“فاطمة أحيوض” بين تمزقات الذات والواقع / المصطفى فرحات

قراءة في ديوان الشهداء والغوغاء 

        يأتي ديوان الشهداء والغوغاء ليغني المسار الشعري للشاعرة فاطمة أحيوض، وهو الإصدار الثالث بعد ديوانها الأول إن موعدكم الصبح الذي صدر سنة 2002 وديوانه الثاني سنة 2002،. 

وديوان الشهداء والغوغاء صادر عن مطبعة سجلماسة مكناس يوليوز 2008 ويتكون من ستة وثمانين صفحة من الحجم المتوسط بمقدمة و31 صفحة 

وإذا اعتبرنا المقدمة هي إضاءة لمحتوى الديوان، وتساهم في تقديم رؤية عامة وشاملة عن التوجهات العامة للنصوص، وتضع المتلقي في صلب العملية الإبداعية بكل حيثياتها، وتساهم في إثارة استجاباته الفنية والفكرية فإن المقدمة كما تمت صياغتها تبدو صادمة لأنها تضعنا أمام أجواء ذات طابع مأساوي تراجيدي، فكل القرائن تشير إلى أن الشاعرة لا تتنفس غير الحزن والأسى ولا تعاني غير الألم والبؤس والاغتراب. فجميع الإهداءات التي بعثت بها الشاعرة موجهة إلى أشخاص بلا أسماء هوية، ولكن بأوصاف ونعوت محددة بعناية، فهم السجناء، والمعوقين، وشعوب في حالة حرب، ضحايا العراق، جرح لبنان، المحرومين، المقهورين، شهداء الانتفاضة، الذين حددت الشاعرة أسمائهم: محمد الذرة، يحيى عياش، وفاء إدريس، سعيد حنين.

 

نحن إذا أمام شاعرة اختارت التزمت أن تصطف، وتتعاطف مع شرائح اجتماعية مناضلة، مع تعدد أشكال النضال وأهدافه: النضال من أجل الحرية، النضال لرفع الظلم والقهر الاجتماعي، النضال ضد المرض، الحرمان…وإذ تتضامن الشاعرة معهم، وتتبنى قضاياهم، فأن ذلك يعود بالأساس إلى إحساسها بأن هؤلاء المناضلين لهم الحق في الحياة الكريمة، والحق في استعادة حقوقهم المهضومة، وحريتهم المستلبة. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما القضايا التي انشغلت بها الشاعرة؟ ما الأدوات الفنية التي توصلت بها للتعبير؟ وإلى أي حد استطاعت أن تتوفق في تحقيق المعادلة الصعبة وهي الموائمة بين الشكل والمضمون؟

 

إذا حاولنا مقاربة الديوان من حيث التيمات الأساسية التي حضيت باهتمام الشاعرة سنلاحظ أن هذه القضايا تتوزع بين أربعة محاور أساسية، وهي:

 

أولا: محور القضايا القومية: وهو 23 قصيدة.

 

ثانيا: القضية الوطنية: 4 قصائد

 

ثالثا: قضايا ذاتية: 4 قصائد

 

وإذا أعدنا ترتيب القصائد بحسب نسبة حضور القضايا التي تعالجها الشاعرة انتهينا إلى ما يلي:

 

·                        في المرتبة الأولى تأتي القصائد الفلسطينية

 

·                        في المرتبة الثانية القضية العراقية

 

·                        في المرتبة الثالثة والرابعة القضية الوطنية، والقضايا الذاتية.

 

·                        المرتبة الأخيرة القضية اللبنانية بقصيدة واحدة.

 

وقد كتبت هذه القصائد ما بين سنة 1998 و2007 في فضاءات مختلفة: تونس ق1. ليبيا 6ق. الجزائر 5ق. وما تبقى كتب في المغرب ما بين مكناس18ق. الدار البيضاء والرباط وفاس 1 ق. والملاحظ أن أغلب القصائد التي كتبت خارج المغرب تنحو منحى قوميا.

