حبل غسيل النسوان د. فايز أبو شمالة

 

إذا أردت أن تعرف المرأة فانظر إلى حبل غسيلها، وراقب كيف تنشر الملابس،

ستجد أن المرأة المنظمة النظيفة المرتبة تنشر ملابس بيتها على طريقة عمل السكرتيرة في المكتب، فتنشر القميص على حبل الغسيل إلى جوار القميص بشكل منتظم، وتنشر البنطلون إلى جوار البنطلون وكأن قطع الملابس صف عسكر، وتنشر الجلباب إلى جوار الجلباب وكأن قطع الملابس تنتظم في الصف للصلاة، وتجد الملابس الداخلية مرتبة وكأن منظر الشرط إلى جوار الشرط فريق كرة قدم ينتظر صفارة الحكم، وترى الجوارب متلاصقة كأنها كطائر البطريق على شواطئ المحيط!.

إن النظر إلى حبل غسيل المرأة يعطيك فكرة كاملة عن سلوكها، وتصرفها، وردة فعلها، ونظام حياتها، وعقليتها، ومزاجها، ونفسها إن كانت مشوشة أو رائقة، وإن أردت أن تعرف المرأة أكثر فانظر إلى مكانين خاصين جداً؛ الأول: دولاب الملابس، فإن فتحت الدولاب على حين غرة، ووجدت كل شيء في محله، فأنت أمام امرأة نادرة، رائعة، مظهرها يعكس جوهرها، وإن وجدت محتويات الدولاب مختلطة كأنك في سوق الأربعاء في خان يونس، فاعرف أنك أمام امرأة لا تحمل من صفات النسوة إلا الشكل الخارجي، ثوبها يلمع ولكنه يخفي رائحة الثوم، أما الثاني فهو: المطبخ، ولاسيما حوض الجلي، فإن كان نظيفاً، فارغاً، يخلو من الأطباق الصدئة، فمعنى ذلك أن صاحبة البيت لا تراكم العمل، وغير متكلة على غيرها، وتثق بنفسها.

ما ينطبق على المرأة يمكن تعميمه على الرجل، فالسجين على سبيل المثال؛ ينشر سرواله الداخلي بعد غسله على حبل صغير يصل بين زوايا السرير الذي ينام عليه، ويحرص السجين على تغطية سرواله بورقة جرائد احتراماً للآخرين، ومع ذلك تظل بعض أطراف السروال ظاهرة للعيان، ومن خلالها يمكن معرفة مزاج، ونفسية، وعقلية، وسلوك الرجال؛ فهذا السجين ينشر سرواله بشكل دقيق، ومنظم، وسجين أخر ينشر سرواله دون عصر، يقطر منه الماء، وثالث سرواله منشور دون تنظيف جيد، ورابع ألقى سرواله على الحبل بلا عناية، وكأنه كرة من الشرائط، كل ذلك يقدم صورة دقيقة عن مكنون النفس البشرية.

بين حبل الغسيل والتنظيمات الفلسطينية مقاربة كبيرة، ولاسيما أن ما ينشر على حبل غسيل الإعلام من أخبار التنظيمات، يعكس حالة التنظيم، ويشي عن صحته، وخفايا نفس قادته، وما يدور في السر من تخطيط، وتنظيم، والقصد هنا ليس ما يتعمد التنظيم أن ينشره من أخبار، ونشرات، وبيانات يغلب عليها التكلف، وإنما ما ينشر عن أخبار التنظيم بشكل عفوي، وما يتناثر على لسان قادته من هنا وهناك، وما يذاع من أخبار بشكل عفوي.

قيل لي: إن أحد عملاء إسرائيل قد كلفته المخابرات الإسرائيلية بمراقبة أحد البيوت، وأن يقدم تقريراً يومياً عن حبل الغسيل، عمل يبدو لا علاقة له بالسياسة والعمل العسكري، فكان في كل يوم يقول للمخابرات الإسرائيلية: على حبل الغسيل ملابس امرأة، أو: على حبل الغسيل ملابس أطفال، وهكذا عدة أسابيع. إلى أن جاء يوم وقال: على حبل الغسيل ملابس رجل. عندئذٍ قصفت الطائرات الإسرائيلية البيت المراقب.

 

Share

أكتب تعليقا