هامش مصر ينتشر بخفه/هشام الصباحي

         حقيقة لابد أن نعيد تقديمها وتقريرها

وهى أن للأموات قداسة وبهاء وجلاله..

لا نظير لها يضيفها الموت جبرا للأحاديث والكتابات الأدبية والإنسانية التي تتناولهم حتى ولو بشكل عابر, هذه الرهبة والقداسة في أحيان كثيرة غير معلومة المصدر ,وربما إذا أزلنا التفاصيل العاطفية الموروثة ,وبدأنا في إعمال العقل كآلة اختبار ,ربما تكون كلمة النهاية المرادفة للموت في قاموسنا الحياتي هي التي لا نستطيع أن نصدقها ونٌقرّها,ولا تستطيع كل الحيل من منع النهاية أو قهر الموت فالموت له ديمومه وغير قابل للقهر أو الهزيمة ,هذا ماجعل حضور يوسف أبو رية كإهداء قدمه احمد زغلول الشيطى في مجموعته القصصية ضوء شفاف ينتشر بخفة,يصينى بالرعشة والرجفة وجعلني اشعر برهبة وخوف وجلاله .. أدركتها عندما تذكرت انه واحدا من ضحايا انهيارنا السياسي و الاجتماعي والأخلاق, فلانسان المبدع يوسف ابو رية أنفق حياته في الابداع والعمل وعندما مرض لم يجد من يمد له يد المساعدة,سقط هذا الرجل يوم الاثنين 12 يناير 2009 بعد أيام وشهور من الحرب مع كل آلام سرطان الكبد..منفردا ..وحيدا, وكان قتل أبو رية وليس موته كما يقول البعض بهذه الشكل هو عقابه والثمن الذي دفعه للبعد وعدم تقربه من ذوى النفوذ والسلطة ومعارضته الحقيقة للنظام السياسي والاجتماعي على حد سواء, وانضمامه إلى حركة كفاية..واهتمامه بالهامش الانسانى الحقيقي,فلم تستطيع كل

مصر ..حكومة وشعبا .. منظمات سياسية وحقوقية.. اتحادات كتاب وغير كتاب..أن تعالج واحدا من أبناءها المخلصين لها ترابا وبشرا عندما سقط , من هذه النقطة المشينة, عرفت لماذا اشعر بالجلالة والرهبة الآتية من حضور يوسف أبورية الذي يمثل لي عارا ,وربما يكون تصدير الشيطى الإهداء له محاولة ولو بسيطة تقلل من هذا الإحساس المهين الذي يلازمني كواحد من أبناء الوطن وواحدا من متناولي الثقافة والفكر والإبداع.

                       ضوء شفاف ينتشر بخفه هي مجموعة أحمد زغلول الشيطى القصصية الصادرة عن دار ميريت عام 2009 في القاهرة,العامرة إبداعا,الخربة سياسة, مكتظة بأناس فقراء يتساقطون من الإنهاك اليومي, فربما الابداع الجميل والمهم هو النور الوحيد ..الخلاص الوحيد القادر على جعلنا نتشبث بوجودنا بها رغماعنا,ويجعل واحدا مثلي يقضى نصف عمره متنقلا بين بلاد لا تعرفنا ,ولكن تعرف فقط نقودنا التي نعطيها لها لنُحضر إلى أوطاننا بعضا من خردتهم الصينية التي تصلح لبلد مات مثل مصر,ولكن مازال يحيا مع كل مظاهر الموت التي نراها ونحسها وتعيش معنا ونعيش معها في ألفة غريبة  نادرة التكرار مرة أخرى

         من التقنيات التي يعتمد عليها الشيطى في قصصه تقنية الوصف لكل ما تقع عليه العين وكأنه يرصد ويسجل ويشاهد ويجعلنا نشاهد معه وكأنه أراد أن يُعيرنا عينه الإبداعية لنرى بها ما يريده هو لنا أن نراه ومع كاتب مثله لابد أن نرضى ونستمتع برؤيته التي منحها إياها, وقد أراد الشيطى لنا أن نرى الهامش بكل شخوصه ونرى بلدنا الحقيقة ونرى ابتسامة الاسطى هدية ص 32,وبائعة البيض ص67,وراعى الحمام,النجارين,المنجدين, الأويمجية,بائعي عبك وخيش ص12 , السباك في قصة مفتاح قديم ..العاهرة المرخص لها تحت الاحتلال الانجليزى,وقد أعلن عن هذا بكل وضوح ص30 في قصة " بائعة التين الشوكى" حيث يقول أريد إدخال بائعة التين الشوكى إلى السرد,وفى ص31 يُكمل القول" أريد لشخص بائعة التين أن تدوس بقدميها القويتين الواثقتين في أرض السرد,دون خبرة,دون خوف لتصيبه بالفوض,لتشعل فيه النيران,لتحول السرد كله إلى نيران تتشكل"

      وقد مزج الشعر مع النص القصصي حتى لايمكن اعتبار مجاز ص46 سوى نص عابر للتصنيف إنها قصه تتعانق مع قصيدة النثر وتكون هي الأعلى في المجموعة

وبعدها غياب ص48 ,لتؤكد اختزال التصنيف بين الشعر والقص وكأنهما واحد عندما يطغى الإنسان.

            كما يبدو أن الأنثى ..المرأة..الآخر المعشوق دائما جعل الشيطى يتحول إلى شاعر في العديد من القصص التي ظلمها عندما وضعها ضمن صفحات المجموعة حيث يقول ص51

"تقولين إنك بخير

هذه الكذبة الصغيرة تعذبني"

وفى ص 52 يقول

"أنا اليوم مريض لأنني لايمكننى أن أنام إلى جوارك "

لقد استطاع الشيطى أن يقدم لنا 50 قصة صغيرة بها هامش مصر الحقيقي,ومشاعر راقية إزاء الأنثى,وعبق تاريخي حيث لافرق بين تاريخ الأثرياء والفقراء

 

 

 

 

 

المنصورة في 18-1-2010

هشام الصباحي

رئيس تحرير وكالة 18 نوفمبر

 

 

 

Share

أكتب تعليقا