 

    إن الشاعرة كما تدل على ذالك الإحصائيات أولت اهتماما كبيرا للقضايا القومية وتفاعلت بشكل كبير مع هموم الأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والعراقية، ولا شك أن هذا الاهتمام يعكس توجه الشاعرة القومي في كتاباتها، وتعاطفت مع هموم الأمة.

 

      ونحن نتأمل النصوص التي تعاطفت فيها الشاعرة مع القضية الفلسطينية نجدها تستحضر أماكن لها دلالة خاصة في وجدان الإنسان العربي، وبعضها يرد في أكثر من قصيدة، مثل (جنين، القدس، نابلس، الخليل، يافا، صبرا شاتيلا)، ولا شك أن هذه الفضاءات توحي بالشيء الكثير، وتختزل الذاكرة العربية صورا قاسية وعنيفة لم ولن يمحوها الزمن، فهي ليست مجرد أسماء لأماكن فحسب، بل تحولت إلى رموز تحيلنا على حجم التضحيات التي قدمها شهداء الأرض الفلسطينية من أجل حياة كريمة وحرة.

 

تقول الشاعرة على لسان جنين:

 

أنا جنين

 

أنا الإنسان

 

الانتماء

 

الوجود

 

والنماء.

 

الديوان ص5

 

 

 

هكذا تتحدد هوية الأرض في فلسطين، فهي ليست جغرافيا فحسب بل هي امتداد لما هو كائن وما سيكون. لا فرق بين الإنسان والمكان، علاقة وشيجة تجمعهما ليتوحدا في تركيبة هي جغرافيا وتاريخ وإنسان وهوية..

 

وعندما تتحدث الشاعرة عن الإنسان الفلسطيني، فإنها تقدمه في صور متعددة، نلمس ذلك من خلال معجم لغوي خاص بفاطمة أحيوض إنه الشعب المرتبط بالأرض والمتمسك بهويته، شعب أبي شامخ وعزيز فهو: " صقور ـ جنادل ـ سنابل ـ طيور ـ جلاميد ـ أمواج ـ مياه الثورة ـ نيران الثورة ـ مناضل ـ مجاهد ـ أسطورة العذاب ـ زلزال، ورود.." إنه شعب يعشق السلم كما يعشق الحرب، شعب لا يمكنه إلا أن يعشق الحياة، في ضل العزة والحرية، ويعشق الشهادة من أجل الوطن والعزة.

 

إن الفلسطيني يعرف أن لا سبيل إلى استعادة الحقوق إلا بالسير في طريق المقاومة والنضال. وهو مستعد للمضي رغم كل التضحيات لبلوغ آخر النفق، حيث الضوء والنور، وترسم لنا الشاعرة صورة معبرة للبطولة الفلسطينية،

 

اذبحونا بالمناجل     واقصفوا كل المنازل

 

واجلدوا كل عزيز    في مغاني أم وائل

 

هجروناـ شيعونـا      ما استطعتم كالقوافل

 

أنما نحن صقور      إنما نحن زلازل

 

في فلسطين غزاة   لن ينالوا أي نائل

 

فإذا مت سأضحى     ثورة ألف مقاتل

 

الديوان ص 8

 

 

 

إن الفلسطيني هو ذاك الإنسان الذي كلما تعمق فيه الجرح، تدفقت الثورة، وزاد إصراره على التحدي، وكبر لديه الحلم في الخلاص من بطش وظلم الطغاة الصهاينة، إنه إنسان مقاوم بالفطرة لا فرق بين رجاله ونسائه وأطفاله بما في ذلك الرضع:

 

تقول في قصيدة جنين:

 

كلنا ألغام

 

يفجر الظلم والطغم

 

قسما بدم الرضيع

 

بدماء الركع

 

نطرد الدخيل

 

ص:4 الديوان.

 

 

 

ولا تكتفي الشاعرة بنقل ما يجري في فلسطين من اغتصاب للأرض وهدر لحقوق الإنسان بل تسعى إلى التأثير في وجداننا وتدفعنا لتبني مواقفها التي تعكس تفاؤلا بحتمية الانتصار.

