مسرحية ” غجر منتصف الليل” لمحمد زيطان/الشاعر والقاص والناقد عبد السلام دخان

 

مسرحية " غجر منتصف الليل" لمحمد زيطان

بين ميلودرامية الحدث و جماليات المكان

الشاعر والقاص والناقد عبد السلام دخان   

قليلة هي النصوص المسرحيةالتي تصدر عن دور النشر في المغرب  مقارنة مع نصوص أخرى تنتمي إلى أجناس أدبية مثلالرواية و الشعر و القصة القصيرة فقلما يصادفنا نص مسرحي يمكن اعتباره إضافة نوعيةللخزانة المسرحية المغربية. وفي هذا السياق ،صدر للمؤلف المسرحي محمد زيطان نص * غجر منتصف الليل* عن دار النشر مرايا بطنجة . نص يمكن اعتباره قصيدة درامية ثائرة،يحتفي باللغة و بالأمكنة و بالشخصيات  و يكرس بجلاء الاختيارات الجمالية و الفنيةو الدرامية التي رأى زيطان أن يجعلها عنوانا لتجربته الهادئة حيث يحضر التاريخ سلسلو مندمجا في صلب حركية الدراما التصادمية. و تحضر الرموز الأسطورية و الفلكلوريةمؤثثة الصورة النصية في شموليتها ،عن  طريق توظيف حبكة تنمحي فيها أو تكاد الحدودالفاصلة بين الحقيقة و الخيال ، الماضي  و الحاضر. ذلك أن نص * غجر منتصف الليل* يقوم على موضوع الاستعمار الإسباني لشمال المغرب – لمدينة شفشاون على وجه الخصوصمستحضرا المقاومة الشرسة التي عرفتها المنطقة بلمسات تمجيدية و أيضا متوقفا عندخصوصية و ظروف الحب الأهليةالتي عرفتها إسبانيا . مما جعل مشاهد المسرحية تتخذمنحى ملحميا أخاذا ،تزيده الشخصيات الفاعلة و المنتقاة بعناية فائقة قوة وتنويعاعلى مستوى الفعل و المرجعية " الخيفي . خيرة . بيدرو. عساس القصبة.حنة مسعودة.هذا ويتطرق النص إلى موضوعة مهمة عالجها محمد زيطان ، تتجسد في التراجع الخطير للنزعةالإنسانية عن العالم وما يصاحبها من تدني مهول  في إمكانية التعايش و التحاور وتخطي عتبة الصراعات و الأطماع و المصالح  . وحدهم الضعفاء و المضطهدون لازالت تؤلفبين قلوبهم خفقات قلب إنساني بإمكانه أن يحب و يشفق– تتجسد هذه الفكرة في علاقةالغجريين المطاردين من طرف جنود فرانكو بأهالي المدينة المستعمرة – كما يمجد من جهةأخرى بطولة المرأة الجبلية ووقوفها المستميت في وجه الأسبان ، حيث ينفض الغبار عنشخصية حنة مسعودة ذات البعد الأسطوري ويعيد تشكيلها في ذهن المتلقي ليجعلها رمزاللمقاومة و للحرية .

ويتسم هذا العمل المسرحيبحضور قوي لمكون المكان لا بوصفه لبنة أساسية من أجل تشكل المعنى النصي المسرحي،ولكن باعتباره محفزا تأويليا لفضاء المكان ف:وطاء الحمام بحمولته التاريخيةوالرمزية يساهم في تجاوز مفهوم المكان بأبعاده الجغرافية المحدودة ليرتبط بمتخيلخصب يتساوق مع التاريخ  -هنا والآن- .

انه فضاء لحركية الحدثالمسرحي، وهو برحابته وشساعته يسمح بامتداده نحو فضاءات أخرى مثل القصبة، أو مكتبالخيفي غارسيا. وإذا كانت المسرحية تتطور وفق متواليات تبحث عن توازن درامي في وقتتقدم فيه كل شخصية رؤيتها الخاصة لواقعها  حسب السياق الميلودرامي للنص المسرحي،فإن هذه الفضاءات لم تكن إلا فضاءات للعبور نحو المكون الأهم الذي يسعى محمد زيطانإلى تشكيله باعتماده إضاءة مشاهده المسرحية بحركة الإضاءة  وطبيعة حركات شخوصه فيالفضاء المكاني والنصي.

ولعل رهانه على الإدراكالحسي نابع من رغبته في تأكيد السمات النفسية لشخوصه المتعددة، ودعوته لتجاوز أثرالحدث الميلودرامي واستشراف المحبة  والسلم والجمال كقيم إنسانية رفيعة تتجاوزالتقاطب الناتج عن الهيمنة والصراع .

ان حضور المرأة الزاهيةالمرتبطة بذاكرة القصبة وشفشاون لم يكن  فقط من أجل استحضار البعد التاريخي لذاكرةالمكان ، وإنما محفزاً للحديث عن قضايا تشغل بال المؤلف، واختار هذه الوسيلةالتعبيرية  ليساهم بإمكانياتها البلاغية وطاقاتها التعبيرية في تشكيل أفق مغايرلصورة السيدة الحرة لدى المتلقي الذي لم يألف أعمالا مسرحية بهذا الزخم التاريخي  والدلالي.

