هي جميلة بوحيرد .. تلهمنا ثانية .. توجان فيصل

 

هي جميلة بوحيرد .. تلهمنا ثانية .. توجان فيصل

كنت سأكتب عن شأن آخر.. ولكن قفز لشاشتي خبر الرسالة التي نشرتها المناضلة الكبيرة جميلبوحيرد في صحيفة الوطن الجزائرية تطلب فيها عون الشعب الجزائري في توفير نفقات علاجها، ورسالة أخرى تخاطب فيها بوتفليقة مذكرة إياه بما يتقاضاه المجاهدون مقابل "المبالغ الكبيرة التي يتقاضاها نواب البرلمان أو ما تحصلون عليه انتم وكذا ما يحصل عليه محيطكم".
والمخجل أن عددا ممن يسمون أنفسهم "قادة الثورة" ويتربعون على مناصب الدولة وينهبون خزائنها، رفضوا التعليق عندما اتصلت بهم صحيفة القدس العربي، بل إن بعضهم ممن لا يريدون ذكر أسمائهم يقولون إن بوحيرد "تبالغ نوعا ما" في وصف حالتها!!
ومخجل بذات القدر موقف بعض عامة الجزائريين الذين قابلوا شكواها "بنوع من الاستغراب" كون ما تتلقاه بوحيرد وغيرها من المناضلين من وزارة المجاهدين، هو "ألف دولار شهريا إضافة إلى امتيازات أخرى" حسب قول هؤلاء!! فبداية لا نعرف تحديدا كم يُدفع للمجاهدين وكم يُسلب من موازنة الوزارة، ولا كم يُدفع "للعاملين عليها" وفي مقدمتهم وزير المجاهدين الذي لا نعرف لم لا يكون بوحيرد ذاتها، أو مجاهد في سويتها يعرف حال المجاهدين وحاجاتهم، وحقيقة معاناتهم على يد المحتل التي يكافؤون عليها الآن بمعاناة و"إهانة" – حسب وصف المناضلة الكبيرة- على يد السلطات الجزائرية. فلو كانت هنالك "امتيازات أخرى" لوجب أن يكون لدى السيدة بوحيرد تأمين صحي بسوية تأمين وزير أو نائب.. اللهم إلا أن يكون تأمين الوزراء والنواب لا يأتي استحقاقا قانونيا لخدماتهم، بل من "مكارم" رأس الدولة التي جاء رجاله الثوريون على ذكرها، والتي يطلق يده في المال العام بزعمها، ويُسكت بها أفواه ويعمي عيون وقلوب وضمائر الوزراء والنواب.. والقصة معروفة ومكررة.
أما الألف دولار الشهرية، وعلى افتراض أنها تصل فعلا للمجاهد، فهي راتب موظف مبتدئ يعيش مع أسرته وعلى نفقتها.. فكيف ستكفي نفقات من في سن السيدة بوحيرد وحالتها الصحية؟؟ إن أجور وكلف من يقوم بخدمة ورعاية من هم في هذه السن تكلف ثلثي هذا المبلغ كحد أدنى، وليكذبني من يجرؤ بالأرقام.
 وسعر دواء أي مرض من تلاوين الأمراض التي يصاب بأكثر من واحد منها من هم في هذه السن، تبتلع الثلث الباقي. فماذا بقي لأجرة البيت والتدفئة والجزار والبقال وغيرها.. سوى الديون التي تتراكم للأخيرين عند مناضلة لأنهم يقبلون إقراضها، مثبتين أنهم أحق بمناصب الدولة المخصصة لخدمة ورعاية مصالح مواطنيها من كل من يحتلون تلك المناصب بعد أن حررها لهم مجاهدون مثل بوحيرد من قبضة المحتل.. ونكاد نقول "ليتهم لم يفعلوا"!!
فما آل إليه العالم العربي بعد أن تحرر بدم ودموع وعذابات مناضليه، أسوا من حاله وهو تحت حكم الأجنبي الذي، على الأقل، يحاسب في بلاده على سبل إنفاق "موازنة المستعمرات"، كما تتصدى شعوب تلك الدول لمحاسبته على حقوق الإنسان في المستعمرات بأفضل مما يفعل الآن الشعب الجزائري الذي لا يعرف حال أشهر مناضلاته التي حملت قضيته إلى الرأي العام العالمي.. وبفعل نموذجها ورفاقها كنا بعد قراءة الفاتحة في كل صباح مدرسي، نلثغ بنشيد "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر". والآن يستنكر جزائريون قول جميلة ويقبلون التشكيك الرسمي في انه "مبالغ فيه"!!
