الغانية والملتحي/جمال الدين الخضيري

 

قصص قصيرة جدا

قالت وهي تضج بالمساحيق:  

- عِظْني يا شيخ

ظل محدقا فيها مأسورا بجمالها الوحشي الصاعق، حتى اعتقدت أنه تاهت منه لفظة البدء. فقال:

- تساوينا في هذا، أحتاج اللحظة إلى من يعُضّني، عفوا، إلى من يَعِظُني مثلك.

 عَضّت شفتيها، وانصرفت متمايلة، ثانية أعطافها.

 

 

حلم بالمقلوب

 

كانت جالسة لوحدها. وبعد أن انتهت من غذائها وطلبت قهوتها، لاح لها في الركن الآخر رجل في منتصف العمر تظهر عليه آثار نعمة. سرعان ما أخذت قهوتها واتجهت نحوه. جذبت كرسيا وقاسمته مائدته. ثم قالت بنبرة مغرية:

- معذرة يا سيدي، أريد أن أتحدث معك في مسألة مهمة.

- تفضلي

- لقد اقتحمتَ علي حلمي هذه الليلة رغم أنه لم يسبق لي أن رأيتك من قبل.

- جائز.

- ليالي مليئة بالأحلام يا سيدي.

- طبيعي، لكل منا أحلامه وأضغاثه..

- لكن أحلامي ليست أضغاثا.. إنها تتحقق لكن بالمقلوب

- كيف؟

- إذا حلمتُ بالنجاح فان السقوط يكون مآلي، وإذا حلمت بالصعود فانه ينتظرني النزول، وهكذا      دواليك.

- في عالم الأحلام كل شيء وارد

- وهل تعلم بماذا حلمتُ الليلة؟

- وهل هو حلم بالمقلوب أيضا؟

- أكيد.

- بماذا حلمتِ؟

- تصور. . لقد حلمتُ أنني اقتحم عليك مائدتك وأدفع ثمن وجبتك.

  

إعدام عصفور

 

 

العصفور يرتجف ويتقلص بفعل البرد الشديد. جاءت امرأة ودثرته بيديها، وقالت له:

- لا تحزن، في صدري مدفأة وفرو وثير.

امتدت يد الرجل. أخذ العصفور، قربه إليه، وبحركة خفيفة فصل رأسه عن جسده. نز منه خيط نجيع رقيق. قال بأسى:

- لا علاج للصقيع المنسدل كأطراف مقصلة إلا المقصلة.

امتدت اليد نفسها ماسحة دموع المرأة. قال لها وهو يضمها إليه:

- حذار، قد تبلل الدموع الفرو، فنبيت في برد شديد.

 

الفراق

 

أخيرا قررتُ أن أتخلى عنها ولا أولي وجهي أبدا شطر مضانها. يكفي ما مضى. صراحة كنت مغفلا، واستطاعت أن تكبلني بغواياتها أكثر من اللازم. اقتحمت عالمي، ولم تفارقني أبدا وأنا لم أزل بعد طالبا مغلوبا على أمري، لا أملك إلا ما أسد به رمقي. مع ذلك كانت تتقاسم معي ميزانيتي الضئيلة، وتتنقل معي في حلي وترحالي. وكانت لا ترفض أن نتناوب عليها أنا وصديق لي. تصوروا.. يا لخستي مع ذلك بقيت لصيقا بها. آه.. كم كان يحلو لها أن ترمي بثقلها على صدري أو على صدورنا وتغرقنا بأريجها المميز. كلما داعبتها بأصابعي وأطبقت عليها بشفاهي تزداد حرائقها وتتقلص بين يدي. وبمجرد أن انتهي منها أطوح بها بعيدا وأنا نادم على ما قمت به فلا تأبه لذلك. أحيانا كنت اطرحها أرضا بقوة وأدعصها برجلي، لكنها تأبى إلا أن تلتصق بي،

وأعود إليها وأنا صاغر مشدود إلى سحرها الذي لا استطيع عنه فكاكا. وتتشبث بي تشبث الصغير بيد أمه، وتنتحر بين ثنايا أناملي من جديد. أما هذه المرة فلا، فإن إرادتي من حديد، فها أنا ذا أرميها إلى الأبد غير آسف. ولن اندم إذا قلت:

- "إلى الجحيم سيجارتي.."

 

الكرة الملعونة 

 

 رمى بكرته بعيدا. ارتطمت بزجاج نافذة الجيران. تهشم الزجاج. هرب الكل. بقي وحده محدقا في النافذة. أطلت المرأة برأسها تسبقها عاصفة من الشتائم. التقطتِ الكرة وقطعتها نصفين. انشطر قلبه نصفين. خرجت البنت واحتفظت بنصف ما قطعته أمها، وناولت النصف الباقي له. منذ ذلك الحين وهو يحاول أن يرتّق النصفين، فكان يلوح له السكين متدليا من النافذة نفسها التي ما يزال زجاجها مهشما.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share

أكتب تعليقا