 

كما حضت العراق بنصيب وافر من تعاطف الشاعرة، وعبرت بأسلوب حارق عن المأساة، وشجبت التدخل السافر لقوى الظلم والطغيان لتخريب وتدمير الحضارة والإنسان العراقي مستحضرة أمجاد هذه الأمة وإن خيمت صور الدمار على هذا البلد العريق، فأينما وجهت سمعك فلن تسمع غير كلمات تنز أسى وحزنا، (فكربلاء تسبيحة الدم ـ في بغداد تناسلت الموتى ـ الفرات مجروح ـ ودجلة والنجف رخوة ـ العراق دم..) بمثل هذه المعجم تعبر الشاعرة عن رؤيتها للمشهد العراقي بعمومية أحيانا وبتفاصيل دقيقة أخرى، تقول:

 

قلب جريح أنا

 

الجرح الجرح

 

ونحن في الظلماء والقلم خطر

 

ملعون الشعر المحتل، نار

 

يحكي عن عراق بين خصر

 

يحكي عن كوفة تدمع عاريا..

 

الديوان ص:48

 

 

 

ولم تنس الشاعرة لبنان الذي خصته بقصيدة واحدة بعنوان إليك يا لبنان وتنعته الشاعرة بالقديسة، والفضيلة، وتنظر إليه باعتباره الملاذ والملجأ وموطن الثوار، تقول:

 

 

 

وحدها لبنان

 

يرفعها الشموخ

 

ذي الشموع

 

 

 

إنه أمل الإنسان، وهي البلسم الشافي بالنسبة لشاعرة لا ترى في الواقع العربي سوى الهزائم والخنوع والاستكانة، هي لبنان وحدها من يعيد للشاعرة الأمل تقول:

 

 

 

هلي قريضي رشدا

 

يا لبنان خلقت سوية

 

في نعم المولى

 

صوتك الطاهر الأطهر

 

تمنح الشعر ربيعا

 

ذروة المنتهى

 

في زمن الفتن

 

الديوان ص:24

 

 

 

أما فيما يخص القضايا الوطنية، فلم يفت الشاعرة أن تتعاطف مع ضحايا 16 ماي، وما أثاره هذا الحدث من ردود أفعال داخل المجتمع المغربي إذ اعتبر حدثا معزولا لا يمثل بتاتا ثقافة ولا أخلاق المغاربة، والشاعرة إذ تصور لنا مدينة الدار البيضاء في صورة المدينة التي تحتضن كل الأجناس والأعراق والأطياف وتصف المغرب بأنه وطن السلم والمحبة والتسامح فإنها تشجب بقوة ما حدث ذاك اليوم الحزين، وتلعن كل من سولت له نفسه أن يقوم بهذا الفعل الشنيع.

 

 

 

ملعون من مزق سيدي مومن

 

ملعون

 

من أبكى عمم شهر ماي

 

ملعون يا وطني

 

من زرع الغوغاء فيك

 

الديوان: ص 38.

 

 

 

وغالبا ما يمتزج عشق الوطن بالحنين والشوق، ففي طرابلس تشعر الشاعرة بالاغتراب وتفيض الشوق الجارف، فتولد القصيدة الطافحة بمشاعر تتدفق سحرا وبهاء، إنها وهي البعيدة عن الوطن تحيى في سبه غيبوبة، والوطن كالعابد المتبتل الطهور وهي المسكونة بحرقة اللقاء. تقول:

 

 

 

أعتنق..فيم ومنك

 

كل البدايات

 

أدنو بذاتي..

 

إليك

 

ومنك

 

أزداد صلاة

 

قربانا

 

أفنى

 

أقطر حبا

 

الديوان ص 84.

