التحرك العربي .. الإتجاه والهدف / د . لطفي زغلول

 منذ مطلع القرن الحادي والعشرين حتى هذه الايام

 والذي تزامن مع الإنتفاضة الفلسطينية على شرف الأقصى ، شهد العالم العربي سلسلة من التحركات العربية في مقدمتها العديد من القمم العربية ، وما بينها وبعدها كانت هناك " تشكيلة " من مؤتمرات القمة المصغرة ، والزيارات والاجتماعات واللقاءات على مستوى وزراء الخارجية ، أو وزراء الاعلام العرب أو مندوبي الأنظمة العربية الدائمين إلى الجامعة العربية .

وفي هذه الايام وقد مضت عشر سنوات ، ما زالت تلوح في الافق موجات جديدة من التحركات العربية ، سوف يعقبها موجات جديدة ، وعلى رأسها قمة عربية طارئة في شهر إيلول / سبتمبر من العام الحالي ، يسبقها اجتماع لوزراء الخارجية العرب ، وعلى ذات الخلفية التي تظل متمثلة بالقضية الفلسطينية وتداعياتها على الساحات الفلسطينية والعربية والدولية .

تذكيرا لقد وصلت القضية الفلسطينية إلى نقطة يخشى معها أن تكون قد جردت من مقوماتها الأساسية . الإستيطان ماض على قدم وساق . تهويد القدس جغرافيا وديموغرافيا قد أصبح لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة . مخططات الإستيلاء على المقدسات الإسلامية جاهزة ، والعمل على تنفيذها جار بكل إصرار وتحد . تهجير الفلسطينيين ليس هناك من يقف صراحة في وجهه . الإجتياحات والإقتحامات للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ، أصبح أمرا روتينيا ، بما ينجم عنها من اغتيالات واعتقالات .

 لقد كان المفترض أن يفرز هذا الزخم من " التحرك العربي" المتمثل بهذا الكم من الاجتماعات والمؤتمرات وغيرها إستراتيجية ما تحدد اتجاه هذا التحرك وكل المسارات المتفرعة عنه ، بدءا بتحديد الهدف المنوي الوصول اليه ، وذلك لغايتين أساسيتين : الاولى تتمثل في تجاوز "رصيد الصفر العربي" الذي ما زال هذا التحرك يدور في فراغه .

والثانية ترجيح كفة نوعية التحرك على كميته . إن الاحداث المتفاقمة في فلسطين لها تداعياتها السلبية ليس على الشعب الفلسطيني فحسب ، وانما على العالم العربي أنظمة وجماهير ، الامر الذي يفرض ضرورة تغيير في الرؤية والوسائل حتى تصل الى مستوى الاحداث ، وتتقاطع مع كل ما تفرضه من ردود أفعال واستجابات .

بداية ، لا يخفى على كل ذي رأي ورؤيا انه يفترض أن يكون لاتجاه التحرك العربي مساران . الاول داخل العالم العربي وتحديدا الانظمة السياسية العربية . اذ يفترض أن تكون على قناعة تامة فيما هي مقبلة عليه ، وان تتصرف بملء ارادتها وبدوافع قومية ومصالح عربية عليا ، وبشعور حقيقي انها تخوض معركة هي في صميمها معركة شرف وكرامة ووجود للأمة العربية ، لا أن تشعر أنها مقبلة عليها بدوافع الاحراج والمخاجلة أو الالتفاف على مطالب الجماهير العربية . والاهم من ذلك كله أن يكون هناك قدر معقول من الاجماع العربي يقود هذا التحرك ، لا أن تغلب عليه صفات الفردية والشرذمة والانقسام .

أما المسار الثاني فقد بات القاصي قبل الداني يعلم علم اليقين انه يتمثل في خط اتصال مباشر صوب البيت الابيض الاميركي . ومن صفات هذا المسار انه لا يعتمد "دبلوماسية الهاتف" أو الرسائل الموجهة عبر وسائل الاعلام المحلية التي هي ذر للرماد في العيون كونها لا تسمع ولا تقرأ ولا تشاهد الا ضمن اطارها المحلي المحدود المدى والنطاق .

في ذات السياق ان الولايات المتحدة الأميركية ،هي الوحيدة التي تمتلك مفاتيح الحل في الشرق الأوسط ، والقادرة فعلا على التأثير المباشر على إسرائيل ، وانطلاقا من هذه الحقيقة الثابتة ، فان أي عذر تبديه مهما كان ، لا ينبغي أن يسلم به ، ويجب ان يوضع في اطاره الحقيقي المتمثل بعدم وجود رغبة صادقة في إيجاد حل للقضية .  

