صدانا تحتفي في العام 2018 بعيد ميلادها العاشر بحلة جديدة و بتغيير شامل لشعارها الرسمي

 
 عدد الضغطات  : 3685
 
 عدد الضغطات  : 3906  
 عدد الضغطات  : 329  
 عدد الضغطات  : 16526  
 عدد الضغطات  : 4172  
 عدد الضغطات  : 8054


العودة   الصالون الثقافى لصدانا > السماء التاسعة > غواية السرد

غواية السرد خيالات تحلق في فَضَأءاتْ القِصَة..الرِواية..المَسرًحٍية

الإهداءات

آخر 10 مشاركات
أنامل بارعة (الكاتـب : نجيب بنشريفة - مشاركات : 2680 - المشاهدات : 47574 - الوقت: 04:37 PM - التاريخ: 09-21-2018)           »          فوز الشاعر السوري مستشار شبكة صدانا الثقافية مفيد فهد نبزو بالمركز الثاني في الومضة ا (الكاتـب : مفيد نبزو - مشاركات : 3 - المشاهدات : 115 - الوقت: 02:03 AM - التاريخ: 09-21-2018)           »          قراءة في كتاب الحلقة الثالثة (الكاتـب : صدانا الثقافية - آخر مشاركة : عروبة شنكان - مشاركات : 3 - المشاهدات : 28 - الوقت: 01:42 AM - التاريخ: 09-21-2018)           »          قراءة في كتاب الحلقة الثانية (الكاتـب : صدانا الثقافية - آخر مشاركة : غادة نصري - مشاركات : 27 - المشاهدات : 191 - الوقت: 01:05 AM - التاريخ: 09-21-2018)           »          خلجات آنية (الكاتـب : نجيب بنشريفة - مشاركات : 1407 - المشاهدات : 75197 - الوقت: 12:44 AM - التاريخ: 09-21-2018)           »          سألت الله يأخذني قريبا / الشاعر لطفي الياسيني (الكاتـب : لطفي الياسيني - مشاركات : 0 - المشاهدات : 16 - الوقت: 11:09 PM - التاريخ: 09-20-2018)           »          تخاريف عربي - عبدالناصر البنا (الكاتـب : عبدالناصر البنا - مشاركات : 1436 - المشاهدات : 120185 - الوقت: 09:27 AM - التاريخ: 09-20-2018)           »          هذه القصيدة ولدت ردا على والدنا د. لطفي الياسيني / د. مريم محمد يمق (الكاتـب : لطفي الياسيني - مشاركات : 2 - المشاهدات : 40 - الوقت: 06:42 AM - التاريخ: 09-20-2018)           »          حروف زكية تراقص لوحات ذكية (الكاتـب : نجيب بنشريفة - مشاركات : 802 - المشاهدات : 74359 - الوقت: 05:11 AM - التاريخ: 09-20-2018)           »          بلا عنوان (الكاتـب : غادة نصري - آخر مشاركة : عائشة الفزاري - مشاركات : 5 - المشاهدات : 53 - الوقت: 11:46 PM - التاريخ: 09-19-2018)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-22-2018, 10:34 AM   #1
يعقوب الحوسني
شاعر عماني


الصورة الرمزية يعقوب الحوسني
يعقوب الحوسني غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 4077
 تاريخ التسجيل :  9 - 12 - 2017
 أخر زيارة : 05-06-2018 (08:58 AM)
 المشاركات : 162 [ + ]
 التقييم :  23
 الدولهـ
Oman
 الجنس ~
Male
Exclamation الدين الموعود - قصه قصيره



الدين الموعود
.
.

