رسائل الزاجل الأسير/علي سليم النفار/غريب عسقلاني

 

حدود الشعر .. حدود الذاكرة 

كيف يمتح الشعر من الذاكرة ؟

وكيف يلتقط وكيف يعيد الخلق / الرؤية

وما المباح في حدود المتوفر / المتاح ،

من حيوات سبقت لاضاءة حياة حاضرة أو غد يتشكل في مسامات الحلم .

هذه الأسئلة تداهمك وانت تبحر في قصيدة نشيد البحارة للشاعر سليم النفار ،

القصيد المطولة التي تحتل مساحة شاسعة وأساسية من ديوانه الرابع الذي صدرهذا العام 2004 بعنوان شُرف على ذاك المطر .

في نشيد البحارة يقف الشاعر منبهراً ، مذهولاً يرصد من شرفات القصيد ذلك الاندغام والتماهي بين البحر / الذاكرة ، والفضاء / الحلم يدق رأسه اليقظ على فداحة الخسران في رحلة عمره القصيرة / الطويلة . طول البحث عن أب غادر الى بطن الموجه وما زال يجدف بهدف الوصول الى شاطيء يافا ، وكأن الابن قد سلم بالفناء المادي وعاد يرفض الغياب عندما اصبح شاباً شاعراً لأن غياب الشهداء هو الحضور الدائم بتداعيات التناسل والتناسخ وجدلية الصيرورة ،فنراه يعتصم بأمه التي اوقفت حياتها على عبق السيرة وأجلت شهواتها بانتظار الحلم الذي تشظى في كيانات من نسله .

ماذا فعلت 

تلك الساعة

وهي امرأة تعرف كيف تحسن الوقت

على أشجار النبض ؟

هذه العاشقة أودعت قلبها في صدر الفارس ، تعودت على رائحة أجساد، زغاليلها / اطفالها أثيراً من الساكن فيها / الغائب عنها .

كانت أمي

تغلي الماء على البابور

كي نغتسل فنبدوا أجمل حين نلامس خد ابينا

العائد من رحلته ليلاً

الفارس لم يعد ، ولم ينعم جلد وجهه المشدود من جهامة الليل ورياح النوّات ، بأثير عرق الصغار ، ولم يطأ أشواق العروس التي تتجمل بأولادها عشق يحمل سر الوجد الذي لا يدركه سواه .. فالقدر المترصد يقطع بسيفه وشيجة حلم وقف على شرفة القلب ولهث بانتظار الوصال .

لم تُكمل

سيرتها في الحب الصعب

فامتلأت عيناها

بغيوم الحزن وأمطار الوجد

مضى الرجل وصار يوم الغياب محطة الذاكرة ، شبعت من أه الوجع

يوم الجُمعة للجَمعة عند الرب.

لكن الاه اختضرت فينا / كل عذابات الآه .

والبحار يمضي مع أفراس الماء، يبحث عن جنون يخلصه من جينات البحر ليعود الى حوريته التي تنتظر عند شاطيء غريب /، بعيد وأقسمت ان تنشر ضفائرها عند شاطيء غادرته طفلة ، ومازالت ملوحته تسري في مسامات جلدها رغم جفاف الوقت وتناسل الهموم .

هذا لا يُبكى

فنساء الحي جميعاً

يوم أبيه .. كانوا امرأة ثكلى ..

على أصداء السيرة ، ونتف من حكايات معلنة وأخرى مخبوءة. يكبر الشاعر سليم النفار ، رأس ماله اللجوء والمنفى ، يدرك هول فجيعته.

علمني يافا

كيف تعض القلب

بأسنان لبنية

فهل تتحول الأسنان اللبنية الى أنياب كواسر ، تستبد بها شهوات الانتقام والافتراس ، واستغذاب طعم الدم ، ولكن الطفل يصبح شاعراً تؤرقه الأسئلة ، ويلاحقه العطش الذي لازم أبيه :

والأرض العطشى

قد شربت حبات الغيم

لكن النعش

ظل على عطش لم يشرب

يالله كيف يظل الأب على عطش وقد قضى في الماء .. لم يكفه ماء البحر حتى يرتوي ، قبل ان يصل مرفأه الذي يريد :

ما كانت غاية جهدك

أن تصبغ لون الماء ، بألوان أخرى

كنت تريد البسمات

الأولاد

 والابن بضاعته الأرق والتجوال بحثاً عن مفاتيح الأسئلة ، يقف على شرفات المطر ويناجي البحر الهادر ،يعد الموجات، يراقبها كيف تضرب وجه الشاطيء ، وتضر قلبه البريء يطلق السؤال للبحر/ أبيه .

