إيران وعقيدة الإسلام الثأري والإرث الفارسي /سعيد موسى

((مابين السطور))

منذ قيام الثورة الخومينية في ثمانينات الألفية الثانية في ثوبها الإسلامي، وقد لقيت تلك الثورة البيضاء مساعدة من جهات كثيرة تراوحت مصالحها مابين هشاشة نظام بهلوي القمعي الدكتاتوري واقتراب اندلاع ثورة إيرانية وطنية تعصف به، وبالتالي استهداف مصالح ركائز ذلك النظام المنتهي صلاحيته، وربما يطفوا إلى السطح نظام وطني يهدد مصالح الغرب، فكان تسهيل لايحتاج إلى دليل لعودة الإمام الخوميني من بلاد الغرب فيما يسمى بثورة الجمهورية الإسلامية وكان الغرب من أهم تلك الدول التي ارتضت دون أي تدخل لمنع عودة الخوميني وإعلان الثورة، وما بين جهات ومنظمات دعمت تلك الثورة في إسقاط النظام البهلوي والذي يعتبر كرديف للكيان الإسرائيلي، بل القاعدة الأمريكية الصهيونية بذلك النظام المخابراتي القمعي وموالاته للغرب وتحالفه الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني، وكان من بين تلك الجهات منظمة التحرير الفلسطينية وتحديدا حركة"فتح" وتولت تدريب الكوماندوز الإيراني الذي يتجهز لقلب نظام بهلوي الصهيوني، وكان هذا الموقف الفلسطيني على اعتبار ان الثورة الإيرانية ستكون حسب شعاراتها التي لم يتبين زيفها قبل وضعها على المحك العملي، بان تكون سندا قويا للثورة الفلسطينية في تحرير فلسطين، وقد نجحت الثورة أكثر مما توقع القائمين بها، وكان هناك ما يجلي الصدر بمحاصرة السفارة الأمريكية واتخاذ ساستها أسرى أو رهائن ولكن الأمر لم يدم طويلا قبل صفقة البدايات التي تترجم واقع المرحلة القادمة كما خططت لها وتوقعتها قوى الغرب مابين تمرد الثوار وترويضهم لاحقا وتم الإفراج عن الرهائن ، حتى وصل الأمر إلى صدمة لمن توهم بمتانة المصالح المشتركة بين نظام خميني والثورة الفلسطينية ولاحقا انكشاف العورة عن دفائن النفوس بانتهاج خط الثأر الإسلامي بموجب العودة إلى أجواء الفتنة الكبرى العلوية السفيانية وما إلى ذلك من استرجاع تاريخ الفتنة والادعاء بالقمع والتشتت والاضطهاد في العهد الأموي، فكانت الصدمة بفضيحة "إيران جيت" وكذلك بالعلاقة الصهيونية الإيرانية إبان حرب الخليج الأولى التي بدأت بسبب انكشاف المستور حول انتهاج إيران الثورة لإحياء الموروث الفارسي والرغبة بالهيمنة على شط العرب وعلى كامل الأراضي العربية والإسلامية المجاورة، فكانت صفقة قطع غيار السلاح بين الكيان الصهيوني وكيان الأيدلوجية الفارسية المستحدثة.

 

 

 

 

