توجيه الإعلام لحصار الفكر العربي /عوده عريقات

  
يعتبر الإعلام في عصرنا الحاضر من أهم روافد الفكر الإنساني،

 وروافد الإعلام كثيرة ومتنوعة ومعظمها تقدم للإنسان معلومات مجانية بسرعة كبيرة سواء كان ذلك بالسمع والمشاهدة والقراءة وبمحفزات كثيرة تدفعه للمعرفة وحب الاستطلاع انسجاما لما يروق لمختلف رغبات وعقول البشر ،
وذلك بعد أن  كان الإنسان سابقا يبحث عن العلوم والمعرفة والأخبار في بطون الكتب  الدينية والكتب المختلفة وفي الأبحاث القديمة والآثار وعلى ألسن الكبار والعلماء من مخزون ذاكرتهم وفقههم  وكان المهتم والعالم يسافر طويلا ويقطع الأمصار للقاء عالم من علماء المعرفة أو بحثا عن كتاب أو مخطوطة ليعلم ما سطر فيها من أخبار وعلوم وينقلها ويدرسها للغير من طلاب المعرفة،
ولذلك أصبحت المعرفة والاطلاع من حق الجميع وأصبحت حرية الفكر من معالم الديمقراطية الحديثة وأضحت حق إنساني لكل انسان وهي من سمات العالم الحر، ولا يحق لأحد أو طرف حرمان الغير من هذا الحق وتحليله لنفسه أو لدولته أو لقوميته ،
ومحا ولة الكونجرس الأميركي تمرير مشروع قانون أميركي لمعاقبة بعض الفضائيات العربية بمنع خدمات الأقمار الصناعية عنها ومنع المشاهدين في مختلف أنحاء العالم من رؤيتها وسماع ما تبثه من رأي آخر ووجهة نظر أخرى أو إظهار الصور الحقيقية الغير مزيفة للمشاهد، ولأنها مغايرة  لوجهة الإعلام الغربي الأمريكي وتعتبر مناوئة للسياسات الإعلامية الغربية ،
فإن رؤية معظم أعضاء الكونجرس الأمريكي من خلال طرحهم لهذا المشروع تعتبر ضد الديمقراطية وضد حقوق الإنسان أينما وجد على ظهر المعمورة وضد تنمية الفكر الإنساني وهذا الهدف الذي يسعى إليه الكونجرس هو إهانة للديمقراطية بمفهومها العالمي ومغاير لتعاليم العالم الحر الذين يدعون أنهم رواده وصناعه،
ومن خلال اشتفاف الأهداف والغايات لمشروع الكونجرس فهم يريدون حصار الفكر العربي برفده بنوع معين من الإعلام والمعرفة يترجم سياستهم الإعلامية المنهجية لتدجين الإعلام العربي بوضع الأطر اللازمة ومنعه من الخروج عليها والتي يسمح له التحرك والبث من خلال هذه الأطر ليصب مردود الاعلام في مصلحة الأنظمة السائرة بركب الرؤيا الأمريكية
ولقد سبق للإعلام الغربي أن فرض على الأمة العربية والإسلامية بعض المصطلحات والمفاهيم من خلال تسويق بعض وسائل الإعلام العربية لها وأمست مع مرور الوقت مصطلحات عالمية تتداولها ألسن الأجيال المتعاقبة وأهمها مصطلح الإرهاب والعالم الحر ،والتطرف الديني، والظلاميون، وأعداء الإنسانية وتم من خلال هذه المصطلحات قلب المفاهيم الحقيقية لهذه المصطلحات والكلمات ،
فالجيوش المعتدية المحتلة التي تحصد أرواح الشعوب العربية والاسلامية يعتبرونها بعرفهم مدافعة عن العالم الحر وقيم الإنسان ولا أدري ما هي طبيعة وكنه وماهية قيم الإنسان التي تدافع عنها الجيوش المحتلة وهي المستبيحة لأرض وحرمات وحياة الناس ,
 وأيضا يصورون المدافعين عن أوطانهم وحياتهم ومستقبل أبنائهم بأنهم إرهابيين ، وكل ذلك بسبب غياب أو ضعف الإعلام المقابل وعدم تأثيره لإعادة المسميات لمعانيها الحقيقية،
لقد سبق أن قال أحد القادة في الجيش الإستعماري البريطاني قديما في وصف العرب بأنهم مجموعة من القطعان يساقون براعي أو أكثر، والظاهر أن ساسة الغرب سيعيدوننا لثقافة القطيع بمساعدة مجموعات غير قليلة من أبناء جلدتنا، وكما يقول الشاعر:
لا يلام الذئب على عدوانه          إن يك الراعي عدو الغنم
وهم يمثلون بعض الأنظمة الموالية للرؤيا الغربية, حتى أن بعض الأنظمة تريد من الشعوب تأييد وجهة نظرها ومصادقتها عليها في عدة أمور وأحداث من خلال فرض الخطاب على الجمهور  بواسطة الإعلام ووسائله الرسمية والخاصة وأيضا من خلال المساجد، فهم يعيدون برمجة الإنسان العربي ليتوافق الخطاب والفكر العربي مع السياسة والمصالح الغربية،
