كوبنهاجن: هل من وعود جديدة للفقراء؟ / محمد السالك ولد ابراهيم

على الرغم من كل آلامه وأوجاعه المختلفة

 ورغم كثرة السفهاء بين ساكنته، فلا يزال هذا الكوكب الرائع يدور ويدور لكي تحيى كل مخلوقات الله على ظهره الذلول. نعم، لقد بقيت الأرض تدور بالرغم من كثرة ما اقترفته أيادي البشر خاصة من آثام وخطايا وما تسببت فيه من كوارث لا تحصى. قديما، عندما كان يساق إلى المشنقة، أصر الفلكي المعروف "غاليليو" (1564- 1642) على ترديد عبارته الشهيرة أمام جلاديه المنكرين لحقيقة دوران الأرض، قائلا: "نعم.. ولكنها.. تدور حقا بالرغم من كل شيء". أما حديثا، فقد أكد العلم صحة مزاعم ذلك الفلكي الشجاع حول دوران الأرض وما له من أهمية قصوى لبقاء الحياة. على أية حال، ما من شك في أن العناية الإلهية ما فتئت تحرس كوكبنا الأرضي الذي بات ينوء تحت العبء المروع لسكانه اﻠ 6 مليار نسمة والذين سيصل تعدادهم قريبا إلى 9 مليار في حدود عام 2050. ولكن أين هي المشكلة إذن؟ بالطبع، إنها تكمن في ارتفاع درجة حرارة "أمنا الأرض"، التي استمرت تزيد بوتيرة أسرع فأسرع، بحيث لم يعد يوجد وقت كاف يسمح بتكيف الإنسان مع هذا التغير المناخي المتسارع للكوكب الدوار.

ولذلك، بات من الضروري أن نكافح بلا كلل ضد ارتفاع درجة الحرارة غير الطبيعية لكوكبنا – من أجل أن تستمر إمكانية الحياة فوقه- من خلال العمل على تخفيف الآثار الكارثية للتغير المناخي سواء في الوقت الراهن أوفي المستقبل المنظور. وهذا بالطبع هو فحوى الرسالة الرسمية لمؤتمر الأمم المتحدة الدولي حول المناخ المنعقد حاليا في "كوبنهاجن" من اﻠ 7 إلى اﻠ 18 دجمبر 2009. وطبعا سيكرر الجميع تلك الرسالة التي ستظل وسائل الإعلام تبثها بدون توفق، مثل ما يحدث دائما في مثل هذه المؤتمرات. ولكن، يبقى التحدي الأخلاقي الحقيقي أمام هذا المؤتمر هو معرفة ما إذا كان بنو الإنسان قد قرروا بعد أم لا العمل سويا لكي يستمر كوكب الأرض في الدوران ولومن أجل الأجيال القادمة.. إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

أعتقد جازما بأن الالتزام بقضية البيئة قد أصبح يعني اليوم في المقام الأول نوعا من الانخراط الواعي في مشروع طموح للتحرر الإنساني ولتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والسلام للجميع سواء في الجنوب أو في الشمال. ولكن لسوء الحظ، فإن أولئك الذين يعيشون على هامش التنمية المستدامة ويدفعون الجزء الأكبر من ضريبة التدهور البيئي هم أساسا سكان دول العالم الثالث الأكثر فقرا. في موريتانيا، كما في عموم إفريقيا وفي أماكن أخرى كثيرة على هذا الكوكب، يواجه بنو الإنسان دائما نفس مشكلات التخلف التي تشكل في الحقيقة الوجه الأخر لإشكالية البيئة والتغير المناخي: اختفاء الغابات، نقص مياه الشرب، التلوث بكل أنواعه، سوء التغذية، نقص التغطية الصحية، الخ…

