خطاب إلى مجيدة بنكيران / عبد الهادي روضي

 

 

المراهنة على الذاتية هي جسر المبدع إلى الموت

           خطاب إلى مجيدة بنكيران

 هـــــــــوامش على هامش حلقة برنامج * عتاب * التلفزية 

تحية وارفة وبعد: 

    الرحيل إلى الذات غاية كل مبدع حقيقي، وعندما يقترن الرحيل بالإنصات الجواني حتما تتاح للمبدع فرص أكثر للقبض عن تناقضات نفسه الأمارة بالتواطؤ، وأحلامه وأشيائه المتوارية عن حواسه.

    مدعاة هذا الخطاب تعود في جوهرها إلى أمرين إثنين لا ثالث لهما: أولهما اهتمامي (بتجربتيك الفنية والأدبية). وثانيهما رغبتي في إيصال هذه الهوامش تعقيبا على ما تضمنته ردودك في حلقة برنامج * عتاب* الذي تقدمه السيدة فاطمة الإفريقي بحنكة ومهنية لا يجادل إثنان في تميزها.

 

    الصديقة مجيدة:

 

    أنصتت، كما هي عادتي، إلى جل لحظات البرنامج، منطلقا من قناعتين تتجسدن القناعة الأولى في الإنصات لأفكار وقضايا مبدعينا على تعددها، بينما القناعة الثانية فتتمثل في دعم مسار برنامج عتاب، باعتباره علامة فارقة إلى جانب مشارف في مشهدنا الإعلامي العربي والمغربي على السواء، وتأتى لي طبعا أن أسجل جملة هوامش على تدخلاتك خلال الحلقة.

    1- لمست طغيان النزعة الذاتية لديك بشكل مبالغ فيه، وعدم تبنيك لنسق معين في تدقيق الإجابة، وجسدن ذلك عدم استساغتك عتاب جملة من الوجوه كعبد الحق الزروالي، عزيز بودربالة وآخرين، وقد طغى على ملامحك التأفف، والامتعاض، وكأنك حينما تكتفين بمداعبة خصلات شعرك بتباه أمام كاميرا البرنامج تحققين القول المأثور * أنا وحدي وبعدي الطوفان*.

 

    2- أكاد أجزم باعتباري واحدا من متابعي الجغرافية الفنية والإبداعية أن تلك العتابات كانت في الصميم، وإن اكتست سمتي * المداهنة* و* الليونة* ، لأن الواجب الملقى على المشاهد أو المتابع – وهذا هو المفروض من معاتبي ضيف الحلقة – هو النقد البناء والصريح، النقد الذي يصدم ويتجاوز ترهات الصداقة، و*جاملني نجاملك*.

 

   3- ردَّدتِ غير ما مرة عبارة * مكرَّسة* [بتشديد وفتح الراء]، وهو اسم مفعول من فعل(كرَّس) الرباعي المضعف، والمعنى الذي يؤديه اسم المفعول – وهو للتذكير من توابع المفعول به من حيث الحكم الإعرابي والدلالة مع الاختلاف في الاشتقاق- أن صفة التكريس التي تحظين بها لم تولد من رحم التجربة الفنية والإبداعية الذاتية، بل استمدت ذلك من اعتبارات خارجية ضيقة (صفة الحسن التي حباك الله بها)، والأصوب أن تقولي(مكرَّسة) [بتشديد وكسر الراء] لتتحول الدلالة من اسم المفعول إلى اسم الفاعل، في غنى عن *مداهنات* و*إخوانيات* كثير ممن مدحوك ويمدحونك أينما حللت وارتحلت حول ما تقديمنه من إنتاجات متواضعة وخجولة في التلفزيون والأدب.

 

4- هي وضعية ليست جديدة في مشهدنا الثقافي والفني، وإنما عميقة ومتأصلة في تربته، بدليل أن بعض المحظوظات من الأصوات النسائية الإبداعية غالبا ما منحن وابلا من الاحتفاء الرمزي والمادي بيافطات عدة( حفلات توقيع إصدارات باهتة، تنشيط وتنظيم ملتقيات ولقاءات وازنة، ودعوات المشاركة في برامج إذاعية وتلفزية، سفريات لتمثيل المغرب الثقافي والإبداعي خارج المغرب…وغير ذلك )، يحدث كل هذا وتجارب فنية وإبداعية حقيقية تموت من قسوة التهميش، والهامش.

 

5- شذني في سياق تعليقك على إحدى ردود منتقدي *تجربتك الشعرية* قولك إنك تتمتعين بوضع اعتباري كعضوة داخل اتحاد كتاب المغرب، وأتساءل هنا: متى كان الانتماء إلى هذه المؤسسة الثقافية دليلا على فرادة وتميز تجربة الحاصل(ة) على بطاقتها، فكم مخجل ومخز أن يتم التشدق بهذه الحجة في تبرير حضور إبداعي وفني ضعيف وهش، ثم كيف تفسرين عدم حصول العديد ممن تقدموا بطلبات الحصول على بطاقة الاتحاد رغم استيفائهم لكل الشروط ؟ أليس في القضية *إن وحروف الجر*.

   وأتساءل سؤالا آخر: متى كان الحصول على بطائق حضور المهرجانات باختلاف مضامينها وحساسياتها وأمكنتها، وتنظيم الملتقيات مقياسا لتكريس اسم إبداعي وفني، في ظل الحيثيات التي تشوب دعوات الحضور والتنظيم والمشاركة.

 

6- في اعتقادي أن دعوتك لإحدى حلقات برنامج *عتاب* كانت فرصة لك للمصالحة مع الذات، ذات مجيدة طبعا، وتقديم صورة تعاكس شكلا ومضمونا ما هو سائد ومهيمن عن *تجربتيك*، لكن منعطفات ومسالك الحلقة جسدنت لديَّ- وربما غالبة المشاهدين- قناعة مفادها أنك لست مستعدة للتنازل عن الإفراط والمغالاة في الذاتية، علما أن المراهنة على الذاتية هي جسر المبدع إلى الموت.

 

 

Share

أكتب تعليقا