منطلق العروبة هو أساس النهضة/صبحي غندور

 

لا أعلم لِمَ هذا التناقض المفتعل

 بين العروبة والبعد الديني الحضاري في الحياة العربية،

فتواردهما معاً هو واقع حال هذه الأمَّة،

وهو حال مميِّز للأرض العربية التي منها خرجت الرسالات السماوية كلّها والرسل جميعهم،

وعليها كلّ المقدّسات الدينية، ولغة أبنائها هي اللغة العربية، لغة القرآن الكريم،

والوعاء الثقافي للحضارة الإسلامية. 

ثلاثة عناصر تصنع الآن الحاضر العربي: أوّلها وأهمّها، إهتراء الأوضاع السياسية الداخلية بوجهيها الحاكم والمعارض. وثانيها، التدخّل الأجنبي في شؤون الأوطان العربية. وثالثها، هو غياب المشروع الفكري النهضوي الجاذب لشعوب الأمَّة العربية ولجيلها الجديد التائه بين السلبية والتطرّف.

        صحيحٌ أنّ هناك خصوصيات يتّصف بها كلُّ بلد عربي، لكن هناك أيضاً مشاكل مشتركة بين أقطار الأمَّة العربية، وهي مشاكل تنعكس سلباً على الخصوصيات الوطنية ومصائرها. لذلك هناك حاجة ماسَّة الآن لخطاب عربي نهضوي مشترك، كما هي الحاجة للخطاب الوطني التوحيدي داخل الأوطان نفسها.

        إنّ الحديث عن "نهضة عربية" مطلوبة يعني القناعة بأنَّ العرب هم أمَّة واحدة تتألف الآن من أقطار متعدّدة لكنّها تشكّل فيما بينها امتداداً جغرافياً وحضارياً واحداً وتتكامل فيها الموارد والطاقات.

إنّ المتضرّرين من هذه "النهضة" هم حتماً من غير العرب الذين يعملون، في الماضي وفي الحاضر، على تجزئة الأمَّة العربية وتشجيع الإنقسامات فيها حفاظاً على مصالحهم في المنطقة وعلى مستقبل استنزافهم لثرواتها الطبيعية والمالية.

إنّ "الكلّ العربي" هو مكوَّن أصلاً من "أجزاء" مترابطة ومتكاملة. فالعروبة لا تلغي، ولا تتناقض، مع الانتماءات العائلية أو القبلية أو الوطنية أو الأصول الأثنية، بل هي تحدّدها في إطار علاقة الجزء مع الكل.

إنّ القومية هي تعبير يرتبط بمسألة الهويّة لجماعات وأوطان وأمم، وهي تحمل سمات ومضامين ثقافية تميّز جماعة أو أمّة عن أخرى، لكنّها (أي القومية) لا تعني نهجاً سياسياً أو نظاماً للحكم أو مضموناً عَقَديّاً/أيديولوجياً. لذلك من الخطأ مثلاً الحديث عن "فكر قومي" مقابل "فكر ديني"، بل يمكن القول "فكر علماني" و"فكر ديني"، تماماً كالمقابلة بين "فكر محافظ" و"فكر ليبرالي"، و"فكر اشتراكي" مقابل "فكر رأسمالي".. وكلّها عناوين لمسائل ترتبط بنمط فكري وسياسي تصلح الدعوة إليه في أيِّ بلدٍ أو أمّة، في حين يجب أن يختصّ تعبير "الفكر القومي" فقط بمسألة الهويّة كإطار أو كوعاء ثقافي. ولذلك أيضاً، يكون تعبير "العروبة" هو الأدقّ والأشمل حينما يتمّ الحديث عن القومية العربية حتى لا تختلط مسألة الهويّة الثقافية المشتركة بين العرب مع قضايا المناهج والأيديولوجيات المتنوّعة داخل الفكر العربي ووسط المفكّرين العرب.

إنّ العروبة هي تعبير عن الانتماء إلى قومية محدّدة، لها خصائص وخصوصيات تختلف عن القوميات الأخرى حتى في دائرة العالم الإسلامي.

إنّ الدعوة إلى العروبة هي دعوة فكرية وثقافية، والانتماء إلى العروبة يعني التسليم بالانتماء إلى أمَّة واحدة يمكن أن تُعبّر عن نفسها بشكل من أشكال التكامل والاتحاد بين أبنائها.. وهي رغم توفّر عناصر تكوين الأمَّة فيها، فإنها لم تصل بعد إلى حالة الانتماء إلى كيان سياسي موحّد، ولم يحصل ذلك تاريخياً من قبل على أساس مرجعية العروبة فقط.

وللوصول إلى مشروع الكيان الواحد أو الاتحادي تتوجّب حتماً الأساليب المرحلية المتعدّدة شرط قيامها جميعاً على أساس ديمقراطي في الداخل وسلمي حواري في العلاقة مع الطرف العربي الآخر.

إنَّ الأمَّة العربية هي الأمَّة الوحيدة بين أمم كلِّ العالم الإسلامي التي لا يصحّ  التناقض فيها بين الإسلام والإنتماء للعروبة.  فالأمَّة العربية هي الأمَّة الوحيدة التي نسج خيوطها الإسلام ولم تكن موجودة قبله، وهي تتميّز بهذا عن بقية الأمم الأخرى ولو كانت أمماً مسلمة. وبينما الإسلام هو دين وحضارة للعرب المسلمين، فإنّه حضارة وتاريخ وتراث للعرب المسيحيين. فلو أمكن للهويّة القومية بشكل عام أن تتناقض مع الإسلام في أيَّة أمَّة في العالم، فهذا غير ممكن لها في الأمَّة العربية.  فالعرب كانوا هم حملة رسالة الاسلام، واللغة العربية هي لغة قرآنه الكريم وحاوية معظم تراثه الفكري، بل إنّ في توحّد العرب قوّة للعالم الإسلامي كلّه.

