عدد الضغطات  : 4387
 
 عدد الضغطات  : 4504  
 عدد الضغطات  : 732  
 عدد الضغطات  : 17177  
 عدد الضغطات  : 4681  
 عدد الضغطات  : 8922


العودة   الصالون الثقافى لصدانا > السماء التاسعة > غواية السرد

غواية السرد خيالات تحلق في فَضَأءاتْ القِصَة..الرِواية..المَسرًحٍية

الإهداءات

آخر 10 مشاركات
نتمنى الشفاء العاجل والسلامة والعافية للرائعة ذكرى لعيبي (الكاتـب : سامية بن أحمد - آخر مشاركة : عروبة شنكان - مشاركات : 1 - المشاهدات : 14 - الوقت: 04:16 AM - التاريخ: 09-18-2019)           »          نفحات المروج Meadow Breezes (الكاتـب : محمود عباس مسعود - مشاركات : 652 - المشاهدات : 30906 - الوقت: 01:52 AM - التاريخ: 09-18-2019)           »          نكت (الكاتـب : نجاة عبدالصمد - مشاركات : 0 - المشاهدات : 7 - الوقت: 01:20 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          كيف تعرف ان زوجتك لا تحبك (الكاتـب : نجاة عبدالصمد - مشاركات : 0 - المشاهدات : 10 - الوقت: 01:12 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          شعر عن الوطن (الكاتـب : نجاة عبدالصمد - مشاركات : 0 - المشاهدات : 9 - الوقت: 01:03 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          البيت الكوبي (الكاتـب : نجاة عبدالصمد - مشاركات : 0 - المشاهدات : 10 - الوقت: 12:56 PM - التاريخ: 09-17-2019)           »          العيدُ عيدُكِ....(8 مارس اليوم العالمي للمرأة ) (الكاتـب : أحمد القطيب - مشاركات : 14 - المشاهدات : 503 - الوقت: 10:39 PM - التاريخ: 09-16-2019)           »          كنت جليس الاميره (الكاتـب : عبدالناصر البنا - آخر مشاركة : عبير قطب - مشاركات : 15 - المشاهدات : 4022 - الوقت: 11:39 PM - التاريخ: 09-15-2019)           »          الابراج اليوميه (الكاتـب : فاطمة بوهراكة - آخر مشاركة : سحربحري - مشاركات : 165 - المشاهدات : 6953 - الوقت: 10:29 PM - التاريخ: 09-15-2019)           »          حدوتة عصرية (الكاتـب : عبير قطب - مشاركات : 0 - المشاهدات : 33 - الوقت: 04:14 PM - التاريخ: 09-15-2019)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-26-2019, 11:09 PM   #1
غصون عادل زيتون
كاتب


الصورة الرمزية غصون عادل زيتون
غصون عادل زيتون غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 4197
 تاريخ التسجيل :  21 - 1 - 2019
 أخر زيارة : 08-07-2019 (03:03 PM)
 المشاركات : 286 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Female
مقالات المدونة: 5
افتراضي "العطب"



"العطب !!"


" السلام عليكم و رحمة الله ... السلام عليكم ورحمة الله ..." ،ثم التفتت إلي فجاة و حولت نظرها عني و كأنني أصبحت شبحا .. قلت لها : تقبل الله يا أماه !
لم ترد و كأن صوتي لم يصلها ، فكررته : تقبل الله يا أماه !! ماذا ؟؟ مابك لا تردين ؟؟
نطقت أمي أخيرا و قالت بحزن : لن أرد !! فأنا لا أحادث الكفرة !!
رجعت برأسي للخلف مستنكرة و مع هذا ابتسمت مستهزأة : هل هذا ما علمك إياه دينك ؟؟
رفعت أمي يدها محذرة و قالت : صه .. نعم .. كافرة .. و ملحدة أيضا !!
ابتسمت بلامبالاة وقلت : ليس جديدا !... فالحرية في نظرك كفر .. فالحب في نظرك كفر .. فكيف بالإلحاد ؟؟
بقيت أمي تنظر إلي بغضب و أشارت لي بأن أخرج من غرفتها حالا .. أطعتها بلا اكتراث .. فعقلية أمي عقلية أكل عليها الدهر و شرب ..ونام ... فهي تظن بصلاتها هذه ستدخل الجنة لا محالة .. وكأن الله تهمه صلواتنا فقط !!!

دخلت إلى غرفتي و تمددت بملابسي على السرير ، وأدرت المسجل لأسمع صوت فيروز ،,, وبينما أنا بين اليقظة و النوم وبين الواقع و الحلم . .سمعت صوت أبي و هو يناديني بقسوة ، ظننت في البداية بأنني أحلم .. وبينما تيقنت من صدق النداء .. كان أبي قد دخل غرفتي فجاة و أمسكني من شعري و صار يصرخ : هل حقا صرت كافرة ؟؟؟ هل أنا الرجل المتدين و المحافظ قد أنجبت بنتا كافرة .. وملحدة .. يا إلهي لا أصدق ..!!! ... هيا تكلمي .. كذبيني .. هيا مابك لا تتكلمين .. ؟؟؟
لم أقاوم هذا العنف الفجائي .. وبقيت اسمعه و لكنني لم اكن أسمعه .. فحديثه هذا ليس جديدا .. الجديد فيه هو هذا العنف .. المتوقع !!! ... بقي أبي ممسكا بشعري .. إلا أن أحسست بحرارة على خدي .. لقد صفعني .. !! حبست دموعي .. فكرامتي فوق أبي .. لا أريد لدموعي أن تجعله قويا !!.. هنا .. دفعني أبي بوحشية على سريري واقترب من لوحاتي و أخذ يكسرها و يمزقها .. هنا تنبهت حواسي فجاة بل الآن فقط قد استقيظت من كابوسي .. وهجمت عليه أمنعه .. " اتركها .. اتركها .. لا تقتل أولادي !!!" .. توقفت يد أبي عن تحطيمها و أمسك شعري مرة أخرى و صاح : " أولادك !!!...انت ابنتي .. لكنني الآن سأقتلك أيضا كهذه اللوحات !""
صرخت فيه : " اقتلني أولا .. اقتلني أولا .. لكن لا تقتل لوحاتي .. !! هيا .. ماذا تنتظر؟؟!!"
لم أصدق لهذه اللحظة بأنه فعلها ، فقد خلع حزامه و بدأ يضربني و لم يهمه أين ستأتي الضربات أعلى رأسي أو على جسدي ... حتى غطت دمائي وجهي .. لأستيقظ في المستشفى .. بشعور غريب !!
حاولت فتح عيني .. لم أستطع .. ومع هذا جاءني صوتها العذب هامسا :" مابك يا ناجي ..!! هيا أعرفك قويا !!"
ابتسمت لها بصعوبة ، فسمعتها تقول : رائعة أنت يا نضال .. بل وبطلة حتى في عجزك !!!"
قلت في نفسي : " بل أنت الرائعة يا ميس .. فلولاك لأنهيت حياتي باكرا !!"
جاء صوت أمي باكيا : " الحمدلله على سلامتك يا ابنتي "
أزعجني بكاؤها ، و احتقرت ضعفها هذا ، أين كانت عندما عطبني أبي ؟؟!! ، أم أنها لا تتقن إلا البكاء و النواح ؟!!
قلت لها بغصة : ماذا نفعتني دموعك يا أمي ؟؟؟ ها ..!!! لم تنفعني ولن تنفعني !! فأرجوك ابتعدي عني .. لا أريد أن أتخيل نفسي في مقبرة !!"
زاد نحيب أمي و كانه نحيب على ضعفها هي ، على تخاذلها هي ، وعلى شعورها بالندم و الذنب معا !! فلتبكي .. علّ بكاؤها يغسل عارها امامي !!!!

