رسائل من المغرب(الرسالة الثالثة) / محمد باقي محمد

رسائل من المغرب(الرسالة الثالثة) / محمد باقي محمد 

على موعد كنّا ، وكان الزمن يُشير إلى تمام الرابعة من الخامس في كانون الأول 2009  ، وكان المكان يذهب بنا جهات دارة الشعر المغربيّ في فاس ، ودارة الشعر هذه تنهض على ربض من المدينة القديمة على شكل بناء أرضيّ بسيط ، ولكن في إحالة بيّنة إلى أناقة ورهافة بالغتين، فوسط حديقة وارفة الظلال تزّيت الدارة بالأبيض كما هي مُعظم أبنية البلدة ، ليتداخل بالأخضر في تكوين بديع ، ولتفرد جسدها ككاعب لعوب ، وحين هرعنا إلى الداخل على فضول ، طالعتنا صالة باذخة على نحو مُفرط ، إذ – وعلى نحو ماتع – راح كلّ ركن فيها يعبق بالتاريخ في مغرب الجهات ، وهو يصدى مُتداخلاً بآخر صيحات المُعاصرة ، عبر أجهزة الصوت الحسّاسة مثلاً !

    " الأرابيسك " – إذن – والأقواس الأندلسيّة الطراز ، الفسيفساء والزجاج المُعشّق والزخارف الإسلاميّة  والبوابات الضخمة تداخلت بحضور كثيف ومحسوب لأجهزة الإسقاط والراشق والحواسيب و أجهزة الصوت في تناسق عجيب ، بيد أنّ ما فاجأ النفس المُتشرنقة بذهولها وقلقها الساكن في سؤال ، أن هل سيتأتى لك أن تكون خير سفير لبلدك إلى الأشقاء في المغرب !؟ وهل ستتمكّن من أن ترسّم صورة سورية الحضارة في أذهان الضيوف الذين جاؤوا من فجاج الأرض ، يحدوهم الشعر وتسوقهم القافية ؟! أقول بأنّ ما فاجأ النفس تبدّى في حضور كثيف للمرأة فاق الثلثين بقليل ربّما ، وبدا المشهد – في مجمله – أكثر أنوثة أوأقل قسوة إلى حدّ كبير !

     والمرأة في مغرب الجهات على درجة كبيرة من الجمال ، فهي على سمرة تشم سكان شمالي أفريقيا عموماً ، ولكنّها – في المغرب – تحيل إلى أنفة وعزة نفس وخصوصيّة ، طويلة هي في إحالاتها إلى مقام الرقة والهيف والتثني والدلال ، وهي – إلى ذلك – بسيطة وواضحة في التعبير عن نفسها ، فأنت حيثما كنت تستطيع أن تفتح معها موضوعة ما ، وستجد منها استجابة صادقة تتوضّع في خانة الثقة بالنفس ، والتحرّر من قيد الاجتماعيّ الناظم إلى حدّ كبير ، ما يمنحها جمالاً في الروح يُضاف إلى جمال الشكل الخارجيّ !

