاع الفطري في مغامرته الشعرية والذي منحه تميزه.
الأديب زكريا تامر صديق الشاعر منذ البداية يصف الماغوط بعد تجربة أكثر من نصف قرن بأنه خبر في هذه التجربة ما على القمة وما في الهاوية، حيث تغدو الحياة مع فقدان الحرية هي الوجه الثاني للموت.
أو هي التي يشرّفها ما تجرع الشاعر من آلام الشعر كما يقول الشاعر نزيه أبو عفش، أو التي نكتشف معها قوة الصدمة وعمق الدلالات التي أحدثتها نصوص الماغوط وفق ما يقوله الشاعر قاسم حداد.
في الكتاب الثاني يتحدث خليل صويلح في مقدمته عن علاقته بالماغوط وكيفية حصوله على أرشيف الشاعر الذي قدمه له من اجل إعادة جمع ونشر هذه الحوارات في كتاب خاص، قام المحرر بفرزها وتجميعها وتصنيفها في سبعة أبواب تغطي مسيرة تجربة الماغوط منذ البدايات وحتى الوقت الراهن، وقد خصص الباب الأول الذي حمل عنوان "مسقط الرأس" الحوارات التي تتحدث عن ولادة الشاعر في الثلاثينيات من القرن الماضي في قرية تقع على حدود الصحراء تسمى السلمية التي كانت ذات يوم معقل القرامطة والمتنبي والتي أثرت كثيراً في تشكيل وعيه الأول وذاكرته الشعرية التي ظل مشدوداً إليها بروحه المقطوعة، وحنينه الحزين الموحش في مدن الوحل والبرد والغربة.
ويذكر الماغوط في حواراته ان أول صورة يتذكرها في طفولته هي صورة السماء الشاحبة والسحب والرمال وهو في الخامسة من عمره يتشبث بحضن أمه التي يصفها بأنها كانت شاعرية في طبعها وتحب الزهور والتي منحته الحس الساخر والصدق والسذاجة.
وتتحدث حوارات الجزء الثاني عن مرحلة دخوله سجن المزة العسكري في مرحلة الخمسينيات بسبب انتمائه للحزب السوري القومي وبحسه الساخر يتحدث الماغوط عن اسباب انتمائه الى هذا الحزب فيقول "وفي طريقي للانتساب الى أحدهما "البعث والقومي السوري" اتضح ان أحدهما بعيد عن الحارة ولا يوجد في مقره مدفأة ولأنني كنت متجمد الأطراف من البرد اخترت الثاني دون تردد" ص 37. ومما يذكر ان الماغوط دخل السجن في مرحلة مبكرة من عمره إذ كان عمره آنذاك 19 عاماً.
وبنفس اللغة الساخرة يتحدث الماغوط عن علاقته بمجلة شعر اللبنانية والحداثة في الشعر، لكنه يعترف ان المجلة كانت الخيمة التي آوته والمنبر الصغير الذي ساهم في إيصال صوته الى الآخرين بصدق ودون أي مكر سياسي، كما يقدم آراءه في عدد من شعراء مجلة شعر كأدونيس ويوسف الخال وانسي الحاج بالإضافة الى عدد من الشعراء العرب المعروفين كبدر شاكر السياب والبياتي والقباني وينضح صدق وجرأة الماغوط في تقديم آرائه فيهم بإيجاز وتحديد واضحين.
الفصل الرابع يتناول تجربة هروبه وتخفيه في احد البيوت الواطئة والصغيرة في حي قديم من أحياء دمشق المعروفة، هو حي عين كرش، حيث استوحى من هذه التجربة المريرة والقاسية كتابة عمله المسرحي العصفور الأحدب في عام 1963، والتي كتبها كما يقول في اقل من عشرة أيام، وقد كانت في الأصل مشروع قصيدة، لكنه فيما بعد حولها الى مسرحية.
ويتحدث الماغوط في هذه الحوارات عن علاقته بزوجته سنية صالح التي يؤكد أنها كانت بالنسبة اليه بمثابة ام وحب ومرض، وكان رأيها فيما يكتب هو الأساس، كما يتحدث عن المرأة التي يرى إنها المكان الوحيد الذي يجعل من الجهات الأربع جهة واحدة لا يمكن تحديدها، وحول عزلته التي يعيشها منذ زمن يعلن الماغوط انه لا يحب ان يقابل أحدا فهو يحب الوحدة والصمت وهو إنسان سوداوي وليس له أصدقاء جدد والكتابة هي عالمه الذي يضيع عندما يحاول ان يخرجه منه.
ان شاعر التسكع والأرصفة والتبغ قد أدمن منذ ثلاثين سنة على الاستيقاظ فجراً والذهاب سيراً على القدمين الى مقهى شعبي يدعي "مقهى أبو شفيق" وهناك يقرأ الصحف ويكتب، حيث كتب هناك مسرحياته الأخيرة ضيعة تشرين وغربة وكأسك يا وطن وشقائق النعمان، وسيناريوهات أفلام الحدود والتقرير والمسافر،
وحتى بعض قصائده فنهر بردى الذي تلاشى هو مرآته التي كان يرى فيها نفسه، فهو يشبه الشاعر الصامت العجوز وخلال مسيره الذي يبلغ 5 كيلومترات يضع الماغوط في أذنيه سماعتي الوطن ولا يتكلم مع احد في الطريق، كما لا يجلس مع احد في المقهى الذي بقيت ذكراه في ذاكرة الكثيرين كما هو الحال بالنسبة لنهر بردى الذي كان يمنح المكان جمالية وإيقاعا خاصين.
وعن المدن التي عرفها دمشق وبيروت وباريس يتحدث الماغوط بصدق وشاعرية تفيض بالمودة والحب عن دمشق التي أحبها لأنها استطاعت ان تسكنه في حين كانت بيروت أكثر من ام احتضنته لكنه بعد ان تغيرت المدينة وفقدت معالمها التي ألفها وأحبها، ظل يحن الى وجهها القديم..
وفي الفصل الأخير صورة جانبية في خمسين مرآة هناك فلاشات سريعة وكثيرة حول آراء الماغوط المكثفة جداً في قضايا إنسانية وفي نفسه وفي الواقع والحياة والصدق والمدرسة والحب، وكما تميز شعر الماغوط بـ "كوميدياه السوداء" كذلك تميزت إجاباته التي لا تخلو من سخرية لاذعة وجريئة فالماغوط يذهب في أقواله الى الموضوع مباشرة ومن دون مقدمات ولذلك تكون آراؤه حرة وجريئة وصادقة، كما هو شعره الذي كان بيتاً بلا سقف كما يصفه في إجاباته.

الأحد 25 شوال 1423هـ 29 ديسمبر 2002 -العدد 151

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:20 AM
http://www.shamyat.ru/newsarchive/2008/04/10/maghut.jpg


ثلاثة دواوين صنعت أسطورة محمد الماغوط -13/04/2008




لم أره ولم أعرفه من قرب. قرأته كما قرأه الآلاف من القراء العرب، شاعراً متمرداً، غريباً، عصياً على التجنيس والقولبة. وقد ظل كذلك حتى رحيله في الثالث من نيسان (أبريل) 2006.
ثلاثة دواوين شعر فقط لا غير، هي كل ما كتبه محمد الماغوط في مسيرته الشعرية. ولكنها كانت كافية لتنقش اسمه على حجر نافر في المشهد الشعري العربي.
لم يكتب كما كتب أحد قبله. وربما هذا ما جعله ينتزع مكانته الكبيرة. إضافة إلى مفردة الحرية التي أصبحت ملتصقة به حتى التوأمة.
ربما لا يوجد في الغرب شاعر يمكن مقارنة محمد الماغوط به سوى رامبو، الذي اعتزل الشعر وهو في العشرين من عمره. فمحمد الماغوط اعتزل الشعر بعد ثلاثة دواوين شعرية فقط، كان آخرها في العام 1970، بعد أن صدر ديوانه «الفرح ليس مهنتي».
كان من قبل أصدر ديوانيه الشهيرين «حزن في ضوء القمر» و «غرفة بملايين الجدران» في العامين 1959 و1960.
ثلاثة دواوين شعرية فقط، جعلت من محمد الماغوط الرائد الحقيقي لقصيدة النثر. حتى حين أعاد شعراء قصيدة النثر تجميع صفوفهم في السبعينات من القرن الماضي، لم يتمكنوا من تجاوز محمد الماغوط. لم يذكروه. حاولوا تجاهله أو نسيانه. لكنه كان سبقهم في اعتزال الشعر ونسيان نفسه. وتفرغ لكتابة المقالات (أصدر أربعة كتب)، والمسرحيات والأفلام بالتعاون مع الفنان دريد لحام، إلى أن فاجأته جائزة العويس قبل سنة ونيف من رحيله، وبعد ما يقارب العشرين عاماً من الوحدة - رحلت زوجته الشاعرة سنية صالح سنة 1985 - في منزل متواضع بالكاد يتسع لجسده، فكيف لأحلامه؟
لم يكن ابن السلمية في محافظة حماه السورية، على بوابة الصحراء، يدرك أن بضع قصائد في الخمسينات من القرن الماضي، ستجعل منه أباً شرعياً لمدرسة جديدة واتجاه جديد، ورؤية جديدة، وشكل جديد في كتابة الشعر العربي. وهو الذي كان كغيره من أبناء جيله مندفعاً إلى التغيير والحرية، فأنتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وسجن لذلك في سجن المزة الشهير. لكنه يقول ساخراً متهكماً في آخر حياته: انتميت إلى ذلك الحزب لأنه كان يوجد في مقره مدفأة!
ذلك هو الشاعر القروي الحالم والمتمرد، فاتح العاصمة بأحلامه وطموحاته ومشاريعه التي واجهت القمع منذ بدايتها، فاختارها السجن حاضناً لتموت خلف القضبان.
بعد خروجه من السجن ذهب إلى بيروت، وانضم إلى أسرة مجلة «شعر»، لكنه لم يعمر فيها طويلاً.
ولكن، لماذا توقف محمد الماغوط في آخر الستينات عن الشعر؟ هل كانت تجربة مجلة شعر سبباً؟ هل اكتشف أن هنالك من أراد توظيف عفويته في سياقات أخرى لم يكن يعرفها من قبل؟ هل رأى أن الشعر لا يوازي ما يختزنه من أحلام وطموحات وآمال، فاتجه إلى المسرح والمقالة المباشرة؟
أسئلة كثيرة تظل معلقة، لكنها مشروعة حتما، في ظل وجود عبقرية مثلها محمد الماغوط في مرحلة مبكرة.
ولكن ما ينبغي لنا التوقف إزاءه في هذه الذكرى، هو بعض الهواجس التي كانت تلح على قصائد محمد الماغوط، وفي مقدمها، شعوره بالضياع والتشرد والغربة، وهو ما جعل مفردات مثل الصعلكة والأرصفة والشوارع والخوف، قواسم مشتركة في الكثير من قصائده. يقول في قصيدته «تبغ وشوارع»: «سامحيني، فأنا فقير وظمآن/ أنا إنسان تبغ وشوارع وأسمال». وفي قصيدة أخرى: «أناشدك الله يا أبي/ دع جمع الحطب والمعلومات عني/ وتعال لملم حطامي من الشوارع».
كانت البداية من الانفصال الأول، الانسلاخ عن الأصل، القرية - السّلمية - التي عرفت طفولته وصباه الأول. كانت أحلام الفتى «القرمطي» أكبر من أن تستوعبها قرية صغيرة على بوابة الصحراء، بينما العالم الجديد في المركز يصرخ داعياً الماغوط وأمثاله المتمردين. في هذه الحال، فإن السِّفر الأول في كتاب الحرية، يتعين في التمرد على القبيلة وعلاقاتها التي مثلتها القرية، فكانت دمشق.
ولأن الشعر حينها كان ثانوياً جداً في قاموس الثورة والثوار والنضال والمناضلين، كان لا بد لمحمد الماغوط من وسيلة تشعره أنه جزء فعال ورئيس في عملية التغيير والتحديث، في الانتقال بالبلاد والعباد من طور التخلف والقبلية والعشائرية والإقطاع والعبودية والاستعمار الأجنبي، إلى مجتمع عصري يحترم الإنسان ويحقق كينونته الفردية والجمعية معاً. فلا توجد أوطان من دون كيان إنساني مكتمل حر في التفكير والاعتقاد والنشر وإبداء الرأي والمشاركة.
لكن الماغوط الذي وجد موقعاً له في الحزب السوري القومي الاجتماعي، فوجئ بنفسه التواقة إلى الحرية والانعتاق من أسر الموروث الثقيل، فوجئ بنفسه في زنزانة في سجن المزة، لسبب بسيط جداً، هو إيمانه بحرية التعبير والمشاركة في بناء وطن منهك، ونقله من الظلمات إلى النور!
كانت المدينة أخذت تتكشف أمامه بعلاقاتها الملتبسة، وأخذ يتلمس وحدته شيئاً فشيئاً، إلى أن أدخل السجن. وحين خرج لم يتمكن من البقاء في المدينة التي ظن أنها تتسع لأحلامه وهواجسه. كما كانت بيروت في ذلك الوقت تعيش صعود مجلة «شعر» الجديدة، فانتقل إلى بيروت، وأصبح واحداً من أهم كتاب مجلة «شعر»، وتعرف إلى أهم الشعراء والكتاب والمثقفين اللبنانيين في ذلك الوقت.
ربما شهد بعض الاستقرار خلال زواجه من الشاعرة سنية صالح، لكن رحيلها المفاجئ في العام 1985 أيقظ وحدته وغربته دفعة واحدة. خصوصاً بعد أن عاش تلك التجارب السياسية والعسكرية كلها، الانقلابات والانقلابات المضادة، الهزائم العسكرية المتوالية، بدءاً من العام 1948 وليس انتهاء بالعام 1982.
توجه إلى المسرح، ووجد ضالته في الفنان دريد لحام، والمخرج اللبناني المبدع يعقوب الشدراوي. ثم كتب المقالات السياسية المتمردة. إلى أن استقر وحيداً تماماً في صحة لا يحسده عليها أحد، وفي بيئة لا تناسب إلا جوالاً متعباً من السفر والترحال، تكفيه مساحة من الأرض بمقدار جسده.
لكن أكثر ما يلخص روح الماغوط، ويكثفها، تلك القصيدة التي كتبها في وداع دمشق، واشتهرت باسم «حزن في ضوء القمر». وفيها يكثف الماغوط أحلامه ورغباته، ويرسم صورة بالأبيض والأسود للراهن الذي وصل إليه، واكتشف أنه مغاير تماماً عندما جاء دمشق باحثاً عنه. ولعل هذه الوداعية تحديداً، هي ما ينبغي لنا أن نختم به هذا الاحتفاء المتواضع بشاعر متمرد خارج من عباءات القبائل والميراث الثقيل، وجد نفسه يغرق في مستنقع أكثر عفونة، وفي قيود أشد وأقوى وأثقل حول الروح الهائمة المحلقة في فضاءات بعيدة ومغايرة.
«وداعا أيتها الصفحات أيها الليل/أيتها الشبابيك الأرجوانية/ انصبوا مشنقتي عالية عند الغروب/ عندما يكون قلبي هادئاً كالحمامة/ جميلاً كوردة زرقاء على رابية/ أود أن أموت ملطخاً/ وعيناي مليئتان بالدموع/ لترتفع إلى الأعناق ولو مرة في العمر/ فإنني مليء بالحروف والعناوين الدامية».
رحل محمد الماغوط، وهو مليء بالحروف والعناوين الدامية. لم يساوم على فكرة آمن بها. لم يهادن أحداً أو منظومة سلفية أو قمعية. اكتفى بعزلته في زمن القصائد الكذابة والكتابة الناعمة، فاستحق وسام الوحدة والسخرية اللاذعة من حياة لم تكن كما اشتهى أن تكون يوماً أو لحظة في حياته!
يوسف ضمرة - الجمل

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:24 AM
في وداع محمد الماغوط.قال محمود درويش:


http://qasimi.elaphblog.com/Blog/qasimi/album/1_829523_1_34.jpg


في أمسية غياب كهذه، وفي المكان هذا، كنا في العام الماضي ننثر ورد الحب على اسم الراحل ممدوح عدوان. لم يحضر محمد الماغوط كاملا، لعجز عكازه عن أسناد جبل. لكنه حضر صورة شاحبة وصوتاً متهدجاً ليذكّرنا بأن للوداع بقية.
ذهبنا إليه في صباح اليوم التالي. كانت العاصفة مسترخية على أريكة، تشرب وتضحك وتدخن وتعانق زوارها. كانت العاصفة مرحة فرحة بما تبقى فيها من هواء وضيوف، ولا تأسف على ما فعلت باللغة وبالنظام الشعري. فهي لا تُعرَّف الا من آثارها عندما تهدأ. هدأ الماغوط ونظر الى آثاره برضا الفاتح المرهق.
قلنا له وقال لنا ما يقول العارفون بأن اللقاء وداع. وضحكنا كثيراً لنخفي خوفاً أثاره فينا انكبابه على ترتيب الموعد القاسي مع سلامه الداخلي، فمثل هذا المحارب لا تليق به السكينة.
لكنه لم يكن حزيناً ولا خائفاً مما يتربص به. وضَع الماضي كله على المائدة، ووزع على كل واحد منا حصته من الذكريات والمودة، قرأ لنا ما يدون من خواطر يومية عاجلة، فهو في سباق مع معلوم يشاغله بالطرق على فولاذ المجهول. وحياني بقصيدة، فخجلت، وقلت في نفسي: لماذا لم يصدِّقني من قبل؟
وهو، الذي لا يحب الإعلام، ابتهج بوصول فريق إذاعي، ربما ليعلن وصيته الأخيرة على الملأ :
أوصيكم بالحب... فهذا الغاضب من كل شيء لم يغضب إلا لأن الحب في هذا العالم قد نضب. ولم يغضب الا لأن زنزانة هذا العالم ما زالت تتسع لسجين رأي مختلف. ولأن أرصفة هذا العالم ما زالت تزدحم بالفقراء والمشردين. ولم يغضب إلا لأن لفظة الحرية، بمعناها الشخصي والعام، ما زالت مستعصية على العرب والعاربة والمستعربة... والإعراب!
فوجئنا بصحافي يسألنا بلا رحمة: هل جئتم إلى الماغوط لحضور جنازة مبكرة؟
- تحسس كل واحد منا قلبه وتلعثم، ألا هو، هو النسر الوحيد في ذروته، ملتفاً بكبرياء الأعالي وبمصاهرة البعيد. لم يكن سؤال الموت سؤاله ما دام يكتب... ففي كل كتابة إبداعية نصر صغير على الموت، وهزيمة صغرى أمام إغواء الحياة التي تقول للشاعر: هذا لا يكفي، فما زالت القصيدة ناقصة!
وكنا نعلم أننا جئنا للقائه لنتدرب على وداعه.
رحل الماغوط، ونقص الشعر. لكنه لم يأخذ شعره معه كما فعل الكثيرون من مجايليه الذين صانوا سلطتهم الشعرية في حياتهم بحرّاس النقد والأحزاب.
فهذا الوحيد الخالي من أية حراسة نظرية وتنظيم إعلامي، لم يراهن إلا على شعريته وحريته، وعلى قارئه المجهول الذي وجد في قصيدته صدى صوته وملامح صورته، بعدما أقامت كلماته المكتوبة بالجمر جسر اللقاء بين الذات والموضوع، وبين الذات وما تزدحم به من آخرين.
وهو، هو الذي جاء من الهامش واختار هامش الصعلوك، كان نجماً دون أن يدري ويريد. فالنجومية هي ما يحيط بالاسم من فضائح. وشعره هو فضيحتنا العامة، فضيحة الزمن العربي الذي يهرب منه الحاضر كحفنة رمل في قبضة يد ترتجف خوفاً من الحاكم ومن التاريخ. حاضر يقضمه ماض لا يمضي وغد لا يصل. كم أخشى القول ان الزمن الذي هجاه الماغوط ربما كان أفضل من الزمن الذي ودّعه. فقد كنا ذاهبين، على الأقل، إلى موعد مرجأ مع أمل مخترع.
لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا. ولكن الشقاء الكامل هو أن يكون حاضرنا أفضل من غدنا. يا لهاويتنا كم هي واسعة !رأى الماغوط الهاوية فخاف. خاف بشجاعة المقاوم. فنظر الى الأفق بعيون الشاعر الطائر، فخاف ثانية، وقاوم الخوف برؤيا الشاعر الحالم، فماذا على الشاعر أن يفعل غير أن يخلص مرتين: مرة لانتمائه الى الواقع، ومرة لتجاوز الواقع بالخيال وبصناعة الجمال؟
- لكن هذا الخائف على عفوية الحياة، وعلى العلاقة السرية بين الأشياء والكلمات، رأى الخوف كما تُرى المواد الأولية لبناء الكابوس، فقاومه بحرية الكلمات في تحرير صاحبها وقارئها، وقاومه بالتخلي عن حنين اللغة الى ماضي أطلالها وقصورها معاً، وبفروسية من لا يملك شيئاً ليخسره، وأكاد أقول: بمغامرة يأسه اشتق الأمل لغيره، فأخاف ما يخيفه، كما تُخيف الملحمة الشعرية الموت المتربص بأبطالها وقرائها الخالدين. لقد أخافت لغة الماغوط الساخنة الساخرة الجميع من فرط قوة الهشاشة في أعشابها، ومن فرط دفاعها عن حق الوردة في حماية خصائصها.
وهو فضيحة شعرنا. فعندما كانت الريادة الشعرية العربية تخوض معركتها حول الوزن، وتقطعه الى وحدات إيقاعية تقليدية المرجعية، وتبحث عن موقع جديد لقيلولة القافية: في آخر السطر أم في أوله... في منتصف المقطع أم في مقعد على الرصيف، وتستنجد بالأساطير وتحار بين التصوير والتعبير، كان محمد الماغوط يعثر على الشعر في مكان آخر. كان يتشظى ويجمع الشظايا بأصابع محترقة، ويسوق الأضداد الى لقاءات متوترة. كان يدرك العالم بحواسه، ويصغي الى حواسه وهي تملي على لغته عفويتها المحنكة فتقول المدهش والمفاجئ. كانت حسيته المرهفة هي دليله إلى معرفة الشعر... هذا الحدث الغامض الذي لا نعرف كيف يحدث ومتى.
انقضَّ على المشهد الشعري بحياء عذراء وقوة طاغية، بلا نظرية وبلا وزن وقافية. جاء بنص ساخن ومختلف لا يسميه نثراً ولا شعراً، فشهق الجميع: هذا شعر. لأن قوة الشعرية فيه وغرائبية الصور المشعة فيه، وعناق الخاص والعام فيه، وفرادة الهامشي فيه، وخلوه من تقاليد النظم المتأصلة فينا، قد أرغمنا على اعادة النظر في مفهوم الشعر الذي لا يستقر على حال، لأن جدة الإبداع تدفع النظرية الى الشك بيقينها الجامد.
لم يختلف اثنان على شاعرية الماغوط، لا التقليدي ولا الحداثي، ولا من يود القفز الى ما بعد الحداثة. حجتهم هي ان الماغوط استثناء، استثناء لا يُدرج في سياق الخلاف حول الخيارات الشعرية. لكنها حجة قد تكون مخاتلة، فما هي قيمة الشاعر إذا لم يكن استثناء دائماً وخروجاً عن السائد والمألوف؟ لذلك، فنحن لا نستطيع أن نحب قصيدة الماغوط ونرفض قصيدة النثر التي كان أحد مؤسسيها الأكثر موهبة. وإذا كانت تعاني من شيوع الفوضى والركاكة وتشابه الرمال، على أيدي الكثيرين من كتابها، فإن قصيدة الوزن تعاني أيضاً من هذه الأعراض، الأزمة إذاً ليست أزمة الخيار الشعري، بل هي أزمة الموهبة، أزمة الذات الكاتبة. فنحن القراء لا نبحث في القصيدة إلا عن الشعر، عن تحقق الشعرية في القصيدة.
وخلص الشاعر محمود درويش في نثره الفني الذي يوازي شعره جمالا وصورا إلى القول أن:
سر الماغوط هو سر الموهبة الفطرية. لقد عثر على كنوز الشعر في طين الحياة. جعل من تجربته في السجن تجربة وجودية. وصاغ من قسوة البؤس والحرمان جماليات شعرية، وآلية دفاع شعري عن الحياة في وجه ما يجعلها عبئاً على الأحياء، وهو الآن في غيابه، أقل موتاً منا، وأكثر منا حياة

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:33 AM
http://qasimi.elaphblog.com/Blog/qasimi/album/_37126_maghout5406%5B1%5D.jpg


من أقوال الماغوط


لكي تكون شاعراً عظيماً يجب أن تكون صادقا، ولكي تكون صادقا يجب أن تكون حراً، ولكي تكون حراً يجب أن تعيش، ولكي تعيش يجب أن تخرس.







الوحدة الحقيقية القائمة بين العرب هي وحدة الألم والدموع.





مراقبة الألم من وراء الزجاج شيئ مضحك.. كالأطرش الذي يسمع موسيقى.




لا تنحن لأحد مهما كان الأمر ضرورياً , فقد لا تواتيك الفرصة لتنتصب مرة أخرى!



هنا.. في منتصف الجبين.. حيث مئات الكلمات تحتضر.. أريد رصاصة الخلاص!

