المجنون / مازن دويكات

وميضٌ يغسلُ الشرفاتَ
فليهبط غبارُ مدينةِ الموتى علىالأسوارِ ِ
أنتَ من الترابِ فعدْ إليه
وخذْ وصيتكَ الأخيرةَ
من صهيلالغيم في البستانِ
من بوح الحمامةِ فوقَ سطحِ الدارِِ ِ
كيف تكونَني وأكونهاالأزهار
من ملأ الإناء بدمعه
هذي الغمامة أم أنا!

فكأنني ملءُ الحديقةفي اشتعالات الخريفْ
وكأنها في خامتي الأولى العجينة والخميرة
والأرضُ سلتناالصغيرة
كم نسينا على طرف الرصيفْ
أمضي وأحملُ تبغَ يومي والرغيفْ

قفْيا غريبَ الدار، حدقْ
زهرتي محنيةً فوقَ الأصيصْ
وتشمني بتويجهاالعالي
تقدمْ أيها الموتُ الرخيصْ
وانشرْ على الأحواض أجنحةَالرحيلْ
والآن دعني لحظةً
فوق السياج شذاً أسيلْ

))الأفقُ مباحٌ
والأرضُ مباحة
والمجنون كهيئة طيرْ
مدّ جناحه
أين يطيرُ وأينيسيرُ
والفسحةُ غير متاحة
معصوبَ الروح أتى
وافترشَ الساحة
في المخلاةرغيفان وتفاحةْ
وقصيدةُ شعرٍ
تنـزفُ في الليلِ جراحه
ارتوتْ الصحراءُفشبَّ على عجلٍ
قصبُ الواحةْ
أأنا بوحُ الناي
أم حنجرة المجنونالصدّاحة((

فكأن لي في الأرض متسعٌ
أعيننيْ كيْ أقومَ إذن وأدفنبذرتي
رعدٌ يحكُ رحيقها

تفاحةُ المجنونِ ضاحكةٌ
لقد جُنتْشوارعُنا
ومن حملَ الصراطَ المستقيمِ على الدمارِ؟!!
ومنْ يرممُ ما تبقّى،زهرةُ الحمقى
بكامل طيشها وبهائها
مطرٌ تدافعَ في عراءِ الروحْ
قلتُ إذنتوقف أيها المجنونُ، ليس لديَّ متسعٌ
أحاول أن أرمم جرة الفخّار
بئري بعد أنوصلوا تسممَّ ماؤها
سرقوا من القطراتِ زمزمها الجليلْ

لا ماءَ من شهوات " دفنا" سوف ينبجسُ
إلا بقيةَِ دمعةٍ ضنت بها دهراً
لتذرفها على الشهداءِ فيالعرسِ الأخيرْ
والنارُ فاتحةُ على القتلى
وخاتمهُ بلا شفتين تتلى
كلمااشتعلتْ بحقل الثلجِ سنبلةُ الشعيرْ

))أحبكُ " دفنّا "
و "دفنا " الغزالةُ والنايْ
"
دفنا " تحددُ لي ما أرى
فرأيتُ الذي لا يراهسواي
رأيتُ سيولاً
من الصور النازفة
في جداولِ رعشتها
ومراياصباي
رأيت دمىً خائفة
أن تعودَ لخاماتها الأولية
في نهوند القرنفلوالناي
"
دفنا " قفي وانظري
من وميض دمي
من خرير الشذى في فمي
لن ترينَسواك
ولن تلمحي في المرايا سواي((

لا عشبَ في الواديِ المقدس
لا أرىإلا الحصى في الضفة الأخرى
ومن بلعَ الخرافة ثم صدّقها
وأين النهرُ إن وجدالخريرْ
هذي الخطى للذئب أعرفُها
وأعرفُ أين ولّى
من عواء الجرحِ في بريةالجسدِ النحيلْ

ماذا سيسقطُ من علٍٍ
إني أرى الأشياءَ واقفة ً
علىقدمينِ من ورقٍٍ مجعدْ
والخريفُ مضى على عجلٍٍ
ليرجعَ عن تداعيهاالمجددْ
والشتاء آتى على خبلٍ
ستغسل منْ وهذا البيت أسودْ
منْ سوف يسقطُ،منْ
إن الطغاة فقطْ
أحلى وأجمل من سقطْ
بدل القذائف فوق غاباتالنخيلْ