بقيت في المستشفى أشارك الناس الحياة و لا أشاركهم الحياة ، رغم أن غاليتي ميس لم تقصّر في جلب آخر الأخبار السياسية و العلمية و الثقافية و خاصة الفنية منها ، حتى عندما استعادت يدي جزءا من حركتها ، جلبت لي ميس أوراقا بيضاء و ألوانا شمعية ... نظرت ل ميس مستغربة : ألوان شمعية ؟؟!!! لكنني لا أحب الرسم بها !!
ابتسمت ميس وقالت : يجب من الآن أن تغيري عاداتك الفنية !!
نظرت لها بحيرة: لكنني عنيدة .. وعاداتي أعند مني !!
فانفجرت ميس ضاحكة .. كانت تضحك على كلماتي حتى عندما أكون جادة ، فهي تشعر بكلماتي كأنها كوميديا سوداء منطوقة .. !!

مرت السنة ، وبفضل الزمن تحسنت نفسيتي قليلا ، إلا أن أذني اليسرى بقيت تذكرني بأنني أملك عاهة فيها ، و عيني اليمنى فقدت بريقها ، وذراعي تتحرك بصعوبة ، لم اكترث ، فالحياة كانت بالنسبة لي معركة ، إما النصر أو الشهادة !!!
احيانا أضحك من نفسي على نفسي ، على تناقضي هذا، فانا أعلنت إلحادي ، ومع هذا تبقى بعض الكلمات الدينية مترسبة في ذاكرتي !!! يا للسخرية .. وكأن إلحادي كان ظاهريا و ليس باطنيا أيضا !!!!!!!!!!!!

عدت إلى غرفتي ، لاجد أشلاء لوحاتي و قد أصبحت تزين سلة المهملات ، وكأنهم لم يكترثوا برميها !! أو انهم أرادوا تذكريري بالعقاب !!.. أو لأكن حسنة النوايا .. قد تركوها احتراما لمشاعري ... !!!!!!!!!

لم أعد أبالي بنظرتهم ، لقد فقدت بنوتي معهم ، كما فقدت عيني ، لم أعد أزور البيت إلا للنوم !! فلو كنت أملك مالا كافيا لهجرتهم !! ... أحيانا ينتابني شعور بالقسوة تجاههم ، فأشفق عليهم !! .. ولكن فجاة يصيح عقلي مذكرا إياي : " استيقظي !! فأنت من خلق نفسه أنت من علّم نفسه .. لا فضل لمخلوق عليك .... ولا خالق !!"
ابتسم لعقلي و ينتابني شعور بالإلوهية ، لما لا !!

في الصباح أغادر المخيم (أقصد منزلي ) على عجل ، و أذهب للمرسم الذي أشارك فيه أربعة شباب و فتاة ، لم أكترث لهذا فأنا كنت زعيمتهم ، وهذا كان يعطيني قوتي و سطوتي و تسلطي عليهم أحيانا ، بحجة أنني أكبرهم سنا مرة !! و أعقلهم ألف مرة !!!!!!!!!!!!

كانوا لازالو في بدايتهم و حماسهم كان يزيد من حماسي الذي كسرته السنين و الوحدة ، بل كسره الحنين إلى وطن لم أزره إلا على الخريطة المدرسية ، لم أردده إلا نشيدا أو شعرا أو حتى رثاءاً .. ففلسطين كانت تسكنني كهاجس أبدي ، لم أذكر كيف لوطن لم تزره ولكنك تنتمي له بالهوية أن يعيش فيك و يتكاثر في خلاياك كالورم !! فتصاب بمرض عضال اسمه " الثورة !!" ..
هكذا كانت فلسطين .. أيقونتي التي أصلي لها كل لحظة ، كنت أشعر باللذة تسري في روحي عندما يسألونني هنا : ماجنسيتك يا نضال ؟" فأجيبهم بعزة :" فلسطينية من نابلس " ، أحيانا يمتعض بعضهم ، و الآخرون ينظرون بأعجاب و كانهم توقعوا أن أكون منتمية إلى تلك الأرض و تلك الشجرة !!

هنا في هذا البلد رغم أني ترعرت فيه ، وحصلت على هويته ، لم تؤثر اطباعه في دمي ، لم تجذبني عاداته إلا قليلا ، ففي بلد الصقيع هذا ، رغم وجود عدد كبير من أبناء العرب ، إلا أنني كنت أقترب من أبناء بلدي و أنجذب إليهم ، أهو الحنين ؟؟؟ أهي الذاكرة ؟؟؟ ليس لي ذاكرة ، فلقد غادرت نابلس منذ كنت في الثالثة من عمري ، فكيف أذكرها ؟؟؟ ... لكن لاتلبث أن تأتي صورتها و ألونها مرسومة في أحلامي !! فأدرك بأنني أزرو نابلس كل يوم و تزورني نابلس !!