جلس العم سيف على شاطئ البحر وحيدا ًكعادته، وأخذ يدير رأسه يتأمل الأفق البعيد، وكأنه ينظر إلى اشرعة سفن البحاره العائدة الى الشاطئ أو يبحث عن صور الحوريات على خد صفحات البحر.. ولكن .. كيف ينظر إلى الشيء وهو أعمى !! فقد بصره قبل عدة سنوات في حادث سيارة...
تنهد العم سيف بصوت قوي أوقع جدار الهم من على قلبه أو ربما أوشك على ذلك، وكنت مارا ًبجواره وكدت أن أقع أنا كذلك من هول تلك الآه التي أطلقها ..
ترددت في الوقوف والتحدث اليه، لكن فضولي كان أقوى عنادا واصرارا من ترددي واصراري على المضي قدما دون أن أعيره أي انتباه، اقتربت منه وألقيت عليه التحية ثم بادرته بالسؤال :
-
العم سيف خيرا إن شاء الله ! ؟ ماذا بك ؟
التفت نحوي وأنا أسلم عليه واصاخ بإذنه اليمنى مصغيا؛ وهو يحاول أن يميز صوتي، ثم قال:
-
وعليكم السلام ورحمة الله .. من؟يعقوب !؟
-
العم سيف، أراك دائم الجلوس هنا .. أصابك عشق أم رميت بأسهم ٍ؟
ضحك العم سيف ضحكه كادت أن توقعه على ظهره، وقد تناسى تنهيدته السابقه، وقال بعد أن تمالك نفسه من الضحك :
-
قاتل الله شيطانك، لم يبقى لي الدهر شيئا من ملامح الشباب يا ولدي، بل مضى الزمان واخذ كل ملامح الشباب معه، ولم يبقى لي إلا ما تراه ويراه غيرك، وإن حاولت .. فلا يصلح العطار ما أفسد الدهر ..
-
إذا .. هذه الآه التي كادت أن توقعني .. لماذا؟
-
أتريد أن تعرف السبب يا ولدي ؟ .. حسنا ًاجلس واستمع ..
ولكن عدني أولاً أن يبقى الكلام الذي سأقوله لك سراً بيننا.. لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ..
- أعدك بذلك .. قل ماذا لديك ..
-
قبل أربعين سنه – كنت أنت لم تخلق بعد في بطن أمك – كان عمري ذاك الوقت عشرينسنه ، وكنت في عنفوان شبابي .. وأنت تعلم زمن الشباب وطيشه .. ( إحمرت خدود العم سيف خجلا، ولوحات الزمن وتقاسيمه تغطيان وجهه وجبينه )
-
(( يا الله العم سيف .. هوينا هوينا على نفسك )) .. (( ثم ضحكنا )) ...
-
يا ولدي كنت حينها ولدا طائشا .. أشرب الخمروأدخن وألعب القمار.. لا أعاد الله تلك الحاله التي كنت بها .. وذات ليلة عدت إلى البيت كالعادة ، ثملا ومن سوء حظي أن يكون والدي بانتظاري تلك الليله ..
(واطرق برأسه حزينا وهو يتذكر مشهدا ما وكأن جبلا جثم فجأه على صدره، وينفث دخان الهم والحسرة والندم ) .
-
(( ياااا إلهي )) وماذا حدث بعد ذلك ..
سألته والفضول يكاد يخنق لحظات الصبر التي كنت اتجلد بها ، وتمر الثواني بين سؤالي و رد الشايب سيف وكأنها السكاكين والحراب ، أو فن من فنون تعذيب سجن أبو غريب ..
-
عندما دخلت، سلمت، ولم يرد والدي عليّ السلام .. وعوضا عن ذلك بادرني بالسؤال عن سبب تأخيري وهو يستشيط غضبا ، وعيناه تقدحان الشرر ..
ولما بدأت الحديث اذا به يشم رائحة الخمر تبخر أنفاسي، ولم يمهلني، بل انهال علي ضربا..
كان يضربني كما وكأن ثأرا بيني وبينه..
عندها ومن شدة الألم – أنزل الشايب سيف رأسه - قمت أنا أيضا وضربته ..
-
ماذا ؟؟ ضربت أبيك؟؟؟ ( لا أعلم من هول المفاجأة ودهشتي ماذا كنت اقول، فلقد كانت المفاجأة من العيار الثقيل ، ومما لم اسطع له حملا ، لكن ما اضافه لي من بقيه للقصة كان أدهى وأمر من سابقه، وكأن الخبر الأول زلزال وما يليه هو هزات ارتدادية لزلزال، وأي زلزال هو ..) .. وأضاف ..
-
ليس هذا فقط . فقد جاءت أمي على صوت صراخ أبي، وعنفتني وبدون شعور ضربتها هي أيضا– وبدأت الدموع تنزل من عينيه – تخيل – وبصوت متحشرج ومختنق – ضربت أمي وليتهاانتهت هكذا ، بل وطردتهم من البيت ، أبي وأمي وأختي الصغيرة ، وتركتهم ينامون خارجالمنزل في عز البرد وعلى التراب .. ومنذ ذلك اليوم قمت أعاملهم بالضرب والشتم.