 

 

 

وفي هذا المنحى ـ الشعر الوطني ـ نلمس ملمحا ثوريا بين ثنايا قصيدة "ثنائية الحلم والمطر" وهي تتابع بقلق وتوتر ما يجري في الوطن، وتبدي استعدادها لتقدم نفسها قربانا لعل الخصب الذي غاب وغادر يعود ذات زمن من جديد/ تقول:

 

غدق

 

أنا

 

وأنت

 

عاصفة هذا الوطن

 

الديوان ص 51.

 

 

 

ونختم إطلالتنا هذه في قضايا الديوان بالإشارة إلى الملمح الأخير والمتمثل في الشعر الذاتي، فحين تعري الشاعرة عن جوانب من انشغالاتها وهمومها الذاتية فإنها تكشف عالما من والرغبات والأحلام التي تملأ علمها المتنوع المعالم والمتعدد الملامح والرؤى.

 

فعندما تحدثنا مثلا عن تجربة العشق وهي تمضي في سبيل تراءى لها في البداية أملا ورجاء يقود إلى مضارب الضوء، ينكشف لها حجم انكسارات والفجائع التي اعترضتها فلم تتردد وهي في قمة الإحباط أن تنعت فارسها القديم بأبشع النعوت وأسوء الأوصاف، لقد افتضح أمره، إنه لم يكن يرتدي غير لباس الضياع والقهر والجرح وحب الطعام، إنه الأسد المذبوح والإنسان المكبوت.. تقول في قصيدة "الضياع":

 

ليس هذا الضائع المذاب

 

والممزق المقهور

 

والمجروح

 

والممسوك

 

والمسكون في النمو وفي الأكل

 

……..

 

ليس هذا الأسد المذبوح

 

والمكبوت

 

والمكسور كالدمعة

 

ليس هذا حلمي الكبير

 

الديوان: ص68/69.

 

 

 

وعندما ننظر إلى المعجم فإن الشاعر ة تميل إلى توظيف مفردات منتقاة بعناية فائقة، تمد الشاعرة بطاقة إيحائية تمكنها من التعبير عن تجربتها الوجدانية، تعكس ما يختلج في نفسها من أحاسيس وعواطف. ومن الألفاظ الأكثر حضورا في الديوان: (الحزن: 15 مرة. الجرح: 21مرة. الوطن: 28مرة. الدم: 25مرة..إضافة إلى كلمات أخرى مثل: الغضب ـ الدمع ـ الشهيد ـ …)وغالبا ما تأتي هذه الألفاظ مقترنة بعضها ببعض في علاقة تواشجية، وكأن الواحدة تستدعي بالضرورة الأخرى. تقول في قصيدة: "عن حرية وطن"

 

سرقوا

 

منا وطنا

 

دماء دمي

 

ترفرف في

 

سماء دمي

 

الديوان ص 53.

 

 

 

فجمعت بين الدم والوطن، كما جمعت بين الدم والوطن في العديد من القصائد، تقول قصية ثنائية الحلم والمطر:

 

الكلوم تراقص اللهب

 

ترسم جرح دمعتي

 

شظايا دمي بدمي

 

على وطني

 

الديوان ص50.

 

 

 

وإذا كانت اللغة مكون أساسي من مكونات الصورة الشعرية، فإن الصورة الشعرية عند الشاعرة موسومة بطابع العالم النفسي للشاعرة المثخنة بالأسى والحزن والمعاناة. وتعتبر الصورة الشعرية مكون أساسي من مكونات لغة الشعر، وهي أنواع منها الصورة المركبة، والكلية والجزئية، والملاحظ أن الشاعرة تميل إلى استعمال هذا النوع الأخير، وهي قائمة على المشابهة بين طرفي الصورة مثل قولها:

 

شيد في ملكك الظلمات

 

يا أبا جهل

 

الديوان ص 44

 

وقولها:

 

ليس هذا الأسد المذبوح

 

والمكبوت

 

ليس هذا حلمي الأكبر

 

الديوان ص69.

 

 

 

ومع ذالك لا يخلو الديوان من صور مركبة تتوسل بها الشاعرة للتعبير وتفجير الدلالة بشكل لتضع المتلقي في قلب الحدث والإحساس، تقول:

 

يا المصلوب

 

على جناح التاريخ..متى..؟

 

الحالم يعود لأعشاشه

 

الديوان ص41.

