توبةُ مُزَوِّرٍ في الأيامِ الفاضلة / أحمد بلال

 

راجعتُ نفسي في هذه الأيام المباركة ، من شهر الله الحرام ذي الحجة ، و سمعتُ أنّ فيها مضاعفةَ الثواب للعمل الصالح ، و فيها نفحات الحج ، حيث أرسلَتْ كلُّ أسرةٍ أو كلُّ بيتٍ تقريباً مندوبا لهم وافداً إلي الرحاب المقدسة .. ، راجعتُ نفسي ..  ماذا كسبتُ و ماذا خسرت .. ، ماذا كسبتُ حين شاركتُ في هذه الجريمة : شهادة الزور ، التي قُرِنت في القرآن الكريم بعبادة الأوثان ، و قُرِنت في السنة النبوية بالشرك و عقوق الوالدين باعتبارها من أكبر الكبائر ، إنني لم أرتكب فقط إثم شهادة الزور بمفردي ، بل إنني زوَّرتُ شهادة آلافٍ من الناخبين !! ، إنني الآن مشاركٌ في  ما وصل إليه حال الناس من إحباطٍ  و يأس ، تغلَّبَ عندهم هاجسُ التزوير علي آمال التغيير ، فهم علي  شبه يقينٍ من تزوير انتخابات مجلس الشعب القادمة قياسا علي سوابقَ كثيرة  ، و تعديلات دستورية مشوهة .

ماذا كسبتُ  و ماذا خسرت ؟ .. ،  لقد كسبتُ رضا مسئولي و خسرت رضا ربي  !! ، ربما  كسبتُ  ترقيةً ،   و ربما زيادةً ، و ربما بعثةً ،  و ربما  و يا للأسف رحلة عمرة مجانية ! .. ذكَّرتني بمن يحج من مالٍ حرام ،  و خسرتُ راحة البال و طمأنينة القلب و بركةَ المال الحلال ، كسبتُ ضمان جهتي " العليا"  لي بمزيدٍ  من المكاسب ، و خسرت الاطمئنان لحماية الله لي في مستقبل أيامي ، خاصةً  بعد أن تزولَ عنّي شارةُ هذه الجهات العليا ،  كسبتُ احتراماً مصطنعاً  و افتخاراً كاذباً  من بعض زملائنا في هذه الجريمة ، و خسرنا حبَّ الناس الطيبين و احترامهم ، كسبتُ خبرةً كبيرةً في فنون التزوير بمراحله المختلفة  ،  من تعقب الممنوع نجاحهم بتقطيع اللافتات   ، و فض المسيرات   ،   و الشوشرة علي الجولات   ، و القبض علي بعض أنصارهم و التلفيق السريع لبعض الاتهامات   ،   و الإيعاز بالتنكيل بهم لبعض الأقسام و النيابات    ، و إحاطة اللجان بالحشود و العضلات   ،   و منع الداخلين من غير حاملي كلمة السر المتفق عليها  ،   و  سرعة تسويد البطاقات بعد إخراج المندوبين و المندوبات ، و من قبل هذا تحضير الصناديق الخلفية للاحتياط ، و من بعد هذا إعلان نتيجة مغايرة لكل ما تم من إجراءات ، مع تحييد المناصب الشرفية من بعض القضاة  و رؤساء اللجان في كل الجهات  .. و لكن  خسرتُ خبراتٍ مفروضةً أو مفترضةً  في تسخير ما مكننا الله فيه لإسعاد الناس و قضاء حوائجهم و إشعارهم بالأمن و العدل !! . 

كسبنا نجاح من زوَّرنا لهم ، فمرَّروا القرارات التي هي غالبا عكس ما يريده الناس ،   و خسرنا منافع كثيرة تعود علي الناس جميعا إذا اتُّخِذَ  قرارٌ صالحٌ يخدم وطننا الغالي و لا يخدم أعداءنا المتربصين بنا .. . عذراً  يا والدي رحمك الله ،  عذراً  يا أمّي ..  كم بذلتما و تعبتما لتَريَا ابنكما عند حسن ظنكما في الوفاء بالجميل لهذا الشعب الطيب  .

  و لكنني ربما كنتُ معذوراً بعض الشيء ، حيث أنّ أمرَ هذه الجريمة مرَّ بندريجٍ  بطيء  ، حتي لا يشعر المزوِّرُ أنه يفعل شيئا مؤثَّما ، فهناك ثلاث مراحل يمر بها المأمور بالتزوير ، حتي ينسي أنه مجرمٌ مزور :  التبرير ، ثم الاستسهال و تخدير الضمير ،  ثم الاستحسان و الاستمراء ، أما التبرير فقد أقنعوني أنني لا أزَوِّر .. !!  و إنما أطيع أوامر عليا بأن ينجحَ مرشّح الحزب ، فهذه طاعةٌ للأمر و ليست تزويرا ، كما أنني أدافع عن الوطن ..  ضد القلة المعارضة من أعداء الوطن .. التي لا تريد مصلحة الوطن !!! ،   و أما الاستسهال فقد صارت أعمال التزوير مشروعا قومياً و روتينا محفوظا  و  واجباتٍ تعوَّدنا عليها في كل انتخابات ، نقوم بها بلا تأنيبٍ للضمير، فهي أمر واقع  تُسَخَّرُ لنا فيها جميع الإمكانيات ،

و أما الاستمراء و الاستحسان ، فقد صرنا نفعل هذا بمزيدٍ من الفخر أمام الأماكن الأخري أنه لم ينجح عندنا معارضٌ ،  و أنه في سبيل ذلك فعلنا كذا و كذا .. ، فننال بذلك الشرف الكاذب و المكافآت .

إنني أيقنت أن جريمة التزوير هي أم المفاسد كلها لأنها توصل إلي مراكز القرار من يعاند إرادة الناس ، و يشرع لعكس ما يريدون غالبا ، و قد صار شبح التزوير يخيم علي توقعات كثير من الكتاب الذين يتحدثون الآن عن نية النظام في تقليص مقاعد الإخوان ، و إعطاء مقاعد محسوبة للوفد و بعض الأحزاب و الاحتفاظ بأغلبية كاسحة للحزب الوطني .!! ، و كأن النتائج معدةٌ سلفا ، دون أي اعتبار لدور الناخبين في هذه الانتخابات .

إنني أعلن توبتي في هذه الأيام الفاضلة ، و بإذن الله لن أشارك بعد اليوم في أعمال التزوير ، بل و أقول لكل المشتركين في إدارة الانتخابات كبيراً كان أو صغيرا ، آمراً كان أو مأمورا  : تذكر أنك تقوم بأعظم مفسدةٍ  بشعاراتٍ وطنيةٍ مزيفة ،  فلا تخسر دينك من أجل دنيا غيرك ،  و لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ، و أعمال التزوير من أكبر الظلم الذي له سوء العاقبة في الدنيا و الآخرة .

 

أحمـــد بلال   نوفمبر 2010 ذو الحجة 1431

 

Share

أكتب تعليقا