ومرت السنينوتزوجت ، لكن معاملتي لوالدي لم تتحسن بل على العكس ، فقد كنت أنام أنا وزوجتي فيالغرفة الوحيدة التي في البيت وهم ينامون في الخارج ، لم أفكر فيهم أو تأخذني فيهمرحمه ، لا في أوقات البرد ولا في أوقات الحر ، وعوضا ًعن قيام زوجتي بخدمتهم كانواهم من يقومون على خدمتها .. ( يواصل البكاء المخنوق ) .. كانت والدتي تطبخ وتنفخ وتكنس وتغسل ، وأختي الصغيرةتربي ابني وزوجتي لا تحرك ساكناً، وتجلس وقد وضعت رجلا ًعلى رجل ، وإذا قصرت أمي في شيء قامت لها زوجتيوسبتها وأحيانا ً تضربها ، أما والدي فلم يكن قادرا ًعلى أن يرد او يدافع عنها فأنا كنت أرد شكواه ، وأسكته قبل أن يتكلم .
كانوا يأكلون فضلات الطعام الذي نبقيه لهم ، وأحيانا ًما يتبقى من طعام القطط ، وأنا على علم بكل ذلك ، ولاأحرك ساكنا ً، وعندما أرى نظرات أمي والتي تحمل معاني العتب والتوسل ، كنت أسبها وألعنها .
كنت قاس ٍ معهم لدرجة أنني كنت أحرمهم الأكل والشرب ، حتى الماءالبارد الذي في (الجحله) كنت أخبئه عنهم ، وأتركهم يشربون من ماء البئر المالح ، حتى توفى والدي بسبب المرض والبرد ، ولم اكترث لموته، بل إن الجيران هم من تكفلوا بدفنه، ولم اقم له واجب العزاء .. ودفعني معاقرتي الخمر إلى إيتاء الفواحش، واستمر بي هذا الحال سنواتعدة ..كنت لا أحسب للدنيا والآخرة حساب، لم أكن أصلي أو حتى أعرف ماذا في القرآن الكريم من سور وآيات، فأنا لم ألمس المصحف أو أقرأ فيه لسنوات وسنوات واتخذته مهجورا، وكنت اعتبره نذير شؤم، حتى بت لا أعرف عدد الصلوات المفروضة وكم ركعاتها، أو حتى اتجاه القبلة، رغم أن المسجد لا يبعد الا بضع خطوات عن بيتنا، كان الأذانيرفع وأنا أشرب الخمر وأرقص على صوت الغناء وعندما أسمع الأذان، أرفع على صوتالموسيقى .. لقد كان اللهو والمجون كل حياتي.
وأخيرا ً.. تركت العمل، بل فصلوني من جهة عملي بسبب كثرة غيابي وعدم انضباطي وعشت أتسول هذا وذاك، ليس لأبنائي أو زوجتي بل لكيأشرب الخمر او لألعب القمار.. او اشتري السجائر .. لكن عقاب الله كان سريعا ً، فقد استجاب الله لدعاء والدي قبل وفاته .. نعم .. لقد فقدت بصري في حادث سيارة وقطعت يدي في نفسي الحادث، هذه اليد التي ضربت يوما والداي بها، وكأن الله أنفذ عقابه في الدنيا بي ..
وكما ترى يا ولدي فقد رماني أولادي مثلما رميت أبي وأمي وأختي، وهم يعاملونني بنفس المعاملة التي كنت أعامل بها والداي سابقا، وقد تطلقت زوجتي بعد أن فقدت عملي .. وأنا أنتظر رحمة ربي .. فأنا أستغفر الله ليلنهار وأصلي، عسى أن يغفر لي ربي خطئتي وما بدر مني ..
أسترسل العم سيف في حكايته ، بينما كنت قد غرقت في بحر من الأفكار ، حتى أنني لا أعلم متى تركته ، وهل وادعته أم لا ؟
كانت الأفكار تعصف برأسي بين التصديق والتكذيب .. العم سيف مثال الرجل الملتزم العابد الزاهد ، الذي لا يكاد يفارق المسجد إلا لقضاء حاجته ... كان هكذا؟
هل ما يقوله لي حقيقة أم خيال أو قصة من تأليفه ؟
لا زال هذا اللغز يحيرني ، ولكن لا أعلم سوى حقيقة واحده هي أن كل العقاب يؤجله الله إلا عقوق الوالدين والزنا، وتذكرت حينها قصة الرجل الذي حمل والده العجوز ليلقي به في الجبل حتى يموت هناك ، وترك معه بعض الزاد والماء، وكان يصطحب معه ابنه، وعودة الابن الصغير لحمل تلك السلة، وعندما سأل الوالد ولده ، ماذا يريد بتلك السلة ؟
أجابه الابن : حتى أحملك فيها عندما تكبر .. وألقي بك هنا .. مثل ما فعلت أنت مع جدي .
عند ذلك قرر الوالد أنيبر بوالده وعاد ليحمله معه ويحسن إليه ، وندم على فعلته تلك ، وأغرورقت عيناي بالدمع وأنا أردد قوله تعالى :
.
((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) ))
.
.
النهاية
.
.
بقلم : يعقوب بن سعيد الحوسني