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:37 AM
http://main.omandaily.om/files/imagecache/250x250/rbimages/1281205310031693600.jpg


جان داية يكتب عن محمد الماغوط و صوبيا الحزب القومي

جورج جحا: عرف الباحث اللبناني جان داية بالدقة في تقصي حقائق الموضوعات التي يتناولها وتفاصيلها الى درجة اكسبته وصفا عند بعض المهتمين بهذه الشؤون بانه يفلّي النملة اي لا يترك مجالا لا يتأكد منه كما يفلّي الانسان شعره تنظيفا له مما قد يكون علق به.
كتاب داية عن الشاعر والكاتب السوري الساخر حمل عنوانا مركبا هو محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي.. مع نصوص مجهولة.. غرام في سن الفيل وستين قصيدة ومقالة.
جاء الكتاب في 384 صفحة متوسطة القطع مع عدد من الصور للماغوط وبعضها يظهره مؤديا التحية الحزبية عندما كان عضوا في الحزب السوري القومي الاجتماعي. وصدر عن مؤسسة فجر النهضة للنشر في بيروت.
وتعبير صوبيا يعني المدفأة التي يتقي الانسان بها برد الشتاء. ويتذكر من عرف الشاعر الساخر في الحزب السوري القومي الاجتماعي ان حماسته المفرطة للحزب في أواخر خمسينات القرن الماضي قد ورّطت الحزب في دعاوى قضائية وطلبات تعويضات مالية بسبب حملات الماغوط الشديدة السخرية على سياسيين من خصوم الحزب.
والماغوط الساخر حتى من نفسه لم يسلم حزبه وبعض رجاله من السخرية حتى خلال عمله النشيط فيه.
وسئل الماغوط مرة في سنواته الاخيرة بعد ان توقف عن انتمائه الحزبي عن سبب انتمائه الى الحزب فقال ساخرا كعادته انه لفقره كان خلال صباه في مدينته السلمية في سوريا يلجأ الى مكاتب الاحزاب ليتدفأ وكان لدى الحزب في مكتبه في السلمية صوبيا لم تتوفر لغيره من الاحزاب فانتسب اليه.
لكن السجلات الادبية وذاكرة من عرفه في الحزب تعرف ان حماسته للحزب كانت كما قال احدهم بحاجة الى ثلاجة لا الى مدفأة. وقد هرب الماغوط الى لبنان بعد مطاردة السوريين القوميين اثر اغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق عام 1954 .
وفي لبنان خاض الماغوط أشرس المعارك القلمية مع خصوم الحزب وكتب ما يعتبره بعض النقاد من افضل نتاجه الشعري وسخريته ان لم يكن افضله على الاطلاق. ومن ذلك قصائد مجموعته الشهيرة حزن في ضوء القمر واعمال عديدة اخرى اورد كتاب داية قسما منها.
جاء في كلمة الناشر على غلاف الكتاب وصف على طريقة ما قلّ ودلّ اذ قال يتوزع القسم الاول من هذا الكتاب بفصوله السبعة على حياة محمد الماغوط الحزبية التي بدأت عام 1950 واستمرت اثنتي عشرة سنة. واحتراف العمل الصحافي في البناء البيروتية وغيرها من دوريات الحزب القومي وبعض الصحف الاخرى اضافة الى ادبه الملتزم والمتميز بسخريته الفطرية.
ويتضمن القسم الثاني عشرات القصائد والمقالات ورواية غرام في سن الفيل وهي من بواكيره المجهولة. اما صوبيا الحزب القومي التي نوه بها الماغوط اكثر من مرة فقد أمّنت له الدفء الروحي وفجرت سخريته الكامنة.
وكان بعض النقاد والادباء الذين لم يعرفوا الماغوط الا من خلال كتاباته البارزة والاخيرة او عرفوه في سنواته الاخيرة ولم يعرفوه من خلال سنواته الحزبية قد سجلوا بعض المآخذ على كتاب داية هي في رأي عدد كبير ممن عرفوا الشاعر الراحل ومنهم كاتب هذه السطور ليست محقّة تماما.
فداية الذي يغوص في التاريخ الفكري والادبي اللبناني والعربي الحديث تحدث في المقدمة عما اسماه نكتة الماغوط او نهفته كما وصفها.
قال داية انه من خلال اصداراته عن عصر النهضة وما بعده واخر هذه الاصدارات كتاب صدر حديثا عن جرجي زيدان وعد القراء باصدار كتب اخرى تتناول باحثين وادباء وفنانين قوميين اخرين تركوا الحزب او طردوا منه او استمروا في صفوفه ومن هؤلاء محمد الماغوط.
واضاف داية ما هو مبرر اصدار كتاب عن اديب قومي يقول هو ان سر انضوائه في الحزب القومي دون غيره من الاحزاب ناجم عن وجود مدفأة في مركز الحزب ناهيك عن انه جمع التبرعات والاشتراكات الحزبية واشترى بها بنطلونا بدلا من تسليمها للمسؤول المالي المحلي في السلمية. وقال داية طبعا لو كانت نهفة المدفأة والبنطلون صحيحة لما كان من مبرر لنشر مقال عن حياته الحزبية ونتاجه العقائدي فكيف باصدار كتاب. لكن عشرات القصائد النثرية والمقالات العقائدية والسياسية الممهورة بتوقيع محمد الماغوط حينا او باحد اسمائه المستعارة احيانا تبرر اصدار الكتاب وتؤكد في الوقت نفسه ان نهفة المدفأة والبنطلون تنتمي الى الادب الخيالي الساخر.
ونشر داية بين ما نشره من كتابات وقصائد الماغوط القديمة مقالة وجدانية قال ان الشاعر افتتح بها مقالاته الحزبية هي مقالة ذكراك في قلبي الى الابد المشهورة التي نشرها في مجلة الدنيا الدمشقية في 29 سبتمبر ايلول عام 1950 وقد وجهها الى زعيم الحزب القومي ومؤسسه انطون سعادة بمناسبة اعدامه في 8 يوليو تموز 1949 .
واورد داية امثلة عديدة منها مقالة اخرى نشرها الماغوط في جريدة البناء البيروتية قال فيها ان الحزب السوري القومي الاجتماعي هو اعظم حزب في تاريخ هذه الامة واضاف باسلوبه الساخر المتميز ان مباديء هذا الحزب العظيم لا تزيلها حرب الاعصاب والاغتيالات لانها ملتصقة كالاعلانات في قلب الشعب وضميره الحي.
الكتاب الذي يعتمد التوثيق الذي تميز به داية اشتمل على نصوص مجهولة نشير من بينها الى 34 مقالا بينها الوجداني كما في مقالته السالفة الموجهة الى سعادة وبينها السياسي الساخر والحاد في مهاجمة خصوم الحزب والدفاع عنه وهي مجرد قسم من كتابات الماغوط وبعضها قبل لجوئه الى بيروت ومعظمها بعده.
ومما اشتمل عليه الكتاب تجدر الاشارة الى 16 قصيدة مجهولة للماغوط فضلا عن رواية غرام في سن الفيل وفهرس اعلام وباب لصور للماغوط.
في نهاية الامر كتاب داية عمل توثيقي متميز ويشكل قراءة ممتعة في قصائده وفي مقالاته التي تثير فيك الغضب القومي حينا وتجعلك تضحك حينا اخر. وفي هذه الحال قد يقول القارىء المتذوق للادب ومهما كان فكره السياسي .. بوركت الصوبيا التي اسهم دفئها في اثراء تجارب الشاعر الراحل فاعطي روائع ابتداء من حزن في ضوء القمر وصولا الى المجهول الذي يكشف عنه داية. قراءة ممتعة .. انه محمد الماغوط.



تاريخ النشر: 2010-08-07

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:42 AM
مسرحية "العصفور الأحدب" لمحمد الماغوط

http://esyria.sy/sites/images/latakia/characters/115910_2010_05_11_13_59_57.jpg


مقدمة بقلم سنية صالح:


" طفولة برئية وإرهاب مسن"


مأساة محمد الماغوط أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط. ومنذ مجموعته الأولى "حزن في ضوء القمر" وهو يحاول إيجاد بعض الكوى أو توسيع ما بين قضبان النوافذ ليرى العالم ويتنسم بعض الحرية.
وذروة هذه المأساة هي في إصراره على تغيير هذا الواقع، وحيداً، لا يملك من أسلحة التغيير إلا الشعر. فبقدر ما تكون الكلمة في الحلم طريقاً إلى الحرية نجدها في الواقع طريقاً إلى السجن. ولأنها كانت دائماً إحدى أبرز ضحايا الاضطرابات السياسية في الوطن العربي، فقد كان هذا الشاعر يرتعد هلعاً إثر كل انقلاب مرَّ على الوطن، وفي أحدها خرجت أبحث عنه، كان في ضائقة قد تجره إلى السجن أو ما هو أمر منه، وساعدني إنتقاله إلى غرفة جديدة في إخفائه عن الأنظار، غرفة صغيرة ذات سقف واطئ حشرت حشراً في خاصرة أحد المباني بحيث كان على من يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن.
سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم. في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهراً عديدة.
لنفترض أن الشرق العربي بقعة سوداء على خريطة الماضي والحاضر، فما يكون لون المستقبل؟ ولنبحث بعد ذلك عن مصير الشعر والشعراء من خلال ذلك الظلام الدامس . وإذا ما استعملنا ضوء الذاكرة وجدنا أن محمد الماغوط في وجه من الوجوه جزء من المستقبل، لذا كان لا بد من حمايته من غبار الحاضر. ألا يكون مستقبل شعرنا رماد لو تركنا الشعراء للسلطة؟ ولأن هذا الشاعر محترق بنيران الماضي والحاضر، لجأ إلى نيران المستقبل وهو جزء منها بحثاً عن وجود آخر وكينونة أخرى. بدت الأيام الأولى كاللعبة البطولية لنا نحن الاثنين. ولكن لما شحب لونه ومال إلى الاصفرار المرضي وبدأ مزاجه يحتد بدت لي خطورة اللعبة. كان همي الكبير أ، يتلاشى الأعصار دون أن يخنق غباره "النسر".
كنت أنقل له الطعام والصحف والزهور خفية. كنا نعتز بانتمائنا للحب والشعر كعالم بديل متعال على ما يحيط بنا. كان يقرأ مدفوعاً برغبة جنونية. وكنت أركض في البرد القارس والشمس المحرقة لأشبع له هذه الرغبة، فلا ألبث أن أرى أكثر الكتب أهمية وأغلاها ثمناً ممزقة أو مبعثرة فوق الأرض مبقعة بالقهوة حيث ألتقطها وأغسلها ثم أرصفها على حافة النافذة حتى تجف. كان يشعل نيرانه الخاصة في روائع أدبية كانت الهتافات في الخارج تأخذ من بعيد شكلاً معادياً.
وقبل ذلك كان محمد الماغوط غريباً ووحيداً في بيروت. وعندما قدمه أدونيس في أحد اجتماعات مجلة "شعر" المكتظة بالوافدين، وقرأ له بعض نتاجه الجديد الغريب بصوت رخيم دون أن يعلن عن اسمه، وترك المستمعين يتخبطون (بودلير؟.. رامبو؟..) لكن ادونيس لم يلبث أ، أشار إلى شاب مجهول، غير أنيق، أشعث الشعر وقال: "هو الشاعر..." تمتمات خفيضة. أما هو، وكنت أراقبه بصمت ، فقد ارتبك واشتد لمعان عينيه. بلغة هذه التفاصيل وفي هذا الضوء الشخصي نقرأ غربة محمد الماغوط. ومع الأيام لم يخرج من عزلته بل غير موقعها من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض.
من يدرس حياة هذا الشاعر يرى أن فترات الخصب عنده تتواقت مع الأزمات. "فالعصفور الحدب" وأعمال أخرى ما زالت مخبأة في الدراج، وقسماً كبيراً من "الفرح ليس مهنتي" جاءت نتيجة انفجار بشري داخلي عنيف حدث في أواخر ذلك الشتاء في هذه الحميا أخذ يرى علائق الأشياء بعضها بالبعض الآخر. وإن هذه الارتباطات قد تنقلب إلى علائق خطرة فيما إذا تضخمت من طرف واحد تاركة الطرف الآخر يرتجف دون حول أو قوة. ومحمد الماغوط يبحث عن الحماية منذ صغره. لكن كلما التجأ إلى ركن رآه خانقاً كالسجن أو واهياً كالورق. أراد أ، يدخل كون الشعر حيث لا سلطة إلا للمتفوقين. والبيئة المضطربة المتقلبة التي عاش في مناخها، كانت تقف كالسوط في وجهه لترده باستمرار إلى الداخل فيعتصم بمخيلته. في تلك المؤامرة الكبيرة التي حاكتها البيئة ضده عظمت براءته وثوي صفاؤه. وقد أعطته تلك الاقامة السرية فرصة كبيرة للتأمل الذهني. وتحت تلك العدسات كان الوجود الانساني يدخل سلسلة من التحولات. سكب أحماضه المأساوية على الفوضى البشرية، فبدا الوجود الواحد يحمل في أعماقه وجودات لا حصر لها. وهذا ما دفعه لأن يطرق ألواناً أخرى غير الشعر.
في الشعر يمتطي حلمه ويغيب. ليس بمعنى التخلي الشعوري عن واقعه، وإنما بمعنى الطموح الملح لخلق وجود بديل عنه. وجود آخر يهيم معه في سفره. غرفة الشعر غرفة لينة، واسعة، فضفاضة. تنتقل كلما أشار إليها الشاعر. أما الآن فلا مفر له وهو داخل تلك الجدران المتسخة من مواجهة الواقع. لذا انعكست أوضاعه على أبطال "العصفور الأحدب" سجنهم، خلقهم مشوهين وبأمزجة حادة، متقلبة وشائكة. المسافة في المسرحية لا تنقلهم نحو أحلامهم أ, نحو الأفضل وإنما تحاصرهم. وعندما امتلكوا الحرية تغيرت مرتفعاتهم الانسانية. دخلوا في علائق جديدة. شكلوا مرة أخرى لعبة الحاكم والمحكوم التي ما استطاعوا أن يذهبوا خارج حدودها بالرغم من الحريات التي امتلكوها فيما بعد. في "العصفور الحدب" لم يلتق الماغوط بجمهوره بمعنى المواجهة. التقى به في حالة الجذب والقيادة. ولأن الزمن بينه وبين الآخرين كان شاسعاً انكرت كعمل مسرحي وسميت قصيدة. في الحقيقة كان في "العصفور الأحدب" قائداً يسير خلف جيش مهترئ، منكوب أرمد. لذا ارتد القائد في "المهرج" وفضح تلك المخازي.
يعتبر محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة كشكل مبتكر وجديد وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. كانت الرياح تهب حارة في ساحة الصراع، والصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر حين نشر قلوعه البيضاء الخفاقة فوق أعلى الصواري. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر، إذ أن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي. وهكذا نجت عفويته من التحجر والجمود. وكان ذلك فضيلة من الفضائل النادرة في هذه العصر.

سنية صالح

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:46 AM
العصفور الأحدب 1

(قفص بشري مجهول في صحراء مجهولة. سماء شاحبة وغيوم رمادية. ساقية موشكة على الجفاف. أغطية خلقة ، صحون، ملاعق، ضمادات ملطخة بالدم. دورة مياه، مغسلة، سجناء يتكئون على وسائدهم القذرة بإعياء. كهل ، قزم، صانع أحذية عازب مصاب بالشذوذ الجنسي، وعدد آخر من السجناء المجهولين، معصبي الرؤوس والأطراف. بعضهم يقعي ، وبعضهم يمشي، وبعضهم الآخر يغلي ضماداته وثيابه وسط بحيرة من الوحل.)