 

وقولها:

 

سيدتي

 

كل غيوم الدنيا تسكنني

 

كل أوراق صنوبر الخريف تلبسني

 

ترثيني مواجعي..

 

يرضعني هيامك

 

تربعينني

 

سيدتي

 

الديوان ص 77.

 

 

 

لقد تمكنت الشاعرة ونجحت في كثير من النصوص على تحقيق التناسب بين حالتها الوجدانية الانفعالية، والموضوع الذي جعلته أساس هذه التجربة، ومكنت المتلقي من التفاعل معها تجربتها مستمتعا، ومنفعلا في الآن نفسه.

 

 

 

أما فيما يخص الإيقاع ، فمن المعروف أن الإيقاع في الشعر لا يقتصر على الوزن فحسب، وإنما يتجلى في ظواهر عديدة يصعب الإحاطة بها، لأنها تحتاج إلى دراسة مستقلة، ومع ذالك لا بد من الإشارة إلى ظاهرة تتكرر كثيرا في متن القصائد، وهي ظاهرة التوازي بأنواعه المعروفة: التركيبي التام، والتوازي التركيبي الجزئي، والتوازي بالترادف ، كما يتمثل ذلك في النماذج التالية:

 

 

 

زفير الكلوم يكسرني

 

شهيق الكلوم بعثرني

 

ويحرقنا

 

ويشغلنا

 

أيا وطني

 

الديوان ص 56.

 

عراق فوق الجرح تبكي

 

عراق على الطوى تشكي

 

الديوان ص48.

 

 

 

ويتمثل ها هنا في:(زفير الكلوم/يكسرني ـ شهيق الكلوم/بعثرني ـ ويحرقنا ـ وبشغلنا)

 

كما نلاحظ التوازي الصوتي والذي يتولد عن طريق تردد عناصر الكلمتين المتعادلتين ، فتكون العناصر المكونة لها متوازية في إيقاعها ومتوالية في نسقها الترتيبي، ومتماثلة في بنيتها التركيبية مثل قولها:

 

أنا ألإنسان

 

الإنتماء

 

الوجود

 

والنماء

 

الديوان ص 3

 

 

 

وقولها:

 

تعبرني لبنان باسقة

 

باسطة

 

بسيطة

 

الديوان ص25

 

 

 

   هذا جانب من الجوانب الإيقاعية التي ظهرت بشكل واضح في نصوص الشاعرة، إضافة إلى ظواهر أخرى كالتكرار الذي كثيرا ما يتجاوز الدلالة المعجمية ليعبر عن أعماق ذات الشاعرة بكل تفاعلاتها النفسية والوجدانية، وتجلى التكرار في صور شتى كتكرار الحرف الواحد وتكرار اللفظة، وتكرار الجملة..تقول في قصيدة "أبو الجهل"

 

 

 

الموت آت

 

الفجر آت

 

أختم قولي

 

الديوان ص 44.

 

 

 

وفي قصيدة "جنين":

 

يا وطني..

 

حملت دمي بدمي

 

على دمي

 

صنت العهد بدمي

 

صنت القسم بدمي

 

زلزل يا وطني

 

قل للعالم

 

أنك الأبدي في وطني

 

يا وطني..

 

الديوان ص 6

 

 

 

إن التكرار الذي نلمسه جليا في هذا المقطع يحقق وظيفة إيقاعية، تجعل بنية النص الشعري متوافقة ومنسجمة من حيث مكوناتها الصوتية ويخلق نغما مترددا تضفي على المقطع بعدا موسيقيا يساهم في تفجير الدلالة ، وإحداث الأثر المرغوب فيه لدى المتلقي، وهم مقاسمته للتجربة الشعرية للشاعرة في كل أبعادها النفسية والوجدانية..