 
 توقيع : يعقوب الحوسني

انـــا عن دنيـتـك راحـل ....... ولاجلك تارك ٍ كل شـي
وحتى جسمي الناحل ....... بادفـنـه لـو ينادي حـي
دخلت بـدنـيـتـك راحـل ....... واتـركـهـا لعـيـنـك ضـي
ولا يمـكن كـنـت واصـل ....... وانت البـعـد وانـتِ الفي

يعقوب الحوسني



رد مع اقتباس
قديم 05-04-2018, 12:56 AM   #2
غادة نصري
الإدارة .. المدير الإداري لصدانا


الصورة الرمزية غادة نصري
غادة نصري غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2252
 تاريخ التسجيل :  9 - 9 - 2011
 أخر زيارة : اليوم (04:57 AM)
 المشاركات : 44,167 [ + ]
 التقييم :  26
 الدولهـ
Palestine
 الجنس ~
Female

اوسمتي

افتراضي



رائع
نص جميل ..... كما تدين تدان
سبحانك ربي ما أعظمك!
كن بخير


 
 توقيع : غادة نصري

أنا لست امرأة عادية ترضى العيش بعفوية .. أنا لحظة صدق تكتبني في روح الروح ترسمني ..
أنا لـــــست امرأة عادية تقبل بغرام وهمي ... أنا ســــــر العشق تكويني ولغة الفرح مياديني ..
أنا لســــت امرأة عادية تصحو وتنام كدمية .. أنا ثورة شوق تتحدى لا تعرف في الحب هزيمة..





رد مع اقتباس
قديم 05-06-2018, 07:00 PM   #3
عبد الفتاح لعجاج
كاتب مغربي


الصورة الرمزية عبد الفتاح لعجاج
عبد الفتاح لعجاج غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 2895
 تاريخ التسجيل :  29 - 1 - 2013
 أخر زيارة : 09-01-2018 (07:17 PM)
 المشاركات : 192 [ + ]
 التقييم :  17
 الدولهـ
Morocco
 الجنس ~
Male
افتراضي



اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يعقوب الحوسني مشاهدة المشاركة
الدين الموعود
.
.