لا انكر أبدا بفضل كندا علي ، فلولاها لبقيت طائرا بلا هوية ، ينتقل من عش إلى عش ، و أجمل ماحدث لي هنا ، هي الصداقة القوية و الحميمة مع فتاة من وطني ، تصغرني بعامين ، كانت ميس .. اسمها الجميل جذبني ، ولازال ، ووجهها الطفولي ، الذي يذكرني بطفولة ممحية من ذاكرتي ، رغم إيمان ميس العميق بالله ، وإلحادي العنيد به ، كنا نتفق ، بل حدث أن تعارفنا أول مرة بسبب مناقشة حدثت بين طلبة الفنون الجميلة و طلبة العلوم الذي زارونا يوما في جولة لجمع رأي الطلبة الفلسطينيين والعرب المهاجرين في قضية فلسطين و دور كندا فيه !!
كان صوتي ملعلعا و أنا أتحدث بحماس ، وأعبر عن رأيي عندما تحدثت ميس فجاة : لكن يجب أن يكون إيماننا بالله كبيرا !! ... فهو القادر ..."
استدرت بخشونة وصحت باستنكار: " الإيمان بالله !!!!!!!!!!" أين هو الله ؟؟؟ ألم يشبع من عذابنا طوال 50 عاما ؟؟!! " أم أنه يتلذذ بمناظر جراحنا و جثثنا "؟؟!!"
صعقت ميس من جوابي و بقيت صامتة ، ونظرت إلي كأنها تشجعني على أن أكمل ، لولا تدخل أحد الطلبة و قال يهدئ من روعي :" حسنا آنسة نضال !!" لم تخطئ الآنسة!! .. أنا معك في كلامك !! لكن لديها وجهة نظر !! فلولا الإيمان بالله لمات معظم الناس قهرا !! فكيف بشعبنا ؟؟؟؟؟؟!!"
اطرقت أفكر و لكن بقيت ميس تنظر إلي ، أحسست بنظراتها ، وعندما حان موعد العودة للصفوف ، أوقفتني ميس وقالت بصوت منخفض : " أعتذر منك يا آنسة .. فانا لم أقصد !! .فأرجو أن تقبلي اعتذاري !!"
نظرت لها متأملة نحولها المستفز و صوتها الناعم : لا عليك !! لا ألومك أنت !! فاللوم على توارثنا الأعمي لإيمان الجاهلية الأولى !! "
قالت بلهفة مفاجاة: " من أين أنت من فلسطين ؟؟ "
أنا ببرود : من نابلس !! و أنت ؟؟
هي : من الناصرة !

وهكذا جر الحديث نفسه بنفسه و بتلقائية مع ميس ، ميس التي أصبحت أختي و صديقتي و مخزن أسراري ، كنت أنا و هي روحان في جسد ، رغم اختلافتنا الدينية و نظرتنا للدين ، كانت الحياة مصرّة على جمعنا !!