صوت : ( خافت وحزين يأتي من النافذة الصغيرة العالية.)
تحت أقواس النصر، رفعوا وشاحي كذيل النعجة
أمامَ لهب الشموع، فتَّشوا نهديّ كالبضائع
أخرجوا العروق
ونثروا بذور الحليب
ليست الشرطةُ أو رجال التأميم
ولكنها العصافير المغردة والعشاقُ المجهولون
لم أكن أحمل لهم لوماً أو فراقاً
ولكنني كنت أحمل لهم رائحة الشجر وبكاء الأساطيل.
(صمت)
يا إخوتي.
أنتم هنا، لأن الآخرين هناك
أنتم هناك، لأن أطفالكم يأكلون الفراشات النيئة
ويضربون البراعم بحدِّ المساطر .
أنتم هنا،
لأن الله لا يجلسُ تحت الياسمين وفي ثقوب القيثارات
ولكن في ثقوب المدافع وعلى جراح السبايا
(صمت)
القزم: ما هذا ؟
صانع الأحذية: عاصفةٌ أو امرأة
الكهل: أياً كانت هويتُها ، عاصفة أو امرأةٌ أو سحابةٌ،
لقد بثَّتْ همومها ومضت
القزم: وبقيت تلك الساقيةُ الخرساء .
صانع الأحذية: إنها تزعجني، تسير دون جلبةٍ كالأفعى.
الكهل: بل كالحرير.
صانع الأحذية: (بغضب) وهل تعرفها؟
الكهل: كإبنتي.
مجهول: وأنا أعرفها أيضاً. منذ عام ونصف وهي تحرمنا النوم والسهر. (بعصبية) لتتزوج نهراً وينتهي الأمر.
الكهل: إنها عانس.
العازب: أنا أتزوجها. أليس لها أثداء؟
الكهل: بلى. أثداء صغيرة كزهرة البيلسان، ولكنها سقطتْ منذ أمدٍ بعيد. كلُّ غاباتِ العالم ترضع منها.
العازب: ألا تتهيَّج؟
الكهل: طبعاً، طبعاً تتهيج.
القزم: يا إلهي. يتكلم كأنه زوجها، كأنه يجري معها في صحراء واحدة.
الكهل: قلتُ تتهيج. ما من شيء في العالم إلا ويتهيج.
حتى الشعوب أو الملاعق، يمكن أن تتهيج.
العازب: فعلاً إن أصابعي الآن في حالةِ سحاق .
صانع الأحذية: سأطمرها بالتراب ذات يوم.
الكهل: ستبكي أنهارٌ كثيرةٌ في العالم.
صانع الأحذية: لا أنهار في العالم.
القزم: (غاضباً وواقفاً على قدميه) لا أنهار في العالم! طبعاً ستقول ذلك طالما لم ترَ في حياتك كلها سوى المياه القذرة في الدلاء. هل تعتقد أن ما يجري في أنابيبكم ودوارقِ مستشفياتكم هو ماء؟ أبداً. إنه حثالة، بل قمامة الينابيع في العالم. (يبصق) لقد شربتُ ذات يوم من صنبور، كأنني شربت من وريدٍ مقطوع.
الحارس: (يدخل فجأة ويصرخ) من يشتمُ الدولة؟
القزم: لا أحد. إننا نتحدث عن الينابيع.
(الحارس يخرج ويترك الباب مفتوحاً وهو يلوح بسوطه. تصفر على أثر ذلك ريح حزينة تحرك أسمال الأشباح ولحاهم المترامية على الركب والصدور الممزقة).
الكهل: (يتنهد ) إن لها رائحة الغابات.
صانع الأحذية: بل رائحة الشمس والضحايا.
العازب: بل رائحة الجزر والنهود التي تقطر ماء في الشباك.
القزم: يا إلهي ما هي؟
الكهل: الريح.
القزم: لتذهبْ إلى الجحيم أنت وريحك هذه. إنها تلسعُني كالسوط!
الكهل: وماله السوط؟ إنني أحبُّه كإبني.
القزم: (غاضباً وواقفاً مرة أخرى على قدميه) لقد عاد إلى تخريفه، عاد مطهماً حتى الأذنين بورود الدَّجلِ وغار الأباطيل. والله وحده يعلمُ ماذا يعني وماذا يقول.
الكهل: أقول أحبُّه كإبني.
مجهول: شيء غريب.
الكهل: وما الغريب في الأمر؟ بعضهم يحبُّ النجوم، وبعضهم يحبُّ الخوخ، وأنا أحبُّ السياط.
القزم: إنه يكذب . إنه يكذب. عندما أتوا به إلى هنا للمرة الأولى مغسولاً كشجرة بالدم، باكياً حزيناً ولسانه منيثقٌ من فمِهِ كاللفافة، بماذا كان يفكر ؟ بماذا؟
الجميع: بالدمار.
الكهل: بل بالسُّحُبِ الرائعة والأطفال الموتى بين الزهور.
القزم: إنك تكذب.
صانع الأحذية: ربما كان صحيحاً . أنا رأيتُ سحابةً ذات يوم.
القزم: ربما كانت سحابة غبار. في مدينة قذر يرشّونها بالماء، كالخبز، صباح مساء. ولربما كان يفكر هو أيضاً بالسُّحُبِ الرائعة. لأن السحبَ فعلاً رائعةٌ في القرى. ولكن ليس هنا، ليس في هذا القنّ البشري، في هذا المسلخ المحاصر بالدم والرياح عندما ضربوني للمرة الأولى، أحسَسْتُ بالنار تقدح من عيني، أحسَسْتُ بغيومٍ من نار تقف مستقيمة على أرجلها الخلفية، وتقرع نوافذي كالمطر، وأطفالي عراة، عراةٌ بين الوحول لا بين الأزهار ـ أتسمعون، والبخار يتصاعدُ من أنوفهم كما يتصاعدُ من كلاب الزحافات.
الحارس: (يدخل فجأة ويصرخ مرة أخرى) من يشتمُ الدولة؟
صانع الأحذية: لا أحد.
القزم: وماذا في الأمر؟ هو يتحدَّثُ عن الأزهار وأنا أتحدث عن الكلاب، أو بالأحرى عن الأزهار والكلاب.
الكهل: وعن لهاث الأطفال.
القزم: نعم وعن لهاث الأطفال. هل يعنيك هذا الأمر؟
الحارس: نعم يعنيني.
القزم: (ساخراً) حسناً. لقد جرَّدتموني من قداحتي ولفائفي ، ولكن لا عليكم تجريدي من أطفالي. (صارخاً) لأنهم هنا، تحت الضلوع، تحت الضلوع أيها الحارسُ العظيم. لا يمكنكم ذلك، لا يمكنكم أبداً!
الحارس: بل يمكننا
القزم: يمكنكم. يمكنكم. ثم العنة عليك. خذهم إنهم ليسوا أكثر من قطعٍ ل معنى لها من اللحم.
الكهل: إن قلبك من حجر.
القزم: ولماذا لا يكون من صوان أيضاً، طالما لسانُهُ ازميلٌ وسيف؟
العازب: سيفٌ ولحم. فكرة رائعة!
الحارس: ماهي؟
العازب: الفكرة. السيف واللحم أيها السيِّدُ العظيم. تصوَّر سهلاً لا حدود له من الأطفال الموتى والمشوهين، وأطواقهم الزرقاء والحمراء تقطرُ دماً على التراب.
الحارس: دماً أحمرَ على التراب.
العازب: أو، باختصار، تصوروا كل أطفال الشرق مقطعي الأوصال والأنوف والأصابع، معبئين في صناديق.
الحارس: أو في سفنٍ صغيرة.
العازب: ترفرف عليها أعلامٌ صغيرة.
الحارس: والدمُ يقطرُ على الأمواج.
العازب: ثم تحملهم عاصفةٌ هوجاء إلى كل أمهاتِ العالم.
الحارس: والدمُ يقطر على الغابات.
العازب: دمٌ أحمرُ على الغابات.
القزم: (بانفعال شديد) ما رأيك أيها الحارس العظيم؟ بل ما رأي أسنانك الجاحظة أيها الحملُ الرضيعُ بحشائش من أهدابِ الأطفال؟ بل بوسادةٍ من أصابعهم وعيونهم وشاماتِ أنوفهم؟
الحارس: فكرة رائعة. سأنام كأهلِ الكهف.
القزم: إنني أراهن على أنه لا تجري في دمك كرةٌ واحدة بيضاء.
الحارس: (يصفع القزم بالسوط على وجهه ويصرخ) اسمعوا من يتكلم! الرجل الذي ضاجع عنزة بائسة في أدق فترة من فترات النضال يتكلم الآن عن الشفقةِ والرحمة. ثم ألا تسمعون معي جَدْياً بائساً يبكي وراء الأسوار؟
القزم: (يحك خده الملتهب) آه إنني قادرٌ على أكله بحذائه.
الكهل: أيها الإخوان، أيها الاخوان، دعونا من الدم والماعز والخدود الملتهبة. ولنتصورْ نوافير من الأطفالِ، تتدفَّقُ في أدغالٍ من الزّهر والأطفال، حيث الحلماتُ الصغيرة تتدلّى أمامهم كأقراط الموز.
الحارس: هراء. فكرة تستحقُّ الجلد حتى الموت. شجر وأطفال . يا للمهزلة.
الكهل: (متابعاً حديثه) تصوَّروا فقط، ورداً وأطفالاً وحلمات.
مجهول: تحت مطرٍ حزين.
العازب: أو مطرٍ من السيوف.
صانع الأحذية: يقطعُ جميع الألسنة وفي مقدمتها لسانك.
مجهول: ولساني أنا أيضاً.
صانع الأحذية: آه، كم هي أقدام الأطفال صغيرةٌ وبائسة، إنها داماً مجمَّدة كأوراق الخريف.
القزم: بدأ يتحدثُ كشاعر.
صانع الأحذية: بل كحذَاء. لقد لمست من السيقان الرفيعة والأقدام المجلدة في الزمهرير، أكثر مما لمستم جميعكم من سنابل.
العازب: أقدام ناعمة وملساء؟
صانع الأحذية: كالماء تماماً.
الكهل: (ينهض فجأة على ركبتيه) آه، لقد ذكرتموني بالماء. شيءٌ رائع أن يتذكر الإنسان شيئاً نافعاً، شيئاً صامتاً ومهذباً في هذا العصر اللعين. إنني ظمآن لدرجةِ الموت. (يشرب من المغسلة ويقف متنهداً أمام النافذة).
صانع الأحذية: إنه يصلي.
مجهول: أو يبكي.
الكهل: (يهتف بغبطة) إنه قادمٌ . قادمٌ كالريح.
القزم: من هو؟ الحارس؟ إنه لم يختفِ بعد؟
الكهل: لا، طائر الخريف.
صانع الأحذية: ولكننا في الصيف، أيها المسيحُ الحافي القدمين.
الكهل: أعرفُ ذلك، ولكن هذا الطائر في مهمة.
مجهول: سياسية؟
الكهل: لا لا. إنه يحمل بين قوادمه رسالة . رسالة مكتوبة بالمطر إلى كل حقول العالم، ينبئها بأن الخريف قادم.
القزم: ولكنني لا أرى شيئاً. هل جننت؟
الكهل: بلى. إنه هناك.
مجهول: هذا ليس طائراً. إنها نقطة صفراء بعيدة.
العازب: قد تكون فراشة.
الكهل: أو دمعة مكسوّة بالريش.
صانع الأحذية: ولكنها تطير. والدموعُ لا تطير.
الكهل: بلى. إنها تطير، بل تتفجَّرُ وتطيرُ إذا كانت الأهدابُ طويلةً وغاضبة.
مجهول: (بثقة) هذا الشيء ليس دمعةً أو فراشة. إنها رصاصة.
القزم: هل أنت واثقٌ من ذلك؟
مجهول: كثقتي بأننا أشدّ شقاء من الحيوانات الفقرية.
القزم: (مندفعاً بلهفة نحو النافذة) إذاً هي لي. لي أنا.
مجهول: بل لجبيني أنا.
صانع الأحذية: بل لجبيني أنا.
(يندفع الجميع نحو النافذة ويتسلقون قضبانها بشكل وحشي، وكل منهم يريد أن يبرز جبينه من بين القضبان قبل الآخر).
الكهل: لقد أفزعتموه أيها الوحوش. لقد ذهب طائري الجميل وولّى. وداعاً يا طائري الجميل، وداعاً.
القزم: يا إلهي، إنها حقاً لزريبة مجانين. لقد سخر منا ذلك الكهل اللعين وانتهى الأمر. إنه طائر ما. ذهب وولى.
الكهل: ويحك. أتقول عن ذلك الطائر الجميل، ذي الجناحين الصغيرين، والمنقارِ الحاملِ كلّ همومِ العالم: طار ما؟
القزم: (صارخاً) بل نصف طائرٍ ما! إنه ليس أكثر من كتلةٍ بذيئه من اللحم والريش، عبرتْ حزينةً أو ضاحكة وانتهى الأمر، فهل تريدُ أن تهشّم رأسي بحجر من أجلها؟ أنا إنسان. انظر إلى بطاقتي الشخصية، وإذا كنت لا تصدّق فإنني أؤكد لك بأن الكثيرين شاهدوني أهبط من الحافلة وأسير في الشارع ذات يوم، ولم يقولوا عني حتى: إنسان ما. لقد ضربوني على الكتفين وشدّوا شاربيّ كالعشب، ولم يقولوا عني حتى : إنسان ما. ثم تريد بعد ذلك أن تشركني في مناحةٍ من أجل طائر حقير مرَّ أمام عشرة رجالٍ محطمين ومنبوذين في أقصى الصحاري شناعةً وذعراً ولا أحد لهم في العالم كله، دون أ يلتفتَ إليهم، أو يقول لهم حتى ولو مرحباً أيتها الطيور البرية، أيها الرفاق القدامى؟
الكهل: بلى بلى. لقد حيّانا بطرف ذيله كأي طائر محترم، وهذا أكثر ما يستطيع أن يفعله طائرٌ صغيرٌ في هذا العصر. ثم ألم تلحظْ كم كان مقهوراً وبائساً وهزيلاً؟
العازب: لقد كان هزيلاً وشاحباً بالفعل، وكأنه يمارسُ عادةً سريةً بين الغيوم. اصغوا إليّ أيها الاخوان، اصغوا إليّ. ما من أحدٍ منا، بل ما من أحد في العالم، يستطيع أن يعرف بماذا كان يفكر هذا الطائر آنذاك. قد تعرف بماذا يفكر الملك أو الصعلوك. العالمُ المكبُّ تحت الأضواء، والقادة الكبُّ,ن تحت السيوف المشهورة. ولكن لا يمكنك أبداً أن تدرك لماذا يحطُّ هذا العصفور هنا ولا يحطُّ هناك. لماذا يمرحُ ويغرِّدُ في هذه الغابة وينوح وينشج في غابة أخرى. ثم أنت أيها القزم، أو أي واحد منا، إذا ما كُسِرَتْ أصبعُهُ أو ذراعُهُ في حربٍ أو شجار، سيسارع فوراً إلى تركيب ساق خشبية أو اصبعٍ معدنية بدلاً عنها، أما ذلك الطائر المسكين فإذا ما نزعتَ منه ريشةً واحدةً فقط، فإنه سيترنح ويهوي مفتوحَ الجناحين إلى الأبد.
القزم: ليهوِ إلى الجحيم.
الكهل: إنك جلاد.
القزم: جلاد أو قسيس، إنني لا شيء ، رجل عادي، لا شيء يهمُني أكثر مما يجب، بل لا شيء يهمني على الاطلاق. لا الزنبقة الجميلة ولا الرأس المشطور إلى قسمين. وبعد الافراج عني، سأحيا حياتي كما هي تماماً، أفرح في الأعراس وأبكي في المآتم. متناولاً طعامي مع عائلتي، ومستلقياً بعد ذلك فوق زوجتي أو فراشي كالقتيل. إن اصبعاً واحدةً لا يمكنها أيها الكهل الأحمق أن توقف اصبعين، في هذا الحشد الهائل من الرصاص. وعليها أن تنحني أو تقصف، أو تتوارى في قفازٍ ما.
الكهل: وكلن الزناد لا يطلقه الزناد.
القزم: لا يهمني هذا أيضاً. وإنما الذي يهمني هو اصبعي شخصياً، ولن أستعملها إلا لنكْشِ أنفي.
الكهل: استعملْها في نكشِ قبرك إذا شئت. إنك تتكلم كشخصٍ عادي، عادي جداً، يسير في الشارع على قدميه لا على رأسه ولا يلفتُ النظر على الاطلاق. ولكن يجبُ أن تعلم أن هناك أشخاصاً يسيرون في الشارع أيضاً على أقدامهم لا على رؤوسهم، ولكنهم يبدون لك وكأنهم الوحيدون في العالم الذين يفعلون ذلك. بالطبع إن إصبعاً واحدةً لا يمكنها إيقاف ذبابة، إذا كان ما يجري في عروقها دمُ ذباب لا دمُ نسور. أعطني خمسَ أصابع مطبقةً بإحكام على شيء ما بإيمان لأغير لك وجه الأرض كما تغيِّر قميصك القذر هذا.
القزم: إنك لمجنون حتماً.
الكهل: بل أنت المجنون البائس والغبيّ، لدرجة تجعل حتى الكلاب السوقية تشيح بناظريها عنك، حتى ولو كنت في أبهى حللك. (صارخاً) كم هو عددُ الأصابع التي غيَّرَتْ وجه الأرض منذ دورانها للآن كما تعتقد؟ إنني أؤكد لك لو قطعتها ووضعتها جميعاً في هذا الطشت لما ملأت نصفه. هل تعتقد أنه كان لبونابرت ستّ أصابع في يمناه ولاتيلا أو هتلر خمسون في يسراه؟ أبداً. لقد كانت أيادي عادية جداً، استعملت في نَكْشِ الأنف والشجار ورَبْطِ سيور الأحذية، استُعْمِلَتْ أيضاً في قَذْف اللفائفِ عند المنعطفات وقذف الأزهار للغواني.
مجهول: وقذفِ القنابل على الشعوب.
الكهل: استعملت في أشياء كثيرة لو أحصيت لك واحداً بالمائة منها لأصبح شعرك بلون الكِلْس.
القزم: لا يهمني إن أصبح شعري بلون الكلس أو بلون الاسمنت، طالما هو شعري وملتصقٌ كعادته برأسي. ثم لا يعنيني أبداً ما قلته وما ستقوله. وهؤلاء الأشخاص لو لم تحطْهم بتلك الهالة العجيبة من الاكبار والتملّقِ لما ظننتهم أكثرَ من بائعي جَزَرٍ في مدنهم. ومع ذلك سأعتبر نفسي وكأن بي هوساً في هذه الشؤون وأسألك ماذا فعل بونابرت هذا؟
الطالب: حرق موسكو.
الكهل: ولكن كل رمادها لم يكن كافياً لطمرِ ما تبقى من جيشه وطبوله وجرحاه.
الطالب: لقد ترك أعلامه على أنقاضِ الكنائسِ والتماثيل.
الكهل: وترك دمه وصبانه على الثلوج.
مجهول: ولكنه أحرقها.
القزم: ليذهبْ إلى جهنم. وهتلر هذا ماذا فعل أيضاً، هيا تضاربا بالصحون والطناجر من أجله.
الكهل: لقد هزّ العالم كالغصن.
الطالب: وهزته خليلته كالطفل، وهو راقدٌ في حجرها ينتحب. عظام وشوارب يغطيها الغبار في قاع الرايخ. (صارخاً) في قاع الرايخ. ألا تفهمون ماذا تعني هذه الكلمات؟ هناك حيث تُخْزَنُ المؤن، وتتناكحُ الخادمات بين السلاطة الملطخة بالدم والخرائط المقضومة كالأظافر.
الكهل: هذا ليس مهماً. فالنتائج إما حسنة وإما سيئة. ولكن المهم أنهم قالوا شيئاً وفعلوا شيئاً.
مجهول: ولكنهم ماتوا
الكهل: وما الغرابةُ في الأمر؟ إن الله نفسه يموتُ في بعض الأحيان.
القزم: لا. لا أريد أبداً أ، ينحرف الحديث إلى هذا المنزلق الخطير ، حيث الوقوفُ على رأي أو نتيجةٍ كالوقوف على رأس خنجر. إن الله موجود طالما لم أسِرْ في جنازته للآن. ولذلك أعود لأؤكد، لك وللجميع، بأنني لن أستعمل اصبعي إلا لنكش أنفي، طالما أن الملايين لا يفعلون شيئاً خلاف ذلك. هيا بلِّغْ طائرك الجميل ذلك قبل أن يعود مكشراً كالذئب ليغرس مخالبه في اللحمة الحية لهذه الصخور (مشيراً إلى رفاقه). ثم إنني أكاد أفقد عقلي. إنك تجرُّنا بقدرة قادر من عالم الطيور والأزهار إلى عالم الصراخ والدم، ومن عالم الصراخ والدم إلى عالم الفتيات والغواني، ومن أجل ماذا؟ من أجل طائر ما. ليذهبْ طائركُ إلى الجحيم. هل نأكل فطائرَ من الريش في أيام المجاعات الكاسحة؟ هل نسمع زقزقةً وتغريداً أيام الخراب والهزائم؟ هيا أطلق رصاصة على غصن ما في حديقة ما، لتجد طيورك الأليفة وقد كشَّرتْ كالذئاب، تضرب عيون بعضها بالمناقير مختبئة وهي تنزف في المجاري وسراويل المارة.
الكهل: اسمع. إذا كنت تعتقد أن صراخك هذا يجعل منك رجلاً ما، فأنت مخطئ. إنك تشبه في هذه الناحية امرأةً شمطاء تحاولُ استعارة أنوثتها بنضج ثدييها، حيث أقل مداعبة ستكشفها على حقيقتها وترغمها على النحيب والعويل في فراشها حتى تلفظ أنفاسها. اسمع. عندما اندلعتْ الحرب ماذا كنت تفعل؟ بل ماذا فعلتم جميعكم؟
القزم: ضحكتْ.
مجهول: بكيت.
صانع الأحذية: اختبأت في المطبخ والمخرزُ بيدي ولم أخرج حتى بدأت محاكمات نورمبيرغ.
الكهل: حسناً. أما الطيورُ فعلى الأقل كانت تصرخ وتتوسل على ذرى أغصانها، لا في الأقبية والمطابخ حيث تختبئُ القطط والأطفال.
القزم: حسناً. لقد كانت تصرخ وتتوسلُ من الفزع على كل حال.
الكهل: طبعاً من الفزع، طالما أ، الفزعَ أصبح شياً مألوفاً كالزكام. ولكن البطولة أنها أعلنت موقفها لا زقزقةً وتغريداً بل صراخاً وعويلاً، لا في المجاري وسراويل المارة على ذرى الأغصان، أغصانها ذاتها. ولذلك يجب أن نحترمَها، يجب أن نحترمها حتى عندما تهاجرُ تاركةً صغارها بين الأقدام وسلاسلِ الدبابات. إن المرءَ ينسى كل شيء في تلك اللحظات.
مجهول: إنه رجلٌ خطر ويمهِّدُ للنسيان.
القزم: هذا هو بالضبط ما يدور في رأسي كالمرحة، أو بالأحرى هذا ما أريدُ الوصول إليه أيها الكهل المجهول. إنك تمهِّدُ للنسيان، ببساطة وبراعة، كما تمهد ببضع كلمات ملفقةٍ لاغراء قرويةٍ تحمل جرَّتها.
الكهل: أنتم مخطئون. إنني لن أنسى ما حييت شيئاً عزيزاً عليّ ولو قتلت نفسي.
القزم: إنك بحاجة إلى الحرية لتنقُضَ كل شيء
غداً عندما تهرول في الساحة الرمادية
هابطاً الدرجَ دون غبارٍ خلف القدمين
لأن الغبار راقدٌ في الأطعمة والجراح ـ
ممتلئاً كالعشّ بزرق النجومِ ودمعِ الرفاق القدامى
رافعاً يديك لجلاديك
مستميحاً الأعذار
مفتّشاً عنها على ضوءِ اللفائف والمصابيح
كي تقبل السوطَ الفاني وتلحسَهُ بشاربيك كالهرّ
مع أنك واثقٌ تمام الثقة
بأنه مرتوٍ حتى آخر ذرةٍ فيه
بدمك ودمِ الرفاق القدامى
ستنسانا حينذاك كحلم
ستنسى الساقيةَ والرياح
الملاعق الصدئة والأغطية الممزوجة خيطاً خيطاً
بدمِ القروح وماءِ الأشرعة.
العازب: رائع أيها القزم.
القزم: (متابعاً كلامه) أنا مثلاً متَّهَمٌ بمضاجعةِ عنزة، أما أنت فلا نعرف أبداً لماذا اعتقلوك. قد تكون قاتلاً أو شحروراً، ولكننا لن نقبل أبداً بأن تكون الجوهرة الوحيدة في هذا المستنقع. إن لهفتك على الساقية، ودفاعك عن القاتل، عن طائرِ الخريف، واستبسالك الوحشي والمتقلّب في حرائق موسكو ودمار الرايخ في الوقت نفسه، يجعلك شخصاً غير عادي، وجودُك بيننا كوجودِ ذكر واحد في حَمَّامٍ يعجُّ بالنساء.
العازب: سأضاجع ملعقةً هذه الليلة.
الكهل: (موجهاً كلامه للقزم) إنك جاهلٌ وأميّ حتى في حقدك.
القزم: (غاضباً) هيّا. اعطنا مراويل للدراسة وعلمنا أصول الحقد. إنك رجلٌ مقنّع، رجل ما، يبكي ويضحك في آن واحد، بل يصمتُ ويصرخُ في آن واحد.
مجهول: شيء غريب فعلاً.
الكهل: (موجهاً كلامه للقزم) لا تغضبْ يا صديقي، لا تغضب. إنني أقدر ظروفك كرجل متهم بمضاجعة عنزة. ولكن ثقْ أيها الصديق الحبيب، بل ثقوا جميعاً أيها الأصدقاء البائسون، إنني كما أنا، كما أبدو تماماً، وأعماقي واضحة كالنجوم في الليل.
القزم: بل كجثةٍ في النهر.
الكهل: تماماً، وأصر على كلمة تماماً لأنها على الأقل تنقذني من هذا الإصغاء الفاجع لذَكَرَي~نِ من الحيوان يتصارعان دون شفقةٍ تحت المطر من أجل وَكْرٍ مسدود. والدليلُ على ذلك، ماذا تشتهون الآن في هذه اللحظة بالذات؟ ماذا؟
القزم: أن أموت.
الطالب: العنب.
صانع الأحذية: أن أصنع خفاً من المطر لكل الحقولِ الحافية في العالم.
مجهول: أن أصمت بوضوحٍ أشدّ.
العازب: أن أكتب رسالة غرامٍ إلى دجاجة.
الكهل: حسناً . والآن، وقد عرفت ماذا تريدون، وأرى أعماقكم بوضوح كما يرى القرصان جثة وطنه تحت المياه، أقسم لكم جميعاً، بالموت والعنب والحقول الصفراء، إنني لا أشتهي في هذه اللحظة بالذات سوى أن أقبّل كل ما في العالم من تعساء ومشوَّهين ومقهورين، ولأمتْ بعد ذلك فوراً، وقبل أن يجفَّ لعابي عن قروحهم وشواربهم. (يبكي).
القزم: يا إلهي. إنه يبكي. يبكي كطفلٍ ضُرِبَ على مؤخرته. (يعانقه).
صانع الأحذية: ليمسحْ أحدكم دموعه، فأصابعي ناقصة. بل غير موجودة إطلاقاً منذ التحقيقِ الخير.
الكهل: لا. لا . دعوها تسيل
دعوها تدخل في الجلد ومسام الجلد
كي لا أنسى الملاعق الصدئة وطيور الخريف
كي لا أنسى المناديلَ المعقودة والمحلولة مئات المرات
عن الندوب والجراح
لتمسح دمعة رجل مجهول
رجل بائس مجهول
يرفع اصبعه كخنجر، بل كسنبلةٍ أمام هذا الصحن القذر
ليؤكد لكم بأنه سيزرع بين أسنانكم
يوماً بعد يوم، وساعةً بعد ساعة
صراخاً مجهولاً
صراخاً وحشياً ، لا رحمةَ فيه ولا شفقة
سيوقظُ العالم أجمع
بدءاً من هذه المغسلة وانتهاء بتلك العتبة.
(يبكي بصوت مسموع)
القزم: (يعانقه مرة أخرى ويربت على لحيته وشعره بحنان بالغ) سيدي، سيدي، أيها الخريف المجهول، يا من طعنّاك في القلب وفي الأحشاء، سامحْنا. سامحنا وإلا طعنتنا في القلب وفي الأحشاء. إننا ننكرُ شكوكنا وهواجسنا منك ومن عينيك المليئتين بالدمع والأسنان، ولكن انتهى كل شيء الآن. منذ لحظاتٍ فقط لم أكن غاضباً منك فحسب، بل كنت أرقص غضباً وزفيرُ أنفي يسلقُ بيضتين، أما الآن فقد انتهى كل شيء، أما الآن وأنا أرى هذه الدموع، وهذه الشَّفَةَ المقصوفةَ كالغصن تحت ثقل الدموع، فلا أستطيع ، لا أستطيع يا سيدي إلا أ، أنحني أمامك وأطرح عليك صداقتي كالرداء. سألوِّحُ لأجلك لكل طائرٍ أو فراشة، وسأطلق الرصاص على أيةِ ريحٍ أو صيف يهدِّدُ ساقيتك بالرعب والجفاف.
الكهل: (يمسح دموعه بيد مرتجفة) ليذهبْ ما قلناه في الريح، ولنعتبرْه عتاباً خاطفاً على ظهر سفينة تهم بالإقلاع، ولنكرسْ جهودنا وأشواقنا منذ الآن وإلى الأبد من أجل الأشياء الحنونةِ والبائسة، من أجل العشب والعصافير.
الحارس: (يدخل فجأة ويصرخ مرة أخرى) من يشتم الدولة؟
مجهول: لا أحد.
القزم: لا شيء. نتشاجرُ من أجل العشب.
مجهول: من أجل سنونو.
القزم: (منفعلاً وبائساً) سنونو أو عشب، وما الضيرُ في ذلك؟ لقد كفانا شجاراً من أجل الملاعق والمراحيض.
الكهل: نعم يا سيدي، إننا نتشاجر من أجل أشياء أكثر رقّةً وإنسانية.
الحارس: لا أريد أن يُذْكَرَ اسمي أو اسم الدولة مع العشب والسنونو.
الكهل: تأكد من ذلك.