     ابتدأ الحفل الشاعر والإعلاميّ المغربيّ حسن شرو مُرحّباً بالضيوف ، ثمّ جاءت كلمة الشاعرة المغربيّة فاطمة بو هراكة ، رئيسة دارة الشعر المغربيّ في فاس ، والجهة المنفّذة للموسوعة الكبرى للشعراء العرب في جزئها الأوّل ، لتوضيح أبعاد الموسوعة ومراميها ، ثمّة عمل " بيبلوغرافيّ " يترسّم ما اشتغله ياقوت الحموي في مُعجم البلدان أو ما اشتغله سعود البابطين في معجمه المعروف ، رسالة الشاعرة الإماراتيّة الأميرة أسماء بنت صقر بنت سلطان القاسمي – وهي الجهة الراعية والمُموّلة للموسوعة – كانت – هي الأخرى – حاضرة لتنوب عنها ، وكانت كلمة ترحيبية للأستاذ محمد المسيّح ، الكاتب العام " أمين السرّ " للدارة قد سبقتها ، ليتتالى الشعراء – من ثمّ – على المنبر يصدون بقصائدهم ، فمن المغرب حضر الشعراء الدكتور أنس أمين والأستاذة خديجة ماء العينين ، والشاعرة ماء العينين هي سليلة أسرة الشيخ ماء العينين ، التي قادت النضال ضدّ المُستعمر الفرنسيّ في مراكش وبلاد الشنقيط " موريتانيا اليوم " ، وساندت الجزائريّين في كفاحهم ضدّ الفرنسيّين أيضاً ، ومن الجزائر الشقيق حضر الشاعران الدكتور ناصر الوحيشي والأستاذ نجيب جحيش ، ومن المملكة العربية السعوديّة جاء الشاعر الأستاذ علي الدرورة ، ومن مصر  كان الشاعر الأستاذ أحمد فضل شبلول ، المُنسّق العام للموسوعة في جمهورية مصر العربيّة هو الآخر حاضراً ،  ، كانت القصيدة بشقّها ذي الشطرين وقصيدة التفعيلة تتألقان إلى جانب قصيدة النثر ، وإذن فلقد كان الهاجس الأساس هو سؤال الشعر بعيداً عن التجنيس ، ما قد يُضيّع جوهر المسألة لصالح شكلانيّة محض ، ليختتم القاصّ والروائيّ السوري محمد باقي محمد " السيمفونيّة " بورقة عمل ، حاول أن يلقي الضوء فيها على  خارطة الشعر السوريّ – التي قد لا تكون معروفة للأشقاء المغاربة كما ينبغي – في خطوطها العريضات !

     

 

 

    ومن ثمّ تمّ توزيع شهادات التقدير على المُشاركين ، لنتفاجأ – ثانية – بعضويّة شرف في دارة الشعر المغربيّ في فاس ، منحها لنا القائمون بتصريف شؤونها على هامش مُشاركتنا في الحفل ، ولنتفاجأ مرّة أخرى بحضور نوعيّ ، ذلك أنّ الجمهور تكشّف – في نسيجه – عن ثلّة كبيرة من الأدباء مابين شاعر وناثر وناقد وأكاديميّ جليل ، من غير أن يقتصر حضورهم  على الفاسيّين منهم ، بل ليشمل غير مدينة من مدن المملكة المغربية !

     وسط حضور إعلاميّ كثيف إذن ، ذلك أنّ غير إذاعة مغربيّة كانت حاضرة إلى جانب قنوات التلفزة ، ابتدأ حفل توقيع الجزء الأول من الموسوعة بتوزيع نسخ مجانيّة منها على الأدباء الحاضرين ، سوار أكانوا مشاركين أو جمهورًا ، لتعيش فاس – بما هي العاصمة الروحية والثقافيّة للملكة – عرساً ثقافيّاً ستختزنه الذاكرة طويلاً ..  

     ويبقى السؤال أن لماذا غاب اتحاد الكتاب العرب في سورية عن التظاهرة !؟ لقد تلقى دعوة الشاعرة بو هراكة للإسهام فيها ، فلماذا لم يعمّم الدعوة على جمعيّة الشعر لتنشره على أعضائها !؟ وهل الأسماء التي اندرجت في الجزء الأوّل من الموسوعة تعكس المشهد الشعريّ في القطر ، أم أنّ الأمر احتكم إلى الاجتهاد الشخصيّ ، أو إلى ما يدخل في باب الشخصيّ من العلائق !؟  

     على المحبة كان أهل فاس قد اجتمعوا إلى أشقائهم العرب ، وعلى نحو مُحبّب تفرّق الجمع الغفير مجموعات صغيرة ، يشغلها سؤال الشعر على وجه الخصوص وسؤال الإبداع على وجه التعميم ، وغادرت الحشود القاعة ، لكنّني أزعم بأنّ شطراً من القلب ظلّ هناك على توزّع ، ما اقتضى التنويه !

 

Share

أكتب تعليقا