"لم نر أحدا غريباً.. وهاأنت ترى ياسيدي حتى هذه الساحة التي من المفترض أن يقصدها كل غريب عن المدينة.. هاهي ذبي فارغة."ص 25 من المسرحية.

وإذا كان محمد زيطان  منخلال نص * غجر منتصف الليل * قد استطاع  أن يلم الذاكرة وأن يطرح التاريخ للمساءلةمن خلال سلطة الدراما التحاورية و التفاعلية. واستطاع من جهة أخرى أن يعكس الكثيرمن القضايا الكبرى الراهنة ويعبر عنها بمواربة ذكية تفتح النص لقراءات متعددةومتنوعة ، فإنه في  النص الثاني والموسوم ب: الغرباء راهن على متخيل تاريخي مفتوحرغم أن هذا النص يطرح أسئلة مرتبطة بالوسيلة التعبيرية التي قدم بها زيطانعمله(الدارجة أو العامية المغربية) والغرض من هذا التنويع التعبيري .

وإذا كان الكتابة المسرحيةباللغة العربية مألوفة لدى المتلقي المغربي، فإن الكتابة ب الدارجة أو العاميةالمغربية ليس مألوفة بشكل كبير في الأعمال المسرحية المغربية ،ذلك أن عددا منالعروض المسرحية تراهن على الارتجال وعلى دراما المواقف.محمد زيطان يرغب في تأكيدرسالة مفادها أن أي عمل إبداعي مسرحي يجب أن يخضع لمشرحة  الكتابة ولمتطلباتهاالبلاغية والدلالية، وهو الأمر الذي يجعنا ندرك الجهد الإبداعي الذي بدله زيطان منأجل كتابة نص على درجة كبيرة من الإبداعية لا تقل  عن إبداعية النص الأول وإن كانلكل نص متخيله الخاص وسياقاته المخصوصة.

وسواء تعلق الأمر بنص غجرمنتصف الليل أ و بنص الغرباء فان المؤلِف وهو يجعل من ثنائية الذات/الآخر  المكونالأساس   لعمله المسرحي كان يراهن على  تشكل صورة المرأة في متخيل المتلقي  عبراستخدام أساليب متعددة.فقصة زواج زهرة ابنة حليمة  في نص الغرباء لم تكن إلا حيلةبلاغية الهدف منها الخروج من المواصفات الدرامية المألوفة والإنتقال التراتبي منالفضاء المغلق  نحو الفضاء المفتوح من أجل  كشف المشاعر الإنسانية:الحقد ،الكراهية، الخيانة والانتصار العلني لقيم الحب كقيمة إنسانية رفيعة.

ولعل اهتمام المؤلفبحوارية تركز تارة على الوسط النسائي ، وتارة أخرى على حاورية على الوسط الرجولي،  مرده   الرغبة في كشف الإختلالات الاجتماعية والنفسية ،وطموح محمد زيطان من أجل خلقتجاوب  جمالي مرده  الرغبة في تنشيط فاعلية  الحدث المسرحي الذي لا يمكن أن يتحققإلا بإعادة تشكيل معمارية المكان  ليس كأيقونة بل كسيمولاكر   قادر على الإنفتاحعلى متخيل خصب  من أجل خلق واقع جديد هو واقع النصالمسرحي.

وبذلك يكون الكاتب المسرحيمن خلال  هذا المؤلف المسرحي الذي اختار له اسم " غجر منتصف الليل" قد حقق مزية  الإبداع والمغايرة  مما جعله ينال أكث من جائزة في مجال الإبداع المسرحي نذكر  علىسبيل الذكر لا الحصر حصوله  رفقة الكاتب المغربي هشام حراك على الجائزة المغاربيةالثالثة للكتابات المسرحية التي دأبت على تنظيمها النقابة الحرة للموسيقيينالمغاربة بتنسيق مع اتحاد الفنانين المغاربيين. وفي الوقت نفسه استطاع صاحب "حدائقلوركا" أن يحقق مزية التواصل على نحو متميز وهو الأمر الذي  يمكن تلمسه في العرضالمسرحي لهذا العمل الذي أخرجه باقتدار ياسين أحجام   سينوغرافيا وملابس: ياسينالزاوي, المحافظة العامة: حسن الشبلي العلمي, الإنارة: صلاح الدين الخمليشي, تنفيذالملابس: سكينة الحضري, فوتوغرافيا: حاتم بن الأمين العلمي. في حين يقـوم بتشخيصفصول هذه المسرحيـة كل من: أنس العاقـل, حنان بنموسى, دلال البرنوصي, هشام شبتيت, محمد بوغلاد, عقبة ريان ومحمد الوراكلي. ضمن فرقة مسرح أبينوم التي قدمت أعمالامتميزة  من بينها مسرحية " «مذكرات شيطانية» التي فازت بالجائزة الكبرى للمهرجانالوطني للمسرح الإحترافي بمكناس، و  بثلاث جوائز في المهرجان الثاني عشر للمسرحبالأردن (الدورة العربية الرابعة).

إن التساؤل عن مستقبلالكتابة المسرحية في ظل  ندرة العروض المسرحية والخطر الذي تشكله إمبراطورية الصورةلا يمكن أن تجيب عنه إلا أعمال تتسم بالمغايرة تشبه  "غجر منتصفالليل"

لمحمد زيطان خريج أكاديميةحسن المنيعي الرفيعة.

 

Share

أكتب تعليقا