صفحات مشرقة من المغرب المناضل ألأممي إبراهام السرفاتي / د/إبراهيم أبراش

  

كثير من الشخصيات السياسية والاعتبارية تثير خلال حياتها وبعد مماتها الجدل والنقاش ،بعضها لا يثار حولها الجدل كثيرا خلال حياتها حيث الانشغال بالقضايا العامة وبالأحداث الكبرى التي يكونوا جزءا منها يغطي على دورهم وخصوصا عندما لا يكونوا من الصف الأول ،ولكن يصبح من الواجب علينا تكريمهم واستحضار سيرتهم بعد وفاتها.تأتي وفاة هؤلاء مناسبة لاستحضار تاريخهم بل واستحضار حقبة بكاملها بات المواطن العربي يستعيد كل تفاصيلها بالرغم من كل ما اكتنفها من آلام ومآسي.هل هو الحنين للماضي ولذكريات طفولة وشباب ؟أم حنين لمرحلة كانت واعدة من حيث الآمال والطموحات حتى وإن لم تتحقق؟أم حنين لمرحلة كان فيها الرجال رجالا و القادة قادة وكان اليسار يسارا واليمين يمينا وكان المواطن مستعدا للموت دفاعا عن ما يؤمن به دون أن ينتظر راتبا أو تمويلا خارجيا ؟ كان ذاك زمانا غير هذا الزمان حيث تتداخل الأمور اليوم ويختلط الحابل بالنابل في فضاء سياسي بدون ملامح ولا تخوم وحيث تبهت الخطوط الفاصلة بين الأيديولوجيات والمعتقدات وتتحول القيم والمبادئ السامية لشعارات معروضة للبيع في سوق النخاسة السياسية العربية والدولية.

 

فقد تناقلت وكالات الأنباء يوم أمس 18 نوفمبر خبر رحيل المناضل المغربي أبراهام السرفاتي وربما قلة من العرب من خارج المغرب يعرفون من هو أبراهام السرفاتي .السرفاتي مغربي من أسرة يهودية وينتمي لليسار المغربي وناضل في صفوف المعارضة منذ الستينيات ضد نظام الملك الحسن الثاني و من اجل الحرية وما يؤمن به من قيم وأفكار اشتراكية ،آنذاك كان كل نضال من اجل الحرية  نضال من اجل فلسطين ،كانت فلسطين القاسم المشترك بين كل القوى والأحزاب السياسية المغربية و كان المغاربة يعتبرون فلسطين قضية وطنية وليس قضية خارجية يتعاطفون معها عن بعد .كون السرفاتي يهودي الديانة حيث ينتمي لعائلة يهودية أندلسية هاجرت للمغرب من الأندلس في القران الخامس عشر وسكنت مدينة طنجة المغربية ،إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يناصر القضايا العادلة للشعوب المظلومة وان يناضل من اجل الديمقراطية والمساواة والتعايش بين الديانات حيث يقول بشأن معارضته للصهيونية ومساندته للشعب الفلسطينيفي مقابلة مع  فرانس برس أجرتها معه سنة 2005: "لن أزور فلسطين إلا عند قيام الدّولة (الفلسطينية)، وبعدها سأزور أصدقائي اليهود في إسرائيل". ويقول حول إيمانه بالتعايش بين الديانات : "قد كان عمري عشر سنوات في عام 33 حين قال لي والدي ذات يوم في كنيس بشأن رجليُكثر الصلاة لكنه منافق، قال لي: إنه صهيوني والصهيونية لا تمت بأي صلة إلى ديننا،ففي هذا الجو وهذا التصور نشأت في كنف اليهودية المغربية المرتبطة منذ آلاف السنينبروح الأخوة مع الإسلام بشكل عام والإسلام في المغرب بصورة خاصة".

 

منذ وصولي للمغرب في بداية السبعينيات وأنا اسمع عن السرفاتي وجماعته وقد قابلته مرة واحده بعد خروجه من السجن وذلك في مناسبة تضامنية مع الشعب الفلسطيني .ومع مرور الأيام عرفت مزيدا من المعلومات عن السرفاتي ،فبالإضافة لكونه مهندسا تولى مواقع وظيفية مهمة ،فقد كان من أبرز المناضلين اليساريين وقد شكل مجموعة (إلى الأمام ) الثورية التي ناضلت من اجل قيام دولة اشتراكية تقدمية ولجأت إلى السلاح في بداياتها،وكانت السلطات المغربية ألقت القبض على غالبية عناصر هذه الخلية عام 1974 ومنهم السرفاتي والمناضل أنيس بلفريج وكان للرئيس الراحل أبو عمار الفضل في إطلاق سراح هذا الأخير حيث تدخل أبو عمار لدى الملك الحسن الثاني لإطلاق سراحه ،كما أُطلق سراح السرفاتي عام 1991 بعد مصالحة تاريخية بين النظام والمعارضة ،ولكن تم نفيه وعاد للمغرب عام 1999 بعد تولي الملك محمد السادس الحكم حيث كرمه واسند له منصبا استشاريا في مؤسسة رسمية.واستمر هؤلاء الرفاق كبقية القوى السياسية المغربية وعموم الشعب المغربي من المناصرين والمدافعين عن القضية الفلسطينية.