جلس العم سيف على شاطئ البحر وحيدا ًكعادته، وأخذ يدير رأسه يتأمل الأفق البعيد، وكأنه ينظر إلى اشرعة سفن البحاره العائدة الى الشاطئ أو يبحث عن صور الحوريات على خد صفحات البحر.. ولكن .. كيف ينظر إلى الشيء وهو أعمى !! فقد بصره قبل عدة سنوات في حادث سيارة...
تنهد العم سيف بصوت قوي أوقع جدار الهم من على قلبه أو ربما أوشك على ذلك، وكنت مارا ًبجواره وكدت أن أقع أنا كذلك من هول تلك الآه التي أطلقها ..
ترددت في الوقوف والتحدث اليه، لكن فضولي كان أقوى عنادا واصرارا من ترددي واصراري على المضي قدما دون أن أعيره أي انتباه، اقتربت منه وألقيت عليه التحية ثم بادرته بالسؤال :
-
العم سيف خيرا إن شاء الله ! ؟ ماذا بك ؟
التفت نحوي وأنا أسلم عليه واصاخ بإذنه اليمنى مصغيا؛ وهو يحاول أن يميز صوتي، ثم قال:
-
وعليكم السلام ورحمة الله .. من؟يعقوب !؟
-
العم سيف، أراك دائم الجلوس هنا .. أصابك عشق أم رميت بأسهم ٍ؟
ضحك العم سيف ضحكه كادت أن توقعه على ظهره، وقد تناسى تنهيدته السابقه، وقال بعد أن تمالك نفسه من الضحك :
-
قاتل الله شيطانك، لم يبقى لي الدهر شيئا من ملامح الشباب يا ولدي، بل مضى الزمان واخذ كل ملامح الشباب معه، ولم يبقى لي إلا ما تراه ويراه غيرك، وإن حاولت .. فلا يصلح العطار ما أفسد الدهر ..
-
إذا .. هذه الآه التي كادت أن توقعني .. لماذا؟
-
أتريد أن تعرف السبب يا ولدي ؟ .. حسنا ًاجلس واستمع ..
ولكن عدني أولاً أن يبقى الكلام الذي سأقوله لك سراً بيننا.. لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ..
- أعدك بذلك .. قل ماذا لديك ..
-
قبل أربعين سنه – كنت أنت لم تخلق بعد في بطن أمك – كان عمري ذاك الوقت عشرينسنه ، وكنت في عنفوان شبابي .. وأنت تعلم زمن الشباب وطيشه .. ( إحمرت خدود العم سيف خجلا، ولوحات الزمن وتقاسيمه تغطيان وجهه وجبينه )
-
(( يا الله العم سيف .. هوينا هوينا على نفسك )) .. (( ثم ضحكنا )) ...
-
يا ولدي كنت حينها ولدا طائشا .. أشرب الخمروأدخن وألعب القمار.. لا أعاد الله تلك الحاله التي كنت بها .. وذات ليلة عدت إلى البيت كالعادة ، ثملا ومن سوء حظي أن يكون والدي بانتظاري تلك الليله ..
(واطرق برأسه حزينا وهو يتذكر مشهدا ما وكأن جبلا جثم فجأه على صدره، وينفث دخان الهم والحسرة والندم ) .
-
(( ياااا إلهي )) وماذا حدث بعد ذلك ..
سألته والفضول يكاد يخنق لحظات الصبر التي كنت اتجلد بها ، وتمر الثواني بين سؤالي و رد الشايب سيف وكأنها السكاكين والحراب ، أو فن من فنون تعذيب سجن أبو غريب ..
-
عندما دخلت، سلمت، ولم يرد والدي عليّ السلام .. وعوضا عن ذلك بادرني بالسؤال عن سبب تأخيري وهو يستشيط غضبا ، وعيناه تقدحان الشرر ..
ولما بدأت الحديث اذا به يشم رائحة الخمر تبخر أنفاسي، ولم يمهلني، بل انهال علي ضربا..
كان يضربني كما وكأن ثأرا بيني وبينه..
عندها ومن شدة الألم – أنزل الشايب سيف رأسه - قمت أنا أيضا وضربته ..
-
ماذا ؟؟ ضربت أبيك؟؟؟ ( لا أعلم من هول المفاجأة ودهشتي ماذا كنت اقول، فلقد كانت المفاجأة من العيار الثقيل ، ومما لم اسطع له حملا ، لكن ما اضافه لي من بقيه للقصة كان أدهى وأمر من سابقه، وكأن الخبر الأول زلزال وما يليه هو هزات ارتدادية لزلزال، وأي زلزال هو ..) .. وأضاف ..
-
ليس هذا فقط . فقد جاءت أمي على صوت صراخ أبي، وعنفتني وبدون شعور ضربتها هي أيضا– وبدأت الدموع تنزل من عينيه – تخيل – وبصوت متحشرج ومختنق – ضربت أمي وليتهاانتهت هكذا ، بل وطردتهم من البيت ، أبي وأمي وأختي الصغيرة ، وتركتهم ينامون خارجالمنزل في عز البرد وعلى التراب .. ومنذ ذلك اليوم قمت أعاملهم بالضرب والشتم.