حتى أن المعنيون بحصار الفكر العربي لا يفوتون كبيرة ولا صغيرة إلا ويدسوا أنفهم فيها فيراقبون الأفلا م والمسلسلات والبرامج العربية، فهم يبحثون عن فرض ثقافة معينة لتسويقها على الشعوب العربية ،فنرى كثيرا من الأشخاص العرب والمسلمين من الجنسين ممن يثورون على القيم والعادات وتعاليم الدين في المجتمعات العربية والإسلامية بسبب انفتاحهم على ثقافة مغايرة ويعلنون التمرد على التعاليم والقيم التي تربوا عليها من خلال طرح أفكار ومفاهيم جديدة تحرض أبناء المجتمع تصب وتنسجم مع الفكر الغربي، حيث نرى ترحيبا غربيا بهؤلاء من خلال متابعة أخبارهم إعلاميا وتسهيل تنقلهم ودعمهم وحتى ترشيحهم لجوائز متعددة قد تصل لجائزة نوبل،
وأيضا الاهتمام الغربي الأمريكي الملفت للنظر بشخصية الممثل العربي السوري الرائع الذي مثل وجسد دور النمس في مسلسل باب الحارة باتقان شديد أثبت براعته في تقمص الشخصية التي أتت مناسبة ومتناغمة مع الدور والسيناريو وشخصية الممثل المهضومة والتي انبثقت من التراث قولا وشكلا خلال أدائه للدور والذي يتغلغل بين الصفوف ويأخذ مراده بتذليل المعوقات فدخوله المشهد كان بانسياب مشوق وسلاسة طبيعية بالأداء , وبشكل مبدع مع إضافته حركات وكلمات جعلت منه فاكهة المسلسل مما أضفى وزاد من شوق المشاهد العربي لمتابعة المسلسل،
وشخصية النمس التي اتسمت بالمرونة السلسة أوحت للمشاهد بساطة الأداء كأنه شخصية طبيعية حقيقية وأيضا توافقه مع أكثر من شخصية متناقضة في المسلسل مما يعكس استيعابه للموقف , فيشكل قناعة للمشاهد أنه يتقبل طرح الآخرين دون تجمد في موقف أو نهج معين  ولذلك عكست شخصية النمس مرونة فيها نوع من الحذر في التعامل مع الغير عكست عدم وجود موانع أو حواجز لدى هذه الشخصية تعترض طرح الآخرين ،
 ومن هنا عكس هذا الدور لدى المراقب الغربي أن هذه الشخصية تنسجم مع فكر العولمة والرؤيا العالمية الغربية للتعامل مع الآخرين وتسهل تقبل الثقافات الأخرى دون تعصب، ولذلك كسب ود وإعجاب المشاهدين العرب في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلاد الغربية وأيضا ود المشاهدين الأمريكان المتابعين والمعنيين بالمشاهدة من أجل إعادة برمجة الفكر العربي وحصاره وفقا للأهداف والمصالح الغربية  بفرض ثقافات معينة منفتحة على كل المحرمات في معتقداتنا ومتصفة بالليونة تسحب منه تشدد اليمين واليسار وتدفعه لقبول الطرح الأجنبي والثقافة الغربية،
ووفقا للرؤية الغربية ربما ينتقل ممثل شخصية النمس من باب الحارة إلى بوابة هوليود، ليكون مثالا مشجعا لانتهاج الليونة الفكرية الغربية لأنها موصلة للحلم المبتغى،
ولما سبق  فإذا كنا لا نستطيع امتلاك حرية الفكر وتطويره وفقا لثقافتنا ورؤيتنا ومصالحنا، ونوافق على حصار الفكر العربى من خلال منع رفده من بعض وسائل الإعلام التي تعبر عن كافة الآراء المختلفة مع توجيهات الإعلام الغربي من خلال منعها من ممارسة عملها وبثها بحرية مثل باقي وسائل الإعلام الغربية المتعددة،
 وهل مفاهيم الحرية الإعلامية في الغرب تختلف عنها في الشرق, أم أنهم يريدون لنا حرية إعلامية مفصلة وفقا لشروطهم ، أم أننا بشر من الدرجة الثانية ونستحق فقط حرية من المرتبة الثانية، فالتمييز هو منافي لحقوق الإنسان، والإنسان في أستراليا وأميركا وآسيا وأفريقيا وأوروبا هو إنسان بغض النظر عن لونه ومعتقده ومقدراته وبالتالي حقوق الإنسان التي بينتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية الإنسانية هي مكفولة للجميع،
ووفقا لرغبة الغرب بالهيمنة الفكرية علينا بغسيل عقولنا وإسكانها ثقافة غربية مفصلة علينا لاستعبادنا لهم، فهل تستطيع الأجيال العربية مستقبلا إطلاق الرصاص على من صادر حريتنا وحقوقنا واستعمر أرضنا وانتهك المحرمات وصال وجال في ديار العرب العامرة ،خاصة إذا رضينا اليوم بهذا الحصار لإعلامنا وحرية فكرنا وكل ذلك إرضاءا وزلفى لجلادينا ومستعمري أرضنا وثرواتنا.
22/1/2010                                       عودة عريقات

Share

أكتب تعليقا