وهنا دارت العلاقة مابين إيران الخوميني والغرب كعلاقة الترويض بالعصا والجزرة، إلى ان وصلت على ماهي عليه الآن من لعبة"القط والفأر" والهدف الغربي هو احتواء إيران وفي حال عصيان الأمر وعدم فهم النظام الإيراني لموازين القوى بعد سقوط المنظومة الاشتراكية فالهدف هو إسقاط النظام، أما العلاقة بين طهران الخميني ومن بعده طهران وانتزاع الولاية الفقهية من منتظري على نهج التوريث الفقهي للإمامة،والسياسي منتزع السلطة نجاد فهي علاقة عداء وليس فقط عدم ثقة كما يحلو للبعض تجميلها، ولقد تجسد العداء في الاحتكاك الشيعي السني ومحاولة طهران بكل ما أوتيت من إمكانات لنشر فقه التشيع وضمان ولاء اكبر عدد ممكن من الشعوب الإسلامية المجاورة، ولقد اتضح لاحقا بان الحقد الدفين من زمن الفتنة الكبرى هو عنوان المرحلة واس العلاقة بالمجتمع الإسلامي السني وبالتالي فالأرضية الإسلامية المشتركة أصبحت متنافرة تنتهج إيران خلالها أيدلوجية الثأر الإسلامي وليس وحدة العالم الإسلامي وفق روح الشريعة الإسلامية السمحة القائمة على الثوابت الإسلامية المشتركة وهذا يتضح جليا من خلال العداء للسنة ومساعدة الغرب على قتلهم في أفغانستان والعراق وكذلك عمليات القمع والإعدام والاضطهاد للشعب الاحوازي السني العربي في إيران، فقد اسقطوا كل أمل في الالتقاء على قاعدة وحدة الدين بل قدموا على ذلك التنافر والعداء المذهبي السني الشيعي، وإحياء تلك الفتنة وجلبها لواقعنا المعاصر بعد موتها إلا من قلوب وأيدلوجية الحاقدون، رغم ان أهل السنة والجماعة لايمجدون القتلة ولا يبنون لهم كمجرمين شجعان مزارات، فقاتل عمر رضي الله عنه مجوسي مجرم، وقاتل عثمان رضي الله عنه مجرم، وقاتل علي كرم الله وجهه مجرم، وقاتل الحسين  رضي الله عنه مجرم، وحساب هؤلاء عند الله، بل زاد على ذلك الإسلام الثأري الإرث الفارسي والمحاولات المستميتة في إعادة ذلك الإرث المندثر بكل تاريخه المقيت ليتمسك من اسموا أنفسهم بفصاحة الخطاب"الأمة الإيرانية" وليس الأمة الإسلامية وربما المقصود هو التبكير في الإعلان عن تسمية "الأمة الفارسية"، ويتضح بما لايدع مجال للشك من السلوك السياسي والعسكري الإيراني الرغبة القوية للهيمنة بل احتلال المحيط العربي الإسلامي ذو الأغلبية السنية الساحقة تحت مسمى "الخليج الفارسي" وهنا يتضح الصراع بين فرسنة الخليج وعروبته للأسف بعيدا عن أسلمته، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل بعد الإصرار على بقاء الجزر الامارتية المحتلة في قبضة النظام الإيراني، ما زاد الأمر وضوحا اندفاع إيران بغطرسة القوة ورغبة الهيمنة المتدفقة على الإعلان دون وازع من روابط إسلامية بل رد الأمور إلى ارثها الفارسي البغيض، ليعلن الفقيه الإيراني وحتى ساسة الإرث الفارسي والثأر الإسلامي بان دولة البحرين والإمارات هي جزء من الأراضي الإيرانية ومؤخرا الهيمنة السياسية على العراق وإظهار النية الفعلية لاحتلال وضم أراضيه العربية، وما إلى ذلك من تهميش للتمثيل السياسي السني الذي لايدور في فلك الإرث الفارسي تحت مسميات ومبررات اجتثاث البعث ، ذلك البعث الذي تآمر عليه الغرب وإيران، ذلك البعث الذي انصهر في بوتقته كل المذاهب الدينية والأطياف السياسية والذي يتباكى عليه الكثيرون اليوم لما آل إليه وضع العراق النازف.

 

 

 

 

 