 

رحيل المناضل السرفاتي تستحضر عندي ذكريات ثلاثة عقود عشتها في المغرب وخلالها لم أشعر بالغربة وبالبعد عن الوطن كشعوري بالاغتراب عن الوطن اليوم وأنا أعيش في قطاع غزة  الذي يُفترض أنه جزء من الوطن،لأن الوطن ليس بقعة أرض تعيش عليها أو تُنسب لها بل هو إحساس بالكرامة والعزة والحرية ،الوطن حرية كما هو أرض الآباء والأجداد.بالرغم من أنني كنت مسجلا بالوثائق الرسمية كأجنبي مقيم في المغرب إلا أن ذلك لم يحل دون أن أمارس فلسطينيتي بحرية أفتقدها اليوم،كنا نكتب ونلقي محاضرات ونشارك بمسيرات من أجل فلسطين في كل ربوع المغرب وأينما حللنا كنا نُقابل بحب وترحاب وأحيانا كنا نشعر بالخجل من شدة التعاطف الذي نلقاه حيث كان حب المغاربة لفلسطين لا يقل عن حب الفلسطينيين أنفسهم ،صحيح أن مضايقات أمنية كانت تُفرض على الفلسطينيين وغيرهم ولكنها كانت تُمارس بما لا يُهين كرامة الفلسطيني وإنسانيته،وأتذكر انه في عام 1974 وكنت حينها طالبا جامعيا وأثناء الاستعداد لاحتضان المغرب للقمة العربية اكتشف الأمن المغربي شحنة أسلحة مهربة للمغرب كما وصلتهم معلومات بتسرب خلية من جماعة أيلول الأسود تهدف لاغتيال بعض القادة العرب وكان الحديث يدور حول الملك حسين والسادات ،كان رد فعل الأمن المغربي ليس اعتقال الفلسطينيين أو طردهم بل توجيه استدعاءات لنا ولعدد من المقيمين العرب للحضور في مقرات الأمن في المناطق التي نسكن فيها ثم تم نقلنا في باصات إلى مدينة طنجة حيث أنزلونا في أفخم الفنادق السياحية ضيوفا مكرمين على نفقة الدولة وبقيا هناك حتى انتهاء المؤتمر ثم أعادوا كلا منا لمكان سكناه،وأتذكر أن بعضنا احتج لأن المغاربة أنزلوا كل اثنين بغرفة واحدة  وطالبوا بأن ينزل كل شخص بغرفة خاصة به ،وقد اضطر المغاربة لإخراج بعض النزلاء الأجانب من الفندق لتلبية مطلبنا الغريب .

 

في المغرب تم فتح مكتب لحركة فتح عام 1969 ومن المغرب تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني عام 1974 وفي المغرب مارست الجالية الفلسطينية حقها في الدفاع عن فلسطين والتواصل مع الجماهير المغربية من خلال الاتحادات الشعبية حيث كان لي الشرف أن أكون من المؤسسين والمشاركين في اتحاد طلبة فلسطين واتحاد المعلمين الفلسطينيين واتحاد الحقوقيين الفلسطينيين واتحاد الكتاب الفلسطينيين ، ومن المغرب انطلقت المظاهرات المليونية دفاعا عن فلسطين والعراق، ومن المغرب تشكلت أول جمعية عربية لمساندة الشعب الفلسطيني تجمع كل القوى السياسية الوطنية والإسلامية و هي الجمعية العربية الوحيدة التي ما زالت تمارس عملها حتى اليوم،وفي المغرب تشكل صندوق القدس ومن المغرب انطلقت كتائب عسكرية لتقاتل إلى جانب الجيشين السوري والمصري في حرب أكتوبر 1973.وفي المغرب كان كل فلسطيني وعربي ومسلم يجد كل حب وترحاب حيث كان التسجيل في جامعات المغرب مفتوحا لكل طالب يصل للمغرب كما كان وما زال كل طالب يحصل على منحة من الحكومة المغربية لا يحصل عليها الطلاب المغاربة .

 

البعد الجغرافي للمغرب عن فلسطين لم يَحُل دون حضور القضية الفلسطينية والعربية في قلوب وأفئدة المغاربة جميعا الأمر الذي يجعل كل عربي زار المغرب أو أقام بها إلا ويحمل ذكريات طيبة عن المغرب ،إلا من كان ناكرا للجميل وجاهلا لطبيعة المجتمع المغربي مفسرا كرم الضيافة وليونة التعامل تفسيرا نابعا من رؤيته القاصرة للأمور وليس من الطبيعة المغربية المعطاءة.

 

رحم الله ابراهام السرفاتي وكل المناضلين عبر العالم  الذين كانوا سندا لفلسطين القضية والشعب دون أن ينحازوا لهذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك.ونتمنى أن يعود للمغرب دوره الريادي في المنطقة نظرا لما تتسم به السياسة المغربية من حكمة وعقلانية وواقعية ولعدم تحيز المغرب حكومة وشعبا وملكا لفصيل فلسطيني دون غيره أو لمحور عربي دون غيره.

 

‏19‏ تشرين الثاني‏ 2010

 

Share

أكتب تعليقا