الفلسطينيون ونظرية ألأحتمالات السياسية/ دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى

 

                 يثير الموقف الفلسطينى المنقسم حول العديد من القضايا السياسية المعنية بمستقبل القضية الفلسطينية وكيفية أدارتها وصولا الى تسوية سياسية قريبه من حقوقهم المشروعة ما بين دولة فلسطينية كامله الحدود ، او دولة مؤقته فى مسيرة تسوية قد تطول ، وما بين خيار التفاوض أو خيار المقاومة ، وما بين تارجح فى سياسات عربية ودولية غير معلومة ألأتجاه والنتيجة ، وما بين حسابات ورهان على عنصر الوقت الخارج عن نطاق سيطرتهم ، شريطا طويلا من الذكريات تعود بى فى العمر الى مرحلة الشباب وتحديدا مؤتمر ميناس هاوس وهو أحد الفنادق التاريخية المهمة فى مصر عام 1977 ، وهو المؤتمر الذى دعا أليه الرئيس الراحل أنور السادات الذى أمتلك رؤية سياسية سبقت الزمن الذى حكم فيه ، ووجهت الدعوة الى منظمة التحرير الفلسطينية بإعتبارها الممثل الشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى والقائمة على مصيره ، وأتذكر وقتها أن علم فلسطين كان مرفوعا فى قاعة المؤتمر ، الى جانب العلم المصرى والعلم السورى والعلم ألأسرائيلى ، تذكرت وقتها أننى قد دخلت فى نقاش فى القاهرة مع عدد من السياسيين الفلسطينيين ، وكان السؤال المطروح هل تحضر منظمة التحرير المؤتمر أم لا ؟ ووقتها لم تكن هناك مستوطنات فى ألأراضى الفلسطينية ، وكان الموقف السياسى للمنظمة أقوى مما هو عليه فى أى مرحلة لاحقة ، وكانت السلطة والنفوذ لحركة فتح وللرئيس الراحل ياسر عرفات ، وكانت أجابتى القاطعة والحاسمة بحماس الشباب وقتها ان تحضر منظمة التحرير الفلسطينيى لأنها ستكون الفائز والمستفيد الوحيد من حضور المؤتمر ، وانها ستفوت الفرصة على حضور اسرائيل ـ وبالتالى ستضرب عصفورين بحجر واحد ،انها لن تخسر موقف مصر وهو موقف مهم فى كل مراحله للقضية الفلسطينية ، وعلينا أن نتذكر انه لولا موقف الرئيس جمال عبد الناصر ما قامت منظمة التحرير وأنتزعت اعترافا عربيا مهما ، وأن الرئيس الراحل هو أول من أحتضن القيادة الفلسطينة بقيادة الرئيس عرفات رحم الله الجميع . وثانيا قد ترفض أسرائيل حضور المؤتمر وبالتالى تقع المسؤولية بالكامل عليها ، ولو حدث ذلك لتغير مسار القضية الفلسطينة ، أو على أقل تقدير لوصلنا لحال بكل المقاييس أفضل مما نحن عليه ألأن. اما ألآخرين من الحضور وكانوا يمثلون الجيل ألأكبر ، فكان الرفض القاطع كالسيف أسبق من اجاباتهم ، وكان هذا متوقعا ، ، وتراوحت التعليقات أن هذا يعتبر أنتكاسه فلسطينية وتراجعا وتخاذلا ، وكيف نتخذ موقفا يرفضه بقية العرب . وأنطلقت ألأجابة من حسابات سياسية خاطئة ، ورهانات على زمن ومواقف دول عربية أخرى وعدت بتحرير فلسطين كلها من البحر الى النهر ، وبالتالى كيف نقبل بما هو اقل مما هو معروض فى صورة وعود فاقدة للرؤية السياسية البعيدة ، وقد ذهبت هذه الوعود مع ذهاب حكامها ، . ولم تكن ألأجابات مبنية على رؤية سياسية تنطلق من قراءة صحيحة للصراع العربى ألأسرائيلى بقدر ما كانت تنطلق من حسابات حاضرة لا تتجاوز حدود ومسافة الرجل الواحده ، وأمتداد رؤية العين الواحده ، فلقد كانت الحسابات السياسية للمؤتمر أن الفلسطينيين وبنسبة أكثر من 75/لن تحضر المؤتمر وبالتالى سيتحمل الفلسطينيون المسؤولية الكامله لعدم أنتهاز هذه الفرصة . وقد انطلقت فى أجابتى من فهمى لنظرية ألأحتمالات السياسية التى قد تحكم وتفسر السلوك السياسي لكل ألأطراف المعنية . ولو كانت الحسابات عكس ما توقع لأختلفت ألأمور والتداعيات السياسية تماما . وفعلا كان عدم الحضور ، ومن بعدها بدأت مسيرة التراجع فى المطالب الفلسطينية ، وصولا الى حالة ألأنقسام السياسى التى دخلت فبها الفضية الفلسطينية ، وقد تكون المقارنة مطلوبة اليوم و ألأمس ، عند عقد مؤتمر مينا هاوس لم تكن هناك مستوطنات ، وكان الموقف الفلسطينى التفاوضى اقوى ، وكان بيده العديد من أوراق التاثير مثل ورقة ألأعتراف والتى كان يمكن الحصول على عائد سياسيى كبير مقابلها ، أما اليوم فهناك تشكيك فى شرعية المنظمة من الفلسطينيين أنفسهم ، و فقدوا العديد من ألأوراق التفاوضية ، وتقزمت القضية الفلسطينية ، بل هى معرضة لمزيد من ألأندثار فى بوتقات اقليمية لا فرار منها . ولا بديل عنها . ولعل لسب الرئيس وراء ذلك فقدان الرؤية ألأستشرافية المستقبلية للقضية وللصراع نفسه ، وتنطلق هذه الرؤية أن الرئيس أو من هم مسؤولون يريدون رؤية الدولة ، ورؤية فلسطين فى حياتهم ، وألا الرفض لكل ما هو معروض ، وقد يكون مهما هنا التذكير برؤية هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية السياسية والذى تنبا بقيام أسرائيل كدولة بعد خمسين عاما من تاريخ عقد أول مؤتمر صهيونى فى بال بسويسرا عام 1897، وفعلا تحققت نبؤته ،لكن دون أن يشهد قيامها ، لأن دوره ينحصر فقط فى التأسيس . أما نحن فيبدو أننا نجيد فن التنازلات السياسية ، وفن أهدار الفرص السياسية ،تماما مثل الثمر الذى لا يجنى فى وقته ، فيتساقط متعفنا دون ألأستفادة منه .