وأذكر ذلك اليوم ، الذي خرجت فيه من منزلنا و ذهبت لمنزلها ، و هناك استوقفني باب منزلهم كثيرا ، بأناقة الورود الحمراء عليه والتي تحيط صليبا خشبيا كبيرا منقوشا عليه أسم صاحب المنزل !!
لم أستغرب ف ميس من أسرة مسيحية محافظة ، لم تغير الغربة من التزامها الديني شيئا ، بل بالعكس زادت من جرعاته !!
هنا فكرت وقلت : "لم أحضر شيئا في يدي غير يدي !! ... لكن لا يهم !! فنحن في بلد الحرية !!" ابتسمت ساخرة على كلمة الحرية ، و بدات ادق على بابهم بأدب، فتحت لي امها الباب ، وقالت من تحت نظارتها الصغيرة : من حضرتك ؟؟
ابتسمت وقلت :" نضال ، صديقة ميس !!"
لوت المرأة شفتها و قالت ممتعضة :" تفضلي !!"
احسست برغبة في الرفض ، لكن من أجل ميس لن أفتعل مشاكل كعادتي !!!
أشارت لي بأن اجلس في الصالة ريثما تنادي ميس ، لكنني لم أجلس ، فعادتي أن أبقى أتحرك حتى عندما أرسم ، صرت اتجول على جدران الصالة بعيني الوحيدة و أتأمل ذوقهم الفني الغريب ، والذي يسبح في كل مدارس الفن ، حتى أيقنت بانهم يقتنون اللوحات كديكور لمنزلهم الفخم !! يا للحسرة !! أهكذا سيكون مصير لوحاتي !! شكرا لك يا أبي لأنك حطمتهم !! صرت أضحك كمن أصابته لوثة ، حتى شعرت بيد لطيفة تربت على كتفي ، وإذ هي ميس ، رأيتها تضحك هي أيضا لكن بخجل على ضحكتي ، وقالت لي :" مابك يا نضال ؟؟ لقد أضحكتني !!"
نظرت لها و قلت : " لا .. لكنني تذكرت أبي !! يا للمهزلة !! لقد نسيت هذا الرجل عندما نسيني !! أتصدقين رغم ذلك فهو يسكنني كفأل شؤم !! "
عادت ميس تضحك ، وشعرت بأنني اليوم ألقي النكات و الظرائف دون قصد ، أخذتني من يدي و قالت :" هيا هيا لنجلس في غرفتي !!"
دخلنا الغرفة ، وصرنا نتحدث عن الفلسفة ، ف ميس رغم تخصصها العلمي البحت إلا انها تعشق كتب الفلسفة و الاهوت .. وكانت تسعد بمناقشاتي الحامية معها ، هكذا كنت أشعر !!
واليوم كانت ميس على غير طبيعتها و كانها تخفي سرا ، فشعرت بسرها و قلت : مابك يا ميسو الغالية ؟؟ أراك مكتئبة ؟؟؟ هل حدث لك شيئ ؟؟! قولي !!"
نظرت لي ميس بحنان وقالت : " انا واقعة في الحب !!"
توقعت ميس بانها قد ألقت على مسمعي قنبلة ، لكنني انفجرت ضاحكة وسط ذهولها و قلت : "وماذا يعني هذا ؟؟؟ إنه أمر عادي جدا!! .. لكن من هو سعيد الحظ هذا ؟؟؟؟!!"
عبست ميس فجاة و قالت بجدية : " لماذا ذهب تفكريرك الغريزي بعيدا !!؟"
عبست في وجهها : " من تحبين إذا ؟؟ " ها .. قولي .. هذا الحب الذي أعرف !!"
طأطأت ميس رأسها و تحدثت كمن يحادث نفسه : " أحب المسيح !! "
هذه المرة ، ادركت للمرة الأولى بأن أذني اليسرى معطوبة ، فأدرت لها اليمنى وقلت لها : أعيدي ماقلتيه !!
صرخت بطفولة : كفاك استهزاءا و سخرية !!! ... أحب المسيح !! و أحب أن أكون من أتباعه !! بماذا أخطأت !!
اقتربت منها و قلت : لم أقصد ذلك أبدا !!! فانت حرة !! أحبي الذي تحبينه !! مادخلي أنا ؟!!!!!!!
بقيت ميس صامتة و كأنها تصلي ، وبقيت أنا أنتظرها ، حتى فاقت من صمتها فجاة :" لقد رأيت المسيح في منامي البارحة !!"
اقتربت منها باهتمام وقلت :" حسنا!.. أنا أرى الشيطان على الواقع أيضا !!! هل أحبه ؟!!"
عقدت ميس حاجبيها و أكلمت دون أن تكترث لنغزاتي و قالت : "رأيته بلباس أبيض فضفاض .. يضع إكليلا من الشوك ,, و يمد لي يده ,,, "
قاطعت ميس بنرفزة :" حسنا !!! أريد الخلاصة !!"
زمت ميس شفتيها الصغيرتين و قالت بعصبية :" لا شيء!!!!!!!!!!!"
نظرت لها متأملة ثم انفجرت ضاحكة :" يا لك من طفلة !! ... لماذا تغضبين بسرعة ؟؟؟! ... هيا قولي ما سبب حبك له !؟؟ فأنا لم أستغرب ذلك الحب .. فأنت دائمة في ذكره و الصلاة أمام صورته !! فحبه ليس بالجديد !!"
أطرقت ميس تفكر ، ثم قالت بهمس :" أريد أن أدخل للدير ، أريد أن أصبح راهبة في محراب المسيح و الله !!"
أنا بسخرية : "غريبة أنت !! ... هل هذا ما علمتك إياه العلوم ؟؟!... أن تعبدي !! ومن بشرا !!! ... يا إلهي !! لقد بت أشك في صحتك العقلية !!"
انفجرت ميس ضاحكة فجاة ، فظننت بأن كلماتي لم تصل بلغة تفهمها ميس ، فصرت أضحك معها وعليها !!
بعد عاصفة الضحك هذه اقتربت ميس و همست في أذني بارتباك :" نضال !!!..... هل أنت شيوعية ؟؟"
لم أستوعب مغزى السؤال ، فقلت لها :"ماذا ؟؟؟ ... لم أفهم ؟؟ "
ابتسمت ميس و اعتدلت في جلستها وكررت السؤال بصوت أعلى: "هل أنت شيوعية يا نضال ؟؟؟"
قلت لها ضاحكة :" نعم .. و لكن لا أنتسب لحزبهم !!!"
ميس مستغربة : "لما لا ؟؟ مالسبب ؟؟"
أنا بقوة :"لأن بالانتساب لأي حزب تفقد القيم و المبادئ وهجها ، فكيف بحزب نضح بالثوار ؟؟!!! "
ميس مبتسمة :"إذا لماذا لا تعيشين في كوبا !!؟؟؟ فأنت معجبة بكاسترو !!"
انفجرت ضاحكة بتصنع هذه المرة و قلت بمرار :" ميس !! أنا لا أذهب لأحد ! حتى لو كنا نتفق على المبادئ .. أنا أريد أن أغادر كندا إلى نابلس مباشرة !! لا أن أبقى طيرا مهاجرا .. وجسدا مسافرا من محطة إلى أخرى !!"
نظرت لي ميس بألم و قالت :" الحق معك !!! .. فالهروب لن ينفع في زماننا البشع !! ليكون الله في عوننا !!"
استفزتني ميس و قلت :" لذا ... يجب أن نرسم لوحة جميلة تكون زمننا القادم !! مارأيك ؟؟؟"
عانقتني ميس بحرارة وقالت : "ماأروعك !! في كل همسة أتعلم منك شيئا !!"
احتنضتها بيد شبه مشلولة و قلت :" بل أنت الرائعة !! أنت من لازلت تعيشين النقاء الأول !! نقاء الطفولة !! ... ابقي كما أنت يا ميس ,, لا تتغيري أرجوك !!"
فاحترقت دموع ميس على وجنتي ، وبللت روحي المجروحة ، فأحسست برغبة في البكاء أيضا ... لكنني نسيت البكاء منذ الفطام !! فكيف أبكي الآن ؟؟؟!
وقفت فجأة ، و تركت ميس تمسح دموعها ، و وقفت أتأمل الطريق من النافذة، فكورت يدي و لكمت بها الحائط ، حتى تأوهت من الألم ، فركضت ميس تستطلع ألمي ، وهي في حيرة ، لكن حنان ميس الظاهر علي أنساني ألمي و ابتسمت في وجهها ، وقلت :" يا غاليتي !! لم أعهد حنانا مثل حنانك !! "
هنا بللت دموعنا أرض أحلامنا ، و آلامنا ، و حتى أرواحنا ... وصرنا نبكي على مانفقده ، وعلى مانملكه .. نبكي إيماننا و كفرنا ، نبكي نضالنا و جبننا ، بقينا نبكي ، وكأن الدموع كانت حمما بركانية تنتظر القذف !!.. و هكذا انتهت ليلتنا ، ودعت ميس وعدت أتسكع على الطريق , إلى أن وصلت للمنزل ، وقفت اتأمل باب منزلنا لأول مرة ، ياه .. كل هذه السنوات و لم يخطر ببالي أن أنظر له لحظة !! فلقد علمونا أن نطأطئ رأسنا حتى عند دخولنا !! ... بحثت عن المفتاح في جيبي ، لم أجده ، فصرت أطرق الباب بقسوة ، فجاء صوت أمي من خلف الباب : "عودي حيث كنت !!"
ظننت بأنني أتخيل ولكن هذا ليس وقتا له ، فكررت الطرق على بابنا طرقات متتالية سريعة ، ففتحت لي أمي الباب و هي تنتفض غضبا و قالت : "أين كنت ؟؟ ها .. أجيبي !! هل نسيت أن لك بيتا !!؟؟؟ طبعا .. من ينسى وجود الله .. ينسى كل شيء !!"
هكذا فتحت أمي جرابها المليء بكلمات شيطانية ، وبقيت أنظر لها و كأنني لم أسمع ، دخلت و مشيت مسرعة إلى غرفتي ، وبقي صوتها الحاد يوصلني بالسباب على خلفتي تارة و على تربيتي تارة أخرى ، وتدعو الله أن يريحها مني !!... مع هذا لم أكن أحقد عليها إلا قليلا ... فعلاقتي بها انتهت منذ رضعت حليبها !.. فنحن متناقضتين في كل شيء ..!! ..
دخلت غرفتي و العرق يتصبب من جبيني ، أهي الجراح تنزف ؟؟ أم الأشواك تنمو !؟؟ لم أعرف وقتها سوى أن أرقص .. وهنا تذكرت "زوربا اليوناني " ولكن زوربا كان يرقص من ألمه .. أما أنا فأرقص على ألمي ، بل أدوسه لكي أنقي روحي من شوائب الألم ، فبعد كل ألم هناك آلام أخرى !!!
فتح أبي غرفتي فجاة و رآني أرقص ، فأمسك بي معنفا ، وقال : "ها أصبحت راقصة أيضا !!!!! ليس غريبا !!
تعالي أريد الحديث معك !!"
لم أصدق ما سمعت ، " يريد الحديث معي !! .. وليس السباب علي .. وليس تعليمي احترام الوالدين , و الصالحين و عبادة القديسين .. غريب !! .. ومع هذا دفعني فضولي لكي أتبعه !!"
لحقت بأبي الذي كان يجلس مع أمي على الكنبة الكبيرة ، أشار لي بالجلوس وهو يبتسم ، لم أرتح لابتسامته ، وأحسست بمصيبة ستحل علي لا محالة !!
جلست ممتعضة لكنني أيقظت حواسي ، و هنا تنحنح أبي طويلا و كأنه سيلقي خطبة عصماء .. ! بدأ أبي قائلا: "
يا بنتي .. بتعرفي نحنا بالغربة ... وصارلنا عمر هون !!... " بلع أبي ريقه .. وهنا قاطعته أنا بضجر :" مش جديد هالحكي .. إيش في ؟"
أبي مسح عرقه و قال : " في الحقيقة إجاك عريس !!"
فأكملت أمي كأنها فاصل إعلاني : " عريس لقطة ، كل بنت بتتمنى ضفره ، يعني لازم توافقي و هلق :"
أشار لها أبي بأن تغلق فمها ، وقال يتصنع ابتسامة :" صحيح كلام والدتك !! والآن مارأيك ؟!!"
أخذت أضحك و سط استغرابهم ، وظنوا بأني إما جننت وإما قد أخذت بالعريس ، لكنني سكت فجاة و سألت أبي بحدة : " من هذا العريس ؟؟"
أبي بلهفة :" هو السيد عمر .. ألا تذكرينه .. مدير شركة سيارات فورد هنا .. مابك ؟؟ هل وافقت ؟"
سألته بلااكتراث :" وأين رآني ذلك السيد ؟؟"
أبي يفكر : أظن بأنه رآك مرة عندما زرتيني في شركتي !!" ليس مهما .. فالرجل سيدفع مهرك وزنك ذهب !!
لحظتها حسدت ميس على والديها ، و كرهت نفسي ، وكرهتهم ، أهكذا يكون الآباء والامهات !! فلتلعنهم الآلهة !!
صرخت في وجههما : لا أريده !!!!!!!!!!!!!!!!!
أبي بغضب :" اغربي عن وجهي !! احمدي ربك لقيتي حدا يلمك !!و يقبل فيكي !!".. رددت عليه و أنا أركض بحنق نحو غرفتي: " مشان هيك كفرت بربي !!" .. لاحقتني السباب و الشتائم ، و أراد أبي أن يلحقني لولا أن أمسكت به أمي و أخذت تذكره بالحادثة السابقة !!!..
و قد قررت الهجرة من هذا المخيم إلى الأبد ، لم أعرف سوى أن اجمع بعضا من الإسطوانات و الكتب حتى نسيت أن آخذ معي بعضا من المال ، في الحقيقة لم أنسى بل تعمدت ألا أمد يدي على مالهم أبدا!، هربت مسرعة و قبل أن يلحق بي أبي كنت في الشارع ، أركض بسرعة لم أعهدها في جسدي ، لكن يبدو أن انتفاضتي دائما جماعية !!

