ميدان التحرير هو النهاية، لا البداية../ زكريا محمد

منذ أن عاد البرادعي هبت نسمات رطبة من مصر على المنطقة العربية بأكملها.

فليس ما يحدث في مصر شأنا مصريا خاصا، بل شأن عربي أيضا، وبالتأكيد. فالوضع الحرج الذي تعيشه المنطقة العربية نابع، إلى حد لا بأس به، من الوضع الصعب لمصر ذاتها. وخروج مصر من النفق هو، في الواقع، خروج للمنطقة كلها من العتمة.

 

وتحاول قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية أن تعيد تنظيم نفسها، وان تدفع شارعها نحو التحرك، كما حدث في السادس وإبريل، وفي الثالث عشر منه. لكن جهود المئات من الشجعان، الذي يعرضون أنفسهم لأجهزة القمع الوحشية، لم تنجح في تحريك الشارع. ظل الأمر محصورا بالنشطاء، الذي سرعان ما تمزقهم صفوفهم قوى الأمن المركزي المتوحشة.

 

ونظن أنه للتغلب على هذه المعضلة يجب طرح السؤال: لماذا؟ لماذا لا يخرج الناس المضطهدون الجائعون المذلون دفاعا عن أنفسهم وعن بلدهم؟ ولماذا يتركون النشطاء الشجعان وحدهم في ميدان التحرير؟

 

ألأنهم لا يحسون بالجوع والذل والاضههاد؟ ألأنهم لا يتعاطفون مع النشطاء الذين يجرون في الشوارع، وتكسّر أيديهم؟! ألم لأنه لم يحن الوقت لدعوتهم إلى ميدان التحرير، أو ساحة دار القضاء؟

 

من مراقب من بعيد، يبدو أن من الخطأ دعوة الناس إلى ميدان التحرير هكذا، ودفعة واحدة. فكيف يمكن أن تطلب من أناس أذعرتهم لعقود مباحث أمن الدولة، وربت الخوف في قلوبهم هراوات الأمن المركزي أن يذهبوا لمواجهة هراوات هذا الأمن بصدورهم العارية؟!

لا بد أن يتم أولا تدريبهم على التجرؤ. لا بد أن يزجوا في المواجهة حبة حبة. هذا يعني أن تدعوهم لإطفاء النور، مثلا، في الساعة الثامنة من يوم كذا، لا ان تطلب منهم مواجهة الهراوات فورا. أو أن تطلب منهم أن لا ينزلوا للعمل في يوم كذا. ولعل مثل هذا الطلب البسيط هو الذي أنجح إضراب 6 إبريل الأول. فقد دعي الناس إلى أن يبقوا في منازلهم، لا ان يذهبوا لمواجهة الهراوات.

وهناك ألف مطلب مثل هذه المطالب التي لا يُدفع الناس فيها إلى هراوات رجال الأمن.

 

بالطبع، سيكون على النشطاء ان يواجهوا، وأن يتحملوا الضرب والجر والاعتقال. لكن كي يتقدم الناس العاديون إلى ميدان التحرير بالآلاف، بحيث تنكسر الصفوف الوحشية للأمن المركزي، لا بد من تدريب الناس على المواجهة عبر خطوات تدريجية متوالية.

البداية لا تكون ميدان التحرير، بل النهاية.

فحين يتدفق الناس إلى هناك، يكون الخوف قد مات. الخوف هو ما يمنعهم من التدفق إليها. وحين يدوسون على الخوف كما يداس على علبة سجاير فارغة، يكون العهد الجديد قد حل.

 

نصف قرن من الخوف لا ينتهي في لحظات. مجيء البرادعي لا ينهي خوف نصف قرن، بل لعله يزيده من بعض النواحي، لأن مجيئه صار مؤشرا على ان الأمور تتحول إلى الجد، وعلى ان الأمن المركزي سيضرب بعنف.

 

نصف قرن من الخوف يقتضي شهورا من المقاومة بخطوات صغيرة، تنتهي بالناس في ميدان التحرير.

 

لا يجب لوم الناس على أنهم لا يأتون إلى ميدان التحرير بالآلاف، بل يجب لوم الخوف، وتدريب الناس على تخطيه والدوس عليه.

 

التدريب على كسر الخوف. هذه هي كلمة السر. أما الكسر النهائي لجرة الخوف فيكون في ميدان التحرير

Share

أكتب تعليقا