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:48 AM
يخيّم الظلام على القفص، ويرقد الجميع تحت أغطيتهم متراكمين كالحشرات، ولا يبقى مستيقظاً سوى صانع الأحذية والطالب المجهول، وقد انتابهما أرق قاتل. يسمع في الخارج صوت الساقية الحزين، وأصوات أخرى بعيدة وفاجعة لا تكاد تسمع عبر الصحارى المترامية الأطراف)
صانع الأحذية: هل تعرفُ ماذا بقي في ذاكرتي اللعينة من كل ذلك الهراء اللعين عن الثلوج وبونابرت وحرائقِ موسكو؟ بقي لماذا اشتهيتَ العنبَ في تلك اللحظة؟ معظمهم اشتهى الحبسَ والموت والبكاء، وانت اشتهيتَ العنب. فماذا تقصدُ ، أرجوك؟
الطالب: أقصد العنب فعلاً.
صانع الأحذية: العنب الذي يغفّ عليه الذبابُ في السحاحير؟
الطالب: نعم.
صانع الأحذية: من المستحيل ، لا بدَّ وأن تعني شيئاً ما.
الطالب: إنني لا أعني شيئاً بالفعل.
صانع الأحذية: مستحيل. ألست مثقفاً؟ إذاً لا بدَّ أن تكون قد عنيتَ شيئاً ما، رائعاً أو منحطّاً لا أعرف، ولكنه شيئٌ ما. لا أنت فحسب، بل كل أولئك الناعمين الودودين الذي يحملون أكفانهم بيد وأمشاطهم باليدِ الأخرى. صحيح أنني لست مثقفاً ولكنني أدرك الأمور بطريقة ما. أتلمسُها بيدي كالدّب.
الطالب: قلت لك أنني أقصد العنب ولا أقصد شيئاً آخر.
صانع الأحذية: لأنه فألُ المطر.
صانع الأحذية: وما علاقتك بالمطر؟ هل أنت شجرة؟
الطالب: لا أعرف بالضبط ماذا أكن، لأن الإنسان في مثل هذه الأمكنة يطرح هويته على حافة العالم كما تطرحُ المستحمَّةُ سروالها على حافة السرير. وأنتم تتحدثون ، بل وأنتم غارقون حتى آذانكم في عالم يسوده البارود والحقد والاصفرار. لمحتُ ورقةً خضراء من النافذة. أنت تعرفَ أن هناك عريشةً ما خلفَ هذه الجدران. شعرت أنها تومئ إليّ، تصافحني، تددغُ قلبي كأمي. كدتُ أطير لأعضَّها بأسناني. شيء أخضر، ألا يهمك؟ شيء صغير أخضر في هذه البراري المنسيّة. هل تعرف ماذا يعني؟
صانع الأحذية: لا ورب الكعبة.
الطالب: إنه فأل المطر. ونحن جافون كالخشب. هيا اقرعْ باصبعك على صدري ويرنّ كالأجراس. حتى شعر معصمي يابسٌ كالهشيم.
صانع الأحذية: (يداعب معصمه) هراء!
الطالب: لا، ليس هراء أيها الحذّاء البسيط: ولقد كتبتُ ذلك لأحد أصدقائي في المنفى، مع أن السماءَ كانت تمطرُ عندما قلت له: أن شعرَ معصمي يابسٌ كالهشيم، فأرسل لي سحابةً من الأسنان المهاجرة. أو هل حدث ذات يوم أن قضمت قطرة مطر؟ إنها تماماً كحبة العنب، تتحطَّمُ بذورها بين أضراسك كبذور العنب؟
صانع الأحذية: أولاً أنك تمزح، ثانياً إن العنب ينضجُ في الصيف لا في فصل لعين آخر.
الطالب: لا، إنني لا أمزح. (ينشج ببكاء خافت) والمطرُ يهطلُ في أي زمان ومكان عندما تكون الأرض جديرة به. إنه يمامةٌ مهاجرة، بل طعنةٌ رائعة الجناحين، تحط على التيجان وحلقات الدروع، لا على الأحذية والكواحل. في بدء التاريخ يا صاحبي يقالُ أن عوراتِ العذارى الصغيرات كانت تغطى بأوراق العنب، وحلماتهن الصغيرة تُجففُ كالزبيب على سطوح المنازل وفي مقصوراتِ السفن، وقد ظلت مئات السنين تهتزُّ يميناً وشمالاً أمام الريح، أما أفواه الأسرى والخراف المسلوبة من أقاصي الدنيا. لقد قضيتُ طفولتي بين الينابيع، بل في أعماق الينابيع، ودفاتري منثورة على جانبيّ كالحراشف. ومن بعيد يلوحُ لك بيتك ملتهباً بنار الخريف، تلك الخضرة الوحشية والزائلة كقشور الجرح. العصافير تغرد على ميازيب التنك، وثياب اخوتك وأمك وجدتك تخفقُ على السطوح.
صانع الأحذية: قبل أن يعتقلوني ببضعة أيام اشتريت غسالة. غسالة كهربائية. ولكنهم حطموها، بل مزَّقوها كاللحم. (ترتجف ذقنه) إنني أتذكرها بألم ممضّ، بل كلما تذكرتها، شعرت بأنني ضُرِبْتُ بفأسٍ قاطعةٍ على عظم ساقي.
الطالب: لا شيء أروعُ من أن ترى بيتك من بعيد، وكأنك تستطيعُ حمله بكل سطوحه وطيوره وأشجاره بسلَّةٍ من الخيزران، وأنت قادمٌ إليه من بعيد وسطَ الموتِ والغبار.
صانع الأحذية: آه. لقد كسا الثلجُ الناعمُ شفيك
واستأصل البرد القارسُ جذور الخوخ والعرعار
وقام الملايين في الساحات المعتمة
يحكّون عوراتهم بالمزاليج والصحفِ الملفوفةِ كالأبواق.
قد يلوحُ لك بيتك من بعيد
ملتهباً بنارِ الخريف أو بنارِ الإشراق
ولكن في شتاء المدينة وصيف الأرياف
حيث لا شيء غير الظهور المحنية
لكشْطِ الوحلِ ودفن الموتى
حيث السراويلُ الدبقةُ تُطوى مع ورق الريحان
لا أستطيع أن أفتلَ شاربي وأقول
"الرعب والجنس باطلٌ وقبضُ الريح".
للرجل حوضٌ كحوض المرأة
لا يبحثُ عن الزهرة الجميلة
وطائرُ الخريف عند الغروب
بل عن مكان يتبوَّل فيه
مغموراً حتى شفته السفلى
بخضرواته وأباريقه وأحذيةِ نسائه
وهو يرشحُ عرقاً كالفخار
صاعداً مرتفعاتٍ لا حصر لها
متأبطاً كتباً وقصاصات لا عدد لها
عن الغرغرة والزكام
والمضاجعة عند الغروب
قبل أن تقامَ المائدة وتغسل أقدام الأطفال
حيث المرأة تعبة
وفخذاها ترتعشان بين الملاعق وفتات الخبز.
الطالب: لقد هيَّجْتني فعلاً. لماذا اعتقلوك أنت؟
صانع الأحذية: لا أعلم.
الطالب: كيف لا تعلم؟ أليس لك ذاكرة؟
صانع الأحذية: طبعاً، ولكنني لا أعلم. لا أعلم. وليضربْني الله بمطرقة على رأسي إن كنت أعلم. كل ما هنالك أنني أعمل كحذّاء ، حذّاء بسيط مجهول، أفتح حانوتي كالغابة في كل الفصول، صغيراً دافئاً يكاد الهواء يخفق فيه كالقلب. ثم جاء فتيانٌ ما، بعمرِ أولادي ، وعلّقوا صوراً ما لأبطالٍ ما. فلم أمانع ثم جاء فتيانٌ آخرون وعلّقوا صوراً ما. فلم أمانع، بل كنت مستعداً لتعليق سراويلهم، طالما أن ذلك لا يؤذيني، وفي الوقت نفسه يخفي الشقوق الواسعة في باب حانوتي. وبعد ساعة، أو ملايين الساعات، وجدت نفسي غارقاً بالدم ـ والصراخ: وقِّعْ هنا، لا هناك، لا هنا. وأنا أصرخ وأبكي وأتوسل. حتى توقيعي في تلك اللحظة كان أشبه بفم صغير يبكي. وبعد ساعة، أو ملايين الساعات، وجدتُ نفسي غارقاً حتى أذني في هذه الأحاديث السخيفة عن البطولة والعنب، وبقية السخافات الأخرى التي تعرفها.
الطالب: وهل كنت تصرخ أثناء التحقيق؟
صانع الأحذية: يا إلهي، وهل كنت أغني؟
الطالب: عظيم.
صانع الأحذية: من هو العظيم؟
الطالب: الصراخ.
صانع الأحذية: هل تحب الصراخ؟
الطالب: إني أعبده.
صانع الأحذية: ولا تعبد شيئاً آخر؟
الطالب: ولا أعبد شيئاً آخر.
صانع الأحذية: إذاً أنت وطني، من حملة الأكفان والأمشاط؟
الطالب: سمني ما شئت، ولكنك ستسمعُ قصتي ولو اضطررت إلى قتلك.
صانع الأحذية: ولكن ، اسمع ...
الطالب: لا لن أسمع ولن أصغي. كنت رجلاً حزيناً أيها الرجل. لا ضجّةَ لصوتي ولا حشرجةَ لبكائي، ولا لأي شيء يتصل بي. حتى ثيابه الجديدة في الأعياد والفصول المدرسية لم يكن ينبعثُ منها أيُّ حفيفٍ أو صدى، حتى خُيِّل لي ذات يوم أن سقوطَ إبرة على الأرض يثير من الضجة والرنين أكثر مما يثيره سقوطي على غابة من الأجراس. وذاتَ يوم وأنا راقدٌ بين إخوتي، على لَهَب القنديل حزيناً مهملاً، قرَّرْتُ أن أصرخ.
صانع الأحذية: تصرخُ وأهلكُ نيام؟
الطالب: نعم وأهلي نيام.
صانع الأحذية: وكيف تمَّ ذلك؟
الطالب: ر فستُ اللحاف عن صدري وصرخت. صرخت كذئب في القفار: أنا إنسان. أنا إنسان، يا أمي يا وسادتي، ألا تسمعونني؟
صانع الأحذية: ولم يستيقظ أحد؟
الطالب: استيقظت هرةٌ ، كانت نائمة مع أختي الصغيرة. نظرتْ إليّ طويلاً بعينين نصف مغمضتين ثم تثاءبتْ وعادت إلى النوم. أما أنا فقد تابعتْ الصراخ بجنون وبدون وعي حتى أصبح وجهي بلون الدم، متخيلاً الجثث المقبورة والقبضات النازفة على الجليد، ما شاء لي التخيل ، حتى استيقظت أمي، وكانت جميلة وعيناها أشبه بطائرين أزرقين حطا لتوهما تحت الحواجب. استيقظت مذعورة ونصف عارية ـ كانت أمي جنسية جداً ـ وصفعتني بقوةٍ على فمي. ولكنها عندما وجدت أن صراخي تضاعف مئات المرات ضمتني إلى صدرها بحنان بالغ وهي تبكي وتتمتم: أيها الوحش الصغير البائس: ألا يمكنك الانتظار حتى الصباح؟ فصرخت بجنون أشد: لا، لا، منذ الآن، منذ هذه اللحظة، يجب أن تلبسي سروالك الداخلي وتبلغي العالم أجمع أنني إنسان. إنسان. وكنت أتلمس بين الفينة والفينة وجهي وقدميّ وأنفي وشعري بهَلَعٍ بالغ خوفاً من أن أفقد من جراء هذا الارتجاف العنيف أي شرط من شروط انسانيتي. ثم قبلتني على فمي المفتوح، وهشّتْ الذباب ، عن عيون اخوتي ، بإعياء قاتل كأنها بقايا عنب لا أكثر، وزحفتْ إلى فراشها متشبثة بأبي من رأسه حتى أخمص قدميه، طارحة ساقيها على ساقيه وذراعيها على ذراعيه كغطاء لم يحكم اغلاقه بعد، وراحا يرتجفان ويلهثان.
صانع الأحذية: كان يجب ألا تضربك فحسب، بل كان يجب أن تنفك عن ضربك حتى يسقط جلدك كله كورق الشجر.
الطالب: يا إلهي، لماذا؟
صانع الأحذية: لأنك تتكلم عنها كداعرة. على كل حال تكلَّمْ عنها بالطريقة التي تناسبك، فأنا على كل حال لم أشاركك الهبوط من ذلك الفرج الغامض اللعين.
الطالب: حسناً . وبعد ذلك تابعت الصراخ ورفع الأيدي بمناسبة وبدون مناسبة. صرت أتلاعب بوجهي كالعجين، أبزغُ كالوحش في كل مكان، حاملاً دمي في جيوبي، محملقاً في العناقيد اليابسة والبراري المحشوة بالضبع والقمل، مختبئاً في المقابر، مرتفعاً وسط الغبار والحشائش. اصرخ واصرخ حتى أصبح عنقي نحيلاً كالسلك. ثم جاءت الريح وانتهى كل شيء.
صانع الأحذية: ولم تستأنف الصراخ بعد ذلك؟
الطالب: طبعاً طبعاً. في التحقيق. كنت أصرخ ورأسي بين الأقدام. كان بيتي بعيداً ومحطماً ، وحبيبتي لزجة كالدم، وجديلتها مطروحة أبداً.
صانع الأحذية: على بساط البحث...
الطالب: على الخصر والكتفين ، أيها المغفل. أو قل سحابة مشنوقة فوق صحراء
صانع الأحذية: وعنقها ، أحقاً من زجاج كما يقولون؟
الطالب: بل من لحم ودم وأطواق. بل من لحم وجحيم ثم ربطوني من خصري وجروني كالقارب عبر الأرصفة.
صانع الأحذية: ولم ينقذْك أحد؟
الطالب: أبداً أيها الصديق المجهول. لقد هتفتُ والموسى بيدي. يا أمي يا وطني يا قطتي. ولكن لا صوت ولا صدى. كانت الشوارع خاليةً ومتورمة، والهراوات التي تحمل عرق الأصابع مطروحةً هنا وهناك، وفقاقيع الدم تنهمر كمطرٍ أحمر مزيف على الصدور المهشَّمة والأصابع المقلوبة إلى أعلى.
صانع الحذية: وكنت تصرخ كنسر.
الطالب: بل كقطة.
صانع الأحذية: من المستحيل . كنسر
الطالب: يا إلهي، وما علاقتك أنت بالأمر؟ كقطة أو كنسر، المهم كشيء غير إنساني.
صانع الأحذية: وحبيبتك؟
الطالب: كانت تتوغل بين البنادق، مستسلمة وممضوغة دون رحمة، ولحمها الأبيض يهوي كالأشرعة على المناضد، مكسواً حتى أظافره بشعر الشوارب وفقاقيع الأفواه. (تدخل أثناء ذلك من النافذة امرأة شبيهة بالطائر، ترفرف كحلم، بثيابها الطويلة البيضاء، وجدائلها محلولة تتطاير مع ثيابها).
صانع الأحذية: (مشيراً باصبعه) يا إلهي، إنها امرأة.
الطالب: (ملتفتاً حوله) من هي؟ أين هي؟
صانع الأحذية: امرأة . امرأة. ألا ترى؟
الطالب: (واضعاً يده على فم صانع الأحذية) لا تصرخ لا تصرخ. لن يشاركنا أحد فيها. إنها لنا نحن الاثنين البائسين.
صانع الأحذية: ولكن قد تكون حبيبة أو أماً لأحد هؤلاء.
الطالب: لتكن حبيبة أخي.
صانع الأحذية: ولكن الريح عاتية وهي تطير. انظر، إنها تطير.
الطالب: سوف ينالها التعب وتحط كالفراشة.
المرأة: لا ، لن ينالني التعب ، ولن ينالني أيٌّ منكما أيها الغريبان البائسان. ولن أحط أبداً بخُفي الحمر البديع هذا على هذا السهل الواسع من الدم والشوارب النتنة. إنني أبدل أجنحتي كالجوارب. فهناك، على شاطئ الساقية، عربةٌ ملأى بالأجنحة الجديدة تتبعني حيث أطير. عربة من العشب وجوادان من العشب وأعنَّةٌ من العشب.
الطالب: أيتها المرأة الجميلة، نامي ليلةً واحدةً بين ذراعي، وأكون لك العربة والجواد والعنان.
المرأة: لا، لا إنني على عجل، وأصابعي متشابكة كعقارب الساعات. أمامي سهول لا حصر لها. أربع قاراتٍ أخرى، سأطير إليها يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة. بكل ما فيها من رعبٍ وسياط وجليد. لا، لا تلمسْ نهدي، إنه من رماد، لا، لا تلمس شعري، إنه رُزْمَةٌ من شرايين الأطفال. الجيادُ تصهل وعيونها على وشك البكاء. سأطير إليها الآن. وداعاً. وقبلاتي لكم، لواربكم النتنة وأعينكم الرمداء. وداعاً أيها الغرباء البائسون.
الطالب: (يندفع نحوها ممسكاً بقدميها منتحباً).
المرأة: لا ، لا تلمسْ قدميّ أيها الغريب، إنهما طائران ميتان. (ثم تختفي محلقة في الهواء).
الطالب: (ممسكاً بقضبان النافذة، يصرخ باكياً) أرجوك أيتها النافذة ، أرجوك يا قضبان الحديد، دعيني أطير إليها. (يستيقظ الجميع على صوت البكاء).
مجهول: ماذا يجري هناك؟ هل انقلب هذا الوكر اللعين إلى مقبرة؟
الطالب: امرأة، امرأة، أيها التعساء.
العازب: إذاً قامت القيامة.
صانع الأحذية: نعم، امرأة. أقبلت كحلم وطارت كحلم.
العازب: طارت ونحن نغطُّ في نومنا كالكلاب؟ يا سلطان الكرى، سأخلعك عن العرش هذه الليلة.
مجهول: لمَ لم توقظونا أيها الرفاق؟
صانع الأحذية: كانت على عجل، وخفها الأحمر لم يلمسْ هذه الأرض ثانية واحدة.
العازب: ربما كان ينتظرها أربعة من السكارى على الأقل في إحدى الحانات.
الطالب: بل أربع قارات من الرعب والجليد.
العازب: هل رأيتما هديها؟
الطالب: نعم، لقد كانا كطفلين محروقين.
العازب: هل لمستما فخذيها؟
الطالب: لا. لقد كانتا ملفوفتين بما يشبه القلوع البيضاء.
صانع الأحذية: أو أعلام الحرب الممزقة.
الكهل: (مستبشراً) إياكم والتحدث في هذا الأمر لأحد. لا بد وأن تعود باكية في الشتاء. أو عارية في الصيف. حتى الطيور تتعرى من ريشها في الصيف.
الحارس: (يدخل فجأة وهو يبتسم) لهيب التعساء كالعاصفة. لتكن ثيابكم نظيفةً وجراحكم لائقةً يا رجال. ولتفركْ الأظافر والسنان المقتلعة على حافة العتبة، ولتعد إلى مكانها فوراً. لتكن آثار الكدماتِ نظيفةً ولائقةً أيضاً، كآثار القبل، فالريح جاهزةٌ وسط الصحراء ـ لتحمل الطيورَ المنفية إلى أعشاشها.
العازب: إذاً إلى أقرب منفى أيتاه الرياح.
الكهل: إذاً إلى أقرب زهرة أو ينبوع أيتها الرياح.
القزم: إذاً إلى لا مكان أيتها الرياح.

(ستار)

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:51 AM
العصفور الحدب 2

(فسحة كبيرة موحشة أمام منزل قروي متهدم. أرضها مغطاة بالغبار والقش وزرق الدجاج. نوافذ سوادء، سماء شديدة الزرقة، شجرة جرداء هادئة هدوء الموتى، أطفال نصف عراة يلعبون في التراب والقش. يجلس تحت الشجرة وفوق قطع الحجارة: الجد، الجدة، المشوه، الحبلى، عدد من الفلاحين المجهولين رجالاً ونساء. وكلهم قذرون يغطيهم القش والغبار)