في المقابل، يبقى الهاجس الرئيسي لمؤتمر "كوبنهاجن" هو تطوير آليات عملية للقضاء على انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وخاصة منها غاز ثاني أكسيد الكاربون (CO2). ولكن، هل سيكفي تحقيق هذا الهدف حتى لوتم ذلك؟ ما مصير سلة المشاكل البيئية الأخرى المرتبطة عضويا بإشكالية التغير المناخي؟ وهذا في الواقع هو أحد الأسباب التي تجعل مؤتمر كوبنهاجن مهما للغاية. إن على "كوبنهاجن" واجبا أخلاقيا لا يمكن للمؤتمرين التنصل منه وهو يقضي بوضع الإنسان أمام مسؤوليته الكونية بخصوص "بصمته" البيئية. وينبغي أن يتم ذلك بكل جرأة وبدون تردد. فلماذا لم ينجح بروتوكول "كيوتو" وتعديلاته المختلفة في إحداث التأثير المطلوب عالميا؟ وهل من وعود جديدة ستحملها "كوبنهاجن" للفقراء؟

في الحقيقة، من الأفضل أن لا نحلم ولا نتوقع معجزات في "كوبنهاجن"، حيث يشارك نحو 240 بلدا في هذا التجمع العالمي. فلن يطرح على أجندة المناقشات هناك سوى جزء صغير جدا من المشكل الكبير للبيئة. ويتعلق الأمر طبعا بمكافحة انبعاث غاز الكاربون (CO2) وإلى حد ما بعض الغازات الدفيئة الأخرى وذلك من أجل التصدي – كما يقال- لظاهرة الاحتباس الحراري. وبتالي، فإن شجرة "الكاربون" ستغطي تماما غابة البيئة في مؤتمر "كوبنهاغن".

وبدون مصادرة، فإن ما يبدو في الصورة الآن هو أن كبار الملوثين – مثل الولايات المتحدة التي تحتل الصدارة- يسعون من خلال "كوبنهاجن" إلى استنساخ وتهجين بعض جينات بروتوكول "كيوتو" وتعديلها وراثيا لتتلاءم مع المرحلة القادمة من جولة المفاوضات الدولية حول تفعيل وتمويل آليات الحد من الإنبعاثات. تلك الآليات التي تصر بلدان العالم النامي على تعظيم حصتها منها أولا.. قبل أن تقيد نفسها بأي التزامات قانونية قد تكون مجحفة. ولكن اللعبة قد أصبحت مكشوفة للجميع. فالكل يعرف الآن جيدا مدى محدودية ونجاعة "بروتوكول كيوتو" وكذا مدى تهافته من خلال السماح بلعبة بيع وتداول حصص "الكاربون" كبضاعة جد مربحة على مستوى السوق العالمية. في الحقيقة، لقد أدى منطق "كيوتو" إلى ازدهار سمسرة الكاربون قبل عشر سنوات من الآن، فاتحا بذلك الباب واسعا أمام تأصيل ظاهرة الخداع والمناورة في مجال البيئة وقضايا "الإيكولوجيا" الإستراتيجية على المستوى الدولي. فباسم البيئة وتحت شعارها الرنان أنشأ "بروتوكول كيوتو" ما عرف بسوق أعمال جديدة (بيزنيس) فاقت ربحيتها كل تصور، حيث جنى البعض أموالا طائلة من بيع "الكاربون" على حساب جميع سكان الأرض، وخاصة منهم الفقراء. وبطبيعة الحال، لم يكن لأحد أن يتوقع من ذلك "البيزنيس البيئي" رجوع أي أثر إيجابي يعود على أوضاع الفقراء في هذا الكوكب.

وهكذا فإن مؤتمر "كوبنهاجن" لن يتكلم إلا عن مكافحة "الكاربون" (CO2) فقط،. إنه مجرد غيض من فيض! فعند ذروة تزاحم الأجندات والمصالح الدولية، غالبا ما ينسى العالم أن المشاكل الخطيرة التي تواجهها البشرية اليوم قد بقيت دوما هي نفسها: اختفاء الغابات، استنزاف الموارد الطبيعية، هدر الطاقة، نقص المياه الصالحة للشرب، مخاطر الأمراض الجديدة (H1N1 ، الخ…). وكل هذا بالطبع إنما يمثل الوجه الآخر لظاهرة أكبر يعاني منها كوكبنا اسمها الاحتباس الحراري!

