الرؤى والامكنة/ زيد الشهيد / العراق

 

الرؤى والامكنة/  زيد الشهيد / العراق 

النقيض الأمثل للعزلة .. مقهى الصفـاء 

المقهى : هذا التواجد المكاني المتماهي مع تواليات البناء الزمني يشكل كينونة تحمل مبررات وجودها وصيرورتها المطلوبة … حالة استّدعتها طبيعة ٌ غريزية تحكِّم أسلوب البشري في العيش . الحياة تجمّع ؛ والإنفراد المستّل من تصرف الانعزال يُنظر إليه على أنّه جمود شاذ .. التجمّع يتطلّبهٌ المكان / تستحثُّهُ لحظة اللقاء .

يلتقي الآخرون / يتحاورون بمفردات التواصل اليومي .. الالتقاء وقوفاً أولاً , وعلى أرض لا يحددّها القصد بل الرغبة مرّةً والضرورة مراّت .ثم تتوالى اللقاءات تترى .. التوالي ولّدَ حاجةَ تقديم خدمات , فإذا الكيان الناشىء مقهى ؛ وإذا اللقاء العابر يطول ؛ وإذا الودّ يتمترس والرغبة تتفاقم ؛ وإذا النهارات أو الليليات قصائد متوالية وأفواه تبعث الترانيم ؛ وإذا المقهى لافتة تُعلن نجاح تجربة الألفة على حساب صدمة الذاتية رديفة النرجسية / الوجه الآخر للتعالي .

                                            ×    ×   ×

قد نرى إلى" عكاظ" مقهى برؤية الآن ؛ والشعراء _ مثلما المستمعين _ روّاداً .

هنـا : يرتشفون الشاي والقهوة الداكنة , والمرطّبات الباردة .

هناك : يعبّونَ الشعرَ صوراً ومفردات , وتبارياً .

هنا : يدخلونَ سجال الأحاديث اليومية التفصيلية , ويفتضّون بكارة اللحظة وصولاً لزئبقية المتعة المرتجاة.

هناك : يعرضون فخاراً بفخامةٍ نارية تُذيب قارات الثلج وتمسك بلؤلؤةِ الرجاءات الواهمة :

       ونشربُ إنْ ورِدنا الماءَ صفواً         ويشربُ غيرنُا كدراً وطينا

وقد يعرضون الحال حنيناً إلى الماضي / بكاءً على الأطلال :

      وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيّهم         يقولون : لاتهلكْ أسىً وتجلَّدِ

أو يعتلون صهوةَ الكلمات إدراكاً لاكتمالِ التوصيف / تطهُراً في خمرةِ الغزل الشفيف :

          نواعِمُ لا تُعالجَ بؤسَ عيشٍ           أوانِسُ لا تروحُ ولا ترودُ

        يرِحنَ معاً بِطاءَ المشيِّ بُدَّاً           عليهُنَّ المجاسِدُ والبــرودُ

 

الإثنان : هنا / هناك _ مع اختلاف الزمن _ يشكّلان مقهى بعرف اللقاء ؛ إذ المقهى لم يكن تعريفاً مفرداتياً آنذاك فتمثّلت وجوداً ناجزاً ها هيَ ذا .

                                    

                                       ×     ×      ×

 

 

تتفاوت المقاهي إنوجاداً وتتباين في أداء الخدمات .. لا تتساوى إلاّ في كونها ملاذات يُلتجأ لفضاءاتها كخيمة اجتماعية لا تثير الريبة , باعدةً عن العسس فكرة التجمّع الرمادي الشَكوك .

في أزمنة الرفاه أو الكساد تُقاس حيوية المجتمع من إحصاء مقاهيه . فكلّما ازدادت المقاهي وانتشرت أفشى الأمر بالانحطاط وموت الفرص . وإنْ نهضَ الوجود البشري صوب البناء والإنجاز ضمر أُخطبوط المقاهي وانكمشت أذرعهُ .

قد تنحاز المقهى لزمرة من الرواد تلمّهم وشيجة جماعيّة أو همٌّ نقابي يتطلّبه الأمر فنبصر مقهى للبنّائين والعتّالين , وسائقي المركبات / مقهى للعجزة كبار السن يمارسون في أبجديّتها وأدَ الوقت / مقهى للترفيه عبر ألعاب" الدومينو" و"الشطرنج" , وقد تتعدّاه إلى" البليارد" و" البنك بونك " / مقهى للكتّاب والمثقّفين والذين يتشبّهونَ بهم / مقهى بمثابة محطة يُريحُ المُتعّبُ فيها ساقيه ثم ينهض ليودّعها بلا وداع .