فجاة سقطت على الرصيف أبكي و أنوح ، وكأنني أبكي شهيدا ,, أبكي جريحا ... بل كنت أبكي حياتي كلها ... حياتي التي لم أجدها إلا معطوبة .!!
بقيت أتأمل الظلام ، حتى قررت البحث عن أقرب حديقة أنام فيها للصباح ، ولكن نحن في كندا ،،،،، تذكرت ميس ، ولكن كيف لي إزعاجها الآن !! .. مزقتني أفكاري أكثر من جراحي ، و قررت التسكع حتى يأتي الفجر ، الذي قد أتى دون أن ألمحه !!!
بقيت أمشي ببطء تارة و بسرعة تارة أخرى حسب نفسيتي المتقلبة ، وهنا أحسست بأن جسدي يصرخ من التعب ، فقررت أن أذهب إلى المرسم ، لكي أرتاح في إحدى الغرف ،
أكملت طريقي مشيا ، و دخلت المرسم الذي وصلتني من مدخله أصوات الشباب يتناقشون بحدة عن الازداوجية الغربية تجاه قضايانا ... دخلت عليهم كالتائهة فشعري كان معبرا عن حالتي ، صمتوا فجاة و ركض نحوي " أحمد " وهو سوري مولود هنا و قال بلطف أهل دمشق :" سلامتك يا ألبي ، شو بك ؟ إنشالله خير !!"
ابتسمت له بصعوبة ، وأشرت له بأن يأخذني لأرتاح ، فساعده " جورج " وهو سوري أيضا لكنه أتى حديثا هنا ، ودخلت غرفة " وفاء " الفتاة الوحيدة التي تعمل معنا ,,,
عندما لامس رأسي المخدة ، تخدرت حواسي فجأة و كانها تاخذ استراحة طويلة ، استعدادا لمعركة النهاية ، هكذا أحسست ، بل هكذا كانت نظرتي لحياتي منذ الطفولة ، كنت أتمنى الموت على تراب وطني ، دفاعا عن كل شيء في وجه كل شي ء!!!!!!!!!!!!