))أرى ما أشاءَ لمن ذهبوا
ومن جلسوا
في ممرِ الصنوبرِتحتَ الترابْ
أرانا على أهبةِ العيشِ عشقاً
ونصعدُ من حجرٍِ فيالسفوحْ
نعُدُّ خيولُ المدينةِ قبل الذهابْ
وبعد الإيابْ
وماذا تبقّى منالروحِ
ماذا تبقّى
رؤوس تدلتْ عن السرجْ
والعمرُ زهرةُ ثلجْ
بحقلِجروحْ
سترجعُ كل الجيادْ
إلى مستقرِ الصهيلْ
ورفُّ الحمامْ
إلى مستهلالهديلْ
أرى نقطةَ الضوءِ
عاليةً في البعيدْ
سأربطها ثم أجذبها
بخيوطالنشيدْ
أراها تحاولُ
والمستقر الوحيد
ترابُ البلادْ
ترابُالبلادْ
ترابُ البلادْ((

من يحمل التابوتَ. هل يصلون روما
من بلادالزيت والزيتون، أين يتممون صلاتهمْ
والشمس في الوادي المقدسْ
لم تصلْ قوسَالمغيبْ
فخذوا الصلاةَ
خذوا عواءَ ضلوعكمْ
وخذوا فحيحَ خشوعكمْ
ولربّمايصل القتيلْ

أنتم بدأتم وانتهتْ فينا هزائمكمْ
فعودوا إن أردتمْ
مرةأخرى إلى حرب الصليبْ
من ها هنا سترون دمع الأمهاتَ
وأسرَّة الزوجات، وردَالعاشقات
وسترسلون مع الجنازة
دمعةً أخرى على الأحياء
إن وصلوا المدينةفوقَ قنطرة الهديلْ

سترون أولنا نهاراً مقبلاً
وترون آخركم ركاماًمهملاً
عودوا إذا شئتم لمغفرة الكهانة ِ
بعد أن تعلو ملامحكم جداراًساقطاً
والأرض تخرجُ من قداستها
وتهبط تحت أرجلكم بلا أبنائها
وسيصعدونعلى سلالم موتكُم
والميت يصعدُ هابطاً
والأرض تخرجُ من قميصِ فصولها
هذاالربيع بلا أبٍْ
لا أم سوف تهشُ سندسه المريضَ
عن الحقولِِ
ومن يعيدُبهاءها العربي في الزمن البخيلْ

(رأيتُ يداً
تنحتُ الحزن حتىاكتملْ
ما الذي يتساقط غير الغبار
عن الجسد المتهالكْ
أرى وطناً في الهزيعمضاءً
لمن وصلوا، كيف لي أن أصلْ
وهذا الغبار يسدُ المسالكْ
لنا الحق فيشمس هذا النهارْ
لنا أن نعلق غيمتنا
في ممر الندى
كي تفيضَ رذاذاً بكلمدى
ولها الحق أن تستدل علينا
زهور البراري
ورف الحجلْ)

منيقرعُ الجرسَ المعلقَ في الأعالي
في هديل حمامةٍٍ
وعلى جناحِ غمامةٍٍ
منأيُها المجنونُ ينحتُ رؤية فوقَ المكان
يعيدُ ترتيب الفصولْ
وينسقُ الفوضىبمصطبةِ الحقولْ
فاصدحْ بما ملكته فيك يدُ البصيرة
إني أرى ما لم يُرى
هذامكاني لمْ أجدْ إلاّ هنا حجراً
تحكَ به جناحيها فراشاتي الصغيرةُ
هذا مكانكوالوقوف به صلاةْ
فارفع صلاتك كل ثانيةْ
وفي كل اتجاهٍ
إني أرى ما لم يُرىفوق البسيطةْ
ورأيت ثعلب وابن آوى تحت داليةٍ
يعدّون الخريطةْ
ضاقتْ علىجسدي النحيلْ

)إلى أين تحملني
يا جناحي المهيضْ
سكنتُ الجهاتجميعاً
فلم تحتملني ولم أحتملها
أنا الضدُ وهي النقيضْ
سأشعلُ قنديلُروحيْ
إلى أن تذوب الذبالةُ بين أصابعكم
فأعلنوا أيها الأصدقاءانطفائيْ
وقولي بأني مريضْ
مضاءٌ أنا بجنونيْ
ولي أن أنام علىجمرةٍ
كيْ تَمدَّ دمي بالوميضْ(

ورأيتَ "دفنا " في حديقةِجسمها
كانتْ تحاول جُهدها
دفع الأنوثةِ عن طريق لصوصِها
ورأيت حلمتهاتُنَقِطُّ
من ثقوب قميصها
لا شيء أَحمله لألتقط الرذاذْ
"
جيوب بنطاليممزقة
وداعاً للجمال"
فلم أصلْ أرض الجزيرة
والقادمون من الشمال
دخلواشراشفَ مهدها
سرقوا من النهدينِ رضّعتيّ الأخيرة.

 

 

Share

أكتب تعليقا