الجدة: إذاً قرَّرتم الرحيل؟
الجد: لا بد من ذلك، لا بد من ذلك؛ فالأشجار لا تجلس بمقهى وتنتظر. إنها في العراء. في العراء، ألا تفهمين معنى أن تكون شجرة في العراء؟
الجدة: ولكن المندوب الزراعي قادم هذا النهار.
الجد: (غاضباً) هذا النهار؟ هذا النهار؟ ثقي يا عجوزتي البلهاء، أن هذا الطفل قد يصلُ إلى جبال الألب قبل أن يصلَ مندوبك الزراعي.
الطفل: نعم يا جدتي، قد أصلُ إلى جبال الألب وألعبُ بطابتي هناك قبل أن يصل مندوبك الزراعي.
الجدة: (بانفعال شديد) مندوبي الزراعي مندوبي الزراعي إنكما تتكلمان كأنني عشيقته. اللعنة عليه، إنني لا أنتظره أكثر مما تنتظره أية نعجة أو ساقية.
الجد: انتظري ما شاء لك الانتظار، بل انتظري حتى يورقَ عكازُكِ هذا ويزهر كغصن الزيزفون، ولكن يجب أن تعلمي سلفاً أنه ما من إنسٍ ولا جنٍّ يُقبلُ على هذه القرية اللعينة، وسيظل طريقها خاوياً إلى الأبد، لقد أطلق سراح القزم منذ سبعة شهور وهو ما زال يخمخمُ في تلك المدينة اللعينة.
المشوه: لقد رأوه نائماً في برميل ذات ليلة.
فلاح مجهول: ورآه آخرون في مظاهرة.
الحبلى: ورآه آخرون أيضاً في المبغى.
المشوه: كما رأوه يضرب السيارات الجديدة بالحجارة، ويدخل المقاهي فجأة كالقرصان ويصرخ: من يشتري حقلاً بعيداً بلفافة؟
مجهول: كان رجلاً شريفاً، ولكنه انحدر بشكل لا يحتمل. لقد حدثني سائق سيارة أنه لا يضرب السيارات بالحجارة ويشترك في المظاهرات فحسب، بل يقرع أبواب البيوت ليلاً كالمجنون، حتى إذا ما خرج أصحابها يسألونه ماذا يريد؟ ينتحب أمامهم ويقول: أريد أن أنام.
الجدة: لقد كان رجلاً شهماً وكفى، فلا تتحدثوا عنه هكذا، وقبورُ زوجته وأطفاله لم يجف طينها بعد.
الطفلة: (مشيرة باصبعها إلى أخيها) لقد وضعتُ زهرةً عليها هذا الصباح، ولكن هذا الشقي كل يوم يتبوَّلُ بجوارها.
الجدة: اللعنة عليكما، أتستكثران عليه كتلتين من التراب؟ هيا اغربا عن وجهي قبل أن أجعل من رأسيكما شيئاً يرنُّ عليه عكازي حتى يوم القيامة. جيل الشؤم، جيل الكارثة. (صارخة بزوجها) إلى أين تَنقلُ هذه الأكياس اللعينة أيها العجوز؟
الجد: لا شيء لا شيء. ستنصرف وكأننا سنرحل إلى الأبد، وفي هذه اللحظة بالذات. مع أنني واثق وثوقي بالله، بأنه إذا تحركت هذه الجبال تحركنا من هنا وإلى الأبد. هيا يا صغاري القذرين، ضعوا مناديلكم على رؤوسكم واعقدوها جيداً كالنساء الصغيرات، فالشمسُ لاهبةٌ، والطريق تزفر كالأفعى.
الجدة: أتأخذون الأطفال معكم؟
الجد: نعم.
الحبلى: إذاً لماذا لا تأخذونهم في أكياس؟
الجد: فعلاً هذا ما أفكر فيه.
المشوه: إن منظرهم داخل أكياس ، أو أي شيء لعين آخر، سيجعل الحجر يبكي ويلطم خديه.
مجهول: الحجر، وليس البشر.
الحبلى: بل لماذا لا تأخذون أيضاً بعض التراب اليابس أو القشّ الجاف، أو بعض السعال أيضاً في أكياس من الورق، لعرضها هناك على الطاولات؟ آه لم يعد هناك من كرامة. إنكم تنقلون أسانا كما تنقل الريح أغنية. انظروا، ها هو طفلي يسعل كشيخ في السبعين . (تنظف له أنفه بطرف فستانها) إن مُنَقّب آثار لا يجد فتحةَ أنفه.
الجدة: بل أصبح له ثلاثة ثقوب كما أظن.
الحبلى: آه إنني لا أعرف ورَبّ الكعبة كيف يتنفس، ولماذا يتنفس، بمثل هذه الكتلة الصغيرة من اللحم والغبار.
مجهول: ولماذا يتنفس؟ إن الأطفال الحقيقيين شيء آخر، يختلفون عن هؤلاء اختلاف الليل عن النهار. لقد رأيت بعضهم ذات يوم في مدينة مجهولة، يلعبون في حديقة ورود، نظيفين وناعمين لدرجة انك تشتهي أكلهم بالخبز.
الجد: (يصرخ) هيا، هيا، كلٌّ كيسه على ظهره، كل وطفله على ظهره.
غجرٌ في الصيف، وغجر في الشتاء.
القيثارات محطّمة، والأوتار مجدولة كالثوم.
لصعدوا الهضاب، واهبطوا الذرى.
لا خجل بين الصخور، لا دمع بين العيون،
لا لحاء على الأغصان، لا سراويلَ على اللحم.
اشعلوا النيران،
واشووا عليها بعض البنفسج وبعض الأطفال.
أبوابُ المنازل تبكي،
تصفِّقُ للموت بالراحتين.
الأهداب الجميلة تغني،
والدموع الرائعة تتأهبُ للانفجار.
هيا، كل وكيسه على ظهره،
كل وبيته على ظهره.
الأحلام خفيفة كالعصافير،
والذكريات جميلة ورائعة كالفولاذ .
لا بد أن نلتقي بنار أو عاصفة في الطريق.
الطفل: (فزعاً) قد نطير في الهواء.
الطفلة: ونسقط في بيوت الأغنياء.
الطفل: أو في البحر.
الطفلة: سيأكلنا البحر.
الطفل: سنمرّ من بين أسنانه كالأسماك الصغيرة.
الجد: ستأكلكم الأسماك الكبيرة.
الجدة: أسمعتم نهاية أحلامكم التعيسة هذه؟ ستأكلكم الأسماك الكبيرة فور انزلاقكم إليها، فإلى أين تذهبون في النهاية؟
الطفل: نطيرُ كالفقاقيع.
الطفلة: أو نرسو كاللآلئ
فلاح مجهول: محتملٌ جداً. لقد قرأت في صحيفة مجهولة أن عشاقاً ما منذ آلاف السنين يرقدون بكامل ثيابهم وخواتمهم وتوترهم متعانقين حتى الآن في جوفه، وأن ثمة خيولاً جامحة في قاع البحر، جامحة وكأنه اضُرِبَتْ بالسوط هذه اللحظة.
الجد: (بعد أن يسعل) وسمعت أيضاً من رجل جريح ذات يوم أن اللآلئ ما هي في الحقيقة إلا دموع أبطال مهزومين، رفضوا أن يذرفوها إلا وهم موتى. موتى، أتسمعون؟ (ثم يتهدج صوته من الانفعال الخانق).
الجدة: يا إلهي، كأنه اخترع البارود. انظروا إليه ، كيف يرقص من الانفعال. آه هل تعتقد يا كهلي الحبيب أننا أحياء لمجرد أننا نقطف عنقوداً في الصباح ونغني أغنية حزينة في المساء؟ إننا نجنح في الخيال أكثر مما يجب، ودون أي شعور بالمسؤولية تجاه برعم واحد من حقولنا هذه. مع أن الذي له ذنب يصل حتى الأرض لا يشكّ لحظة واحدة في أن مثل هذه الكتل الحمراء يمكن أن تكون براعم ما، لأنها ليست في الحقيقة إلا شرذمة لينة من الدموع المكتسحة من وسطها، تشبثت بطريقة ما بهذه الحقول الممزقة كما يتشبَّثُ المتسول بنوافذ القطارات. إن المندوب الزراعي قادمٌ بين لحظة وأخرى، ولا نعرف حتى الآن ماذا سنقول له، إذ ليس المهم أن نقول لشخص معين: إن زوجتي تحتضر أو تموت، بل المهم أ، تجعله يمزِّقُ ثيابه طولاً وعرضاً بسبب ذلك.
الجد: سنقول له أشياء كثيرة، كثيرة جداً بعدد النجوم.
الجدة: (ساخرة) بل بعدد ما في فمك من أسنان.
الجد: (يتلمس في فمه وفكيه) يا عجوزتي الطيبة، سنقول له باختصار أن كل ما في القرية جافٌ وملتهب: الحقول والرجال والنساء والأغصان والخراف؛ وأن نسمةً قويةً واحدة قد تجرفنا جميعاً إلى قارة أخرى.
الحبلى: (مشيرة إلى بطنها) أما أنا فإن الرياح الخمسينية لا تجرفني خطوة واحدة.
المشوه: بل ستحلقين كمنطاد عندما يهجرك الجميع، ولا يكون حولك غير الرياح والأبواب المخلعة.
الجد: (ساخراً) أو عندما تعلمين بأن زوجك غارقٌ حتى عقاله بحب امرأة أخرى.
الحبلى: امرأة أخرى؟ والخنفساء ذاتها تتردد أكثر من ألف مرة قبل أن تحط على طرف اصبعه.
الجدة: بل أنا التي ستحلق كمنطاد، ولو تشبّث كل من هذه القرية بفستاني هذا. انكم تتحدثون وكأن شعر فروجكم هي الحشائش الوحيدة والظامئة في هذا العالم، والتي يجب أن تكون بخضرة السنابل ولو بقوة السوط. وحتى الآن لم أعرف ماذا ستقولون لمندوبي الزراعي ـ حسناً لمندوبي الزراعي، أيرضيكم هذا؟ مع أنني لا أصدق أبداً أن مندوباً حكومياً بذقن حليقة وسيقان رفيعة كسيقان الدجاج يمكن أن يأتي إلى قرية نائية كهذه. لقد انتصف النهار، والطريق خاوية؛ لا ظل ولا زوبعة غبار.
الجد: (بانفعال) زوبعة غبار؟ أتظنينه سيأتي على فرس؟
الجدة: (صارخة بأعلى صوتها) ولماذا لا يأتي على فرس؟ هل تُصابُ مؤخرته بالصداع إذا ما امتطى سرجاً مفضفضاً كهذا؟ إن الملك نفسه يتمنى أن يمتطي سرجاً مفضفضاً كهذا. (تتنهد) يا لكم من سخفاء. أعطني سرجاً مفضفضاً كهذا، وفرساً بعينين حزينتين، لأغزوَ لك العالم قبل أن تلفظ هذه الكلمة لفظاً بشفتيك.
مجهول: يا جدتي العزيزة، إن ما تقولانه ليس كلاماً لا معنى له، إ،ه كلام يجعل أياً منا يرفسُ العالم كله كفرسٍ حقيقية. إننا ننتظر مندوباً زراعياً، يستطلع تباشيرَ الخراب عندنا، ولا يهمنا أبداً إذا أتى على فرس أو جرادة. المهم أ، يأتي وأن يسأل وأن نجيب.
الجدة: هل يلبسُ نظارة؟
الجد: طبعاً.
الجدة: إذاً لا فائدة. هيا اطلقوا الرصاص على هذه الأرض، وراقبوا فقاقيع الدم من نوافذ بيوتكم ومطابخكم.
مجهول: وما الضيرُ في أن يلبسَ نظارة أو لا يلبس. إنها ليست أكثر من قطعة زجاج. المهم أن يأتي ويسأل ونجيب.
الجدة: ولكن المهم أيضاً أن تجيبوه كرجال. كرجال فُتِلَتْ شواربهم حتى الحواجب. وأن تقبضوا على هذه التربة الجافة بقوة، بقوة حتى يتفصَّدَ الدم من أصابعكم ، وتقذفوها في وجهه ذرة ذرة.
الجد: نعم. نعم سنقذفها في وجهه ذرة ذرة.
الحبلى: وقولوا له أن أثلام القمح رفيعةٌ وباهتة كآثار العجلات.
الجدة: بل كآثار السياط.
الجد: (وهو في ذروة انفعاله) نعم سأقول له ذلك. سأقول.
الجدة: قولوا له أيضاً، أنني مثلاً كنت أستحمُّ فيم امضى بين نباتات القطن نفسها دون أن تلمحني إلا الخراف.
غلام: ونحن يا جدتي.
الجدة: حسناً، الأطفال والخراف.
الحبلى: لقد كان نهداها أكثر بياضاً من أزهار القطن.
الجدة: (بما يشبه الاعتزاز) لقد كانا شيئين أبيضين.
غلام: لقد رأيناك تتبوَّلين أيضاً بين نباتات القطن.
الجدة: (قافزة من مكانها) وهل كنت تريدني أن أتبوَّلَ على السطوح يا قليل الحياء؟ (تصفعه بعكازها) جيل لعين، لعين. إنني لم أعد أجرؤ على النوم مع حفيدي في قارة واحدة في هذه الأيام.
الجد: (يضحك ويسعل كأنه قد استثير).
الجدة: يجب أ، تبكي قبل أ، تضحك أيها العجوز الخرف، لأنك وربّ السموات لم تعرف للآن ما يجب أ، تقوله وما يجب أ، لا تقوله.
الجد: بل أعرف، أعرف.
الجدة: أرجو من الله أن تفعل ذلك، ولكنني واثقة من أن شيئاً واحداً من هذا لن يحدث. ستقفُ أمامه كتمثال ، مقارناً بين حذائك وحذائه، بين شعرك وشعره، وأصابعك وأصابعه. لا كتمثال كما قلت، بل كعصفورٍ عجوز موحل أمام مرآة موحلة. وإذا ما سقطتْ من حقيبته أية ورقة تافهة ستهرعُ إليها وتلتقطها كسلوقي أنجز مهمته. وأنت تسعل وترتجف وتنحني كقصبة في مهب الريح، لا كحبيبي القديم القديم. (تبكي بمرارة) لا كحبيبي الذي لم يكن لينحني لالتقاط ذراعه نفسها إذا ما بترها سيفٌ ما.
الجد: لا، لن أنحني كقصبة في مهبّ الريح، ولن ألتقط ورقته التافهة كسلوقي، بل سأظل منتصباً وشامخاً بجوارك كأنني متجمدٌ منذ ألف عام.
المشوه: نعرفك جيداً، تقول مالا تفعل وتفعل ما لا تقول.
مجهول: وها هو لونُكَ أصبح بلون الشمع.
مجهول آخر: لقد التقط قشرة برتقال عن الأرض ومضغها متستراً بعباءته.
مجهول ثالث: ورأيته البارحة يجلس القرفصاء في إحدى الخرائب.
الطفل: (مؤكداً ومفسراً) لقد اختطف فطيرتي وجلس يأكلها هناك.
الجد: لا لا ، كنت أتبول.
المشوه: كامرأة. (الجد يحاول شرح الأمور وهو يجهش بالبكاء فلا يصغي إليه أحد. يحط في تلك اللحظة طائر عجوز على شجرة جرداء).
الجد: (للطائر) إنهم لا يصغون إليّ يا طائري العجوز، بل لا يريدون الاصغاء أبداً. قل لهم أنك سنوات وسنوات كنتَ تلتهمُ بقايا فرائسي وأنت محلّقٌ في كبد السماء. قل لهم بأنني لم أنحنِ في يوم من الأيام كقصبة في مهب الريح. قل لهم أ، الحديد ينحني في هذه الأيام. (يبكي بمرارة والطائر يومئ برأسه).
الجدة: (تندفع ملهوفة باتجاهه وتضمه إلى صدرها) يا عجوزي الطيب الصغير، إن لك رائحة العشب والأطفال. إنك...
الجد: لا، لا. ابتعدي عني، أنت والآخرون. لا أحد يحبني، لا أحد يحبني سوى ذلك الطائر العجوز. إنه لي ولن يقتله أحد. (يتحلق الأطفال حوله، قافزين مهرجين).
الجدة: (تهش عليهم بعكازها) هيا اغربوا عن وجهه ، أيتها العقاربُ الصغيرة. عندما كان يعود من الصيد في انصاف الليالي، والصقور الجارحة تتدلى من حزامه المهترئ هذا كالمفاتيح، كنتم أنتم تشاركون القطط على طعامها في وضح النهار.
الطفل: سأقتل هذا الطائر.
الجد: (ملهوفاً) لا، لا. لن يقتله أحد.
الجدة: طبعاً طبعاً لن يقتله أحد. وماذا أفعل إذاً بعكازي هذا؟
الجد: إنه تَعِبٌ ولا يبصر غصناً آخر ينتقل إليه. إنه يرافقني كل صباح إلى الحقل. إنني أراه، أرفع رأسي وأراه، بل أسمع حفيف جناحيه وأنا راقدٌ كالذبابة في قاع العربة؛ ولكن ما أن تتوقف أجراسُ الجياد عن الرنين حتى يتوقف فجأة عن الطيران، ولا يتقدم خطوةً واحدة بعد ذلك، وكأن الفضاء قد قُطِعَ بسكين. ثم يحطُّ على أي شيء، أي شيء، أتسمعين؟ إنه أرمدُ وعيناه كالجمر.
الطفل: لقد حطّ على رأسي البارحة. سأشويه على الموقد ذات يوم.
الجد: (صارخاً) لا، لن تشويَهُ على الموقد ذات يوم؛ كأنك تشوي اصبعي بذلك.
الطفل: سأشويه نيئاً.
الجدة: (تضرب الطفل على قفاه) لا، لن تشوي صديقاً قديماً لجدي.
الجد: اذكر أمه وأباه يا عجوزتي الصغيرة، بل أذكره عندما خرجَ من عشه ليطيرَ للمرة الأولى؛ لقد كان مرتبكاً كتلميذ.
الجدة: له شقيقٌ آخر، كما حدثني ذات يوم ونحن راقدان على المصطبة.
الجد: نعم شقيق آخر، ولكنه أكثر شقاءً وعزلة من أي طائر آخر في العالم. إنه يقضي بقية أيامه منعزلاً كالفيلسوف، هناك هناك مرفرفاً وباكياً أبداً فوق معتقلٍ بعيدٍ مهجور.
الجدة: إذاً فطائرنا على الأقل فألٌ حسن. (غلام قادم بسرعة البرق يخبر الجميع وهو يلهث)
الغلام: لقد حضر المندوب.
الجميع: (وهم يقفزون عن الأرض، مثيرين زوبعة من الغبار} وأين هو؟
الغلام: لقد ذهب. حضر وذهب.
الجدة: (صارخة بأعلى صوتها) حضر وذهب؟ وماذا فعل إذاً، بحق الشياطين؟
الغلام: لا شيء. لا شيء. مدّ رأسه من نافذة السيارة إلى أول حقل صادفه، والتفتَ إليه كما يلتفتُ إلى ساعته، ثم قفل عائداً يتثاءب.
الجدة: يتثاءب؟
الغلام: نعم، يتثاءب.
الجدة: ألم تستيقظي بعد أيتها الملائكة؟ والآن ماذا نفعل؟ تكلموا هل أكلت الفئران ألسنتكم؟
الغلام: ولكن مندوباً صناعياً سيحضر بعد قليل.
الجدة: "مندوباً صناعياً"؟ ولماذا مندوباً صناعياً؟ هل سيقتلعُ فقرنا هذا بكماشته؟
الغلام: لا أعلم، لا أعلم. ولكن ها هو. ها هو قادم بسيارته. (يلتفت الجميع على صوت سيارة غبراء تقف بينهم وقد ترجل منها شاب في مقتبل العمر، يحمل بيده رزمة من الأوراق).
المندوب: (يصرخ بعجرفة وموتور السيارة مازال مدوياً وقاذفاً سحباً لا حصر لها من الدخان) كلكم جلوساً على الأرض، الجميع على الأرض، لا أحد يقف؛ اجلسْ أيها الطفل، اجلسْ أيها العجوز؛ هيا ابعدوا هذه الدجاجات اللعينة من هنا. (ثم يقفز على مصطبة مهدمة ويأخذ بتقليب الأوراق بين يديه، مصلحاً من وضع ربطة عنقه بين لحظة وأخرى).
الجدة: لقد قفز كسنجاب. هيا اقرأها، إنها ليست أكثر من ورقة.
فلاح: بل ثلاث ورقات. إنه يعدُّها كالنقود.
المشوه: هيا اقرأها.
الحبلى:إنه مازال منهمكاً بهذا الشيء المتصلِ بعنقه.
المندوب: (يصرخ) أيها الشعب الكريم.
الجميع: إننا لا نسمع شيئاً. أطفئ هذه السيارة، لقد ملأَتْنا زئيراً ودخاناً.
المندوب: لا، لا أحد يطفئها؛ إنني على عجل، وتشغيلها مرة أخرى يحتاج إلى معجزة.
الحبلى: إذاً هيّا اقرأ ما بيدك بسرعةٍ وباقتضاب، قبل أن ألد لك غلاماً في شهره السابع. إننا نختنق.
المندوب: أيها الشعبُ الكريم. أيها الشعب الكريم.
الجدة: حسناً حسناً، لقد سمعناك. أيها الشعب الكريم، وبعد ذلك؟
المندوب: (غاضباً ومزمجراً) أودُّ أن أقول، قبل كل شيء، أن بلاء العالم ووباء البشرية كله منكنَّ أيتها العجائز القميئات الثرثارات. إنني أشتري سكوتكن بذهب العالم كله. هيا أغلقْنَ تلك الغابة اللعينة من الأفواه.
الجدة: وهل أتيت من حاضنة أيها الغلام؟ جيل الشؤم جيل الكارثة. هيا اقرأها ، تلك الورقات الثلاث، لنرى أيَّة أمطارٍ سوف تنبثقُ عن الأرض والسماء بعد ذلك.
المندوب: أيها الشعب الكريم، أيها الشعب الكريم:
لقد سمعنا من بعض الطلبة العائدين من العطل المدرسية أ، بعض العجائز والكهول الساخطين هنا وهناك يتذمرون ويشيعون أن سلطتنا لا توليهم الاهتمام الكافي ولا تعرف شيئاً عن حقولهم اليابسة وطيورهم الجائعة. إن السلطة، مع نفيها المطلق لمثل هذا الشعور الزريّ، تعلن أن السماء وحدها تتكفل بمثل هذه المخلوقات التافهة، لأن السلطة ليست زرافة لتمد رأسها من النافذة كلما سعل شيخٌ أو بكى طائر وهاجر آخر: لأن العشب والطيور أشياءٌ تافهة يمكن إزالتها كشعر الذقن دون أن يحدث أي رد فعل في سياستنا العليا ثم لا يحق، من جهة أخرى، لبضعة أشخاص طيبين أو مقهورين أن يتحدثوا في الأزقة وحول المواقد بما يشبه العويل والنواح، من أجل سحابةٍ لا تمطر أو ابن ذهب ولم يعدْ أو ساقية تهرُّ كالكلب منذ أجيال. لا يحق لهم ذلك أبداً ، وخناجر أبنائهم تملأ المستودعات، وقتلاهم مازالوا يقطرون دماً في ساحات المدارس. إن غابات أخرى أشدّ فتنة واخضراراً تنبثق من جوف الأرض محمّلةً بأقصى ما يمكن من ذلك البنفسج الغابر والصقيع المعدني، لتؤدي واجبها تجاهكم بنعومة الثلج ورقّةِ العصفور؛ وأن حقولاً شاسعة لا نهاية لها ستُقلب بكل ما فيها من أشجار ومواعيد وذكريات، كما يُقلَبُ الحذاء على السندان، لكي نؤمِّنَ لنسلكم، المتعفن في المباغي والبراميل الصدئة، الكتاب والمحبرة والمنديل.
ولكنكم ستقولون، والدموع تغطي وجوهكم ، إن ذكرياتكم كلها محفورة على تلك الأشجار، وأن هذه الأشجار سوف تبكي وتضرب أغصانها على الأرض كالجبال، وأن الأنهار ستسافر دون عودةٍ حاملةٍ على مياهها الكئيبة أسماءكم وصُرَرَ طعامكم ورماد مواقدكم. لا، لا، أبداً أيها الشعب الكريم . إن هناك من يصطادُها كالأرانب في الأدغال الموحشة، إذ لم تعدْ هناك أبداً أنهارٌ صافية تعكس أعضاءكم التناسلية وأنتم تشوون الذرة على ضفافها؛ ولم تعدْ هناك قرى تُضاء بالنجوم، وتنام على أصوات الذئاب واليمام المهاجر، بل هناك قرى فذة ومصقولة، يمكن ضغطها في أية حقيبة سفرٍ ووضعها أمام الحوانيت والمنعطفات، دون أن تثير رفَّةَ حاجب واحد من أولئك الذين يعبرون الدروب المقفرة وفي كواحلهم ترنُّ مزامير التاريخ. قرى جميلة وحاسرة الرأس، تسهر وتستيقظ وتنام على صدى الأقدام الرائعة وهدير الشاحناتِ المعبَّأةِ حتى حوافها العليا بالمؤن وبَكَرات المصاعد.
ثم إن رجالنا ليسوا ممددين في أسرّتهم الحريرية، كما تتخيلون، بل إنهم يعيشون في رعب لو قيسَ برعبكم الخاطف هذا لاعتبرتم أسعدَ حيوانات الله على الأرض؛ إنه رعبٌ ينفجرُ كحبَّة الكستناء في كل لحظة، في المبغى والحانة، من زجاجة العطر وآلة الحلاقة؛ رعبٌ لا يمكن مقارنته إلا ببركانٍ عظيم من الدم الأحمر القاني، يطلقُ شظاياه بكبرياء الملوكِ على الجباه والصداغ المهشَّمَةِ بأطراف المساطر. بعضهم ينامُ وأسلاك الهاتف في أذنيه، وبعضهم الآخر يرحل كالسُّحُب في الصحراء ، إلى أبعد القرى و أكثرها قذارةً ووحلاً وفوضى، ليواسي الأم الجريحة والأب المفجوع، ولكن بفخر لن يحسُّهُ أبداً من يقضي طوال النهار أمام الذباب وكِتَلِ التَّمر. مسرعون، مسرعون أبداً وزوجاتهم يرتعشْنَ عراةً أمام المرايا. ولذلك فثمّة إبر ، إبر لا حصرَ لها، بعدد كل ما في حقول العالم من سنابل وعذارى مهجورات، تدرزُ الأعلام الخفَّاقة والقمصان التي تمتصُّ رمل الصحارى وغبار المدن، قاذفةً بها في كل الاتجاهات كما تُقْذَفُ قشورُ البذر من بين الأسنان.
إن التيار يجري، وعلى القصباتِ الوحيدة والمهجورة أن تنحني، لسلامة رأسها. وإن أية ريحٍ ستحمل لنا بعد الآن بكاءً أو صراخاً ، أو مشوهاً، أو عاهرة، ستُصْفَعُ على وجهها.
إنكم مطوَّقون بالرعبِ والمحبة، وإذا كنتم تحلمون بأسرار إضافية فلن تكون إلا من قبوركم، لا تفريطاً بأرواحكم وأموالكم أيها الصامتون الحيارى، وإنما اختصاراً لآلام التاريخ، وتأدية الأمانة لأولئك الذين فتحوا العالم على مصراعيه ثم جلسوا يقطرون دماً بين السنابكِ والمخالب الغازية، يحلمون وأيديهم على خدودهم بصوت الرباب ودخان المزابل. ابكوا، ابكوا ما طاب لكم البكاء؛ لا يهمُّنا أبداً إذا ما انتهى عهدُ الأغنية الحزينة وانقرض زمانُ الانتظار الممضّ بين الينابيع. لا يهمُّنا أبداً إذا كانت الأغصان خضراء أو صفراء، بقدر ما يهمنا أن تكون أُطراً صالحةً لصور أبطالنا وشهدائنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (يهبط عن المصطبة وقد كساه العرق والانفعال).
الجدة: هراء. كل ما قاله هراء.
الحبلى: لم أفهم شيئاً على الإطلاق.
مجهول: لقد فهمت بعض الشيء، إن شهداءنا ليسوا بحاجة إلى براويز لتخليد ذكراهم.
الجد: لأن معظمهم يموت من الجوع والضجر.
الجدة: يمكنكم أن تجملوا كل ما قاله في شيء واحد: هراء. هراء.
الجد: والآن ماذا نفعل؟
الجدة: سنفعل أي شيء؛ سأثقب أسوارهم بعصاي هذا. (صارخة) أيها المندوب الصناعي، إنني أخاطبك، ألا تسمع؟
الحبلى: وماذا يفيدك هذا الصراخ؟ إنه لا يفقهُ شيئاً بأمورنا.
امرأة: لماذا لا يفقه؟ لا بد وأن يفقه، هيا دعوه يرى بأم عينه بعضَ البراعم الذابلة.
المشوه: سيظنُّها بعض البراغي . (المندوب يحاول التملص من أسئلة الفلاحين وأيديهم الممتدة حتى ذقنه، فتسقط ورقة من أوراقه وتتهاوى على الغبار. ينظر إليها الجميع بهلع ويبتعدون عنها وقد انتابهم صمت عجيب، بينما يهرع إليها الجد بحركة لا شعورية وينحني لالتقاطها، ولكنه يتجمد في وضعه ذلك وعيناه مليئتان بالرعب والخجل).
الجدة: يا إله السموات. لقد هرع لالتقاطها كما قلت.
فلاح: كسلوقي، كسلوقي جَرِب.
المشوه: قلت لكم إنه جبان، يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول.
الطفل: لقد قلت لكم أنه سرقَ فطيرتي وأكلها بعيداً بين الأطلال وأنا أضربه بالحجارة.
مجهول: وماذا في الأمر؟ حتى لو سقطتْ تلك الورقة في حوض سيتعلم العجوز السباحة ويلتقطها ككلب الماء.
المندوب: يا إلهي. ناولني تلك الورقة أيها العجوز؛ هل هي عقرب؟ إنها ورقة.
(يلتقط الجد الورقة بحركة لا شعورية عن الأرض ويسلمها للمندوب ويفرك يديه بجانبها وهو يبتسم ويرتجف في آن واحد).
الجميع: لقد انحنى كقصبةٍ في مهب الريح.
المشوه: والتقطها كسلوقي جرب.
المشوه: (مختنق الصدر) ولكنها ليست أكثر من ورقة.المندوب قال ذلك.
الجدة: ولماذا لم يلتقطْها هو؟
فلاح: (يتقدم نحو الجد رافعاً يده) بودي أن أصفعه على فمه هذا. (الطائر يصرخ).
الجد: (وهو يرتجف ، متراجعاً إلى الوراء) لم أكن أريد التقاطها. ولكنني فعلت ذلك. (يبكي بمرارة. تحدث خلال ذلك فوضى عنيفة على أثر ذهاب المندوب، والناس بين متذمر وغاضب ولا مبال، يتسلل أثناء ذلك الجد ويختفي في أحد الأزقة، بينما يصفق الطائر بجناحيه ويختفي أيضاً.
المشوه: لقد هرب العجوز.
الطفل: قد يأخذ فطيرتي، فهو يعرف أين أخبئها.
الطفلة: أوتسمي القطعة الممزوجة بالدبس القذر فطيرة؟
الطفل: إنها على كل حال أفضل من الخبز، ولولاها لكنت أتعسَ طفل في العالم. (يركض مسرعاً وراء الجد وهو يلتقط الحجارة في طريقه).
الجدة: والآن ماذا نفعل بعد أن انتهى كل شيء وديسَتْ كرامتُنا بالأقدام؟
المشوه: صحيح، ماذا نفعل؟
الجدة: لنرسلْ لهم شيئاً يرغمهم على التفكير بنا ومعاملتنا كبشر.
مجهول: لنرسلْ لهم رسالة.
الجدة: بل لنرسلْ لهم سنبلتين جافتين.
فلاح: ستتحطمان على الطريق يا جدتي.
الجدة: لا، لن تتحطما.
فلاح: (صارخاً) يا جدتي العزيزة، لا يمكنك مجابهة العالم بسنبلتين محطمتين.
الجدة: (تخبط على وركيها) إذاً ماذا نفعل؟
الحبلى: ننتظر نسمةً قوية واحدة. (الطفل يقبل مسرعاً، وهو يلهث ).
الطفل: لقد انتحر جدي. لقد انتحر، وفطيرتي ما زالت كما هي.
(يصفع الجميع ويختنقون الواحد تلو الآخر. تهب رياح حزينة ولا يسمع سوى حفيف الأشجار اليابسة وعواء خافت من بعيد).
الجدة: (أمام جثة زوجها، تبكي ملوحة بمنديلها وتغني للرياح).
لقد مات الكهلُ ورحل الطائر.
الكهلُ سيدفن باحترام ،
ولكن ماذا سيحدث للطائر ؟
سأطوي فراشي وفراشه إلى الأبد
وأظل قرب الجدران المهدمه
في المطر وفي الزمهرير
في الليالي المقمرة والليالي العاصفة،
ناقلة عيني كالحدأه
بين الموقد والثياب المحفوظة للذكرى،
منتظرة أن يعود مرة واحدة بعد الآن
مُعَبَّأً حتى ذقنه وريش الصقور.
(تتلمس ثوبها وهي تبكي):
سأعلّقُ هذا الثوب المشجَّر بمسمار
ولن أرتديه إلى الأبد.
لقد ابتاعه لي، من أكثر الأسواق ضجةً وزحاماً،
فيما مضى ، فيما مضى،
وكان الناس يلوحون لنا سعيدين مبتسمين
وفرسنا تنقرُ البلاط بحوافرها
كأنها تريد ثوباً أو لجاماً لمهرِها البعيد.
سأظل قرب الموقد
اغزل الصوف لكهلي الحبيب.
لقد انحنى:
ولكن كملكٍ يلتقطُ تاجه،
كرجل أُطلق عليه الرصاصُ من الخلف.