•     في ( السماوة ) مدينتي الفراتية اعتدتُ الجلوس في مقهى" السيد ياسر" .. الجُلاّس هنالك ليسوا حكّائين ؛ والحوار الطويل المُفترَض , المبني على أحاديث تستدعي النقاش لا وجودَ لأنفاسه في المكان . فقط السلام وردُّ السلام._تحية الدخول والخروج ليس إلاّ_ . الوقتُ المسروق من هفوة الحياة يمنحونه للأراجيل .. الأرجيلة في المقهى المذكورة سيّدةُ الحوار . والدخان المتعالي صعوداً للسقف هو النتاج المتَّبع لمضمون المقهى … الجُلاّس يتحاورون بقرقرة الأراجيل بينما الأذهان طائرة والعيون راحلة في خضم الأفكار… عاملُ المقهى _ مُعِدُّ الأراجيل _ هو الوسيط الأمثل الذي يدرك كنهَ دورٍ يؤدّيه هذا الاختراع السحري مثلما يدرك اهتمامات القيامات الآدمية التي تشغل حيوز المقهى جلوساً على الأرائك .

•     في ( عمّان) رأيتُ المقهى يتّخذ مكاناً يضمُّ روّاداً _ جلّهم من وطني _ يرتدون معاطف الاغتراب . أحاديثهم شؤون الوطن والأسئلة المتناسلة عن الأهل : ما حلَّ بهم ؟ .. ما جرى ؛ وماذا يجري ؟‍ … رأيتهم يتحدّثون بلغة الذكرى والأعشاش التي خلّفوها ورحلوا .. آهاتهم واللّوعات يترجمها دخان سجائرهم / أصابعهم الناحلة , المرتعشة تُفتّت بعصبيّةٍ فاضحة أعقاب السجائر في جوف المنافض . الحلمُ بعرفهم تكلَّسَ . ومسارب الآمال غدت مومياءات ومعابر للمنفيين باتجاه منابت الضياع … ثمّةَ الوجوه مرايا ؛ والغضون شروخ تؤثث للأعوام زينتها الرثائيّة .تضاريس الروح تحكي وعود" انتراكتيكا" الغاطسة أسفل وحول الوهم .

•     في (صنعاء) وجدتُ " المَقيل"(*) يأخذُ شكلَ مقهى , والمنتشين بلذاذات ورق القات روّاداً .. وجدتُ أعلامَ الثقافة يوظِّفون "ديوانيّاتهم" للجلسات الثقافية إذْ مقيل الشاعر عبد العزيز المقالح ندوة أدبية مفتوحة . الشعراء يقرأون ما كتبوا ؛ والنقاد يعرضون ما استنتجوا .كذلك مقيل الروائي زيد مطيع دمّاج تدور فيه الحوارات / تتساجل ؛ والمعارك الأدبيّة التي تندلع في الصحف تتسرب إلى فضاء المقيل لتنفتح بمقاتلين جُدد .. وأيضاً أيضاً ا تحاد أدباء صنعاء في "هايل" تقمّصَ مقهى واستحالَ مقيلاً ..لا يعتلي الشعرُ ظهر القص . ولا يتبارى الأخير لإلغاء الأول , وليس النقدُ منحازاً لجنسٍ على آخر .

×     ×      ×

مقهى" الصفاء " حديقة مُجتزأة / روض مُختصَر مُشتق من تأثيثات فندق . هندسة مُشجّرة لتضاريس اللقاءات .[ لقاءات تتم لويحظات الأصيل تواصلاً مع سويعات المساء / زمن لا يبلغ حدَّ انتصاف جسد الليل. ] .. نافورة حسيرة تتوسط مستطيل المقهى الأخضر بمثابة اختزال حياة وثّابة تحتضن أشنات خضر دكينة تفتقد الماء الراعف ( هل تقصّدَ أولياء امور الحديقة ذلك ؟ ) .

عندما تخلِّف البحر وتقتفي أثر الطريق صعوداً _ مجانباً الفندق الكبير _ باتجاه المقهى يحتويك الباب الخشبي / القوسي / الموارَب , ويدخلك لتواجه سلّماً صغيراً ينتهي ببابٍ صاجي مزجّج تنده بك محتويات ما ورائه .[ والذي وراءه صالة تفضي إلى حضن المقهى الشتوي حيث الروّاد محبّو الجلسات المدينية .. التلفاز يعلو على رفّ فوق الرؤوس يعرض فحوى القنوات الفضائية / المناضد الناصعة بالشراشف البيض ومنافض السجائر الزجاجية / المعرض الأمامي تقف ورائه الساقية – ثلاثينية خمرية البشرة كأنها أُخرجت من نبيذ أحمر معتّق للتو , طويلة القوام بامتلاء خجول – محضِّرة العصائر , معدِّة القهوة العربية / شلالات النور تنسكب من مصابيح متزاحمة , من ثريّات سقفية وأخرى تتكىء على الجدران تسفح ضوءً برّاقاً تستقبله الأقداح الزجاجية المنتصبة على أرضية قاعدة المعرض الأمامية فتبثّهُ حزماً تهاجم عيون الرواد باسترخاء مُفضَّل . ] .الإنحراف يساراً يعني الدخول من منفذ خفيض وطئتهُ كثافة الزروع الهاطلة من أعلى القوس.

وهنا ‍…

وهنا قطعاً تمسك الأجواء المّفترضة / الفناءات المطلوبة , المستحبّة … وجوه تستقبل ومناضد تنتظر ؛ ونافورة تحثُّ على الاقتراب . لحظات غسقية ترتدي نسمات البحر الفتيّة .

