ماريوحنا .. أحداث ثأرية لا طائفية /سيد أمين

هل شاهدتم من قبل المسلسل التلفزيوني المصري " ذئاب الجبل"؟
هذا المسلسل الذي يحكي عن عادات وتقاليد قبائل "هوارة" التي تبدو أنها تتخذ خطا شديد المحافظة في وسط بلادالصعيد الجواني المعروف عن جميع سكانها انهم محافظون.
كانت أحداث هذا المسلسل تدور بالكامل عن ثقافة تلك القبيلة التي تتخذ نفوذا واسعا وقويا في مراكز شمال محافظة قنا وتحديدا دشنا ونجع حمادي وفرشوط وأبوتشت وهي ذاتها المناطق التي شهدت فصول أحداث نجع حمادي الاخيرة التي ارتأي البعض أو ربما استسهل تسميتها بالطائفية رغم أن النزاعات الطائفية غير معروفة هناك ولا توجد سوابق لها.
وبصفتي واحد من مواطني هذه المنطقة وأشرف بالانتماء لذات القبيلة أستطيع أن أقول أن أحداث نجع حمادي الاخيرة لم تكن قطا أحداثا طائفية – مع شديد اعتراضي عليها وألمي لها – ولكن كانت أحداثا ثأرية خالصة تختص بها تلك المنطقة من العالم لا سيما لو كان الأمر متعلقا بالشرف وقضايا العار وذلك لكونهم هناك يضفون علي المرأة شيئا من التقديس والاعزاز ربما لم يكن متوافر بذات القدر في أي مكان أخر.
وكم من قضايا ثأرية حدثت في نجع حمادي أو دشنا راح ضحيتها المئات ليس بين مسلمين ومسيحيين كما هو الحال الأن بل بين قبيلة مسلمة وأخرى مسلمة وحتي بين عائلات في ذات القبيلة او تلك أو بين عائلات مسيحية بعضهما البعض .
ولست أدري لماذا غيبت وسائل الاعلام – بسوء قصد علي ما أعتقد – ممهدات الاحداث وأسبابها وراحت تعيد وتزيد في النتائج ؟
فالحكاية كما عرفتها ويعرفها القاصي والداني بدأت منذ نهاية شهر نوفمبر الماضي حينما أغتصب شاب من قرية تسمي " الكوم الأحمر " وتتبع مركز فرشوط طفلة عمرها احدي عشر عاما محدثا بها تهتكات شديدة وراح يتركها بين الحياة والموت وفر هاربا.
ووسط ذهول الجميع وتوعدهم بالانتقام الشديد من المجرم الذي انتزع عنوة براءة الطفولة ولطخ بفعلته تلك سمعة العائلة بل البلدة كلها بالعار نقلت الطفلة الي المستشفي وهناك استجوبتها النيابة وارشدت عن الجاني .
ولأن التجارب الأمنية السابقة كشفت لأجهزة الأمن عن أن المجني عليه عادة ما يلجأ الي الثأر من الجاني أو من أقرب أقاربه في حال تعذر الوصول اليه – نظرأ لايمان عميق بأن حكما بالحبس سنة على الجانى مثلا قد لا يروى الغليل ولا يتناسب مع حجم الجرم – لذلك قامت بالقاء القبض علي الجاني ثم نقلت ذويه الي منطقة غير معلومة لحين هدوء العاصفة وحرصا علي حياتهم .
وكان من سوء الحظ أن الجاني مسيحيا والمجني عليه طفلة مسلمة تنتمي الي قبيلة "هوارة" المعروف عنها شدة البأس في قضايا الشرف لا فرق في موقفها ذلك اذا ما كان الجاني مسيحيا أو مسلما.
ومما زاد الطين بلة أن الاجراء الذي اتخذته الشرطة بنقل ذوي الجاني لمكان غير معلوم ساهم في تأجيج مشاعر العداء والرغبة في الثأر لاعتقاد اهل المجني عليها بأن تلك الاسرة فرت للاحتماء باقارب لها في نجع حمادي الامر الذي فرق ثأرها بين القبائل وحرمها من الانتقام رغم أن سرعة الاخذ بالثأر لها امر حاسم في هذه المناسبات حتي تتمكن اسرة المجني عليها من استعادة الشعور بالكرامة ورفع الرأس بين العائلات فما كان الا اتخاذ قرار الانتقام العشوائي الذي تسبب في الاحداث المعروفة فضلا عما ذكره احد المتهمين الثلاثة بأنه نفذ فعلته تلك انتقاما من قيام طبيب نساء وولادة مسيحي بقتل مولوده اثناء قيامه باجراء عملية ولادة لزوجته وفر هاربا واكد تقرير مدير المستشفي بأن الطفل لم يولد ميتا ولكن قتل عمدا.