هل تساءل هذا الشعب عن عذابات بوحيرد ومن كانوا معها؟؟ هل وضع لهذه العذابات ثمنا ألف دولار شهري فما دون؟؟ ومقابل ماذا تحديدا؟؟ أم هل أن تسعيرها جرى على طريقة "البالة" التي تجمع فيها الملابس المستعملة وتسعر كل "بالة" بذات السعر الموحد دون النظر في تفاصيل محتوياتها، لأنها ببساطة ملابس قديمة استغنى عنها أصحابها ولا تستحق لحظة نظر من موظف الجمرك أو تاجر الجملة في سوق البالة؟؟!!
مخجل حال الجزائر الذي باتت أهم قضاياه تتلخص في كرة تدخل مرمى بلد عربي آخر قضيته الأولى، هو الآخر، ركل كرة، وحزباه الرئيسيان المسموح بهما، هما الأهلي والزمالك.. وتُستل السيوف في المعركة الوطنية.. ثم يُكافئ المجاهدون من المعسكرين العربيين على يد أنظمتهما الحاكمة، وبالطبع من أموال الشعب الكادح، وبالملايين "إضافة إلى امتيازات أخرى"!!
جميلة بوحيرد لم تتقن لا ركل الكرات ولا نضال الملاعب والفضائيات والصحف المأجورة صفحتها أو دقيقتها بآلاف الدولارات.. ولم تتقن الغناء بهز وسطها من على فضائية أو في وكر آخر سابق لتلك الفضائيات.
ففي زمن بوحيرد الغابر، لم تكن أولويات "الإبداع" لرفع "رأس البلد عاليا" تتمثل في الركل أو هز الوسط، المرتبطين ﺒ"الاستثمار" في بيع البطاقات والدعايات لكل مستحضر كمالي تافه، وصولا لبيع اللاعبين أنفسهم كما تباع مغنيات وراقصات آخر الحفل!!
 فجميلة هي ابنة الخمسينيات والستينيات، حين كان العرب يقسمون لرجال ونساء، وليس لراقصات وزبائن، ونجوم عروض ومتفرجين من كل نوع.. لا فرق فالغرائز هي التي تحكم، وحين تسعّر (بالمعنيين، التسخين ووضع بطاقة سعر عليها) ندخل مرحلة إسالة الدم في طقس همجي، ولا نقول "بدائي" لكونه فقد حتى معانيه التي بدأ بها، والمتعلقة بحماية وجود الجماعات البشرية من مخاطر، قد تكون مفهومة أو غير مفهومة، ولكنها مخاطر وجودية مصيرية حقيقية.
والآن أمثال جميلة ممن لم يحالفهن الحظ ليكن في عداد المليون شهيد كي لا يشهدوا مرحلة ما بعد التحرير، يقدمون مع شعوبهم، ثانية، قرابين لصراع سياسي يعلى مكاسب سلطوية – مالية أفقرت بلدا نفطيا كالجزائر، لإجبار الشعب على القبول بمصالحة لا تحاسب على شيء، لا على الدم ولا على المال.. ولا حتى على الكرامة.
فالشعوب المحررة بفضل أمثال جميلة، لا تجد غالبيتها قوتها فيتسلل شبابها في قوارب الموت لبلاد المستعمرين القدامى ليخدموهم في مهن تترفع عنها شعوب تلك البلاد، وبأجور لا يقبلها مواطنوهم الأدنى تأهيلا.. أجور تساوي ما تتلقاه بوحيرد وزملاؤها المجاهدون من "وزارة المجاهدين"، فيحسدهم عليها المليون واقف على باب السلطات "الوطنية" الحاكمة!!
السؤال هو: هل نجد مقابل هؤلاء، مليون جزائري لا يُطلب منه حمل السلاح ولا معاناة ما عانته جميلة وصحبها المجاهدون، بل أن يذهب لصندوق الانتخاب أو ينزل للشارع ليفرض جميلة بوحيرد نائبة عن الشعب الذي مثلته كما لم يمثله آلاف من خيرة أبنائه، دونما حاجة حتى لأن تترشح.. أو أن يطالب بكشف الذمم المالية أمام الشعب لنعرف أين يذهب جني دماء المجاهدين والمليون شهيد.. أو مطالبة بنوك أوروبا، المستعمرة السابقة لأفريقيا وكل العالم الثالث، بكشف الأرصدة العلنية والسرية؟؟ فذلك هو الاعتذار الوحيد الذي يمكن لشعوب تحترم نفسها أن تقبله عن دماء أبنائها وعذاباتهم.
فلا معنى للاعتذار، بل ولا معنى لتحرر الشعوب، إن كان سيأتي بمن يتولون – على طريقة "الفورمان" الذي يعين من بين صفوف العبيد- إخضاعهم بالكرباج لتجميع كل ما يملكون من خيرات أرضهم وما يحصلونه بجهدهم في خزائن المستعمر ذاته.
ونحن حتما بحاجة لإعادة تعريف النضال والجهاد، كما لتعريف المحتل والعدو.. وها هي جميلة بوحيرد التي استهزأت بالموت شابة، ولا يعقل أن تخشاه في شيخوختها، ترفض أن تموت كغالبية العرب ميتة "البعير". فتلهمنا ثانية.
 

Share

أكتب تعليقا