لم أشعر كم من الساعات مرت ، إلا عندما أيقظتني وفاء بلهجتها المصرية المحببة :" مالك يا نضال ؟؟ هو إنت لسه ماشبعتيش نوم !! دحنا لسه بأول يوم !! ... تضحك وفاء .. فهي كانت تحب أن تمازحني !!"
اتبمست لها ، وقلت :" صباح الخير !!"
اقتربت مني وقالت : "صباح الفل و الياسمين و الرياحين !! يلا تعالي الفطار جاهز !!"
قلت لها بكسل : "لا أريد .. لا أشعر بالجوع !!"
عقدت وفاء حاجبيها الرفيعين تعجبا : " لماذا ؟؟ "
أنا بكسل : " لا أريد !! .. أريد أن أذهب للجامعة !!"
وفاء ، لا تحب المناقشة في أي شيء ، تركتني و خرجت ، و لكن وصلني صوت " يوسف " ( وهو شاب فلسطيني مولود هنا أيضا ) وهو يسأل وفاء عني و عن حالتي النفسية الآن ، .. فجأة سمعت طرقا على الباب ، و صوت يوسف يقول :" أم النضل ، مالك لسه نايمة !؟ .. يلا شو نسيتي اليوم إدوارد سعيد !!؟ "
فركت عيني لأستوعب هل أنا لازلت نائمة أو غافية ، و رفعت رأسي المثقل بالألم و قلت له :" شو مالك يوسف ؟؟ إيش بتحكي !!؟؟ ..تعال . ادخل !!"
اعتدلت على السرير ، و أخذت أتثاءب بقوة لكي أنفض ذكرى الأمس و تعبها ، و اقترب يوسف قائلا : "صباح الخير !! إنشالله اشبعتي نوم !!"
قلت ممازحة :" مابينشبع !! ولو ... هذا نوم مش أي إيشي !!" .. فصرنا نضحك ، ثم قلت له بفضول :" كأنني سمعت اسم إدوارد سعيد !!... !!"
اتبسم يوسف وقال :"فكرتك بتعرفي !!.... اليوم الساعة 2:30 في محاضرة لإلو!!"
انفرجت شفتي عن ابتسامة عريضة وقلت : أنا ذاهبة بالتأكيد ,,, بدهاش سؤال !!"
وقمت أتكأ على ذراع يوسف ، و رأيت وفاء و الشلة قد بدأوا بتناول الفطور ، وعندما شاهدوني خارجة ، وقفوا وقالوا : يعني لو كنا عارفين يوسف رح يخليك تقومي ، كنا بعثناه من زمان ... " و انفجرنا ضاحكين ..

لا أريد الحديث عن محاضرة المفكر الكبير إدوارد سعيد ، فمجرد رؤيته كانت حلما ، و بعث في نفسي نضالي بكل مايحمله النضال من أجل القيم ، و الوطن ... رائع إنت يا إدوارد !!.... لكنني سأذكر ذلك الشاب الذي جلس للصدفة بجانبي ، وكان يبدو من أناقته كأنه دكتور ، أو رجل أعمال ، و كان يبدو مهتما بكل كلمة ينطقها المفكر سعيد ، فكنت أسترق النظر إليه كلما صفقنا للمفكر الكبير ، و عندما انتهت المحاضرة و هممنا بالخروج من القاعة ،ا قتربت منه وقلت له :" مرحبا !"
نظر باهتمام مصطنع : " أهلا !!"
ترددت ، إنها المرة الأولى التي أتلعثم بها ، لا أعرف ماهذا الشعور الذي أنتابني ، و لكنني تماسكت كعادتي و قلت له : " حضرتك دكتور مش هيك ؟"
اتبسم ببرود :" نعم .. دكتور في القانون الدولي من جامعة بوسطن !!"
أنا ولم أمنع إعجابي وقد كدت أصفر : واو .. رائع ... و قلت لإدارك إعجابي : " لذا كنت تبدو مهتما بمحاضرة المفكر سعيد ؟!!"
ابتسم ابتسامة أكبر : " لا !!.. فالوطنية لا تحتاج إلى ثقافة !!"
نظرت له بحيرة : :" لم أفهم !!"
قال : " أقصد بأنني حضرتها من أجله لانه فلسطيني مهاجر مثلي .. ولم آتي لكي أستزيد من ثقافته !!"
لم يعجبني منطقه ، و مددت يدي لأنهي هذه المقابلة القصيرة ،: "سعدت بمعرفتك ، معك الفنانة التشكيلية نضال العمري " ,, مد يده و قال بلباقة و دبلوماسية :" و أنا أكثر ، معك الدكتور وليد برقاوي !"

عدت للقاعة لأبحث عن الشلة ، فوجدتهم يقفون خارجها يتناقشون مع بعض الطلبة الأجانب حول القضية الفلسطينية و كل القضايا العربية المنسية !!.. اقتربت منهم ، فلوح لي يوسف بأن اقترب لأشاركهم ، .. رفعت له يدي من بعيد و أنا أعتذر .. فأنا لازلت تحت تأثير الدوار ، و لابد لي البحث عن ملجأ للنوم غير المرسم ، فلايعقل أن أبقى فيه للأبد!!

