تشومسكي والديمقراطية الإسرائيلية / رشيد شاهين

عندما حاول البروفيسور ناعوم تشومسكي الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، قررت وزارة الداخلية الإسرائيلية منعه من العبور بحجة انه "ينتمي إلى جهات يسارية متطرفة" بحسب الصحف الإسرائيلية، التي أشارت إلى ان المنع جاء من مسؤولة المعابر الحدودية الإسرائيلية، وأضافت وزارة الداخلية الى ذلك بحسب ذات المصادر، ان تشومسكي "يقوم بانتقاد السياسات الإسرائيلية باستمرار".

من المعروف ان البروفيسور تشومسكي عالم في اللغويات وأستاذ جامعي، ويعتبره البعض بأنه صاحب أهم النظريات اللغوية في القرن العشرين، وينظر إليه البعض الآخر على انه من بين أهم فلاسفة اللغة في القرن الماضي. بالإضافة الى ذلك فان البروفيسور تشومسكي معروف على نطاق واسع كناشط سياسي ومن اشد منتقدي السياسة الأمريكية، وكان من أهم معارضي الحرب الفيتنامية في ستينيات القرن الماضي، كما انه لم يتردد برغم يهوديته عن انتقاد السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعيا في أكثر من مناسبة الى إنهاء الاحتلال ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير في إقامة دولتهم على أراضيهم.

لم يكن منع البروفيسور تشومسكي هو الأول من نوعه الذي تمارسه دولة الاحتلال ضد منتقدي سياساتها، أو الداعين الى إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، حتى لو كان هؤلاء يهودا "أبا عن جد"، فهي مارست ذلك على مدار العقود الماضية، وهي لن تتردد في تكرار ذلك في المستقبل. وهي تمارسه بكل عنجهية وبدون أي شعور بالخجل، لأنها تعلم ان أحدا لن يتجرأ على انتقادها، حيث ان أي انتقاد لسياساتها يعني بان من يمارسه ليس سوى معاد للسامية، وتجب محاكمته، وهي قد نجحت على أي حال من خلال "لوبياتها" المنتشره في الدول الغربية بشكل خاص، بفرض العديد من القوانين التي تحرم انتقاد إسرائيل او اليهود وكل ما يتعلق بالمحرقة، وقد دفع العديد من الكتاب والنقاد والفلاسفة ثمنا باهظا لمجرد نقاشهم هذه المواضيع أو إثارتها بأي شكل من الأشكال.

الديمقراطية التي تدعيها إسرائيل هي ليست في الحقيقة سوى خدعة مارستها منذ نشأتها على حساب دماء وعذابات الشعب الفلسطيني، وهي ديمقراطية انتقائية لا تمت الى الديمقراطية الحقيقية بصلة، وان نظرة واحدة الى ما يحدث في دولة الاحتلال من تمييز بين اليهود من أصول غربية وأولئك المتحدرين من أصول شرقية، او ما يحدث من تمييز صارخ ضد يهود الفلاشا او العرب الفلسطينيين، تكفي لمعرفة أي ديمقراطية تسود ضمن هذه الدولة.

أن يشبه تشومسكي ممارسات دولة الاحتلال بالأنظمة الستالينية، وان يقول بأنه وجد في قرار منعه دليلا على عقلية إسرائيل المدمرة، فهو إنما يقول الحقيقة التي تحاول الدول الغربية ان تغض الطرف عنها، وهذا ما يجعل دولة الاحتلال تتمادى في غيها، وتمارس أبشع أنواع القمع والقتل والاضطهاد والملاحقة والاعتقال، والتهويد للقدس وتفريغها من أهلها العرب الفلسطينيين، وسرقة الأراضي وإقامة المزيد من الجدر في الأراضي الفلسطينية.

تشومسكي ليس الأول وهو لن يكون الأخير الذي تمنعه إسرائيل من دخول أراضيها، فهي مارست ما هو أسوأ من ذلك ضد غيره من المثقفين والأكاديميين، وقد يكون ألان بابيه وإسرائيل شاحاك مثالين "صغيرين" على الديمقراطية الإسرائيلية، كما ان ملاحقة نشطاء السلام الذين يأتون للتضامن مع الشعب الفلسطيني واعتقالهم وإبعادهم دليل آخر على الديمقراطية الكاذبة، وقد يكون مقتل راشيل كوري وسحقها تحت جرافات الاحتلال دليل أيضا على تلك الديمقراطية.

إسرائيل بمنعها لتشومسكي من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنما تثبت من جديد مدى زيف ديمقراطيتها، لكن السؤال هو، ماذا يمكن ان تصنع إسرائيل حتى تنتهي النظرة الغربية إليها على انها الديمقراطية الوحيدة وانها هي من يمثل القيم الغربية في هذه المنطقة من العالم؟

19-5-2010


 

Share

أكتب تعليقا