(ستار)

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:52 AM
العصفور الأحدب 3


(يصبح الكهل الغريب، الذي كان معتقلاً في القفص وسط الصحراء، أميراً وحاكماً مطلقاً على رعاياه. ويصبح العازب، المصاب بالشذوذ الجنسي وزميله في القفص، قديساً وناسكاً يشار إليه بالبنان.
قصر من الرخام تحيط به الأشجار الوارفة، يقف عند كل ركن من أركانه عسس مسلح. نافذة عالية تطل على ساحة رمادية كبيرة. يقف فيها عدد من الغوغاء وكل منهم يحمل في يده صرة قذرة وسنبلة صفراء، أفواههم مفتوحة وعيونهم محدقة بالنافذة ـ حيث يطل الأمير وحاشيته بين لحظة وأخرى من هناك. كلاب صيد تمرح في الحديقة وخادم عجوز يقذف لها قطع اللحم ويضحك.)
أصوات: نريد مطراً أيها الأمير الشاب
ولكن للأبقار الشاحبة، والسنابل التي تفرقع كالأصابع.
الأمير: لتمطرْ السماء.
مرافق الأمير: ولكن السماء لا تمطر يا سيدي.
الأمير: قلتُ لتمطرْ السماء.
الحاشية : ولكنها لا تمطر يا سيدي.
الأمير: أطلقوا عليها الرصاص.
مرافق الأمير: ولكن الغيوم بعيدة.
مرافق الأمير: ولكن الغيوم بعيدة.
الأمير: ضعوا سلالم واصعدوا عليها، هزوها كالعرائس، واتركوا شعبي يلتقط مطره من بين قدميّ.
مرافق الأمير: مولاي، ذلك مستحيل، والوضع خطير وجامح. ألا تسمع؟
أصوات: جاءتنا رسائلُ مطوَّلة من القرى
رسائل دون مغلفاتٍ منقولة من يد إلى يد
كالأعلام المخفية
كالأعلام المنقولة من يد إلى يد
في نهاية المعارك الخاسره،
رسائل تتحدث عن الأشواق والتحيات
عن المواقد المطفأة
والذئاب التي تنهش الوديان كاللحم.
الأمير: (لمرافقه) قل لهم أن يأكلوا طيورهم أو أطفالهم.
أصوات: أعراف الديوك ذابلة
وأصابع الأطفال يابسة كالعيدان.
الحقول تبكي
ورماد الأزهار ملفوف كالملح بأطراف الفساطين.
الحاشية: مولاي، ألا تسمع ما يقولون؟ ماذا نعمل يا مولاي؟
الأمير: أطلقوا عليهم الرصاص.
مرافق الأمير: ولكن الأرض عطشى للمطر، لا للدم.
الأمير: (غاضباً) الأرض العطشى تشرب كل شيء، تشرب حتى دم الطفل، عندما تكون شقوقها تتسع لحجم الطفل. عندما كنت أجتاز الصحراء، وحيداً وقذراً في طريقي إليكم ، لم آكل عشباً يابساً فحسب، بل أكلت طيوراً حية أنهت تغريدها في أحشائي.
الحاشية : مولاي، ماذا تقول؟
الأمير: أقول أكلت رملاً في الصحراء، وسحقته بين أضراسي في السجون، كي أضمن قوة المسير، والانحدار إليكم ، إلى الوطن.
القزم: (صارخاً من الساحة) لقد عرفناك أيها الكهل المجهول، ولذا جئنا إليك وقلوبنا مفتوحة على مصاريعها. أنت يا من ذرفت دموع الثكالى من أجل طائر مضى، ورفست أغطيتك طوال الليل من أجل ساقية تنام في العراء. وها أنت الآن بذات العيون والشفاه والأيدي، تقف خلف الجدران المحصنة لتنفث حقدك عليما كالينبوع.
الأمير: اخرسه. اخرسهم بطريقة ما. لقد نفذ صبري، كما نفذ تبغي منذ لحظات، وضيفنا الجليل آتٍ بين لحظة وأخرى.
مرافق الأمير: (للجماهير) عودوا إلى منازلكم أيها البائسون، فالأمير غاضب، ووجهه طافح بالشؤم، لانكم تخاطبونه كأصدقاء قدامى، وهو لم يسمع بكم من قبل. هيا أسرعوا إلى بيوتكم. الريح تعصف، والسوط يأخذ مجده في الأيام العاصفة.
القزم: بلى، إنه يعرفنا. يعرفني أنا على الأقل. هيا قل له: الرجل الذي كان متهماً بمضاجعة عنزة وبرّئ من التهمة، والذي جادلك بعنف عن هتلر وحرائق موسكو دون أن يعرف شيئاً عنهما، يريد أن يراك. قل له: الرجل الذي لوح لك بقمبازه على طريق المعتقل حتى غابت سيارتك في الزحام والدموع تملأ عينيه، يريد أن يراك. لا وطن له ولا مأوى، ولذلك يريد أن يراك.
مرافق الأمير: لا فائدة، لقد ضاع كل شيء. تواروا عن الأنظار، تواروا جميعكم قبل أن يحصدكم رصاص الزوايا. البارحة، البارحة فقط أعتقل رجالنا حذّاء يهتف للمطر والحب، حذّاء شامخاً كالآلة، يرفع سنابله المحطمة في أكثر الدروب وعورة وخطراً وأطفاله يهرولون أمامه كأمير في رحلة صيد. وقال أيضاً أنه يعرف أميرنا، ولكنه كان كاذباً، فجلد هو وزوجته في عرض الشارع، وألقيا متعانقين في السجون البعيدة، ولحمهما مخطط كغطاء الطاولات.
القزم: ولكن مهما كانت الأخطار تحدق بنا لن نرحل مالم نعرف بوضوح ودون مواربة إذا كان أي أثر للصداقة قد بقي في هذا العالم أم لا. كنت أستيقظ في أعماق الليل لأغطي له قدميه القذرتين، أحكّ ما لم تطله أصابعه بأصابعي، وأجلس القرفصاء وأغلي له ثيابه كامرأة.
الأمير: ماذا تفعلون أيها الحرس؟ هيا، ليمثل أحد هؤلاء الدهماء أمامي فوراً وإلا انفجرت كالبركان.
الحاشية: ولكنهم قذرون ورائحتهم ترغم جيشاً على التقهقر.
الأمير: (بغضب) وهل سوف أعانقهم؟
الأمير: سمعاً وطاعة يا مولاي. (يطل من النافذة على الساحة ويشير إلى القزم كي يمثل في حضرة الأمير) تعال أيها القزم البائس، أيها المرحوم سلفاً. الأمير غاضب، وهو بانتظارك كالبركان.
القزم: قل له أنني قادم كالسيل. (يصعد السلالم بسرعة البرق. ويندفع نحو الأمير بغبطة بالغة) يا صديقي العزيز. يا حبيب الطيور والسواقي. من كان يظن أننا سنلتقي بعد كل ذلك العذاب والرعب والأنوف المحطمة؟ هنا، في هذه الرياض الفاتنة والقاعات المدججة بالسلاح. (يحاول معانقته).
الأمير: (يتحاشى ذلك بامتعاض) اسمع أيها الرجل، أو أيها الشيء اللعين الدامس: قبل أن تبذر عواطفك سدى، أريد أن أوضح لم أمراً ما. أنني لا أنكر معرفتي بوجهك النتن هذا، ولكن كمعرفتي بصحن قديم، لا أكثر.
القزم: يا إلهي ماذا يقول؟ (موجهاً كلامه للحاشية).
الخادم: يقول ما يقول.
الأمير: نعم أقول ما أقول. قد يضطر أعظم الأباطرة شأواً وسطوة أن يحني عنقه لحلاق مجهول.
القزم: ماذا تقول يا رجل ؟ كأنني أراك تنتحب على صدري.
الأمير: قل "يا سيدي".
القزم: إنك تمزح. أنت صديقي. صديقي الوحيد كما أعرف، فالآخرون يبصقون عليّ في الطرقات، ويلقون عليّ الأقذار من النوافذ. لقد ماتت زوجتي وأطفالي ولا أعرف كيف...
الأمير: (غاضباً وملوّحاً بسوطه) وهل تريد مني أن أخرج لك حورية من جيبي؟ إنني لا أمزح ولا وقت لدي للمزاح. ثم طالما لا أرض لك ولا مزرعة، ولا زوجة ولا خروف حتى، فلماذا تستقتل من أجل صديق؟
القزم: يجب أن يكون لي شيء ما.
الأمير: حسناً، صادق قدمي هذه. إنك جبان ومنحط. تطالب بالمطر والحب وكأن عطر ياقتك يفوح من الجهات الأربع. إن المطر والحب ليسا في أدراجي لأعطيك حفنة منهما. هيا اغرب عن وجهي قبل أن أملأ هذه البالوعة أكثر من مرة بدمك اللعين.
القزم: (متراجعاً إلى الوراء ومودعاً بلباقة مبالغ بها).
هنيئاً لك بالسوط والحزام اللماع
ولتعد أشواقك الغابرة
عبر العاصفة وخلال النسيم
كي تستقر في القلب الجميل الخفاق
كي تستقر في اللاشيء
قلب الأسد الهارب والعرين المباح
لتعد مرفرفة فوق تلك الخوذ الفضية
والأصابع المسحوقة تحت العجلات
مصحوبة بهذه السحابة الرائعة من الحزن
فالعنب الأحمر لا يسيل على شفاه القطافين
ولكن على حديد المقاعد وعورات البغايا
حيث الجلود المسلوخة برفق
تنتظر نسمياً عابراً
ينتثر عليها رمادك ورماد الملايين
كما تنثر المساحيق على الوجوه.
الأمير: (يسفعه بالسوط على وجهه) أية وجوه يا هذا
الوجوه الباسمة في الغابات
الوجوه المحتقنة فوق فوهات المناصل
والمطروحة أبداً قرب فطائر الأطفال
الوجوه التي أضحت غابات من الشعر والدم.
الحاشية: ولكننا لم نفقه شيئاً مما يقوله ذلك الغراب.
القزم: طبعاً لن تفقهوا شيئاً، لأنكم حشرات، حشرات مدفونة في عدد لا يحصى من القمصان والسراويل، لا ترون الفقر إلا من خلال المدافع أو مرايا التاكسي.
الأمير: إنك جبان ومكابر. اصغ إلى تلك الهتافات المدوية. فهي خير فلينة تسد بها فمك اللعين هذا.
القزم: لا أسمع ولا أستطيع أن أسمع يا صديقي. داخل القضبان أو خارجها لا فرق يا صديقي..
الخادم: إنه لا يقول "سيدي" مطلقاً.
الأمير: ولماذا لا تستطيع؟ أخبرني لأقذف لك بقدمي تعويضاً مغرياً عن ذلك.
القزم: (منفعلاً وباكياً) لقد حطمتني يا رجل، ونثرت الملح القاتل في أكثر جراحي عمقاً وكبرياء. لا أستطيع، لا أستطيع أن أصغي إلى شرذمة العصافير المرذولة تغني، طالما هناك عصافير حمراء وخضراء تمزقها القنابل وهي على أهبة التحليق، وأرانب بيضاء وزرقاء تصرع فجأة على حواف الينابيع، وعذارى نحيلات وسعيدات، ينتظرن عشاقهن عند المنعطفات، يحضرن الكلمة الجميلة والنظرة الساحرة، ليلقنها بين لحظة وأخرى، وعشاقهن ممزقو الرؤوس في الدهاليز وتحت الأضواء البربرية. (مشيراً إلى رفاقه في الساحة) لقد جاؤوا إليك من قرى بعيدة لا يعلم إلا الله أين تقع، بالسنابل المحطمة، لا لتعيدها خضراء أو حمراء، ولكن لتقول لهم فقط: حسناً أيها الرفاق القدامى، عودوا إلى منازلكم ، لقد رأيتها.
الأمير: لا تحدثني كقيصر وذبابة في آن واحد. أعرفك تماماً كما أعرف نفسي. عندما كان الوطن يحتضر ويثب كالجرادة في حلبات الموت، عندما كان شبابنا الوسيمون يمتطون طائراتهم إلى مصيرهم المجهول، كنت أنت تمتطي عنزة في أحد المراعي. هيا احمل متاعك وامضِ حيث تشاء أو لا تشاء وبلغ تحياتي إلى عنزتك وذيلها الذي ما زال يقطر دماً كالصنبور على صخرة الوطن. هيا لا تلتفت وراءك، فالرياح تقذف غزلانها الجميلة كاللفائف. أسرع، أسرع. إنك لست أكثر من أ‘رج حقير في سباقي للدراجات.
القزم: أيها.. أيها الأمير، تعرف أنني لم أضاجع تلك العنزة، وإذا ماتت فلأنها هرمة، أو لأنها قرفت من هذا العالم، ولذلك لن أحمل متاعي وأرحل، ما لم تقل لي بطريقة ما... وداعاً أيها الصديق القديم.
الأمير: لا وقت لديّ.
القزم: ولكنها كلمة واحدة. كلمة صغير كنملة. أتخاف منها أيها السفاح؟
الأمير: (صارخاً بجنون) لست خائفاً أيها الوغد. إن كل كلمات العالم لا تملأ غمداً فاراً أو كوباً على طاولة. ولكن لا وقت لديّ. (يقبض على القزم من سترته ويصرخ) اسمع، كم عندك من أطفال.
القزم: لاشيء.
الأمير: كم كان عندك فيما مضى؟
القزم: بعدد ما على طاولتك من دبابيس.
الأمير: لنفترض عشرة، عشرة دبابيس، لأنك حتماً من فصيلة الأرانب، يكفي أن تطعمهم بعض الحساء والدقيق حتى يملأوا العالم شكراً وامتناناً. أما أنا فعندي في هذه الرزمة البسيطة من المصنفات مئات، بل آلاف الأطفال. التاريخ طفل، والوطن طفل، والمستقبل طفل، وعليّ أن أرضعهم الخشب والحليب والدم والعرق والرصاص والسحابة دفعة واحدة، وإلا صرخوا جميعاً كأحقر الجراء الضارية.
القزم: إنك تتلون كالحرباء.
الأمير: بل كالشفق.
القزم: ولكن ما قاسيناه وما قاسته نساؤنا...
الأمير: (مقاطعاً بانفعال مدمر) لتذهب إلى جهنم! أعرف سلفاً ما سوف تقوله عن الرقاد تحت السلالم والارتجاج في الحافلات والمصاعد الخانقة، وأن عذارا كن جميلات جئن إلى المدن ببراءة الفراشات، ثم عدن قذرات مهملات يرتقن بكاراتهن كالجوارب. ليذهبن إلى الجحيم أيضاً! كن يتلذذن بذلك حتماً. أما أنا فأقول لك إن الرذاذ الذي تطاير من شفتيّ أيام الذعر والكفاح المرير ، كافٍ لري نصف مزارعكم.
القزم: (بانفعال شديد) ولكن من أجل ماذا كان ذلك الصراخ والعذاب؟
الأمير: (مندهشاً) من أجل.. من أجل الشعب؟
القزم: وهل نحن من الأبقار؟
الأمير: أيها الحرس. أعيدوه إلى القفص القديم. إن لسانه أطول من سوطي هذا.
الخادم: ويمكن فتله مع شاربيه، ولكن إلى أسفل. كلهم أذلاء وقذرون.
القزم: (مكباً على قدمي الأمير) لا لا. أرجوك أيها الصديق القديم، سأقول لك "يا سيدي" حتى الموت. سأحمل أمتعتي وأمضي إلى الأبد، ولكن لا تعدني إليه.
الأمير: إذاً هيا إلى براميلك الصدئة أيها السلوقي اللعين. (القزم يحمل صرته ويهبط الدرج مضطرباً إلى أقصى الحدود، ويختبئ بين زملائه في الساحة هائجاً منتحباً).
مرافق الأمير: ما تفعله خطير يا سيدي. يجب ألا تنسى أن قشوراً كثيرة من لحمك وشرفك ما زالت طافية في بواليع السجون، وأن الشعب هو الذي لملم الكثير منها وأعادها كأوراق الورد لتكون له أباً وأماً، لا ذئباً وجلاداً.
الأمير: قل ما تشاء يا مرافقي الطيب الحنون، لأنك صديقي الوحيد في هذا العالم، وسيكون أي سوء يصيبك بمثابة كارثة موجهة من السماء إلى قلبي. ولكن اسمع يا صديقي العزيز. أحب الشعب، أحب هؤلاء الفلاحين، أحب أسماءهم في الكتب، ووجوههم في المجلات الملونة، حيث ذرات الجبن تلمع تحت شواربهم كالثلج. حيث هم وحيدون وصامتون وناعمون على الورق. أما وجهاً لوجه، تسمع زفيرهم وتلعثمهم، وتتأمل على مسافة سنتمترات فقط دماملهم وأسنانهم وأقذارهم المتراكمة كلحاء الشجر، فهذا ما يجعلني أنفر منهم ومن العالم أجمع، كما ينفر الطائر من الرصاصة.
مرافق الأمير: ولكن أنت منهم يا مولاي. من صفوة الشارع وصلب الدهماء.
الأمير: نعم نعم أنا منهم، ولكن دمي لا يجري إلا في الذرى العليا من الشرايين.
مرافق الأمير: وكلن هذا خطأ كبير.
الأمير: (باكياً وصارخاً) لتذهب إلى الجحيم! على الأقل أ،ا أخطئ أو أصيب، أما أنت فماذا تفعل؟ سوى أنك لا تخطئ ولا تصيب، بل تدور حولي في الليل والنهار، مشجعاً ومنبهاً ومحذراً، كأنني أحبوا على قدميّ، بل أقف مستقيماً على رؤوس الأصابع لأشرف من هنا، من هذه النافذة، على ...
مرافق الأمير: أعظم انجاز في التاريخ. وداعاً. (يخرج المرافق ويصفع الباب حوله).
الأمير: (باستهزاء) وداعاً؟ وداعاً! الآن أستطيع على الأقل أن أحلم وأصرخ وأبكي كما أريد، فأنا حر ووحيد، حر وشاهق كالجبل، قادر على إشعال الجليد وإطفاء النجوم، بل قادر على إرضاع جرائي الضارية حتى الاختناق، لا بتلك الخزعبلات والتنهدات، ولكن بهذا السوط ـ كل شراييني بقسوته ومرونته. (ساخراً) يحدثني عن الشعب ذلك المرافق التعيس، وكأنني أعيش فوق السحب. لقد رأيتهم على أطراف الحقول والذباب يحوم على فؤوسهم. ورأيتهم في السجون البعيدة يصلون كالرهبان من أجل الوطن، ويتشاجرون بالسلاسل من أجل قطعة مخللات.
الخادم: (يدخل فجأة) لقد انتحر مرافقك يا مولاي.
الأمير: (بدهشة) انتحر؟ وضيفنا العظيم آتٍ بين لحظة وأخرى؟
الخادم: مولاي إن منظره لرهيب، إنه مكبٌّ على الطاولة هناك وكأنه يشرب من المحبرة.
الأمير: عله أطلق على نفسه الرصاص؟
الخادم: لا يا مولاي، لقد غرس خنجراً ما في أحشائه. وهو ما زال ممسكاً بالقبضة وكأنه مُصِرٌّ على موته. سيدي، ألا تلقي نظرةً على جثمانه قبل الدفن؟
الأمير: لا وقتَ لديّ. أرسلْ لي جثَّته مع البريد غداً.
الخادم: لقد كان صديقاً مخلصاً لك يا مولاي.
الأمير: كان صديقاً مخلصاً ومات، ماذا أفعل له؟
الخادم: (مرتبكاً) لاشيء، كنت أظن أن بإمكانك أن تفعل له شيئاً.
الأمير: إنني أسمع وقع حوافر في الشوارع. لا بد أن قديسنا العظيم قد أتى. أسرعْ أيها اللعين، واقرعْ الأجراس. كن جرساً واقرعْ نفسك أيها الخادم. قل للآخرين أن يطلقوا المدافع وأسراب الحمام. أريد جموعاً لا نهاية لها، تهتفُ لضيفنا العظيم وأطواقُ الزهر في أعناقها. أسرع أسرع. فور أن أطفئَ لفافتي هذه، يجب أ، يشتعل شعبي حماساً وضجة.
الخادم: سمعاً وطاعة يا مولاي. (ينصرف).
(في الخارج صهيل وقعقعة سيوف ولهاث فرسان متعبين).
أصوات: يحيا الحبُّ والمطر.
الأمير: أيها الحراس، يا عمالقة المطبخ، أبيدوهم كالحشرات، كلوهم مع صُررِهم إذا لزم الأمير، ألا تسمعون؟
الحرس: (يهرعون إليه) إننا نسمعُ يا سيدي.
الأمير: تدبروا أمرهم بطريقة ما. هشّوا عليهم بالسياط في الوقت الحاضر.
حارس: ولكن الظلمة كثيفةٌ والريحُ لا تطاق.
الأمير: ولكننا في وضح النهار أيها المجنون.
حارس: أعرفْ يا مولاي، ولكن الظلمة كثيفة وكل شيء غائم وداكن.
الأمير: أضيئوا المصابيح واجلدوها، أشعلوا النيران في أفواههم وأرغموها. (صهيل الجياد يرتفع ووقع الحوافر يشتد في الخارج).
أصوات: لا تفكر كثيراً أيها الأمير الشاب
لا تضربْنا بالسياط
انفخ علينا فقط لتسقطَ جلودنا كدهان الطاولات
أو أرسلْنا في عرباتٍ مطفأةٍ إلى السجون
حتى العصافير هناك تحلّق وأعشاشُها في أعناقها
حتى الرفاق الصغار يمرحون عند الأصيل
وأكفانهم ملفوفةٌ مع ورق الزكام
أو اضربنا، اضربنا
حتى تنكسرَ القصبةُ ويسيلُ الدم على الراحتين
فجلودنا القديمة معبَّأةٌ في جيوبنا
وأهدابنا الرائعةُ أكواخٌ للعصافير.
الأمير: يا عمالقة المطبخ، قولوا لهم ليذهبوا إلى الجحيم! المهم أن يبقى الوطن.
أصوات: نعم، ولكن كسمكةٍ لم يبق منها غير الحسك.
الأمير: (مشيراً بوسطه إلى الفضاء والشوارع) بل بقيت أشياء كثيرة لا تُحصى.
أصوات: نعم، بقي الموت والسلّ عند الغروب
بقيتْ رفاتُ القمر وغضاريف النجوم
بقيَتْ دوراتُ المياه، الأزرار المفضّضة، أنابيب الغسالات
بقيت الأجراسُ وحلقاتُ الأبواب
ولكن لا أحدَ يقرعُ ولا أحد يجيب.
(يدخل إلى مكتب الأمير الضيف العظيم، وهو العازب المصاب بالشذوذ الجنسي الذي كان معتقلاً مع الأمير).
الأمير: لتزهرْ أغصانُ العالم فوراً ولتنفضْ عبيرها على هذه اللحية المباركة لك حبي العظيم أيها القديسُ الرائع. إن جسدي المتواضع والمنهك من حمل أثقال المجد، ليخجل أن ينحني مرَّةً واحدة لأجلك.
القديس: لقد قطعتُ فترة تعبّدي وزهدي من الحياة الدنيا، وجئتُ إليك مهنئاً ومباركاً يا أميرنا العظيم. لا من أجل النكتة اللطيفةِ وقضمِ الفاكهة حول الموائد، ولكن من أجل الفضيلة والشرف يا مولاي.
أصوات: وأخيراً التقتِ الذئابُ وتشابكتْ أنيابها المخضبة بدم الضحايا والغلمان البائسين، هناك خلف الستائر ، فارحلْ يا مطر ولا تعد إلينا.
القديس: ماذا يقولون يا بنيّ؟ إنني لا أفقهُ شيئاً؟
الأمير: إنهم هائجون من الفرح، مجندلون على الأرصفة من نورك المتدفق كالشلال. اجلسْ هنا حيث الصيحاتُ الرائعة تأتيك مع الرياح. حيث رذاذك ينطلق إلى صدرك الخطيئةِ كالرصاص.
أصوات: أيها الأميرُ الشاب التفتْ إلينا
نساؤنا ينتظرْنَ فوق التلال
وأثداؤهن ترنُّ كثمرِ الخشخاشِ في الريح.
القديس: يا للفحشاء.
أصوات: لا نريدُ مطراً أو حُبَّاً
ولكن سيوفاً مسلولة لقتلنا أو وداعنا
ولكن قل فقط: وداعاً أيها الرفاقُ القدامى.
القديس: وزعوا عليهم بركاتي.
أصوات: لقد رأينا الخاتم بيده واللآلئ على سيفه
ذلك القديس العظيم
ولم يشهرْهُ لتحيَّتنا، بل إلى صدورنا.
القديس: للمرة العاشرة أقولُ لا أفقهُ شيئاً يا بنيّ. (حجر يحطم النافذة) . يا إله السموات. (يتمتم بالصلاة).
الأمير: (مرتبكاً) مولاي، الجماهيرُ بركانٌ ثائر. ولكنني قادرٌ على إغلاقه كالزجاجة. ولكن ساعة تشاء. لقد فتحوا فجوةً في النافذة، كي نسمعَ سوية، أنا وأنت، أناشيدَ الحبّ والولاء. اصغِ يا قديسنا العظيم. ضع راحتك تحت هذه اللحية المباركة واصغِ. إن زفير أنوفهم يرغمُ كل قطارات العالم على التراجع. (يطل الأمير من النافذة ويخاطب الجماهير)، آه لقد حطمتم النوافذ المحصّنة يا أحبائي. إن ليل الوطن باردٌ طويل ولسوف تلسعُ الريح الغاضبة ظهرَ قديسنا العظيم.
أصوات: إنك تحطّمُ قلوبنا كالزجاج يا مولاي.
أن تلسعَ الريحُ ظَهْرَ قديسنا العظيم أو لا تلسعه
فإنها فائضةٌ عن ظهورنا.
لقد قصَّتْ علينا الجداتُ المسنّات
تحت ضوء القناديل ونيران الأكواح
أن على الظهور الملسوعة
يجلسُ الوطن ويبني عشَّهُ كاليمامة.
إننا نعتذر
والريحُ تعتذر
والسنابلُ المحلّبة تعتذر
ترسل تحياتها إلى المعاطف الثمينة أغطية المدافع.
إننا نسمع ما يُقال وما لا يقال
يخبرنا الجنونُ بذلك
يخبرنا المرضُ في المستنقعات
والسعال الآتي مع الرياح.
إن أعناقنا لن تنحني الآن لدفن موتانا
وإذا لم نصرخْ فقد صرختْ عنا خرافُنا.
الأمير: اقطعوا أعناقهم أيها الحرس، واتركوا صراخهم يسيلُ مع الدم على الكتفين.
أصوات: اقطعها متى تريد. إنها ممراتٌ للحزن، للقبلات المردودةِ على أعقابها.
القزم: (مندفعاً إلى الأمام ومخاطبا الأمير بيأس وانفعال زائدين).
عاملْنا كأحذية، كمسامير، ولكن لا كلا شيء. الشرفُ والحرية يقضيان ذلك. نُصُبهما المحدودبةُ والمكشّرةُ عن أضراسها المعدنية في الساحات تنبئنا بذلك.
الأمير: (صارخاً بالقزم) إنني لا أسمح أبداً. (حجارة تقذف على النوافذ).
القزم: (للأمير) أعرف ماذا ستقول أيها الجبان، يا ذا الرأسين اللعينين. أعرف أنك ستقول بأنك لن تسمح لرجلٍ امتطى عنزةً بعمر والدته في أحلك الساعات التي مرَّ بها الوطن، أن يحدثك عن الشرف والحرية. لنفترض أنني امتطيتُ عنزة هرمة إن لم تمت هذا الشتاء ماتت في الشتاء القادم، ولكنك أنت تمتطي شعباً بكامله. شعباً لن يموت هذا الشتاء أو الشتاء القادم، بل سيظلُّ يتناسل كالذباب، ضارباً عرض الحائط بكل قواعد القذارة والطيران، ليحطّ على أزهار لن نتنشّق رائحتها أبداً، على أفواه لن نسمعَ صراخها أبداً. فالصراخُ راسبٌ في الأحذية وقاع الشرايين. أيها الغريبُ الذي عاملتُهُ كطفلي، يا من ودّعته ودمعهُ يتحدّرُ على وجهه كالشلال، إن الوطن والحرية ليسا سوطاً وقفازاً وبصاقاً حول الشفتين. إنهما...
الأمير: أطلقوا الرصاص قبل أن يقول ما هما. (القزم يهوي على الأرض مخضباً بدمه}.
الخادم: سيقولها آخرون يا مولاي.