 

 

 

خلاصة:

 

 

 

إذا كانت الرؤية الشعرية هي ما يميز شاعر عن شاعر آخر، وإذا كانت هي القدرة الهائلة التي يجب أن يتصف بها الشاعرة باعتبارها محصلة ما يستمده الشاعر من نتاج الواقع، فإن تميزه يكمن في طبع ما يتلقاه من العالم الخارجي بطابعه الخاص، والبحث عن الوسائل التعبيرية التي تمكنه من التعبير بشكل أصيل عما يشغله، وبناء عليه، يمكن القول أن الشاعرة قاربت القضايا التي تناولتها في الديوان بمنظور يراوح بين النظرة المأسوية، والتي ترى الواقع العربي المتهرئ والمثخن بالجراح والتخلف والجهل وإن ركزت على الوضع السياسي باعتباره العلة والسبب في الآن نفسه، فالمستعمر ينهش لحم أبناء الوطن، سجنا وتقتيلا وتقطيعا، ويدوس ما تبقى من عزة عربية، وشهامة ونخوة، ونظرة تفاؤلية تستشرف المستقبل، وتقدمه في صورة زاهية عبقة حيث الإنسان العربي بعد استعادة الأرض ينعم بالأمن والحرية والسلام. وقد حددت الشاعرة بشكل صريح أعداء هذه الأمة: إسرائيل التي والتي تنعتهم بأبشع النعوت وتنم عن رفض للشاعرة لكل الممارسات الإنسانية ضد الشعب العربي الفلسطيني والتي تنم عن كراهيتهم وحقدهم على العرب بصفة عامة، وأمريكا التي تصفها بالإمبريالية والتي لم تتوانى في الهجوم على دولة عربية من أجل تحطيم إرادة العزة فيها، ولم تنس الشاعرة في خضم كل هذا أن تشيد بما تقوم به المقاومة من نضال حيث تقدم خير أبنائها وأطفالها، وأعز رجالها من أجل غذ يحبل بالنور والعطاء..

 

أما فيما يخص الاستجابات النفسية وانعكاسات هذا الوضع على الشاعرة فإننا نلمس من خلال أدواتها التعبيرية لغة وصورة وإيقاعا وتركيبا، نفسية مترعة بالهم والحزن والأسى نفسية مجروحة تفيض حبا وعشقا للأرض والإنسان، ورغم حجم الإحباط التي تستشعرهاـ وهي تتأمل هذا الواقع الصعب، فإنا نحس قبس الأمل المضيء في أعماقها، وصوت الحلم لم يخفت، إنها لازالت قادرة على أن تقاوم الهزائم، وقادرة على صنع الانتظار..

 

نستطيع أن نلمس كذالك ذاك الإحساس الذي ينشر ظلاله على نصوصها الشعرية، وإن بدا أقوى وأكثر إشعاعا في النصوص التي كتبت خارج أرض الوطن، إنه الشعور بالاغتراب والعزلة هذا الإحساس هم المنبع والمصب في الوقت نفسه، منه تغادر القصيدة، وإليه تعود، هما من يمنحاها قوة وفورة، ويجعل قارئ الديوان يتفاعل مما يشي أن النصوص كتبت بعاطفة متوهجة، وإحساس صادقة، وإيمان قوي بأن ما تراه الشاعرة من واقع متحقق قد يحل محله واقع محتمل لكنه قابل للتحقق..

 

 

 

كلمة أخيرة:

 

 

 

يعتبر ديوان الشهداء والغوغاء لإضافة جديدة للساحة الشعرية المغربية ليست فقط على مستوى الكم، بل أيضا على مستوى النوع، ومن باب تحصيل الحاصل القول بأن الشاعرة تمكنت من التعبير عن رؤيتها ومواقفها بأسلوبها الخاص، وهذا ليس بغريب على شاعرة متمرسة لها في مجال الشعر من الإصدارات والقصائد ما يسمح لها من التمكن من أدواتها وتوظيفها بامتياز

 

         ابزو في: ../05/2009

 

 

 

Share

أكتب تعليقا