مستعربٌ وعـرب .. حب وحوار/بسام الهلسة

- 1 –

* قبل سنوات، روت لي الأديبة والأكاديمية المعروفة "

د. سلمى الخضراء الجيوسي" صاحبة ومديرة برنامج "بروتا" لترجمة الآداب العربية إلى اللغات الأجنبية، حكاية لافتة عن مستعرب غربي مهتم بالأدب العربي، أبدى دهشته وإستغرابه ممّا يضمه الشعر العربي القديم من قصائد حب، وممّا تحفل به هذه القصائد من مشاعر ومعانٍ إنسانية شفيفة، بدت له متضادة مع ما عليه العرب من بداوة وشظف عيش. فتساءل –حسب رواية الدكتورة سلمى-: كيف أمكن لهؤلاء الجُفاة أن يقولوا مثل هذا الشعر الرقيق العذب؟

- 2 –

بدت لي ملاحظة المستعرب في غير محلها لسببين:

الأول: إنطلاقه من فرضية تعتقد أن البدو، وبسبب ظروف حياتهم القاسية، لا يمتلكون مشاعر كتلك التي أفصح عنها شعر الحب العربي. وهي فرضية غير صحيحة بالطبع، يعرف خطأها كلُّ من لديه معرفة بالبدو –عرباً وغير عرب- ويعرف بالتأكيد ما تنطوي عليه نفوسهم من مشاعر مرهفة تعبِّر عن نفسها بتلقائية صادقة.

- أما السبب الثاني، فهو تعميمه –أي المستعرب- لصفة البدو على جميع الشعراء العرب القدامى. وهو تعميم خاطئ أيضاً يفتقد إلى الدراية بالشعراء العرب وبيئاتهم. ولو أنه بذل جهداً في المعرفة، لتبيَّن له أن كثيرين منهم نشأوا في بيئات حضرية، أو انتقلوا للعيش فيها، أو ترددوا إليها. أقول هذا من باب تصحيح معلومة المستعرب فقط، مع تأكيدي على أن لا علاقة لحضرية أو بداوة شاعر بمشاعر الحب، وقد تكون لها علاقة بمفرداته وأساليبه وتشبيهاته، وحكاية الشاعر "علي بن الجهم" صاحب:

عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ

جلبنَ الهوى، من حيث أدري ولا أدري!

مشهورة في الكتب التي أرَّخت للشعر العربي.

أضيف إلى هذين السببين ملاحظة أخرى، وهي تكوُّن ذائقة عند جمهور من المستمعين العرب للشعر، وشيوع تقاليد تعبيرٍ صارت مطلوبة من هذا الجمهور، ومتداولة بين الشعراء من كل البيئات على مر السنين. أشير هنا على سبيل المثال، إلى تقليد المقدمة الغزلية والتشبيب الذي درج عليه الشعراء، وهو تقليد تمرَّد عليه عددٌ من الشعراء فيما بعد -كما هو معروف في تاريخ الشعر العربي وتطوره-.

وقد نتذكر قصيدة "أبي نؤاس" التي مطلعها:

لا تبكِ ليلى، ولا تطربْ إلى هِندِ      واشربْ على الوردِ، من حمراء كالوردِ

     وكذا تهكُّمه من تقليد الوقوف على الأطلال:

قل لمن يبكي على رَسْمِ دَرَسْ    واقفاً، ما ضرَّ لو كانَ جَلَسْ!

     كما نتذكر تساؤل "أبي الطيب المتنبي" مستنكراً:

إذا كان مدحٌ، فالنسيبُ المقدَّمُ    أكُلُّ فصيحٍ، قال شعراً، مُتيَّمُ؟

- 3 –

     لكن ملاحظة المستعرب -على علاّتها- ذكرتني بشعر الحب عند العرب وهو –في حدود ما أعرف- خصبٌ، متنوع، يمتاز من بين أغراض الشعر الأخرى (كالمدح والفخر والرثاء) بصدق العاطفة في معظم نصوصه، وليس كلها بالطبع. فاتباع التقاليد الدارجة، والاستجابة للذائقة الشائعة، يُحيلان القولَ إلى مجال المهارات الحِرَفية، وينأيان به عن التعبير عن تجربة خاصة.

     فإذا كان الوقوف على الأطلال، أو التشبيب، قد صار عند الشعراء المتأخرين مجرد عادة شعرية يَستهِلُّون بها قصائدهم –كما كان المغنون إلى وقت قريبٍ يَستهلُّون غناءهم بالموَّال والليالي-، فقد كان بالنسبة للمتقدمين تجربة معاشة نابضة بالحياة، سواء كتعبيرٍ حيٍّ مباشر عن هذه التجربة، أو كتعبير رمزي ذي أبعاد شعورية أعمق، كما رأى عدد من النقاد والدارسين.

- 4 –

     لا أريد أن أُسيء الظن بالمستعرب المشار إليه، فقد تكون معلوماته واطلاعاته منقوصة، لكنني متأكد من وجود صِوَر نمطية مكرسة عن العرب القدامى في العديد من مراكز الأبحاث والدراسات والإعلام في الغرب، تنظر إليهم بإستغراب كزوبعة بدوٍ قساة أجلاف اكتسحت عالم القرون الوسطى. وهي صِوَرٌ راسبة في الوجدان والذهنية الاستشراقية، مثلها مثل الصور النمطية المعممة حالياً عن العرب والمسلمين، كإرهابيين وهمجٍ تحركهم غرائزهم وشهواتهم وعصبياتهم المغلقة. والكثير من هذه الصور لا يصدر عن جهل وسوء معرفة فقط، بل عن سوء نوايا مسبق، ووعي عارفٍ مصمِّم على تشويه العرب والمسلمين تمهيداً للعدوان عليهم وتسويغاً له.

لكن هذا لا يعفي العرب من مسؤولياتهم.. فبدل الاكتفاء بالشكاوى التي لا يصغي إليها أحد، عليهم العمل على تصحيح الصور المشوهة عنهم، ليس لدى الجماعات الصهيونية والمؤيدة لإسرائيل، والمراكز والدوائر ذات المطامع الاستعمارية في بلادنا، فهذه جهاتٌ تحركها المصالحُ وليس المعارف، بل لدى القطاعات الواسعة غير المطلعة من الرأي العام الغربي التي تتأثر بما يقالُ لها ويُعرض عليها.

     وإذ نذكر الأثر القوي الذي احدثه نقد الراحل الدكتور إدوارد سعيد للإستشراق، وتغطية الإسلام، في أميركا، فإنما لنشير إلى ما يمكن عمله في هذا المجال. والأكيد أن مشروعاً منظماً مثابراً لترجمة الآداب العربية، أو مختارات منها في مختلف عصورها، إلى اللغات الحية الأجنبية، وترويجها عبر دور النشر والدراسات والجامعات ووسائط الإعلام، سيكون ذا أثر مفيد. وأحسب أنه أثرٌ أكثر جدوى من عشرات اللقاءات والمؤتمرات التي تمضي وقتها في الثرثرة حول حوار الحضارات

     – أوليس من الواجب، أولاً، أن يعرف أهل الحضارات بعضهم بعضاً بشكل صحيح، ليتحاوروا؟

- 5 –

       تحدثنا عن الحُب… 

     – ونسينا ما قاله شاعرنا قال ذات مرة مُنبِّهاً:     

     " ولا رأيَ في الحُبِّ، للعاقِل!"

 

Share

أكتب تعليقا