النافــورة مُضــاءة …مصابيح تبوح بلونٍ حليبي / اشراقي تمتصه شجيرات " الشبّو " و" الأكاسيا " الكثيفة الصانعة سوراً يفصلنا عن أعين المارّة في الشارع .. المناضد بيض تجاورها الكراسي المحيطة بذات الارتداء اللوني .. وجوه تلتقي شوقاُ وعيون تفضي تحايا المودّة ممتزجة بارتعاشات الشفاه .. ارواح مفعمة بالثراء الإبداعي.[ التلاقي في هكذا مقاهٍ – في عواصمَ أخرى غير طرابلس – لا تكتمل الجلسات إلاّ بانتصاب قناني النبيذ والبيرة الذهبية , والعرق المستحلّب . ولا يهنأ الجُلاّس بغير صحون تملأها مقبّلات الأّنس ؛ لكنّ أكواب القهوة العربية وعلب المشروبات الغازية –هنا- كافية لإضفاء الحميمية وبث عطر البهاء الشذي في نفوس الزبائن , وفوق أرفف الهواء . ]..

هنـا يلتقي الحالمون ..

يتقارب المتحلِّقون ..

يتجالس الموتى من المبدعين على ألسنة الأحياء الخلاّقين . تمتزج أسماء أديث ستويل / وليم وردزورث /المتنبي / الطيب صالح / مانيه / نجيب محفوظ / جورج أورويل / سعدي يوسف / أدونيس / أحمد إبراهيم الفقيه / إيتالو كالفينو / الجواهري / جاك بريفير / رامبرانت / السيّاب / أحمد شوقي / غوغول / جوته / خوان رولفو / مفتاح العماري / دالي / جمال الغيطاني / أحلام مستغانمي / ( احدّثهم عن محمد خضير ولطفية الدليمي وقصي الخفاجي وحسن النوّاب وجحفل من المبدعين الرازحين تحت غيمة التعتيم في جزيرة منفية اسمها العراق ) / ديلاكروا / ميلان كونديرا / سيلانبا.. مقاربات تتطلب السعة , تجتاز المنضدة الواحدة.

ينهض المقرَّبون فتتحد المناضد ويحتشد السجال .

تتشائم النادلة المغربية ( سيضيع عليها الحساب ..) .

يتفاقم الحوار.. النقاش يعلو.. تبتسم النادلة هذه المرّة . تدنو ؛ وفي أذني تهمس :

_ ما لكم والآخرين ؟‍

_ ضربٌ من الهلوسة .. احسبيه هكذا.

ترتد بابتسامة أعرض ، وبصفيف أسنان من بَرَد , مع قدْحِ حدقتين من برق . ثم تُنتج ضحكةً لوجه خلاسي مشاكس .

في إحدى لقاءات التعارف في المقهى ألتقي الروائي أحمد إبراهيم الفقيه فيخبرني استقباله ببشاشة تلغي صرامة تحملها صورهُ المنتشرة على صفحات الصحف والمجلات ، أو تلك التي احتوتها الأغلفة الخلفية لمدوناته الروائية والقصصية … وتجمعني المصادفة بالقاص كامل المقهور فأكتشفُ فيه خالقاً , تواضعه الثر يسبق بناءه المعماري القصصي الشهير . ألفيه منشغلاً / غارقاً في قضية إثبات براءة متّهمي " لوكربي " / الوطنيين الليبيين كمحامِ دفاع ؛ لكنّه لا ينسى كونه مبدعاً كتبت له ريادة الهم ّ الواقعي في مسار القص الليبي .يدعوني لزيارة مكتبهِ فأعده بامتنان . بيدّ أنَّ الزيارة لم تتم لأنَّ شخوص ( الأمس المشنوق ) سرقوني من لقائهِ بأنانيّة مفرطة وقيّدوني حبيساً طيلة تواجدي في طرابلس .. وهكذا بقي حنيني للجلوس معه أملاً ؛ ولو في مقهى .

                             ×       ×       ×

 الاحتفاء باللحظة مؤرخةُ اللقاء ومهندسة المعرفة ؛ منها يستقي المبدعون مواقفَ حاضرة تيمناً بإبداع قادم .

هي المقهى إذاً .. بؤرة المكان وباعثة عطر المودّة .

منشور صارخ بالحميميّة ..

لافتة باعثة على الخلق المؤَجـل , وتعانقات الرؤى .

وجود يلغي التلاشي ويهزأ من الفراغ .

يرفض حوارية الموت بإصرار مكين على الخلود .

 

 

 

 

                                                                                                طرابلـس

                                                                                           2002.6.10

 

(*) المقيل : مجلس يلتقي فيه الصحاب ساعات القيلولة , ويترافق اللقاء مع رغبة ممارسة مضغ القات .

(**)" الأمس المشنوق" :المجموعة المتميّزة للقاص كامل المقهور .

 

 

Share

أكتب تعليقا