وهنا يفترض رفع سقف التخاطب المباشر مع الادارة الاميركية في عهد الرئيس باراك أوباما الى الحد الذي يفترض ان تبدأ عنده الاستجابة الفعلية لا اللفظية . إن الأنظمة السياسية العربية لديها الوسائل المتعددة ، فيما لو أرادت ، للضغط على البيت الأبيض ، وانتزاع خطوات فاعلة لإنهاء معاناة الفلسطينيين ، وإقامة دولتهم الحقيقية .

 والحديث هنا لا يستثني الاتحاد الاوروبي ، او كل الدول التي يمكن تصنيفها انها صاحبة قرار في هذا الشأن . إن هذه الخطوة سترفع منسوب المصداقية وقوة التأثير والفاعلية ، لا أن تظل مجردة من أبسط مضامينها التي يفترض أن تشكل نقاط ضغط فاعلة على إسرائيل .

أما ما يخص الهدف فهو في اعتقادنا يبدأ بتحديد النقاط التي تتفق عليها الانظمة العربية والتي هي في الحقيقة قادرة على تتنفيذها على أرض الواقع ولها رصيد من الدعم لديها في كل الظروف . وهنا يفترض اسقاط كل الشعارات الفارغة والمزايدات والمراهنات الخاسرة .

وهذا الهدف هو ذو مسارين : آني يخص الواقع الأليم الخارج عن حدود الانسانية الذي يعيشه الفلسطينيون جراء الاعتداءات الاسرائيلية والتي أصبحت استراتيجية ذات مراحل هدفها اجتثاث الوجود الفلسطيني من على أرضه التاريخية ، واجتثاث جذور القضية الفلسطينية وتصفيتها نهائيا . واما المسار الثاني فهو كل ما يخص القضية بما فيها قضية القدس واللاجئين والدولة وكل القضايا التي ذات علاقة . والمساران المذكوران لا ينفصلان عن بعضهما .

يقينا ان الانظمة العربية تعرف تمام المعرفة ما هو مطلوب منها واين تتجه ، وتعرف ايضا كل سيناريوهات التوجه الفاعل بحذافيرها . وسوف يظل المواطن العربي المثقف وشبه المثقف والانسان العادي يصرخ باعلى صوته أن العالم العربي يملك الوسيلة والامكانية اللتين تهيئان له آلية ضغط ذات قدرة فائقة على التأثير الفوري . الا أن ما يفتقر اليه هو ارادة انظمته السياسية في استخدام هذه الوسيلة والامكانية وتفعيلهما .

عودة الى التحرك العربي التقليدي المتمثل بالاجتماعات والمؤتمرات . فالمواطن العربي بعامة والفلسطيني بخاصة يشعران انها ذات سقف منخفض جدا ، وانها هدر للجهود ومضيعة للوقت ، وقد أفرزت نتائج عكسية . فكانت بمثابة الضوء الاخضر لكل من اسرائيل واميركا لكي تتابعا وتصعدا نهجهما العدواني تجاه الشعب الفلسطيني من جهة ، ومن جهة اخرى انخفض جراءها منسوب " تعاطف " الاتحاد الاوروبي مع مجمل القضية الفلسطينية ، والذي على ما يبدو أصبح مسرحا للنفوذ الاسرائيلي .

وليس من نافلة القول الاشارة الى فتور ردود الافعال العالمية الاخرى تجاه معظم القضايا العربية . وهذا يفسر حالة الصمت واللامبالاة ازاء ما يجري للفلسطينيين من اعتداءات عليهم وتنكيل بهم .

خلاصة القول ان الخطاب السياسي العربي تجاه القضية الفلسطينية يقف على مفترق طرق . فاما أنه يظل سابحا في دوامة بلاغة الكلام وفصاحته دونما أدنى رصيد له على أرض الواقع . وهو بالتالي ليس له اتجاه ولا هدف ، وانما هو الضياع والعجز اللذان آل اليهما العالم العربي . ويخشى والحال هذه ولغايات تخص الانظمة العربية أن يكون هذا الشكل من التحرك هو الحد الاقصى للمشاركة العربية .

واما أنه ينحو منحى آخر يأخذ بعين الاعتبار خطورة المرحلة ، وينطلق من الاحساس بالمسؤولية التاريخية القومية ، ويتقاطع مع منظومة الاهداف والاماني والكرامة العربية . وهذا هو أقل المفترض . وهو ممكن كل الامكان لو خلصت النوايا . وإن غدا لناظره قريب .

 

 

 

Share

أكتب تعليقا