(ستار)

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:54 AM
العصفور الأحدب 4

(قاعة محكمة منخفضة السقف جداً ومظلمة جداً. القاضي يجلس خلف طاولة مرتفعة تأخذ كبيراً من ساحة القاعة، وقد تدلت السياط المجدولة من زواياها. حاجب مدجج بالسلاح على يمين القاضي. المتهم يقف بعيداً كالجرذ في الجانب الآخر من القاعة، وخلفه صورة جمجمة وعصفور معلقة على الحائط. هو نفسه صانع الأحذية الذي كان معتقلاً في الصحراء).

القاضي: ليس من أغرب الأمور، بل من أكثرها شناعةً واستهتاراً بالمثل والتقاليد، أن يخرجَ صانعُ أحذية قذر، لم يرَ في حياته سحابة أو عصفوراً، من حانوته ويتجولَ حافياً مع زوجته وأطفاله على الزجاج المحطم، مطالباً بالمطر والحب. أحبَّك الجحيم! هيا تقدم.
المتهم: لقد تقدمت ما فيه الكفاية يا سيدي.
القاضي: قلت تقدمْ، ولا تجعلْ الانكسار والمذلة شعارك الخالد منذ الآن.
المتهم: سيدي، يكاد أنفي يلامس حذاءك.
الحاجب: وماذا في الأمر؟ إنه أنظف من كل أنوف العالم، إنه الممثل الشخصي لمولانا الأمير.
المتهم: أعرف ذلك ولكن...
الحاجب: ولكن ماذا؟ (يصفعه على وجهه).
المتهم: لكن لا شيء. أرجوكم ، أو بالأحرى أرجوكما، سأتقدّمُ في الاتجاه الذي تريده العدالة والتاريخ والمسافة التي ترضي سيدي الحاجب. سأقفُ على الطاولة إذا اقتضى الأمير. ولكن مهما كان وضعي قميئاً ومنحطاً، لا أحبُّ أن أخاطب حذاء ما.
الحاجب: إنني لا أطلب منك التقدم كي أهيمَ على صدرك وأنتحب، ولا لكي أتأمل هذه الأسنان الجاحظة والمهيأة كالبنادق لقضم أي شيء، أي شيء حتى هذه العنق (مشيراً إلى عنق القاضي) أليس كذلك؟
المتهم: (بصوت خافت) هذه العنق أو غيرها، عندما أرى طفلي يفكر في كثير من الأحيان بالتهامِ شقيقته الرضيعةِ وهي نائمة.
الحاجب: نحن هنا في محكمةٍ وليس في مطعم.
المتهم: أعرف ذلك يا سيدي.
القاضي: (بعد أن يلتفت إلى الحاجب) قد تعرف أنك في محكمة وليس في مطعم، ولكنك لن تعرفَ أبداً أ، حياتك كلها مسطَّرة في هذا الملف، وأن عدالتنا لا تجلسُ على السطوح حتى تتكهَّنَ بنتائجها كما يلوح في عينيك. إنها تختفي وتبرزُ ساعة تشاء، ولكن فيما يضمنُ مصلحة الدولة وسلامة المواطنين.
المتهم: أعرف يا سيدي أن ملفّي كبير كبير، وأن عدالتكم، بل وكل عدالة في العالم، تختفي وتبرزُ كمخالب القط ساعة تشاء. ولكن ما أعرفه أيضاً أنه مهما تكن تلك المخالب صلبةً وحادة فإنها مقوّسة، ولذلك من المستحيل أ، تسيرَ بشكل مستقيم. ثم لا أظن، من جهة أخرى، أن هذا الشيءَ الموضوع قرب ابريق الماء (مشيراً إلى الملف) هو حياتي، أو حياة مسمار صغير في حانوتي.
القاضي: لقد كتبه رجال مختصّون وعادلون، وأي شك في هاتين النقطتين هو كالشك في حرارة النار وبرودة الصقيع.
المتهم: كما تريد يا سيدي، ولكن...
القاضي: ولكن ماذا؟
الحاجب: (للقاضي) لا تضرخْ كثيراً: لقد ثقبت أذني. (للمتهم) هيا، ولكن ماذا؟
المتهم: لا شيء. ولكنني عندما فكرتُ منذ لحظة بان كل ما قاسيتُهُ وسأقاسيه من مرض وحزن وزواج وولادة، مختصرٌ بهذا الشكل ـ كحاشيةٍ في دفتر بقال ـ شعرتُ بأن الحياة ليست غير محتملة فحسب، بل أن مجرد التفكير بها أكثر قسوةً من سقوط سيف مشهور على رأس القلب. وأن كلّ ما أحسُّ به ولا أحسُّ لا معنى له على الإطلاق. قل ما تريد وسأجيبك كما تريد. إذ الاختصاص والعدالة شيئان هائلان أحني لهما كل ما تبقى من الأشياء المنتصبة في جسدي المتواضع هذا.
الحاجب: وهذا ما تريده بالضبط، لأن هذه المحاكمة ليست وسيلة لنكء الجراح والتدقيق بالنظارات في شؤون الحزن والزواج والولادة، بقدر ما هي طمرٌ خارقٌ وفذّ لكل هذه الأمور، ولتكون من جهة أخرى ضماداً تاريخياً لكل الجراح التي فُتِحَتْ بالأصابع، في قلب الوطن، باسم الحرية والجنس والمداعبات السرية، وبقية تلك السخافات التي تكرع منها قبضاتكم كما يكرعُ البطّ في الماء.
المتهم: أرجوك أن تقرأ الوقائع.
القاضي: ولمَ العجلة؟ هل نحن في قطار؟
المتهم: لأنني لا أعرفها.
الحاجب: تعرفها أو لا تعرفها، ستحاكم بموجبها. اقرأ أيها القاضي.
القاضي: سأقرأها فوراً يا سيدي.
الحاجب: اقرأ المقدمة فقط، واترك التفاصيل للتاريخ.
القاضي: نعم للتاريخ يا سيدي. (القاضي يزم شفتيه على لفافته، ويتشبث بالملف كأنه يقود سيارة).
منذ ألف عام، أو بعد ألف عام، لا نذكر، في الربيع أو الخريف، لا نذكر، شوهد المتهم بصحبة امرأةٍ حنطية اللون ممزقة الثياب مع عدد من الأطفال، يسيرون الهوينى تحت الغمام الشفاف بطريقة لا تتفق أبداً مع ما يتطلّبُهُ هذا الوطن من صلابةٍ ومجد، ويحمل كلٌّ منهم سنبلةً جافة كالخشب، باحترام بالغ وحنان لا يوصف، كما يحمل الكهنة شموعهم في المعابد ، يتعانقون ويهتفون علناً في الشوارع المقفرة وأمام النوافذ المغلقة: "يحيا المطر والحب". كما كان المتهم والمتهمة يقبّلُ واحدهما الآخر علانيةً كلما مرت سحابة من بعيد، دون أي شعور بالخجل والمسؤولية تجاه رغبتنا في المحافظة على سرية النصوص وعظمة الشرائع...
المتهم: (مقاطعاً) سيدي، سيدي، وما الجريمة في أن يحملَ عاشقان ما سنبلتين محطمتين؟ ما الجريمة في ذلك؟ هل تريد منهما أن يحملا مسدسين ليكونا مواطنين شريفين نبيلين.
الحاجب: قاطعني مرة أخرى لأنهي هذه القرار بدمك تابع أيها القاضي.
القاضي: وعندما اقترب أحد رجالنا من المتهم للاستفسار منه عن سرِّ هذا التصرف المرعب، زجره بقسوة وضربتْهُ المرأة العاشقة بسنبلتها ضرباً مبرحاً على فمه ويديه، مما سبب له رضوضاً عميقة وواضحة إلى أقصى الحدود. وبدلاً من أن يلتقطاه عن الأرض ويضمّاه إلى صدرهما بحنان، التقطا سنابلَ القمح المضرجة بدمه وراحا يطيران تحت أوراق الخريف. ولكن عندما استيقظ المجنيُّ عليه لحق فوراً والدمُ ينزف من فمه وأصابعه، وطلب بطاقاتهم الشخصية والتوقيع على مذكراتٍ بالقبض عليهم، فرفضوا بل وسخروا منه وهو في قمة آلامه وانفعالاته، حتى أ، أحدَ الأطفال تناول الورقة منه وهزّها طويلاً بيده ثم جعلكها ووضعها في فمه وهو يضحك واللعابُ يقطر من طوقه الأزرق الجميل، يضحك ويضحك وينظر إلى عينيّ الحارس الغاضبتين القانونيتين. حينذاك لم يجد بدّاً من تأدية واجبه فاطلقَ الرصاص على الطفل. وهنا جُنّ جنون الوالدين، وأخذا يزعقان ويشتمان، وينثران التراب على رأسيهما، بينما الطفلُ القتيل لم يتحرك. بل بقي مكباً على وجهه، وساقاه منفرجتان، وكأ،ه سيمتطي دراجته الصغيرة بعد لحظة.
ولذلك، ونتيجة لهذه الجريمة الخطيرة، قرّرنا أنا وحاجبي، بناء على السلطة الممنوحة لنا من مولانا الأمير، توقيف المدعي عليه في سجن الحرية المركزي، ومنع وقوع المحاكمة عن الخريف لأنه هجر الوطن سحابة إثر سحابة بعد وقوع الحادث. ثم فرض الإقامة الجبرية على الأم في صحراء من الرمال، مع مصادرة كافة أمشاطها وأقراطها وأدوات زينتها، ومنْعِها منعاً باتاً من الحنين إلى زوجها وأطفالها قبل انتهاء التحقيق، ثم تحريم اللعب على الطفلين الباقيين ، وحجزِ كل منهما في قفصٍ صغير للأرانب في صحراء أخرى، مع مصادرة كافة لعبهما وأطواقهما الجديدة والقديمة، حتى يصدرَ أمرٌ معاكس لذلك.
قرار قطعي غير قابلٍ للنقض أو الطعن...
الحاجب: ولو نهض جميع مؤرخي القانون وأطفال العالم عراةٌ من قبورهم . (فترة صمت).
المتهم: (يمسح العرق عن وجهه) سيدي، سيدي، لا أعرف فعلاً بأي لغة أهنئك. إن الإنسانية كلها، التاريخ بمجمله، ملخص في بضعة سطور. كان يجب أ، لا تلقى والنوافذ مفتوحة هكذا.
القاضي: إنني لست بحاجة إلى مديح، فرسائل الاعجاب تملأ أدراجي، ولن يتغيَّر موقفي من جريمتك النكراء ولو أمطرتني مدائحك كالسهام.
المتهم: معاذ الله يا سيدي؛ ولكنها المفاجأة، الدهشة العظيمة لرؤية العالم مقذوفاً بكل وميضه الجاهلي ككرة القدم إلى الوراء، ممزقاً شبكة المرمى، مطيحاً بالقسم الأعظم من المتفرجين. إنها القناعة المطلقة بما تقول وما لا تقول، هي التي جعلتْني أحلم الآن بالموت تحت المطر، بقواربَ مهشمة يسيل على صواريها المتأرجحة دمُ العصافير ودم الأطفال. الطعنةُ العميقةُ خارج الجلد هي التي جعلتني أتوجّس وأنهار، غارساً أصابعي حتى نهايتها في هذه الأرض التي انجبتْك صدفةً كالينبوع، كالطوفان. آه، النجدة النجدة. يا طفلي الصغير الحبيب، إنني أختنق. (يتكوم على قدم القاضي وينتحب).
القاضي: قف بعيداً ، هناك. لسنا بحاجة إلى مزيد من الدموع.
الحاجب: عندنا مستودعاتٌ منها. تابع أيها القاضي.
القاضي: نعم يا سيدي.
هناك تماثيل من البرونز لجبناء ولصوص، نُصُبٌ تذكارية لبغايا، أسوار من اللؤلؤ والياسمين لجواسيس يحملون وطنهم في محافظهم، فرسانٌ بعمر الورود دخلوا روما وخرجوا منها وأحشاؤهم معلقةٌ من أطراف سيوفهم، في طريقهم إلى المنفى، رجالٌ تافهين دخلوا دورات المياه وخرجوا منها في طريقهم إلى العرش.
ولذلك فنحن لا نريد أن نسبحَ في الأخطاء مرة أخرى. سنمخر عباب العالم وسكين التصفية بين أسناننا، وعلى السفن أن تبحر في أقصى الظلمات وأحلكها على حرائق المسافرين ونيران الحبال وزوارق النجاة، إذا كان الوطنُ محاصراً في جزيرة ما. ن الأطفال والعصافير والفراشات والأحلام الصغيرة، لا يحقّ لها شرف أ، تكون حتى نقطاً أو فواصل في صفحات التاريخ، وعلى حناجر البلابل ذاتها أن تُسْحقَ سحقاً إذا كانت أغنيات المستقبل شؤماً في آذان الريح.
ما هي قيمة طفل بحجم العلبة، بالنسبة لتلك الأساطيل المهشمة، والمضخّات التي تستخلصُ حتى القطرة الأخيرة من فم الجذور وتقشّف الينابيع؟
ما قيمةُ بكاءِ فلاح مجهول، أو قلق عاشقة في مقهى مجهول، بالنسبة لضحكات الأبناء العائدين من النصر؟
ستقول لي: ولكن القسوة يا سيدي ليست في أن ترى شعباً غارقاً بالدم، أو حضارةً موشكةً على السقوط وابطها بمتناول يدك، ولا تفعل شيئاً، بل في أن ترى فراشة صغيرة تتزحلق منذ الظهيرة على الزجاج وتلبطُ في الهواء بفخذيها الرفيعتين دون جدوى، وتراها في منتصف الليل وهي ما زالت تتزحلق على الزجاج وتلبط الهواء بفخذيها الرفيعتين وهي تلهث دون جدوى، ولا تفعل شيئاً. ولكنني سأجيبك على كل ذلك بأنه هراء. الطفولة بذرة الصراخ والريح موطن ومناخ، أما الورودُ والفراشات والأحلام الصغيرة، لا كرمز بل كورود وفراشات وأحلام صغيرة، فهي شبحٌ سري يهدّدنا من أعمق أعماقِ جذورنا.
هل يتحدث العشاق في المقاهي عن الدمامل المتفسِّخة في المستشفيات، وارتجاف العمال في المجارير؟ أبداً، أنهم يتحدثون عن الورود والأحلام الصغيرة، حيث يرقد صراخ المستقبل ورعبُ الناشئة، عندما تهرمُ المرأة التي أحبّوها وتتجعدُ النهود والأصابع التي داعبوها، ويغطي غبار الحروب جدران المقاهي، وأكوابها المتقابلة على أطراف المناضد.
هيا، ليلتقِ العبيدُ والفولاذُ في مكان ما، كذئبين كاسرين في غابةٍ مزهرة أو شارع يغمره الوحل، وهذا مسدسي جاهز لرصاصة الخلاص.
هيا. إنني لا أ‘لمُ كيف تتمُّ مثل هذه الأمور، ولكنها تتم وليس من اختصاصي أن أعرف كيف. كلُّ ما يهمني هو أنني ألبس قميصاً نظيفاً كل يوم، وآكل ثلاث وجبات كل يوم، وأضاجع زوجتي ساعة أشاء وأنا أفكر بترقيتي المحددة بتاريخ محدود. ولكن من يجوع؟ من يعرى؟ من يضاجع عنزة؟ هذا ليس من اختصاصي. إن الأشياء أجنحة يضرب بعضها بعضاً وتنزف، تختلط وتهدرُ كالماء، ونحن ندور فوقها كالنواعير. والآن ماذا تريد بعد ذلك كله؟
المتهم: أريد طفلي يا سيدي.
الحاجب: (صارخاً) لقد أغلقنا هذا الموضوع.
المتهم: ولكن هذا لا يجوز يا سيدي، كأنك تغلق بذلك فمي على كتلةٍ من النار. إ، الطفل لم يبرح ذاكرتي.
الحاجب: (ملتفتاً إلى القاضي) سيدي لم أعد أطيق الانتظار. (ملتفتاً إلى المتهم) أوتسمي تلك القطعة البذيئة من اللحم طفلاً؟ لا يزن ثلاث أقاتٍ بعد رضاعته.
المتهم: ولكنه طفلي. ولم أنجبه بمخابرة هاتفية.
القاضي: حسناً، حسناً. ما لون عينيه؟
المتهم: زرقاوان.
الحاجب: بل سوداوان.
المتهم: ولكنهما زرقاوان، كل جيراننا يعرفون أنهما زرقاوان.
القاضي: ولكن ما هو مكتوبٌ أمامي أنهما سوداوان.
المتهم: إذاً سوداوان.
القاضي: لا تغضب، إنه القانون.
الحاجب: لقد بدأ المهرُ يحني عنقه.
القاضي: يشمشم الأرض ويرفس.
الحاجب: يكفي. تابع.
القاضي: ما عمره؟
المتهم: ثلاث سنوات.
القاضي: ولكن ما هو مكتوبٌ أمامي يؤكد أن عمره سنتان.
المتهم: ولكن عمره ثلاث سنوات يا سيدي.
القاضي: قلت سنتين ولن أضيف ساعة واحدة بعد ذلك.
المتهم: ولكنني أعرفُ عمرَ العصافير التي غردت ساعة ولادته.
القاضي: مستحيل. إنه القانون.
المتهم: سيدي. ليجلس القانون في حجري ويلفّ ساقاً على ساق. قد تكون له علاقة بالسياسة ، بالاقتصاد، بالرشاشات، ولكن ما علاقته بطفل صغير، أو بعمره ولون عينيه؟ سيدي، حدثني مرة أخرى عن القانون وسأطيرُ من النافذة. (بصوت خافت وحزين، وهو يكاد يبكي) سيدي أؤكد لك، أؤكد لك يا سيدي ، أنك لم ترَ في حياتك كلها ثوباً صغيراً معلقاً إلى الحائط دون أصابع صغيرة خارج أكمامه، دون حلوى في جيوبه.
القاضي: وهل تريد أ، تعلّقه ميتاً على الحائط؟ لقد قُتِلَ خطأ وانتهى الأمر.
المتهم: سيدي، وما الفرق في أن يموت خطأً أو يموتَ على الآلة الحاسبة؟
الحاجب:هل تريد أن تتحدث عن دوافع الجريمة، وإلا انفجرت بك وبالعالم أجمع؟
المتهم: طبعاً طبعاً، سأتحدث عن دوافع الجريمة. انني أعتر. لقد كان موضوعُ الطفل جانبياً بالفعل، لأنني قطفتُهُ عن شجرة ، أو كبست زراً على بطن أمه فأنجبته. أنني أعتذرُ مرة أخرى، ولكنني حائر كيف أبدأ، لأن ما حدث شيءٌ فظيع، فظيعٌ جداً، وعليّ أن أتحمل نصف النتائج على الأقل: وإلا ما معنى تحية العلم في الزمهرير، ما معنى كل الجماجم التي دُحرجتْ عبر التاريخ من أجل العدالة والمساواة؟
الحاجب: سيدي، هل تسمح لي بأن أدحرجَه قليلاً أمام هذه المنصة ؟
القاضي: لا، ليس الآن.
الحاجب: (يبكي) أرجوك يا سيدي.
القاضي: ليس الآن، ليس الآن. لقد انتصف الناهر ونحن ما زلنا نقفز كالجرادِ على أبواب الحادث . هيا تكلم أيها المتهم.
المتهم: إذاً لن تسمحَ له بدحرجتي أمام هذه المنصة؟ شكراً يا سيدي، شكراً.
القاضي: هيا، تكلم في صميم الموضوع، في صميمه تماماً.
المتهم: ؟ ولكن طفلي قُتِلَ مع جدته أمام قصر الأمير ودُفِنَ في ذات اللحظة.
الحاجب: (صارخاً ومزمجراً) وهذه الصفحات؟ هل أدفنها في أحد الأدراج؟ يجب أن تحاكم بموجبها.
المتهم: ولكن لا صحة لها.
الحاجب: لا يهمني. لقد دوّنها رجال مختصون يتقاضون راتباً من الدولة، ووضعوا لها تاريخاً وحاشية ورقماً متسلسلاً، وشطبها بعد كل ذلك كشطب وجهي بسكين.
المتهم: إذاً أريد شهودي.
القاضي: من هم شهودك؟
المتهم: حبيبتي وأطفالي وأوراق الخريف. (تهب رياح قوية في تلك اللحظة تقلب الأوراق عن المنضدة، وتضرب الستائر يميناً وشمالاً).
القاضي: وهل يأتي الخريف؟
المتهم: نعم يا سيدي.
القاضي: (فزعاً) هل أنت جاد أيها السيد؟
المتهم: نعم يا سيدي. (الريح تشتد وتعصف بقوة).
القاضي: (بذعر) كيف ومتى ؟ أخبرني بذلك، أرجوك.
المتهم: سيأتي من النافذة، أو المحبرة ، حزيناً يشهر سيفه.
القاضي: يا إلهي!
المتهم: ساخطاً ومقهوراً، وكل حضارات العالم ملصوقةٌ على وجهه كالتواليل. (تظلم السماء فجأة وتكفهر، وتبدو زوابع الغبار من الخارج وكأنها تريد أن تلتهم وتدمر كل شيء.
القاضي: يا إلهي!
المتهم: ستستيقظُ ذات صباح لتجد كل شيء أصفر
وشاحباً عينيك وأوراقك
زوجتك وأطفالك وأسنانك ومدافعك
وكأن كل مرارةٍ في العالم قد انفجرتْ
وسالت على مبعدةِ أمتار من مكانها.
القاضي: (بهلع كبير) أيها الحاجب، نادِ الشهود . نادِ الشهود.
الحاجب: تعالي أيتها المرأة. (المرأة تجيب).
تعالوا أيها الأطفال. (الأطفال يجيبون).
تعال أيها الخريف. (صدى).
تعال أيها الخريف. (صدى).
تعال أيها الخريف. (صدى).
سيدي، الخريف لا يجيب.
القاضي: (باطمئنان ممزوج بالشعر) أسمعت؟ أسمعت؟ انه لن يأتي.
المتهم: إنه يتحفز يا سيدي.