واليوم قد يتكرر نفس المشهد ، ونفس السيناريو الفلسطينيى ، فلا شك ان هناك حراكا سياسيا غير مسبوق ، وهناك تحول لا يمكن أنكاره فى ألسياسية ألأمريكية مع الرئيس أوباما الذى قد أولى أهمية منذ البداية بالقضية الفلسطينية ، وهناك أطارا عربيا أكثر توافقا فى الدفع فى أتجاه عملية تفاوضية وسلمية أكثر توازنا ، حتى على مستوى حكومة اسرائيلية يمينية متشدده رئيسها نيتينياهو ووزير خارجية لا يرى أبعد من تصريحاته ، هناك أدراك سياسى متزايد بالدولة الفلسطينية ، وبالحل السياسى ،وانه لا يمكن شطب الفلسطينيين من أى معادلة سياسية مستقبلية ، وقد يعزى هذا التى التحولات التى أستجدت على بيئة النظام السياسى الفلسطينى ، وزيادة دور حركة حماس فى المنظومة السياسية الفلسطينية ، والى جانب ذلك تلوح فى ألأفق سيناريوهات أبعد من حدود القضية الفلسطينية ، وتتمثل فى أحتمالات الصفقة الشاملة مع ايران ، وحتى مع سيناريو الضربة العسكرية المحتملة ، على الجانيب الفلسطينيى ألا يعيد نفس الحسابات التى أخذها فى الحرب العراقية وغزو الكويت ،ونفس حسابات ميناهاوس ، عليلنا أن نتعامل من منطلق كيف يفكر ألأخرون وخصوصا اسرائيل فلسطينيا ، وأن نفوت الفرصة بعدم الدفع بنا الى الرفض الدائم لكل ما يطرح ، لأن الهدف فى النهاية خلق واقع سياسى وجغرافى غير قابل للتفاوض ، والذهاب بالقضية الفلسطينية ألى خيارات غير فلسطينية مرفوضه ، وبالتلى تقزيم القضية الفلسطينية فى أطر حكم لن تتجاوز وتصل حدود الدولة . هذا هو احد الدروس التى علينا أن نستفيد منها ، وان نحدد ونفهم ما هو المقصود بنظرية ألأحتمالات الساسية ، وأن نتعامل ولو لمرة واحده من منظور قطف الثمار فى موسمها .

دكتور ناجى صادق شراب /أكاديمى وكاتب عربى

drnagish@hotmail.com

Share

أكتب تعليقا