قصص قصيرة جدا / جمال الدين الخضيري

 

 ماخط الماء 

1- 

أحمق يمْخط الماء

زريّ قميء مأسور بالحكّ والمعْك

ألمحه من شرفتي يمرق كشهاب راجم نحو النافورة الآسن ماؤها.

يطيح وينداح فيها بردا وهجيرا. تساءلتُ:

 – أي هوج رياح طوّحت بالمسكين؟!

 يصيح غبّ كل غوص فيها بصوت ممطوط:

- وأخيرا وجدتُه.. وجدته

وعندما تشبثتُ بتلابيبه، برجاء استفسره عن فعله هذا، أجاب:

- كلما وجدتُ شخصا يفهمني، لا تسعني نفسي فأقفز في هذه النافورة.

 

2-

 

تبعتُه ذات يوم، مددتُ له سيجارة وقلتُ:

- أريد أن أفهمك..

عبّ نفسا عميقا منها فخيّمتْ غيومها على الخليقة كلها، ووضع سبابته على أنفه وقال:

- صه، أنابيب الفهم شآبيب الغم.

 

3-

 

خلتُه أخرس من كثرة ما أخاطبه ولا يعيرني سمعا، أتعقبه ويتجاهلني، وفي الزحمة التي تسربلتُ فيها سمعت أنفاسا حرّى تهتفُ في أذني:

- إذا ما سحّ العقل شحّ الكلام.

 

الفصيح

 

بتيه وبعُجب شديد بنفسه يتمترس وراء لكْنة لغة أجنبية يتلمّظها. حاورناه بلغتنا المحلية فازداد غيّا وعيّا. ولم تنهمر أرداف لغتنا بسخاء وفصاحة على شفتيه إلا حينما جرى كلب شرس صوبه هارشا ثوبه.

 

 

نعيق

 

لما أوشك على اندحاره السياسي وأصبح قاب قوسين أو أدنى من التردّي، وفي أوج الجعجعة الانتخابية، انجحر في سيارته التي ينهض فوق سطحها أكثر من مكبر صوت ونعق في الناس:

- يا أولاد…، متيقنٌ أنا أن أصواتكم نصال في نحري، لكن ثقوا أن أصوات نسائكم في صفي، فلا واحدة منهن تبقى عاقلة أمام وسامتي.

 

 

المدينة الباردة

 

في مدينته البئيسة سُحبٌ واطئة تتربع على قبب الجلاليب والهامات. ندفٌ ثلجية لم تنقطع منذ أيام، كأن المكان اقتُطع من إحدى قرى النرويج أو… أحسّ ببرودة تدب في جميع أوصاله. همّ أن يدخل أول مقهى صادفه. تحسّس جيوبه. سرعان ما تصاعد بخار كثيف من فمه وهو يقول:

- تبّا، الجوّ غربي والجيب مغربي..

 

وعدٌ صادق

 

باسقةً تسمق الشمس. في شماريخها، تقصف البحر بأشعتها الاتهامية المتحرشة. تضطرب أنفاسه مدا وجزرا، ثم ما يفتأ يغويها غواية النار للفراشة، لتستسلم متدحرجة من علاها فتذوب فيه متوهجة متوارية.

استحضر هذا المشهد وهو  يتأملها حاسرة متهالكة جنبه على السرير كأنها فقمة لفظها البحر. للتو تحوّل بحرا هادرا مستقطبا، وتحولت هي شمسا مشرقة مسافرة . كلاهما يحذق دوره، كلاهما يصدق وعده.

 

Share

أكتب تعليقا