علمني / كم خذلوك / وكم باعوك .

فسدوا الطرق عليك .

واذا كان سليم النفار قد وقف وجهاً لوجه مع ذاته في قصيدة نشيد البحارة ، يستنطق تجربته الشخصية ليرتفع معها الى تجربة عامة ولكنه في النصوص التالية : يحاول ان يتقمص روح الجماعة ، ولذلك يميل الى التريث وضبط وتيرة لهاثه ، والاقتراب من محاكمة هادئة عميقة حزينة حزن الوقت ، مخذولة خذلان الوطن ، فنراه في قصيدة حصة الرسم يتأمل قوافل العائدين الى الوطن / حقيقة أو حلماً :

الغائبون الحاضرون

قد اودعوا سر اليفاعة في الأغاني

وتمنطقوا غيماً

لكي تصفو المعاني في المعاني

فالرحلة ممتدة وطويلة ، وإن نجمة ستلوح يوماً ، وان الخسائر متوقعة ، والغياب لمن تحب قدر / ضريبة ، لأن الوطن ينتظر من التزموا به ونذروا انفسهم قرابين :

ستطول رحلتنا على ذات الطريق

لم نعتقد

ان الطريق ستنكسر

لنؤوب مرات على ذات الرؤى

في المسيرة قد تتعثر الخطى ، ويسكن الشك والريبة , والغموض أطناب المكان ، وتحدث البلبلة بين الحين ولآخر ,وتتكاثف العتمة حتى تقتل ذُبالات القناديل البعيدة والقريبة ، فالأمر يتطلب الحكمة والايمان بالحياة حتى لو تشوّه وجه الكون ، وصار الخراب سيد الحالات :

إنْ نختلفْ

فيما تفسره الحياة

سنظل في قيثارة المعنى

 ولو نامت على أرض سماء

السبيل الى الوطن ثورة دائمة على الواقع ورصد أزلي للمتغيرات وفجيعة مقدرة للمؤمنين ، لأنه الرباط على المكان والرباط في المعنى أيضاً حتى يتحقق الأمل المرتجى :

فرسي على الصحراء مصلوب يُباح

وقبائلي

نطف ملونة بريح العابرين

المؤمنون القابضون على الحقيقة لا تلوي اعناقهم جهامات الواقع اليومي ولا يفت من عضدهم الحرمان والفقد ، لأنهم نُذروا الى فرح آت وإن بات مؤجل ، وعليه فإن الوجد حالة مطلوبة حتى وإن غاصت في قدرية صوفية في بعض الأحيان :

ولأنه لا بد من التمسك بالأمل بعيدا عن مقايسات

لم تعطني الأيام وقتاً / كي أغني

مذ كنت غضاً / غُضّت الأفراح عني

الموت والفناء ولكن على فضاء الحلول في الحياة بعد الموت والفناء في الخلود / الوطن الأبقى لأن اليوم دائماً مقدمه للغد ، وليس نواحاً على الأمس فالأمس أخذ مبرراته وجراحه ولايجب ان يكون فاصل لحن النهاية الحزين :

هذي بدايتنا / على خطو له أجل

أنت الذي تسمو / فماذا تفعل المُقل

يا مشعل الغايات / ارحم إنك الأمل

 

والتقرب الى مشعل الغايات لا يأتي هنا من بوابات الانكسار والاحباط ، ولكن من نوافذ الضوء المفتوحة ، على وهج الحقيقة / الحق الامتثال والى صيرورة الصراع :

ما ساقتِ الأحلام

الاّ من به خدرُ

ولكن لا بأس لو تزودنا بالمواجع زاداً للانبعاث والانطلاق من جديد لأن المواجع والفواجع معناها الايجابي البناء / البعيد عن التدمير ولكن هو في حقيقته غسيل للذات من أدرانها وبعث الجوهر / جوهرة الحقيقة :

يا سيد الأغراب عالج غربتي

وجعي تمادى / اذ تمادت حيرتي

إنا عليك وفيك نعقد همة

من ذا يجاري ان تلاشت همتي ؟

ولآن الشاعر ما زال يحلم بالمنارة التي قصدها بحاره الأول يرهف السمع للبحر ، يراقب أمواجه موجة إثر موجه يأخذ مكانه على شرفات مطر آتٍ لأن:

كل الصوامع معتمة

والناس في خناسها

ولأننا لا نحفظ التاريخ ،

يُعرِبُنا الصدى …

 

 

* سليم النفار شاع يقيم في غزة, يخاطب في القصيدة أباه الشهيد مصطفى النفار من أوائل شهداء

 

البحرية الفلسطينية..

 

 

 

Share

أكتب تعليقا