تذكرت ميس ، و قلت يجب أن أحادثها ، اتصلت من الشارع و جاءني صوتها حزينا : آلو ميسو كيفك ؟؟ شو عاملة ؟
ميس بكآبة : هلا ..
أحسست بشيء ينغز صدري ، وقلت لها : مابك يا بنت ؟؟ شو مالك ؟؟ أحكي !!
أخذت ميس تبكي ، حتى أحسست بدموعها تخرج من سماعة الهاتف لتستقر في قلبي ، أعدت السماعة باضطراب ، و خرجت أهرول وأشير للتاكسي ، ركبت مسرعة ...
وقفت ألهث ، بل ألتقط لهاثي عند بابها ، و لم تساعدني يدي على طرق الباب ، ولكن هاهو الباب يفتح ، وإذ به والد ميس مستغربا وجودي : مين نضال ؟!!! منذ متى وأنت خارجا يا ابنتي !! ؟؟ لم نسمع طرقك على الباب !!
بلعت ريقي الجاف و قلت : أهلا عمي !! لم أطرق الباب بعد !
أمسكني وقال : هيا ادخلي هيا .. ستسعد ميس بوجودك ...!
لم يأتي بجديد ، فهي حتما ستسعد .. يالغروري .. !

دخلت الصالة ، لأجد ميس تطالع برنامجا تلفزيونيا بلا اكتراث ، وقفت متسمرة مكاني ، أحسست كمن أكل مقلبا !! .. هل كان بكاؤها حيلة لتراني !!؟؟ .. لكن لاداعي لهكذا أساليب ملتوية !!.. فهي لو طلبت رؤتي سآتي فورا !!..
نهضت ميس و عانقتني بشدة وصارت تبكي ، و تقول : هلا أم النضل !!...
أمسكت لها رأسها لأرفعه و قلت لها بقلق: مابك ؟؟ مالذي حدث ؟؟
نظرت إلي بعينين زائغتين : أبوك يا نضال !!
أنا بعبسة : مابه ؟؟ ... هل مات !!؟
ميس تنظر لي مصدومة : لا .. !! (و هي منزعجة من كلمتي ) ... لكنه مريض بالمستشفى !!
للحظة شعرت بالشفقة عليه !!.. و لكن مع هذا قلت لها بلااكتراث : و إذا !!! ما دخلي أنا !!؟؟
ميس مصعوقة : ماذا ؟؟ ... مابك ؟؟؟.... والدك يريد رؤيتك !!

قلت في نفسي .: يبدو أن الرجل يريد أن يكفر عن ذنبه !!..
هزتني ميس و أخذتني لأجلس ، و بقيت تنتظرني لأقول شيئا .. لكنني لم أكن أملك ما أقول ... كسر والد ميس صمتنا الإجباري و قال : يلا بنتي نضال .. خلينا نزور الوالد سوا !!
نظرت له متفاجأة ، وقلت له بخجل : في الحقيقة يا عماه .... لا أعرف ماذا أقول .! ... لكنني لا أريد !!
صدم والد ميس و اخذ ينقل نظره بيني و بين ميس و قال : لم أفهم يا ابنتي !!؟
أنا و حاولت بلع ريقي و قلت : سأزوره وحدي !
تلمظ والد ميس و قال : على راحتك يا ابنتي .. حسنا أنا ذاهب وحدي