وهذه علاقة خاصّة جداً بين الثقافة العربية والدعوة الإسلامية، تتميز بها الثقافة العربية عن غيرها من الثقافات العالمية بما في ذلك الثقافات المنضوية تحت الإسلام وحضارته.

وهذه العلاقة الخاصة بين الثقافة العربية كإطار، وبين الحضارة الإسلامية كمضمون، وإن كانت تعني تمييزاً لا تمايزاً عن باقي الثقافات في العالم الإسلامي، لكنها أيضاً تعني دوراً مميزاً لها ولمن ينتمون إليها (أي العرب)، ففي الحفاظ على الثقافة العربية ولغتها، حفاظٌ على لغة القرآن الكريم وتسهيلٌ لفهمه الصحيح ولاستيعاب مضامينه.

هكذا هو تعبير "العروبة الحضارية" الذي يعني "الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري"، هذا المضمون الذي جاء به الإسلام ثم اشترك في صيانته ونشْرِه مسيحيون عرب ومسلمون من غير العرب، وبالتالي خرجت الهويّة الثقافية العربية من دائرة العنصر القبلي أو الإثني، ومن محدوديّة البقعة الجغرافية (شبه الجزيرة العربية) إلى دائرة تتّسع في تعريفها ل"العربي"، لتشمل كلّ من يندمج في الثقافة العربية بغضِّ النظر عن أصوله العرقية. ودخل في هذا التعريف معظم من هم عرب الآن ولم يأتوا من جذور أو أصول عربية من حيث الدم أو العرق.

 

ولا أعلم لِمَ هذا التناقض المفتعل بين العروبة والبعد الديني الحضاري في الحياة العربية، فتواردهما معاً هو واقع حال هذه الأمَّة، وهو حال مميِّز للأرض العربية التي منها خرجت الرسالات السماوية كلّها والرسل جميعهم، وعليها كلّ المقدّسات الدينية، ولغة أبنائها هي اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، والوعاء الثقافي للحضارة الإسلامية.

 

لقد كانت الطروحات الإسلامية والقومية موجودة منذ مطلع القرن العشرين بل وقبله، لكن التوقّف يحدث عند النصف الأخير من القرن العشرين لما له علاقة بوصول بعض هذه الحركات القومية والدينية إلى السلطة وتحوّلها عن الدعوة الفكرية إلى الممارسة السياسية في الحكم أو في المعارضة.

أيضاً النصف الثاني من القرن العشرين تميَّز عن نصفه الأول من الناحية العالمية بانتقال العالم من صراعٍ دولي وسط الدائرة الحضارية الغربية الواحدة (فرنسا- بريطانيا- إيطاليا – ألمانيا) إلى صراعٍ دولي ذي طابعٍ أيديولوجي (شرقي شيوعي/غربي رأسمالي)، وصراعهما المباشر وغير المباشر في بلاد العرب، والذي فرز المنطقة بطابع أيديولوجي وكان أحد أسباب صراعاتٍ عربية/عربية في أكثر من مجال ومكان.

أما سمات القرن الحادي والعشرين الذي نختم عقده الأول قريباً، فلا تقوم حتى الآن على صراع دولي بطابع أيديولوجي (عقائدي) بل على تنافس بين قوًى وكتل كبرى على الاقتصاد والتجارة والمصالح، بينما المنطقة العربية تشهد مزيداً من الإنقسام والتشرزم. وفي هذا العقد الأول لمسنا تراجُع الطروحات الاجتماعية التي كانت سائدة في منتصف القرن الماضي (الاشتراكية والعدالة الاجتماعية) وبروز الطروحات السياسية حول الديمقراطية وأساليب الحكم السياسي. كذلك ارتفعت شعارات "العولمة" و"القرية الكونية الواحدة" رغم وجود دعوات التمايز الثقافي والحضاري بين أمم وشعوب.. وبالتالي ضعُف الحديث عن القوميات بالمعنى السياسي، وارتفع الحديث عن الخصوصيّات الثقافية والحضارية والتي قد يشترك فيها أكثر من أبناء شعبٍ واحد أو بلدٍ واحد.

فعسى أن نشهد قريباً ولادة حركة عربية جادّة تحرص على الهويّة الثقافيّة العربيّة ومضمونها الحضاري، وتنطلق من أرضيّة عربيّة ووطنيّة مشتركة تعتمد مفهوم المواطنة لا الانتماء الطّائفي أو المذهبي أو الأصول العرقيّة، وتستهدف الوصول – بأساليب ديمقراطيّة لا عنفيّة – إلى " اتّحاد عربي ديمقراطي" حرّ من التّدخّل الأجنبي، وتتساوى فيه حقوق الأوطان وواجباتها كما تتساوى في كلٍّ منها حقوق كل المواطنين.

لكن النهضة العربية المرجوّة لها مواصفات وشروط تستلزم أولاً وجود طليعة عربية تجمع بين البناء الفكري السليم وبين الممارسة السياسية الشريفة، ويكون عملها في أطر مؤسسات قائمة على التفاعل الدائم المثمر مع الناس بمختلف مستوياتهم الثقافية والعلمية والاجتماعية.

       

*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)

 

Share

أكتب تعليقا