راتب لرئيس الدولة ..عمر رجل الدولة والسياسة / بقلم زهير كمال

راتب لرئيس الدولة

أستشار عمر الصحابة في تحديد راتب له، فاعباء الخليفة ومسؤولياته لا توفر له الوقت لممارسة التجارة، المهنة التي يتقنها، ولا بد له من تحصيل عيشه بدون قلق والتفرغ للمهمات الجسام الملقاة على عاتقه، هذه المسؤوليات التي زادت وتشعبت.

 قال له علي بن أبي طالب، أحد كبار الزهاد في التاريخ، وكان من كبار مستشاريه: ( ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف..)

ولصعوبة تحديد أقل راتب مادي لأول مرة احضر الصحابة ستين مسكيناً وأطعموهم وجبة طعام وحسبوا تكلفتها فخرجت ستين درهماً (وهي ما تمثل وجبتي طعام لفرد واحد لمدة شهر)

قال عمر : أنا أخبركم بما أستحل من مال الله : هما حلّتان، حلة في الشتاء وحلة في الصيف، وما أحج به وأعتمر من الدواب وقوت اهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم.

ويعطينا هذا القانون التالي:

يتقاضى رئيس الدولة راتباً محدداً لقاء وظيفته

اذن تم تحديد راتب لحاكم دولة لاول مرة في التاريخ وكان السبق للدولة الاسلامية في ذلك .   وكان الراتب على الشكل التالي:

1-   ستون درهماً في الشهر

2- كسوتان واحدة للصيف وأخرى للشتاء.

3- نفقات الحج..

4- دابة ركوب..

ولأول مرة في تاريخ البشرية اصبح هناك مفهوم جديد للمال العام ، مفهوم غير موجود في الأديان او الحضارات الاخرى:

المال العام في الاسلام مقدس ورُبط مباشرة بالذات الالهية وسُمّي (مال الله)

وترسخ هذا المفهوم عبر العصور في العقل الجمعي للمسلمين وترسخ ايضاً ان ملكيتنا للمال مؤقتة وتزول بالموت. 

وكمثل على ذلك، كم مرة جاءك متسول ، وما أكثرهم في وطننا العربي الحزين، يطلب منك قائلاً: اعطني من مال الله يا محسنين او اعطني مما اعطاك الله. فهو في قرارة نفسه لا يعترف بملكيتك لما ستعطيه .

بالنسبة للمتسول، شعوره ان ما يطلبه هو من مال الله انما يخفف عنه الإحساس بذل الطلب فلا أحد يقبل ان تهان كرامته.

 التسول مشكلة عامة ولكنك انت، وأنا ونحن جميعاً مسؤولين عنها، فالنظام الذي نرتضيه لا يقوم بواجبه في توفير فرصة عمل لللمتسولين .  

لأول مرة يتم ربط المادة بالروح فينقسم المال الى قسمين: حلال وحرام وذلك حسب إستعمال صاحب الامر له، فاذا استعمله للمصلحة العامة يكون حلالاً اما اذا استعمله لمصلحة خاصة يكون حراماً ويعاقبه صاحب المال عقابأ شديداً سواء في الدنيا او يؤجل ذلك الى الاخرة.

في أنظمة الحكم الفردية يوقن الحاكم في قرارة نفسه انه هو الآمر الناهي ولا رقيب عليه سوى ضميره.

(وفي وقتنا الحاضر وبمساعدة كل مصابيح ديوجين المضيئة في وضح النهار لن نجد حاكماً عربياً واحداً عنده ضمير، وينتج عن ذلك اكبر نهب شهده التاريخ للمال العام).

اما حساسية عمر تجاه هذا الموضوع فلم تكن أكثر وضوحاً، والخوف من استعمال المال العام استعمالاً خاصاً يجعله يستشير الصحابة في مخصصاته التي ستعتبر بعد اقرارها من الجماعة حلالاً.

باحثو العصر الحديث في سيرة عمر لم يصدقوا، فبعضهم اضاف صفراً امام الستين وبعضهم صفرين ولهذا سبب لي رقم الستين درهماً مشكلة كبيرة في التأكد منه، فالخليفة لم يساو بينه وبين طفل وليد من عامة الناس فرض له 100 درهم شهرياً..

ولكن هكذا دائماً عمر ، فقد قالوا عند وفاته : لقد أتعبت من بعدك يا عمر!

قسا عمرعلى نفسه وقدر لعائلته ما لا يشبعهم. وبمثل هذا الراتب كان حاكم البلاد من افقر الناس، ليس في قريش فحسب بل في الدولة كلها.

لم يكن ينافس عمر على الزهد بهذه الصورة الا علي بن ابي طالب وبالطبع لا ننس ابي ذر الغفاري وأبي بكر من قبلهم.

وكلهم تخرجوا من مدرسة واحدة وتعلموا على يد معلم واحد هو معلم البشرية الاول: الرسول الأكرم (ص).

في توصيفه لعمله وللوظيفة التي يقوم بها قال عمر: انما انا أجير هذه الامة.

 ومثل موظف يصرف أجرته او راتبه المحدود قبل نهاية الشهر، كان عمر إذا احتاج يذهب إلى خازن بيت المال، عبدالله بن الأرقم، المعين من قبله، ويطلب منه قرضاً حتى موعد العطاء القادم، وربما لا يستطيع سداد هذا القرض في موعده فيأتيه ابن الأرقم مطالباً، فيبدأ عمر مفاوضات معه لإمهاله إلى العطاء الذي يليه……!

ويعطينا هذا القانون التالي:

فيما يتعلق بمهام عمله، وزير المالية أعلى رتبة من رئيس الدولة

وأحس أصحابه به، ولكن من يجرؤ على مفاتحته، ذهب عثمان وعلي وطلحة والزبير والخجل يعتريهم إلى أم المؤمنين ابنته حفصه وأشاروا عليها أن تحدث أباها في زيادة ما يتقاضاه. وبالطبع رفض عمر وذكر ابنته بزوجها رسول الله (ص) ماذا كان يأكل وماذا كان يلبس، وهكذا كان دائماً يضع نصب عينيه من سبقه، النبي وخليفته.

 قسا عمر على نفسه كثيراً فهو يلبس نفس الثوب الذي يمتلىء بالرقع، وهو لا يأكل سوى الخبز والزيت بشكل عام، ويحرم نفسه من كل شيء.. مع أنه يتحكم في بيت مال المسلمين المليء بالملايين ويوزع العطايا على الناس المحتاجين الاّ اهله واقرباءه ومعارفه..

 يشكو اهله الفاقة، وهو ليس بحاجة ليسمع الشكوى، فهو يراها بعينيه، ولكن عمر الحازم لا يأبه بكل ذلك.. فعنده مثله الأعلى نبي الله وحياته المتواضعة، وعنده أمة بأكملها يريد أن يضرب لها مثلاً، ويضع الأسس والقوانين التي تسير عليها، فقد قال عندما سن هذا القانون : والله لأطوقنكم به طوق الحمامة، ويعني بذلك ان هذا القانون يجب ان يسري على كل الخلفاء من بعده.

 القانون الخالد في الحكم الذي بدأه عمر وسار على نهجه، وتسير عليه الآن كل المجتمعات الناجحة:  

الوظيفة تكليف لا تشريف.

وهذا المفهوم هو ما ينقص المجتمعات العربية قاطبة الآن في زمن النكوص والتراجع.

 

 

Share

أكتب تعليقا