رسائل من المغرب(الرسالة الاولى ) / محمد باقي محمد

 

رسائل من المغرب(الرسالة الاولى ) / محمد باقي محمد

إلى الغرب ، وعبر نافذة الطائرة بدا المحيط الأطلسي بهياً ومُهيباً ، وفي التو تداعت إلى ساح الذاكرة أصداء بعينها ، فهنا – مثلاً – وقف عقبة بن نافع مُخاطباً اليمّ العظيم ، الذي كان يُعرف باسم بحر الظلمات بقوله : " والله لو كنت أعرف بأنّ وراء هذا البحر يابسة لخضته بسيفي هذا في سبيل الإسلام " ، وإلى الشمال عبرت جحافل المسلمين مضيق جبل طارق إلى شبه جزيرة إيبيريا بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير ، ومن الجبال المعروفة بجبال الريف ، التيتُشكّل الجزء الغربي من سلسلة أطلس التلّ ، والتي  أضحت – آنئذ – تحتنا تماماً ، انطلق الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في كفاحه ضدّ الاستعمارين الفرنسيّ والإسبانيّ.. نحن في مغرب الجهات إذن ! هذا ما سجّلته المُخيّلة – إذاك – في دفتره !

    وأخيراً هبطت الطائرة في الدار البيضاء ، إنّنا الآن في المدينة الأكبر في المملكة المغربية ، وعلى نحو واضح بدا مطار المدينة واسعاً نظيفاً وهادئاً بسبب من انتظام الحركة فيه ربّما ، انتهينا من إجراءات الدخول سريعاً ، لتطالعنا مدينة ازدحمت بالناس على نحو مفاجىء ، فاختلط عليها الأمر ، أن هل تحافظ على طرازها المعماريّ الخاص ، الذي يُميّز عموم المغرب العربيّ ، أم تقلع مع الحداثة جهات الغرب الأوروبيّ !؟ وكان أن تضافرت الحالتان لتنتجا نموذجاً فريداً في العمارة يجمع الخاص إلى العام ، غبّ أن وسمت أوروبا المعاصرة الأمكنة بميسمها على نحو فظ !

    هنا يعيش اليوم أكثر من ثمانية أو تسعة ملايين نسمة ، لذلك راحت المدينة القديمة تتضاءل لمصلحة الكتل الإسمنتية المُتزايدة ، وراحت المُركبات السيّارة تنفث دخانها في سماء المدينة ، وانطوى المشهد على تناقض حادّ ، يجمع آخر طراز في الترف والرهافة إلى زنار البؤس الذي يشم المدن العالمثالثية الكبرى ، ويذهب نحو فوضى عجيبة وواسمة !

    كنّا قد تلقينا دعوة من دارة الشعر المغربيّ في فاس بمُناسبة حفل توقيع الجزء الأوّل من الموسوعة الكبرى للشعراء العرب ، وكان مُضيفنا ينتظرنا هناك ، فغادرنا الكازا أو الدار البيضاء – والكازا اختصار لكازا بلانكا ، الاسم الإسباني الذي يُطلق على المدينة – جهات فاس ، كانت الرحلة تستغرق ستة ساعات بالقطار ، بيد أنّ الوجوه الطيبة التي رافقتنا في العربة خفّفت عنّا وعثاء السفر ، ما رسّخ قناعة قديمة تقول بطيبة الشعوب في تشابه ، طلبة ونساء وفتيات ورجال كانوا ، وكانت العباءة المغربيّة الشهيرة حاضرة في المشهد بقوة ، لتحيلنا إلى تراث قديم ، وكم بدا البشر ودودون ، وهم يلوّحون لنا بأيديهم ، عندما كانت السبل تفرّقنا ، فيغادروننا في محطة ما على الطريق ، لقد عرفوا بأنّنا من سورية ، وفي كلّ تفصيل كانت الألسنة تترجم ما مفاده " أنّكم على الرحب والسعة ، وأنّكم بين أهلكم وأصدقائكم " ، وفي محطة فأس اشكَلَ الاتصال بمُضيفنا علينا ، إذْ لم يكن قد سبق لنا أن التقينا ، فغادر المحطة يائساً ، ثمّ أستطاع زميلي الاتصال به هاتفياً ، وكان لقاؤنا عاصفاً ودوداً ومُعاتباً !

    وفي بيت واسع ونظيف كانت لالا أم عبدو تنتظرنا ، وكأيّ أمّ شرقيّة – غادرها أولادها إلى أوروبا – بدت المرأة عطوفة وحانية ، نحن في بيت العربي أمين ، وإذن فنحن في فاس ، هناك إلى الشمال الشرقي من الدار البيضاء ، وعلى مجموعة من التلال استلقت المدينة حيّية ، أو هكذا بدت لنا في ذلك الليل البهيم ، لتسرّ لنا بعبق التاريخ ، ذلك أنّها كانت عاصمة لمراكش في عهد الأدارسة ، غبّ أن أمر مولاي ادريس الثاني ببنائها ، ثمّ تسيّدت البلاد ثانية سنوات حكم بني مرين للمغرب ، وعندما انتقلت العاصمة إلى الرباط في مطلع القرن الحالي ، ظلّت فاس عاصمة روحيّة وثقافيّة له !

    كان التعب قد بلغ بنا أوجه ، فاستأذنا مُضيفنا ، وذهبنا إلى النوم ، ربّما لأنّنا كنّا ندرك بأنّ أياماً حافلة تنتظرنا ، وأنّنا ينبغي أن نستعدّ لها كما يجب ، وسرعان ما أخذنا نوم عميق جهات سكون مُطبق !

Share

أكتب تعليقا