حتى بات الأمر على صفيح ساخن مابين تسحين وتبريد، ليحاول الحكماء ومن هم على قناعة تامة بان عنوان العلاقة مع إيران الإسلام الثأري القديم وإحياءه في زمن غير زمانه للقصاص من شعوب ومذهب سني وأتباعه دون أي وجه حق ولن ينتج عنه سوى فتنة جديدة ستأكل الأخضر واليابس، ولن يتحقق لطهران الفقيه والإمامة والتقية، حلمها وهدفها بالثأر الإسلامي ولا الهيمنة بموجب الميراث الفارسي ولا ندري على ماذا يراهنون سوى العمل على زرع بذور الفتنة بين الشعوب وأنظمتها الإسلامية والعلمانية انطلاقا من خداع الروابط الإسلامية القويمة، فالعراقيون الذين يقتلون على يد المليشيات الإيرانية وتفجيرات الأسواق الإرهابية هم مسلمون، والمجاهدون الذين يقتلون في أفغانستان بمساعدة طهران للغرب هم إسلاميون، ناهيكم عن الفتنة التي دارت وتدور في اليمن وفلسطين ولبنان ولإيران بصمات واضحة في توظيفها فارسيا وثأر إسلامي مذهبي لصالح أجندتها، هنا حاول حكماء السنة تحويل مجرى سيول الحقد الدفين وأيدلوجية الثأر المذهبي ومحاولة استعادة الإرث الفارسي، إلى محاولات مستميتة بمجهودات مخلصة سنية لإعادة الأمور إلى نصابها وجذورها الإسلامية القويمة، لان هذا العداء الذي تنميه طهران ونظام الفقيه بها سيغرق المركب الإسلامي بكامله إلا من رحم ربي، وهذا السلوك الثأري سيشكل للصهاينة والغرب والتبشير الصليبي ثغرة مجانية واسعة، ونتيجة الحقد المتراكم في العقلية المذهبية الشيعية الفارسية بالثأر الإسلامي من كل ماهو سنة حتى وان لم يعايش سنة اليوم فتنة الأمس، ولكن لمجرد دعواتهم بالرضا عن الصحابة والخلفاء الراشدين من الصديق والفاروق إلى عثمان ومعاوية وجدلية أحقية الخلافة لعلي كرم الله وجهه ورضي الله عنهم جميعا وما تبع تلك من فتنة دموية، من الجنون استجلابها لواقعنا الإسلامي الهش، فان أيدلوجية الثأر ممن لم يتبرأ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يدافع عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فيصبح هدف للثأر الإسلامي الفارسي، ومن يقف في وجه وهم الإمبراطورية الإيرانية الفارسية كذلك، فيصبحون أهداف كأنظمة وعلماء وشعوب لتلك الأيدلوجية الزاحفة من العصور الأولى لا أعاد الله فتنتها إلى عصرنا الحالي الذي تتداعي على امتنا الإسلامية المشتتة أمم الأعداء كما تتداعى الأكلة على قصعتها، ليصبح للأسف بل للخزي والعار حوار الحضارات وحوار الأديان اقرب إلى التوافق بين المسلمين وأصحاب الديانات السماوية الأخرى، اقرب منه إلى حوار المذاهب الإسلامية التي يجمعها الأصول ويفرقها الفروع ، ويفشل الحكماء السنة من إعادة التهور الشيعي في طهران ونتوءاتهم في أجساد الأوطان العربية والإسلامية لإعادتهم إلى رشدهم وترك الفتنة القديمة وقد ذهبت بعجرها وبجرها، بباطلها وحقها ليتولاها رب العباد، وإعادة الركيزة الإسلامية السمحة لتكون الميثاق والعهد الجديد أمام الأخطار المتراكمة والمحدقة بمنطقتنا وشعوبنا العربية والإسلامية دون سنية وشيعية.

 

 

 

 

 

الحقيقة المرة ان طهران وإمامتها وساستها مندفعين كالعجلة أمام الحصان على كل الجبهات وكأنهم إمبراطورية فارسية حقيقية، يضربون في كل الاتجاهات دون وعي أو حسابات تحقق للشعب الإيراني وحدته وانتعاش وضعه الاقتصادي، والجميع يشهد مايدور من قمع دموي داخل إيران لملايين ممن هم جاهزون لحياة دون حقد دموي مذهبي ودون اغتصاب قناعات بعصمة الإمام كامتداد لعصمة الأنبياء، فكان الموت والقمع والإعدام نصيبهم مثلهم مثل جيرانهم الاحواز العرب السنة المغتصبة أرضهم ومستعبد شعبهم، فقد وحدت المعاناة والقمع في إيران السني الاحوازي والشيعي الإصلاحي القابل للتعايش مع إخوانه المسلمون دون أيدلوجية ثأر إسلامي ودون وهم ارث فارسي، وهؤلاء سينطبق عليهم نظرية الإصلاح والنضال من اجل التغيير من واقع حاقد مزري إلى واقع عادل سمح، فمطلب التغيير ومقاومة التغيير تؤدي حتما إلى التغيير، وهاهي إيران اليوم بكل ما يحيط بها من دول تنافر ويحيق بها من أخطار تستمر في أيدلوجيتها بالثأر الإسلامي والإرث الفارسي، وتفقد أي حليف عربي أو إسلامي أو حتى سعيها الدءوب للحلف الشيعي الشيوعي الروسي الصيني لم يكتب له النجاح بالدرجة التي ستجنب الشعب الإيراني ويلات المرحلة القادمة التي تحمل نذر وطبول الحرب، لاحليف مؤثر باتجاه إمبراطورية الشر الفارسي والهلال الشيعي الرافضي، ويبدوا ان الله يعمي بصيرتهم وبصائرهم عن العودة إلى جادة الصواب وإسقاط أيدلوجية الثأر المذهبي الإسلامي والإرث البغيض الفارسي، ويعتقدون ان معزوفتهم بإزالة الكيان الإسرائيلي ستنطلي على احد من الشعوب الإسلامية والعربية قاطبة، ربما تلك الشعارات الجوفاء تدغدغ مشاعر البعض في ظل الواقع العربي الإسلامي المتردي وربما الخانع للهيمنة الغربية والصامت عن العدوان والغطرسة الصهيونية، لكن لا الشعار الأجوف ولا مال الخمس، الذي لايخرج عن إطار التوظيف المصلحي للأجندة الثأرية المذهبية والإرث الفارسي سوف تفيد نظام طهران الذي يحلم بإمبراطورية وجمهورية افلاطون الخيالية حسب السقطات والمخالفات المذهبية الإسلامية ومعايير الثأر الإسلامي والإرث الفارسي.