ومرت السنينوتزوجت ، لكن معاملتي لوالدي لم تتحسن بل على العكس ، فقد كنت أنام أنا وزوجتي فيالغرفة الوحيدة التي في البيت وهم ينامون في الخارج ، لم أفكر فيهم أو تأخذني فيهمرحمه ، لا في أوقات البرد ولا في أوقات الحر ، وعوضا ًعن قيام زوجتي بخدمتهم كانواهم من يقومون على خدمتها .. ( يواصل البكاء المخنوق ) .. كانت والدتي تطبخ وتنفخ وتكنس وتغسل ، وأختي الصغيرةتربي ابني وزوجتي لا تحرك ساكناً، وتجلس وقد وضعت رجلا ًعلى رجل ، وإذا قصرت أمي في شيء قامت لها زوجتيوسبتها وأحيانا ً تضربها ، أما والدي فلم يكن قادرا ًعلى أن يرد او يدافع عنها فأنا كنت أرد شكواه ، وأسكته قبل أن يتكلم .
كانوا يأكلون فضلات الطعام الذي نبقيه لهم ، وأحيانا ًما يتبقى من طعام القطط ، وأنا على علم بكل ذلك ، ولاأحرك ساكنا ً، وعندما أرى نظرات أمي والتي تحمل معاني العتب والتوسل ، كنت أسبها وألعنها .
كنت قاسيا معهم لدرجة أنني كنت أحرمهم الأكل والشرب ، حتى الماءالبارد الذي في (الجحله) كنت أخبئه عنهم ، وأتركهم يشربون من ماء البئر المالح ، حتى توفى والدي بسبب المرض والبرد ، ولم اكترث لموته، بل إن الجيران هم من تكفلوا بدفنه، ولم اقم له واجب العزاء .. ودفعني معاقرتي الخمر إلى إيتاء الفواحش، واستمر بي هذا الحال سنواتعدة ..كنت لا أحسب للدنيا والآخرة حساب، لم أكن أصلي أو حتى أعرف ماذا في القرآن الكريم من سور وآيات، فأنا لم ألمس المصحف أو أقرأ فيه لسنوات وسنوات واتخذته مهجورا، وكنت اعتبره نذير شؤم، حتى بت لا أعرف عدد الصلوات المفروضة وكم ركعاتها، أو حتى اتجاه القبلة، رغم أن المسجد لا يبعد الا بضع خطوات عن بيتنا، كان الأذانيرفع وأنا أشرب الخمر وأرقص على صوت الغناء وعندما أسمع الأذان، أرفع على صوتالموسيقى .. لقد كان اللهو والمجون كل حياتي.
وأخيرا ً.. تركت العمل، بل فصلوني من جهة عملي بسبب كثرة غيابي وعدم انضباطي وعشت أتسول هذا وذاك، ليس لأبنائي أو زوجتي بل لكيأشرب الخمر او لألعب القمار.. او اشتري السجائر .. لكن عقاب الله كان سريعا ً، فقد استجاب الله لدعاء والدي قبل وفاته .. نعم .. لقد فقدت بصري في حادث سيارة وقطعت يدي في نفسي الحادث، هذه اليد التي ضربت يوما والديّ بها، وكأن الله أنفذ عقابه في الدنيا بي ..
وكما ترى يا ولدي فقد رماني أولادي مثلما رميت أبي وأمي وأختي، وهم يعاملونني بنفس المعاملة التي كنت أعامل بها والديّ سابقا، وقد تطلقت زوجتي بعد أن فقدت عملي .. وأنا أنتظر رحمة ربي .. فأنا أستغفر الله ليلنهار وأصلي، عسى أن يغفر لي ربي خطئتي وما بدر مني ..
أسترسل العم سيف في حكايته ، بينما كنت قد غرقت في بحر من الأفكار ، حتى أنني لا أعلم متى تركته ، وهل وادعته أم لا ؟
كانت الأفكار تعصف برأسي بين التصديق والتكذيب .. العم سيف مثال الرجل الملتزم العابد الزاهد ، الذي لا يكاد يفارق المسجد إلا لقضاء حاجته ... كان هكذا؟
هل ما يقوله لي حقيقة أم خيال أو قصة من تأليفه ؟
لا زال هذا اللغز يحيرني ، ولكن لا أعلم سوى حقيقة واحده هي أن كل العقاب يؤجله الله إلا عقوق الوالدين والزنا، وتذكرت حينها قصة الرجل الذي حمل والده العجوز ليلقي به في الجبل حتى يموت هناك ، وترك معه بعض الزاد والماء، وكان يصطحب معه ابنه، وعودة الابن الصغير لحمل تلك السلة، وعندما سأل الوالد ولده ، ماذا يريد بتلك السلة ؟
أجابه الابن : حتى أحملك فيها عندما تكبر .. وألقي بك هنا .. مثل ما فعلت أنت مع جدي .
عند ذلك قرر الوالد أنيبر بوالده وعاد ليحمله معه ويحسن إليه ، وندم على فعلته تلك ، وأغرورقت عيناي بالدمع وأنا أردد قوله تعالى :
.
((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) ))
.
.
النهاية
.
.
بقلم : يعقوب بن سعيد الحوسني
يا رب سلم سلم
من دقة أوصافك ورهافة حسك الشاعري نحو العم سيف، كنت أسابق النهاية أنها ستكون كابوسا نستفيق منه بعد أن يستفيق ساردك على صوت المنبه أو طرق الباب..
وضعت يدك على جرح صار يتكاثر في مجتمعاتنا بسردية رائعة ...
دام ألقك