ومع ذلك، فإن مؤتمر كوبنهاجن لن يتحدث لنا عن أحوال اللاجئين "الاقتصاديين" و"المهاجرين السريين"، الذين يحسبون اليوم بالملايين عبر العالم، في وقت تحذر فيه بعض وسائل الإعلام من مشكلة اللاجئين بسبب تغير المناخ. وهي ربما تكون محقة في ذلك، فنحن سنكون بحاجة إلى التنبؤ بمعطيات عن تشريد كامل لبعض سكان مناطق العالم المهددة بآثار التغير المناخي قبل غيرها وكذا توقع الصعوبات المختلفة التي سوف تترتب على ذلك، وكذا المشاكل السياسية التي ستنجم عنه. كما أن "كوبنهاجن" لن يتحدث لنا كذلك عن مصير أكثر من مليار شخص يموتون من الجوع كل عام.

وفي وقت متأخر من إحدى ليالي "كوبنهاجن" الباردة، سيسدل الستار على المؤتمر العالمي حول التغير المناخي ككل مؤتمر. وعلى الرغم من كل النيات الحسنة.. وعلى الرغم من كل المناقشات والمداولات.. وعلى الرغم من كل التدابير التي سيوصى باتخاذها المؤتمر، فإن نسبة "الكاربون" (CO2) ستستمر في الزيادة مرة أخرى. ربما أقل من ذي قبل، ولكنها ستبقى دوما ترتفع إذا لم نتعامل بجدية مع الجوانب الأخرى الأساسية للمشكل البيئي مثل النمو الديمغرافي واختفاء الغابات وتلوث الهواء والماء والتربة والبحار، إلخ… كجزء لا يتجزأ من ظاهرة الاحتباس الحراري.

لقد أصبح من الواضح جليا اليوم، أنه إذا لم تعالج تلك الظواهر البيئية المترابطة بنيويا، فسوف يكون من الصعب بشكل متزايد على الإنسان أن يعيش على هذا الكوكب. فهل علينا أن نكرر طرح نفس التساؤلات الوجودية والإيكولوجية القائمة: فماذا يمكن أن نفعل مثلا حتى لو نجحنا بأعجوبة في تخفيض درجة حرارة الأرض إلى 2 درجة مئوية إذا لم يعد بإمكاننا مطلقا أن نعيش بشكل صحيح على هذا الكوكب؟ وما الذي تبقى لدينا الآن من تراث كوكبنا الدوار الأرض؟ فقط، أراضي زراعية عطشى وفقيرة، قيعان البحار والمحيطات أصبحت ملوثة وشبه فارغة من الأسماك، نسبة المعادن في الأرض أخفضت إلى الحد الأدنى وبعضها قد أوشك على النفاد، صعوبة متزايدة في الحصول على المياه العذبة التي أضحت ملوثة بشكل متزايد وأكثر ملوحة، هذا بينما تعج أجواء الأرض بكل أنواع الملوثات الصناعية وغيرها.

ومن أجل ذلك، يتوجب على "كوبنهاجن" أن تحدثنا عن هذه الحقائق البيئية التي هي واقعنا اليومي وهي في جوهرها أساس ومكمن التدهور البيئي الذي يعاني منه عالمنا اليوم سواء في الجنوب الفقير أو في الشمال الغني. فهناك إذن أربعة حقائق بيئية كبرى يجب أن يذكر بها المجتمعون في "كوبنهاجن" ويطالبون باتخاذ قرارات جدية بشأنها. إنها بعبارة أخرى الشروط القبلية لبقاء واستمرار حياة الإنسان على ظهر الأرض سواء كان في الشمال أوفي الجنوب. وتتمثل تلك المطالب "البيئية" الملحة في ضرورة العمل على توفير هواء نقي للتنفس ومياه نظيفة صالحة للشرب وتربة سليمة لتأمين الزراعة والغذاء وتطوير أساليب مناسبة للحصول على طاقة نظيفة للتدفئة. باختصار، إن ما تتطلبه التنمية المستدامة لكوكب الأرض والحفاظ على بيئته هو حزمة تدابير واحدة وموحدة، وينبغي أن تتجه نحو وضع تصوراتها وتعبئة مواردها وتجسيدها على أرض الواقع كل الجهود والطاقات البشرية معا في الشمال والجنوب

 

Share

أكتب تعليقا