ما كان محمدٌ سنيًا ولا شيعيًا / محمود صالح عودة

 

تصاعدت النبرة الطائفية بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، وخاصة بعد احتلال العراق، وعلت أصوات دعاة التكفير والتحجّر المذهبي – الجاهلين منهم والمدعومين خارجيًا – واشتعلت نيران الفتنة بأيدي مرتزقة وجهلة، فلطالما استخدم أعداء الأمة الإسلامية والعربية الاختلاف المذهبي لبث الفتنة. 

قام رئيس "هيئة خدام المهدي" الكويتي الأصل ياسر الحبيب بسب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وشتمها بفظاعة، تم ذلك خلال اجتماع عقده في العاصمة البريطانية في ذكرى وفاتها رضي الله عنها، مما أدى لاحقًا إلى سحب جنسيته من قبل الدولة الكويتية. هذه ليست المرة الأولى التي يقوم بها المذكور بإثارة الفتن، فلقد سب سابقًا أصحاب رسول الله أبا بكر وعمر، مما أدى إلى هروبه من الكويت بعد الحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات، التي أدى منها 3 أشهر فقط. فور إصدار خبر شتم ياسر الحبيب المنتسب للمذهب "الشيعي"، سارع كثير من المسلمين – شيعة وسنّة – لاستنكاره، وعلى رأسهم المرشد الأعلى في إيران الإمام علي خامنئي، جاء ذلك ردًا على استفتاء وجهه له جمع من علماء ومثقفي محافظة الاحساء في السعودية.

 

إن أصل الخلاف بين المسلمين لم يكن دينيًا، بل كان سياسيًا بامتياز، وأخذ الطابع الديني لاحقًا، وإن المشكلة التي يقع فيها كثير من المسلمين اليوم هي إعلاء المذهب على الدين، وهو أمر مرفوض ومذموم دينيًا، ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى التشيّع – والقصد هنا التفرّق – بأنه جزء من عذابه: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} (الأنعام: 65)، وجدير بنا أن نتدبّر هذا الآية ونفقهها نظرًا لمعانيها العميقة التي تنطبق اليوم على أمّتنا.

 

لم تقتصر المشكلة بتقديم المذهب على الدين فحسب، إنما بتقديس الإرث التاريخي دون نقد أو مراجعة – حتى لو خالف صريح القرآن – وقد لخّص العلامة الراحل محمد حسين فضل الله أحد أسباب الخلاف المذهبي قائلاً: "إن كلاً من الشيعة والسّنة ليسوا قادرين أو لا يرغبون بممارسة نقد تاريخي لما ورد لديهم"، ويضيف: "المشكلة هي أن السّنة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه وأن الشيعة لا يريدون أن يتنازلوا عن أي شيء مما ورثوه بقطع النظر عما إذا كان ما ورثوه يخضع للبرهان أو للدليل أو لا يخضع لأن القضية في بعض أوضاعها: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف: 23)"، والنقد هنا موجه لكل الطوائف الإسلامية تحت ظل السّنة والشيعة ولم يقتصر على المذهبين الكبيرين فقط.

 

إن مراجعة هذا الإرث ونقده بشكل صحيح أمر واجب وضروري، ودليل على ذلك هو استشهاد الشخص الذي شتم أم المؤمنين بحديث رواه البخاري ومسلم (اللفظ للبخاري)، وهو كالتالي: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سحر رسول الله (ص) رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله (ص) يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله.." إلى آخر الحديث. وإن ما جاء في هذه الرواية يخالف صريح القرآن بأن النبي (ص) معصوم، مع العلم بأن الشيخين يُعتبران أصحّ رواة الحديث وأصدقهم.

 

ثم إن المسلم ليس مأمورًا باتباع مذهب أو آخر، إنما يتبع ما يوافق القرآن – المحفوظ من الله – ولا يخالفه، عملاً بالآية: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ} (الزمر: 18). وبإمكاننا جعل الاختلاف رحمة لا نقمة، لأن اختلاف الأئمة والمذاهب كما قال الإمام يوسف القرضاوي "هو من أسباب سعة ومرونة الفقه الإسلامي، فقد يجد الفقيه المتمذهب بمذهب مذهبه مضيقًا في ناحية، ويجد مذهبًا آخر موسعًا، فلذلك قد يصلح مذهب في وقت من الأوقات، ولا يصلح في وقت آخر، وقد يصلح لبيئة ولا يصلح لبيئة أخرى، وقد يصلح لفرد ولا يصلح لآخر".

 

المسلمون اليوم ليسوا بحاجة إلى ما يقربهم من إخوانهم في الدين فحسب، إنما عليهم إيجاد نقاط التقارب مع أوسع شريحة ممكنة من الناس في مواجهة الظلم والاستبداد. وإن أي مسمىً غير "الإسلام" لا يصب في وحدة الأمة وتعاضدها، ويُنسي الناس الآية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33) وأن الدين واحد، والمرجع المعصوم الأوحد هو كتاب الله، الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْـزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 42).

Share

أكتب تعليقا