خرج والد ميس ، و عندما سمعنا صوت غلق الباب ، اقتربت من ميس و قرصت لها أذنها معاتبة ، فتأوهت و قالت : متوحشة!!...
تفاجات من الكلمة لكنني رغم ذلك اتبسمت بسخرية و قلت : حسنا يا أليفة !!.. لماذا كنت تبكين على الهاتف ؟؟
هي بألم طفولي : لأنني اشتقت إليك !! ... وعندما سمعت صوتك انهرت عاطفيا !!
أنا بألم : انهرت عاطفيا ؟!!... حسنا .. قولي لي منذ متى وهذا الذي أسمه أبي مريض؟؟؟
هي بحزن : منذ أسبوع !!.. أي منذ مغادرتك لهم !!...
أنا أفكر : ومابه ؟؟.. هل أصابته سكتة .. جلطة ؟؟ أي مصيبة ما ؟؟
هي تتمسك بدموع مخفية : أعتقد بأنها جلطة .. وكانت قوية حتى أصابته بما يشبه الشلل النصفي !!
شهقت دون قصد ، فأمسكت بي ميس خشية علي من الصدمة ، فتركت لها يدها ، وركضت نحو الباب مسرعة ، وصرت أركض كالمجنونة وصوت ميس يلاحقني قائلا :" نضال نضال .. شو مالك ؟؟.. لوين رايحة ؟؟ .. نضال مافيني ألحقك ... نضال ..." ظللت في حالة من هروب .. لا أعرفها .. هروب من ذاتي .. هروب من أبي المريض .. وصلت لأول موقف باص . وبقيت مترددة .. هل اذهب للمنزل ؟؟ .. هل سيفرحون لعودتي ؟.. أم أنهم سيتشائمون من رؤتي ؟؟ لم أمهل نفسي وقتا للتفكير-كعادتي لا تتقن إلا الحرق وقتا - .. و ركبت الباص وعندما توقف أمام حينا .. نزلت متثاقلة، و سرت أمشي تائهة كمن لا تعرف وجهتها .. وأنا كنت كذلك .. خدعت نفسي ثلاثين عاما .. بأنني أعرف ما أريد ..!!... وهم ظنوا بأني أعرف .. و لكنني في هذه اللحظة لم أكن سوى روح معطوبة منذ زمن تسير هائمة على مصيرها في غربة الجسد هذه !!...
هنا .. أكملت سيري ...وتذكرت بحيرة فكتوريا ..فقررت أن أقف هناك و أتأمل .. عل منظر الماء يلهمني بتصرف حكيم !!..
عند البحيرة ..أخذت أتأمل بالبشر المارين تارة ,, بالقوراب تارة ... وأخذت أنظر للبحيرة و السماء المنعكسة على صفحتها ...أحسست برغبة في الرسم ..ياه .. كم مر من الزمن لم أرسم فيه !!...هنا نظرت حولي باحثة عن أي شيء أرسم عليه ..فنظرت للشجرة التي بجانبي ، و قطفت منها ورقة على عجل ، وأخرجت قلما في جيبي صدف وجوده ، ..و بدأت برسم خربشات صغيرة ...وعندما نظرت للوحتي الصغيرة هذه ,,فإذا بها "الشمس " فقط !!!!!!!!!!!...ظننت بأنني تعرضت لضربة شمس في غفلة من الوقت ، فدسست الورقة في جيبي ، و قررت أن أتمشى و أفكر ، وهنا ظهر لي وجه أبي ، غضب أبي ، قسوته ، ظلمه ، ,,,, وتذكرت يدي .... ولكن ,,, شعور بتأنيب الضمير لازمني .... لماذا ؟؟.. سألت نفسي ..
وبينما أنا هائمة على ضميري مرة ,, وعلى وجهي مرات ... سمعت صوتا مألوفا يناديني من بعيد .. التفت لأرى ، وإذا به شاب طويل جميل الملامح ... اقترب مني مسلما بحرارة .. وقال (لاهثا) : ست نضال كيفك؟ .. ومد يده مصافحا .. صافحته ولازلت كمن استيقظ من منام مزعج ، و حاولت الابتسام قائلة : أهلا .. لكن من أنت ؟..
هو مستغربا : من أنا ؟؟؟؟... أنا ميشيل خطيب ميس!... ضربت جبيني بيدي و قلت : آآآآآآآآآآآآآآآآآآه تذكرت !.. لكنني لم أعد آراك منذ خطبتكما !..هو مبتسما ببراءة : لأنني تركت تورنتو .. وأعمل الآن في مونتريال !..
انا : آهه .. حسنا .. بالتوفيق !... وصدفة جميلة أن ألتقيك !!.....لكن مالذي أتى بك ؟؟ هل جئت لترى ميس ؟( وغمزته تأكيدا على حدسي ) ..
نظر متعجبا : ظننت ميس قد أخبرتك !.. بأننا سنتزوج هذا الشهر !...لذا أنا هنا !
تفاجأت من المفاجأة ، لم أعرف شعوري هل أشعر بالسعادة لهما ، أم أشعر بالحزن على فراق ميس ، أم بالغضب من ميس لماذا لم تخبرني ؟!
وكأنه أدرك ما جال في خاطري فقال : ميس لا تعرف !.. فلقد قررت مع أهلي ، وجئت لأخبرها !
هنا شعرت بنوع من الراحة ، ف ميس لا تخفي عني شيئا ...
فعدت لمصافحته مودعة ، وهممت لأمد يدي مودعة ، فإذ به يردها لي قائلا : لا سأمشي معك ! إذا لا تمانعين طبعا !
انا بامتعاض فجائي : لا ...لا مانع .. لكن قد تكون وجهتنا مختلفة !
هو ببراءة: لا فأنا ذاهب لزيارة ميس !...
توقفت هنيهة و نظرت إليه بتحفز: " ميشو !. .هل طلبت منك ميس أن تبحث عني ؟!
انصدم ميشيل و لم يعرف كيف يرد ، فاطرق برأسه خجلا وقال :"في الحقيقة !.....ميس اتصلت بي و كانت تجهش بالبكاء ..وعرفت بأنك حزينة على مرض والدك .. و..."
قاطعته بألم ونظرت للمغيب : " لا عليك !.. ف ميس ليست صديقتي فقط .. فهي أختي و ابنتي !...حسنا ... دعنا مني .و أخبرني متى موعد الزفاف !؟!"
ابتسم ميشيل بخجل :" آه ..قد يكون آخر الشهر القادم !...أريد أن أعتاد الولاية الجديدة !. والعمل الجديد !"
قلت مودعة :" حسنا .. بالتوفيق !... سأتركك الآن !.. فلدي عمل خاص جدا!..
تفاجأ ميشيل و حاول أن يبقى ملازما لي ، خشية أن تغضب منه ميس ..فهو يعلم كم ميس متعلقة بي ...
تركت ميشيل بارتباكه و أكلمت سيري ، في الحقيقة لم اكن أعرف أين سأذهب ، أحسست بنوبات من الأمل و اليأس تتلاحق أمام ناظري كأنني في قاعة سينما .. حلّ المساء وهنا و جدت نفسي أمام منزلنا ، بقيت واقفة كمن يسمع الريح ، و ترددت في التقدم لطرق الباب ، وتمنيت لو يفتح الباب فجأة !...حاولت أن أنسى الفكرة ، و أذهب للمرسم ، لكن .. شعرت بقدمي و قد تجمدتا و قررتا التشبث امام العتبة !...هنا أحسست برغبة في الصراخ و الاستغاثة .. فالاختناق قد بلغ روحي ، و شعرت بأنني سأفقدها هذه اللحظة .. نظرت للسماء ، علني أرى الله !.. آه أيها الرب هل تسمعني ؟؟. حسنا ... اسمعني هذه المرة .. و ساعدني فأنا رغم العطب لا أزال إنسانا يبحث عن الحب ...يبحث عن الأمل .. عن السعادة ... أيها الرب ... لم أطلب منك في حياتي شيئا .. كنت أكفيك شري و خيري .. كنت أتصرف وفق عقل خلقته في رأسي .. كنت أتحدث وفق حق و منطق نقشته على لساني ... أيها الرب ... أكره ضعفي أمامك الآن .. أكره نفسي التي تنازلت عن ألوهيتها الآن ... لكن .. هل تلام النفس المعطوبة ؟؟.. .لا نفسي ليست معطوبة و لم تكن يوما كذلك .. بل هي نفوس من حولي .. نفوس من خلقوني .. نفوس من أحضروني جثة حية إلى هذه الدنيا !!!!!!!!.....

هنا .........سمعت وقع خطوات خفيفة خلفي .... فاستدرت على عقبي فزعة ... فإذا .................!!

يتبع ...
الجزء الثاني ...

-----------------------------

غصون عادل زيتون
الكويت 2007




 
 توقيع : غصون عادل زيتون

غصون عادل زيتون
Ghosoun Adel Zaitoun
QueenZ/توجني الماء على عرشه ملكة /


رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:42 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
By: Host4uae.ae


HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
جميع ما يكتب فى مؤسسة صدانا يعبر عن وجهة نظر كاتبة فقط ولا يعبر بالضروره عن وجهة نظر إدارة الشبكة

a.d - i.s.s.w

جميع الحقوق محفوظة لصالون صدانا الثقافي 2018 ©