(تدخل زوجة المتهم، وهي امرأة جميلة حنطية اللون ممزقة الثياب وقد تدلى نصف ثدييها إلى الخارج، فزعة ملهوفة، يجرها حارسان عملاقان ويطرحانها متهالكة وسط المحكمة، وبجانبها حارس جريح)
القاضي: (مغطياً وجهه بيديه) ما هذا ؟ هل أنتِ على شاطئ البحر؟
الزوجة: (تحاول ستر عريها) إنني ... إنني ...
المتهم: لا ترتبكي يا يمامتي. قفي كما أنت.
القاضي: لا يجوز. لا يجوز.
المتهم: (صارخاً) ولماذا لا يجوز؟ هل تتهيَّجُ العدالة؟
الجريح: إنها تبدو كقديسة بالنسبة لما كانت عليه عندما وقع الحادث يا سيدي.
المتهم: يا للشهامة. إنني واثق من أ،ه لا يعرف الفرق بين جبل عرفات وجبل طارق.
الزوجة: بل أنا واثق من أنه لا يعرف كم ثدياً لأمه.
الجريح: سيدي، هذا نموذج بسيط لما قاسيته منهما عندما وقع الحادث.
الزوجة: (للقاضي) ليتك كنت هناك يا سيدي.
المتهم: أي بمعنى أنك لن تكون في أي مكان.
الجريح: إنهما يكذبان. ليتني أستطيع أن أُريك آثار لكماتهما عندما وقع الحادث. لقد حطّما كبريائي بفأس، ولطخا معطفي الجديد هذا بلُطخٍ لن تزول إلا بدمهما.
الزوجة: ودم الطفلين الباقيين، أليس كذلك؟ (تبكي).
الجريح: هذا أتركه لعدالة المحكمة.
المتهم: يا يمامتي الغالية، إنك تحتضرين.
الحاجب: لا احتضار أثناء المحاكمة. بل الاحتضار حتى أعود. (يخرج).
الزوجة: (للقاضي) سيدي، إنه يطالب بدمنا لازالة تلك اللُّطخِ عن وشاحه الجميل هذا، ولكنني أؤكد له أنه ما من مصبغة بشرية في العالم يمكنها أن تزيل ما على وشاحه الجميل من أدران. ليس دمنا فحسب، بل دماء الملايين. أما دم الطفلين الصغيرين، بل دم كل أطفال العالم، فلن يكفي حتى الياقة أو الأزرار. (توجه كلامها للجريح) إنني أقطفُ لك نهدي بأسناني، وأقدمه لك هدية وتعويضاً عن ذلل الحادث الرهيب. ((متهكمة) عندما وقع الحادث... عندما وقع الحادث ... منذ أولِ الجلسة وأنت تقول وتتلعثم: عندما وقع الحادث... عندما وقع الحادث... (صارخة) هيا انطق هذه الجوهرة.
القاضي: (صارخاً أيضاً) أن ما تقوله صحيح، فأنا شخصياً أصبح عندي شبقٌ قضائي لمعرفة هذا الحادث.
الجريح: لقد شتماني وضرباني بسنبلة.
القاضي: ماذا قلت؟ شتماك وضرباك بسنبلة؟
الجريح: (يبكي) بل بسنبلتين يا سيدي.
القاضي: وأنت بوشاحك الجميل هذا؟
الجريح: وهل كنت أقوم بواجبي عارياً يا سيدي؟
القاضي: هيا، تكلم في الموضوع مباشرة. يا للعار!
الجريح: (وهو يمسح دموعه بكمه) سيدي، إن الدنيا كلها غائمة في رأسي، بل كلُّ شيء غائمٌ ولعين. كنت أقوم بواجبي في شارع مقفر، عندما سمعتهما يهتفان للمطر والحب. وكل ما فعلته عند ذلك أنني زمجرتُ قليلاً وطلبتُ بطاقاتهم الشخصية، فرفضا. أما الطفل فقد لي طابته. سيدي أن ما حدث شيءٌ لا يحتمل، وغوصي في الموضوع أكثر من ذلك يعني دماري دماراً كاملاً كفنان وانسان متصوف مجهول. أطلقتُ الرصاص على الطفل دون أن أسيءَ بكلمة واحدة إلى والديه. فهشماني على أثرِ ذلك بالسنابل. (يبكي ويتابع كلامه) سيدي، لي رجاءٌ واحد فقط، لقد ذُكر في إفادتي الآولى أن الحادث وقع في الخريف. أنني أريده أن يكون في الربيع.
الزوجة: سيدي، أنه ليس كاذباً فحسب بل هو عالم ذري في هذا الميدان.
الجريح: (يبكي) سيدي، أنظر ، يريدان أن يضرباني. إنني لن أقبل هذه الإهانات تحت وقس المحكمة.
القاضي: لا تبتئس يا بني، فكرامتك ستُرَدُّ إليك وكأنها محفوطة في مصرف.
المتهم: (صارخاً بجنون) سيدي، لم أعد أطيق هذه المهزلة، بل لم أعد أطيقُ واحداً من عشرة منها. أريد أطفالي شهوداً، الآن ، وقبل أن أزدرد لعابي.
القاضي: ليدخل الأطفال. (يدخل حارس مدجج بالسلاح، يحمل قفصين في كل منهما طفل، ويضعهما عند قدمي القاضي.)
الزوجة: رباه انظر. (مخاطبة لا أحد) انظروا ، لم يلتفتا إليّ. إنهما بم يتعرفا عليّ.
المتهم: قد يظنانك القاضي نفسه، أو قد يظنان القاضي أبريقاً أو منشفة.
الزوجة: يا إلهي! انظر، لقد شابت أصداغهُما الصغيرة وتجعَّدَ أنفاهما كالكهول.
القاضي: سكوت. (يوجه حديثه للطفلين وهما داخل الأقفاص) أأنتما شاهدان أم متهمان؟
الطفلان: أخرجْنا من أقفاصنا لنقول لك.
القاضي: ولماذا ؟ حتى تجعلا هذه المحكمة كغرفة استقبال بعد ذهاب الضيوف؟ أخرجهما أيها الحارس.
(يخرج الطفلان من قفصيهما، وقد غطاهما الشيب وكستهما الأقذار).
الزوجة: رباه، لقد شابا كأسرى العصور الحجرية. انظر. برعمان صغيران يغطيهما الشيب. (تنتحب).
المتهم: يا طفليّ القذرين، إنكما أشبه بقطعتين قذرتين من الثلج الشاحب، بل كآثار كعبين صغيرين على طريق يغطيه الثلج الشاحب.
القاضي: (للطفلين) والآن أأنتما شاهدان أم متهمان؟
الطفلين: لا نعرف يا سيدي.
القاضي: وماذا تعرفان إذاً؟ هيا تكلما.
الطفلان: لا نستطيع يا سيدي. شفاهُنا يابسةٌ كالتنك.
القاضي: وماذا أفعل لكما؟
الطفلان : قطرةَ حليبٍ لكل منا، بل نصف قطرة ونغرِّد لك كالطيور.
القاضي: أريد اعترافاً لا تغريداً. (يتناول الحارس ابريق الماء عن الطاولة بصوت مسموع).
المتهم: يا الهي! لقد طارتْ الرحمة كقبعة في الريح.
الطفل: أيها الحاجب. سأعطيك دميتي ولكن أعطني قطرة ماء.
الطفلة: سأعطيك شريطتي، ومشطي الصغير، وكلن أعطني قطرة ماء.
الزوجة: لقد انتهى العالم.
الجريح: أن هذا الطفل يتكلم وكأنه...
الطفل: لا لست ليبرالياً، يا سيدي، ولكنهم يقدمون لنا الطعام والماء بأغطية الزجاجات.
الطفلة: (تخرج عدداً من الأغطية من جيوبها) لقد جمعت منها كثيراً. سألعبُ بها في الزقاق عندما يطلق سراحي. (تبكي).
المتهم: يا طفلتي الصغيرة، إذا كان مشطك الصغير هذا يؤثّر في شعر الماعز، فلن يؤثر في مثل هؤلاء. إنك لست كفراشة بل كنصف فراشة، لم تنمي اصبعاً واحدةً منذ أجيال.
الطفلة: لا أريد أن أنمو يا أبي.
المتهم: ولماذا يا ابنتي؟
الطفلة: لقد رأيت أكثر مما يحتمل من الحياة. إنني أرتجف يا أبي. أعطني شيئاً لأتدثَّرَ به.
المتهم: وبماذا أُدثّرك يا طفلتي، وليس لديّ حتى نصف محرمة؟
الطفلة: ولا تستطيع أن تطعمني؟
المتهم: لا أستطيع يا ابنتي.
الطفل: إذاً سأهجرك يا أبي.
المتهم: كما تشائين يا ابنتي.
القاشي: أبعدوا هذه الطفلة، وليتقدم الطفل. (الطفل يتقدم ببطء واعياء).
المتهم: يا طفلي الصغير الحبيب.
الطفل: أرجوك يا أبي، أريد أ، أنهي محاكمتي بهدوء.
المتهم: آه يا طفلي الصغير البائس.
الطفل: لا شيء نتحدث عنه يا أبي.
المتهم: ولماذا يا بني؟ والحياة أمامك تصطخبُ كالأمواج.
الطفل: سأنتحر هذه الليلة.
الطفلة: نعم، لقد عضَّ شريانه ليلة أمس، ولكنه بكى من الألم وملأ قفصه صراخاً.
القاضي: لا تصغِ إليه أيها الطفل. أتسمع؟ أنا القاضي وليس هو.
الطفل: ولكنه أبي.
القاضي: إنني أرفع لك قبعتي احتراماً وتبجيلاً، وماذ ا في الأمر؟
الطفل: لا شيء. إنني أعتذر.
الزوجة: يا إلهي! إنه لا ينظر إليّ. إنه كوحش صغير في الصحراء.
القاضي: (للطفل) هل أنت مريض؟
الطفل: لا.
القاضي: هل أنت معافى؟
الطفل: لا.
القاضي: هل أنت حزين؟
الطفل: لا.
القاضي: هل أنت سعيد؟
الطفل: لا.
القاضي: هل تكره أباك وأمك؟
الطفل: لا.
القاضي: هل تحبهما؟
الطفل: لا.
القاضي: هل تريد أن تخرج وتلهو مع رفاقك الصغار في الشارع؟
الطفل: (يندفع صارخاً ومنتحباً ويقبل قدمي القاضي) نعم يا سيدي. إنني أقبِّلُ قدميك، ولكن لا تعدْني إليه. سأعطيك طابتي وطوقي هذا، ولكن لا تعدني إليه. (يظل الطفل مكباً على قدمي القاضي).
القاضي: انهض وأقسم على الكتاب المقدس أنك تقول الحق.
الطفل: (ينهض ويضع يده على المحبرة).
القاضي: (صارخاً) يا لك من أبله وماكر. لقد أدركت نواياك. هذه محبرة وليست كتاباً مقدساً. ألا تعرفها؟
المتهم: أرجوك، لا تزجره يا سيدي: إنه ليس إلا طفلاً صغيراً ولا يعرف شيئاً؛ قضى كل حياته في المعتقلات. حتى لو سألته عن ثدي أمه هذا لن يعرفه، سيظنُّه دُمَّلة أو نتوءاً من اللحم.
الحاجب: (يدخل فجأة ويخاطب القاضي وهو بقضم تفاحة حمراء بأسنانه) اقرأ قرار المحكمة أيها القاضي.
القاضي: (بعد أن يأخذ وضعية القاضي) باسم الشعب:
نظراً للافادات والوقائع الدامغة في الجريمة النكراء موضوع الدعوى، وبعد الاستماع إلى كافة الشهود والمحامين، وتمحيصِ مختلف الاضبارات والاستمارات، بناء على اعتراف المتهمين جميعاً اعترافاتٍ صريحة واضحة لا لبس فيها ولا ابهام، قررت المحكمة اعدام المتهمين شنقاً تحت شجرة خريف جرداء في ليلة عاصفة. أما الطفلان الصغيران، فسيعدمان نظراً لصغر سنهما ببندقيتين صغيرتين.
الحاجب: ليؤخذْ المتهمان الرئيسيان، ولتدخل فرقة الرمي الوطينة.
(تقفر القاعة من الجميع، ويبقى الطفلان كدمعتين صغيرتين في صحراء العالم. ينظر واحدهما للآخر، وهما متشابكا الأيدي. ثم تظلم القاعة فجأة، وتهب رياح قوية تحطم زجاج النوافذ وتلقي بشظاياها على الصخور، بينما تتأرجح الستائر وتتألق بألوان نارية داكنة. ويسود القاعة جو لا يحتمل من الرعب والغبار والأعشاب اليابسة).
(تدخل فرقة الرمي وتشكل نصف دائرة حول الطفلين الفزعين، بعد أن يحزما جيداً إلى خشبتين متجاورتين، وقد اخفى كل منهما طابته خلف ظهره، وهو ينظر برعب حقيقي إلى فوهات البنادق وفجأة تدوي طلقات الرصاص، ويبقى الطفلان مضرجين بالدم، وقد تدلى رأس كل منهما على صدره. وتدحرجت طابته بهدوء على الأرض. ثم تهب ريح قوية أخرى محملة بالغبار والأشواك وأوراق الصحف، يرفرف خلالها عصفوران غريبان ثم يحط كل منهما على خشبة.)
الريح: في الشرق أو في الغرب
في زمن المصاعد الجامحه
أو الخيول المكبَّةِ على قوائهما
في الليل أو في النهار
قبل تناولِ الافطار وبعد تناول المسكِّنات
بين عظام القراصنة
والعيون المفقوءة بين الرمال
ستنبتُ أزهارٌ صغيرةٌ كأسنان الأطفال
أزهارٌ مقسومةُ الظهر
تحمل فوق عبيرها المتواري
حضاراتٍ بائسةً وقتلةً ممزقين بالأظافر
كما تحمل الطابة فوق الماء
ماءٌ مشرَّدٌ وحزين
سنحفر مصبّه في أعمق أعماق الأرض
لا بالسباباتِ ورؤوس المظلات
ولكن بالأهداب وأطراف السلاسل..
عصفور: إذا نبتتْ زهور ما...
العصفور الآخر: قد لا تنبتُ زهور ما.
(ستار)

أسماء صقر القاسمي
11-09-2010, 12:58 AM
مبدعون يستذكرون الماغوط وجهوده في تعرية السلطة بكل مراياها وتقعراتها

http://static.alghad.jo/241000/240880.jpg




بورتريه للشاعر الراحل محمد الماغوط بريشة الزميل احسان حلمي

عزيزة علي

عمان- يؤكد مبدعون أن الراحل محمد الماغوط، شاعر استثنائي، قدم الكثير للقصيدة العربية الحديثة، من خلال نصوصه المسرحية والشعرية".
وبينوا أن الماغوط، من أكثر" الكتاب تهكما على عصره"، لافتين إلى أن تهكماته، قد احتوت على السواد والمرارة، وعرت سلطة العالم العربي، بكل مراياها وتقعراتها.
وركزوا على أن الماغوط، الذي ولد في محافظة حماة العام 1934، ورحل يوم الاثنين 3 نيسان من العام 2006، عن عمر يناهز 72 عاما، بعد صراع طويل مع الأدوية والأمراض، قد عاش في منزله المتواضع، بين أشيائه الحميمة، وأوراقه وطاولته وكرسيه وكتبه، ومن موقع هامشي، وضمير صارخ، وقلب متوثب لكل جروح الزمن العربي بامتياز.
الفنان السوري دريد لحام، الذي تعاون مع الماغوط في العام 1974، بعد حرب تشرين، يقول: "بعد حرب حزيران، كنا أنا والماغوط، نفكر معا أن العرب لم يهزموا في حرب حزيران، بل كانوا يحملون الهزيمة في داخلهم، إلى أن حققوا انتصارا على هزيمتهم الداخلية في العام 1973.
ويضيف لحام، أن هذه هي الأفكار التي جمعته والماغوط معا، قد أسهمت في تقديم أول الأعمال، وهي مسرحية "ضيعة تشرين"، التي عبرت بوضوح عن هذا المضمون، ثم مسرحيات " غربة" و"كاسك يا وطن" و"شقائق النعمان".
ويؤكد لحام، أن الماغوط "شاعر استثنائي، وقدم الكثير للقصيدة الحديثة"، بالإضافة إلى أنه "كاتب وطني متميز" .
ويعترف لحام أنه كان يتعاون هو والماغوط في كتابة النصوص المسرحية، إلى أن تم الانفصال بعد "شقائق النعمان.
ويضيف أن الماغوط، قدم مسرحية بعنوان "خارج السرب" وأنا قدمت مسرحية بعنوان "صانع المطر"، ولكننا "لم ننجح وحدنا كما نجحنا معا".
وترى الفنانة المسرحية نادرة عمران أن الماغوط "غادر الحياة لكن الحياة لم تغادره أبدا".
وتؤكد عمران أن الماغوط في السنوات الأخيرة، كان "وحيدا رغم ما ضخه من مشاكسات في السكون والثبات".
وفق عمران يبدو أن الوحدة "قدر يلحق بالمشاكسين والمتمردين العنيدين من أمثال الماغوط".
وتبين أن الماغوط ظل حرا طليقا، لا ينتمي لمجموعة لها مصالح، كما أنه لم يدخل ضمن إطار فني وإبداعي غير نظيف ونقي.
وترى عمران أن الماغوط "ترك بصمته في المسرح العربي، من خلال ما أعطاه للمسرح التجاري من قيمة حقيقية، ومن خلال خطورة الطرح الذي قدمه "مؤكدة أن دريد لحام، ارتكز على كتابات الماغوط، التي من خلالها استطاع أن "يثبت لنفسه مكانا مسرحيا وفنيا مهما ومميزا".
المخرج العراقي جواد الأسدي، أكد على أن فكرة استعادة الذاكرة، والعودة للحديث عن قامة شعرية رحلت، وشكل رحيلها فراغا، جديرة بالاحترام.
ويقول الأسدي: الماغوط بالنسبة لي هو ليس كاتبا مسرحيا فقط، بل هو "شاعر من أكثر الكتاب تهكما على عصره".
ويبين أن تهكمات الماغوط، كان فيها من السواد والمرارة ما يعري العالم، والسلطة بكل مراياها وتقعراتها.
ويعتقد الأسدي، أنه لا يوجد شاعر يستطيع أن يحتل مكانة الماغوط الشعرية والنثرية، مبينا أنه " الوجه الآخر للمتنبي".
وينوه إلى أن تهكمات الماغوط، هي خلطة بين السريانية عالية الرسومات، وبين واقعية تمس شريحة كبيرة من الناس.
يرى الأسدي أن فرادة الماغوط "جعلت منه شاعرا خالدا، إلى جانب شعراء العالم من أمثال بوشكين، سان جون برس ولوركا".
ويعد الشاعر يوسف عبد العزيز، الماغوط أحد أهم رموز الحركة الشعرية العربية الحديثة.
ويقول إنه جدد في الكتابة الشعرية، وضخ في شريانها طاقة كبيرة.
ويؤكد عبد العزيز أن الماغوط، هو الأبرز على مستوى القصيدة النثرية، رغم الآراء المتناثرة هنا وهناك، التي تحاول أن تقلل من شأن تجربته الشعرية.
ويقول إن قصيدة الماغوط، مشبعة بالأصوات والروائح وحركة الحياة الدائبة، مما يمنحها تميزا في خضم بحر قصيدة النثر، حيث تستولي البرودة والبلاستيكية على الكثير من نصوص الشعراء.
ويضيف عبد العزيز، أن القصيدة التي يكتبها الماغوط كانت "مسكونة بالوجع الإنساني، ومتوترة وحارة، مما يمكنها من اختراق نفس القارئ، وتجعله يتفاعل معها"، لافتا إلى أن الماغوط، عاش حياة حافلة بـ"الشعر والتجريب الشعري منذ أن خرج من قريته سلمية باتجاه دمشق".
ويقول عبد العزيز، إن الماغوط عندما انتمى في فترة من الفترات إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي، "تعرض للاعتقال والمطاردة"، مشيرا إلى أن الماغوط، انضم إلى جماعة "شعر"، غير أنه كان ينسج وحده، ولم يكن يأبه كثيرا بالتنظير الكثير، واللغط الذي يدور حول كتابة الشعر.
ويشيرعبدالعزيز إلى ما ذكره الماغوط، في أحد اللقاءات أنه عندما كان في بيروت في الستينيات من القرن الماضي، كان يلتقي مع أعضاء جماعة شعر في بيت "يوسف الخال"، حيث كان يترك الشعراء يثرثرون حول الحداثة الشعرية، ويذهب إلى المطبخ، ليستمتع بأكل الطعام اللذيذ.
وعلى الصعيد المسرحي، قال عبدالعزيز إن الماغوط قدم عددا مهما من المسرحيات الشعرية ذات المستوى المتطور، حيث بث من خلالها مجموعة كبيرة من الأفكار التي تدعو إلى تحرر الإنسان من العسف والظلم، كما أن هذه المسرحيات، تعد "أعمالا شعرية كبيرة يتعدد صوت الشاعر فيها، فيصرخ بأكثر من حنجرة".
ويؤكد عبد العزيز أن المسرح الذي كتبه الماغوط "ركز فيه على قضايا الإنسان العربي الملحة، وعلى رأسها قضية فلسطين وقضايا الحريات العامة".
أما الكاتب والمخرج المسرحي غنام غنام، فيؤكد أن الماغوط قدم للمسرح العربي من خلال سخريته اللاذعة والسوداء، وبقدرته على صياغة التهكم بأسلوب السخرية الشعبية، وامتلاكه للغة الشعر الرفيعة "أعمالا لا يمكن أن تنسى".
ويضيف غنام "شكل مسقط رأس الماغوط "السلمية" المدينة المتميزة بانتشار ثقافة الموسيقى والشعر بين أهلها، مبينا أن مسقط الرأس، دعم موفقه الفكري والسياسي واستطاع بشراكته مع الفنان دريد لحام، أن يقدم مسرحيات لم تمح من ذاكرة المشاهد العربي؛ لأنها دأبت على تعرية الواقع بشكل صادم.
الفنان العراقي يوسف العاني، رأى أن الماغوط هو أحد ابرز العلامات في المسرح العربي بشكل عام.
وأضاف أن الماغوط واحد من القلة المسرحيين العرب الذين، أعطوا القليل ولكن الكثير قياسا لما قدمه الآخرون .
ورأى أن الماغوط كان مبدعا غير تقليدي، ويتمتع برهافة تتجاوز المباشرة والشعارات الجوفاء.
وتبرز المدونة النقدية اسم الماغوط عاليا، كمساهم في التجربة الكتابية العربية الحديثة، مبينة أنه للشعر نكهة مختلفة، وخطابا جديداً. وتبدو أهمية ذلك أوضح عندما نستعرض نشأة (قصيدة النثر)عربيا، وما الذي أحدثه (نثر الماغوط) في سياق هذه (القصيدة النثرية).
وتبين المدونة أن الماغوط، قد انتقل بنا من لغة الميتافيزيق والهمّ الكبير، وجوديا كان أم رؤيوياً، محليا أم قوميا، إلى لغة التفاصيل اللصيقة بأيام الإنسان. ومن مخملِ اللغة إلى نثريات دمشق والمنفى والرعب والجوع والدخان والصعلكة والرصيف والمقاهي والوحول، من دمشق الرمز الأرستقراطي إلى (دمشق المناسف والأهراءات والغبار والحداء والتأتأة وفقاقيع الحمى...)
ويوكد الناقد علاء عبد المولى، أن أعطى الماغوط النثر أهميته كنثرٍ يستمد جمالياته من داخله، وليس من إحالته إلى الشعر وتقنيات القصيدة وخطابها الحديث، بل إنه (حصّن النثر) من الشعر وبلاغته...وهو لم يكن معنيا في يوم من الأيام بمشروع الحداثة تنظيرا ورؤيا وهاجسا... تاركا تحقيق ذلك من خلال (نثره) و(كتابته) وحدهما.
ويضيف أن الماغوط حرّرَ النثر من البلاغةِ الخارجيةِ، ولكنه استثمرَ بلاغة أخرى عجز عنها أتباعه.وهي بلاغة العفوية المتوحّشة المطلقة، والتي ما كان يساوم عليها وعلى كونها انتماءه الوحيد، ومشروعيته الأخلاقية الأولى.
فيما قالت الناقدة د. وجدان الصايغ إن الماغوط شكل ظاهرة شعرية متميزة في المشهد الشعري العربي، إذ اجترح طريقا جديدا في كتابة القصيدة.
واستذكرت تصريحاته في أكثر من لقاء بأن القصيدة الكلاسيكية لم تعد تمثل معاناة الانسان العربي المعاصر المشغول بهموم الحياة اليومية". كما استذكرت قوله ذات مرة "بدلا من أن أبحث عن بيت شعر، أبحث عن بيت أسكن فيه، وبدلا من أن أبحث عن مفردات، أبحث عن لقمة خبز آكلها".
وقالت إن الماغوط يعد رائدا لقصيدة النثر؛ فقصائده كانت مرايا تعكس وجه الانسان العربي المحاصر بالتابوهات واللافتات السياسية المزركشة بحقوق الانسان، وأنه لم يستخدم الغموض الشعري كوسيلة للكتابة، بل كان يستخدم الرمز الدال الذي يعبر بمخيلة القارئ الى فراديس الابداع.
يذكر أن للشاعر محمد الماغوط جملة من الأعمال المسرحية منها، "ضيعة تشرين – مسرحية" في العام 1973-1974، "شقائق النعمان"، "غربة" في العام 1976، "كاسك يا وطن" في العام 1979، "خارج السرب" في العام 1999، "العصفور الأحدب" في العام 1960، "المهرج"، في العام 1960.
وله في مجال الشعر، "حزن في ضوء القمر" في العام 1959، "غرفة بملايين الجدران" في العام 1960، "الفرح ليس مهنتي" في العام 1970 و"سياف الزهور" وهي عبارة عن نصوص صدرت في العام 2001، و"شرق عدن غرب الله" في العام 2005، و"البدوي الأحمر" في العام 2006.
كما يذكر أنه نال العديد من الجوائز جائزة "احتضار" في العام 1958. و"جائزة جريدة النهار اللبنانية لقصيدة النثر عن ديوانه الأول "حزن في ضوء القمر" في العام 1961.
و"جائزة سعيد عقل"و"جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر في العام 2005. وقدصدور مرسوم بمنح وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة للشاعر محمد الماغوط من رئيس الجمهورية العربية السوريةبشار الأسد

بارقة ابو الشون
11-09-2010, 03:57 PM
اسماء

وانا احمل ماتيسر للماغوط

هنا

بدأت اغوص لمعرفته وكان كتبه لم تكن حاضرة بمكتبتي

فاطمة بوهراكة
11-13-2010, 03:46 PM
بانتظار المزيد أسماء لتكتمل فسيفساء هذا الركن الخاص بمدع العربي كبير هو محمد الماغوط