 

 

 

 

 

وعليه فقد أصبح الهاجس الإيراني يؤرق الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية الجارة والتي تعتبر نفسها هدفا على الجبهة المتقدمة الأولى للخطر الثأري الفارسي الزاحف، أكثر من اعتبار الكيان الإسرائيلي النظام الإيراني خطرا عليها هذا مدعاة للأسف، باستثناء مسرحية الملف النووي ولعبة التسخين والتبريد بل أكاد اسميها الاستهبال السياسي وليس المناورة والتكتيك، لان ماسينتج عن كل هذا التخبط والتخبيط الإيراني بذات اليمين والشمال وحتى الوسط في داخل إيران سقوط حتمي لنظام نجاد السياسي، وربما لحكم الإمامة والفقيه، وحينها لن يكون الملف النووي هدفا للغرب، لان المفاعلات النووية للأغراض السلمية لن تكون مخالفة لاتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها إيران، بل سيكون لأي نظام إيراني إصلاحي جديد مفاعلاته السلمية والتي تلبي الطموحات التكنولوجية للطاقة والأغراض السلمية، وما دون ذلك وربما بعد العديد من الرسائل عبر تقليم الأظافر الإيرانية بموازاة عقوبات اقتصادية قاسية وغير محتملة، فلن يكون أمام إيران سوى التراجع أو الحرب الغير متكافئة في مخططها العسكري الجديد على الإطلاق، بل أي تفكير في الحرب ضد إيران مهما حاول بعض دول الجوار العربي والإسلامي تلطيفه بشعارات سياسية خجولة بعدم استخدام أراضيها لضرب إيران هي شعارات تفتقد للمصداقية لسبب بسيط جدا ، ان تلك الدول التي تخشى الإخطبوط الإيراني سوف تدفع بكل ما ملكت من تحالف وقوة وإمكانات إلى ضرب إيران بهدف إسقاط حكم الإمامة والفقيه فيها وإيصال الإصلاحيين لاستبدال الشعار والفعل الراديكالي والتطرف الثأري والإرث الفارسي العدائي إلى خطاب وسلوك ليبرالي معتدل وسطي للالتقاء والسماحة الإسلامية بعيدا عن ارث فتنة الماضي بحقبته الدامية وبعيدا عن وهم الإمبراطورية الفارسية والقومية الإيرانية وكأنها لاتمت بصلة للإسلام، ومن ثم يترتب على ذلك التغيير واقع إسلامي مذهبي متجانس توافقي وغير ثأري أو صدامي، وبالتالي علاقات عربية إسلامية مع باقي عناصر المجتمع الدولي من مصدر وحدة كلمة وتقارب لا صدام وتنافر، يجعل من أعداء الأمة العربية والإسلامية ليجدوا في أجواء أيدلوجية الثأر الإسلامي والإرث الفارسي صيدا سمينا لإشغال امتنا في تناحرات تزيد تخلفها وسقوطها وفقرها وجهلها باسم صراع المذاهب ومواريث وهم الإمبراطوريات، فالي أين يتجه الفقيه وساسته المنتزعين للسلطة الشرعية بالشعب الإيراني أولا ؟ والى أين هم ذاهبون على خارطة الثأر الإسلامي المذهبي والموروث الفارسي بعالمنا العربي والإسلامي ليزيدوه ضعفا وفلتانا أكثر مما هو ضعيف ومنفلش ، ويجعلوا من دول الاستهداف الثأري المذهبي وهدف الموروث الفارسي لقمة صائغة لأعداء الأمة العربية والإسلامية الحقيقيون، فهل يفيق الفقيه وساسته قبل فوات الأوان أم هي الحرب التي تتقاطع فيها المصالح بين الدول العربية والغربية ضد إيران لامحالة؟

 

Share

أكتب تعليقا