أعرف ان البعض سيتهمني بالانحياز وهي التهمة التي انفيها تماما فأنا لم أكن أبدا طائفيا ولن أكن وكذلك لم أكن أبدا بربريا ولن أكن .. وأقر بأن الجريمة التي حدثت في كنيسة ماريوحنا بنجع حمادي هي جريمة نكراء بشعة لا تتفق أبدا مع أخلاق الأسلام من جانب أو الصعايدة من جانب أخر ولا طبائع قبيلة هوارة التي تتسم بحب العدل والانصاف والتسامح شأنها في ذلك شأن جميع القبائل والعائلات مسلمة ومسيحية علي حد سواء في هذا المكان من العالم .
ولا أخفيكم أن ما حدث ليلة عيد الميلاد أثار استهجان وسخط المسلمين بنفس القدر الذي اثاره لدي المسيحيين .. وراح الناس هناك يجهرون بمطالبتهم بشديد القصاص ضد الجناة الذين حصدت بنادقهم بهجة العيد فراحوا يقتلون الجميع دون تمييز ودون ذنب وفي ليلة عيدهم شريطة الا تكون تلك المطالب سببا فى القصاص من ابرياء وداع لتسريع احكام دون تروى .
لقد رفعت والدتي صوتها بالدعاء ضد القتلة أثناء ادائها صلاة الفجر بينما انهمرت الدموع من عيونها تألما علي الحال الذي وصل اليه الناس فيما استاء صديقي المسيحي من قيام الجناة باجراء عمليلت قتل عشوائية وقال لماذ لم يقتل الجاني او اي من اسرته?.
التاس هتاك مسلمون ومسيحيون علي حد سواء يوقنون في قرارة أنفسهم بأن ما حدث ليس الا حادثا ثأريا معتادا بين المسلمين وأن الجديد هنا كون أحد قطبيه مسيحيا وأن تنفيذه تم عشوائيا.
لقد ارتأيت أن من واجبي كتابة تلك الملاحظات حتي لا يتوهم البعض بأن ما حدث امرا طائفيا ولكن الصدفة هي التي صورته كذلك ولو كان الجاني مسلما والمجني عليها طفلة مسيحية لتعاطف الناس معها وذلك لأن الشرف لا يتوقف فقط عند المسلمين.
نحن ضد الجريمة بشكل قاطع ولا نبرر للثأر الذى يعنى اول ما يعنى غياب دور الدولة لا سيما لو كان الامر مع شركاء الوطن اقتداء بسيرة سيدنا المسيح السموح المتسامح ولو كانت المجنى عليها مسيحية والجانى مسلما لطالبنا بأقصى العقاب ضد الجانى واعدامه فورا. ومع ذلك نبقى كلنا ضد ما حدث حيث قتل الابرياء المسالمين ولو كنا نؤي ذلك لكنا شعبا همجيا نسىء لثقافتنا وديننا ووطنا ولكن فى ذات الوقت نطالب بقانون رادع شديد الصرامة على جرائم الاغتصاب لا يقل بأى حال عن الاعدام حتى تعيش الاسرة المصرية مسلميها ومسيحييها فى أمان على الابناء أما لو ظل القانون ضعيفا كما هو الان فلن يستطيع أحد ايقاف جرائم الثأر. انها بصراحة حالة غياب تام للقانون انها حصاد لثقافة عامة تؤمن بأن ثوب القانون مليء بالثقوب التي يمكن أن تسمح لجمل بالمرور وأن الحل في الثأر .. ثم بعد ذلك يأتي القانون أو حتي اقباط المهجر وكل من يريد أن بصبغ الحادث بصبغة سياسية وطائفية حتي لو كان الجناة لا يعتقدون بأي فكر او ايديولوجية كانت وكل ما يربطهم بالاسلام فقط .. خانة الديانة في البطاقة الشخصية .. فهم مسجلون خطر .. والدين .. أي دين عكس الجريمة.

 

مع تحياتى
سيد امين
شاعر وصحفى عربى مصرى

 

Share

أكتب تعليقا