 
 توقيع : عبد الفتاح لعجاج

صــارت فـلـسطين لـلأوجـاع كـاتمة
مِـن صبرها قيل ها قد جاءها الفَـرج


رد مع اقتباس
قديم 05-07-2018, 03:37 AM   #4
نرجس ريشة
مشرفة / شاعره مغربية


الصورة الرمزية نرجس ريشة
نرجس ريشة غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 3481
 تاريخ التسجيل :  28 - 9 - 2014
 أخر زيارة : اليوم (12:56 AM)
 المشاركات : 2,030 [ + ]
 التقييم :  22
 الدولهـ
Morocco
 الجنس ~
Female

اوسمتي

افتراضي




يا لطيف يا لطيف
سواء كانت القصة حقيقية أو خيالا، من بنات أفكار العم سيف -لغرضٍ في نفسه- أو من بنات أفكارالسّارد، سواء هذا أو ذاك فقد أثرتَ ظاهرة نستعيذ بالله من أن تستفشي في مجتمعنا الاسلامي.
أهنؤك أستاذ يعقوب على السرد المـُتقن الذي جعل النبضات تتسارع جريا خلف النهاية .
كل التقدير سيدي


 
 توقيع : نرجس ريشة

من أكون ؟؟؟ سؤالُ عيونٍ يُضارع عطش التّائهين
و الجواب سراب
و أنا هنا
أعتاد طعم دمي بين شفتيّ
على أن أترُكَني قُوتًا
لِأسْراب الشّتاء
....
نرجس ريشة


رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:25 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
By: Host4uae.ae


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع ما يكتب فى مؤسسة صدانا يعبر عن وجهة نظر كاتبة فقط ولا يعبر بالضروره عن وجهة نظر إدارة الشبكة

a.d - i.s.s.w

جميع الحقوق محفوظة لصالون صدانا الثقافي 2018 ©