الأتراك قادمون – محمد أحمد البيضاني‏

 

عام 1969 ميلادية غادرت كوبنهاجن في طريقي إلى دبي ، توقفت بي طائرة "ساس" الإسكندنافية في إسطنبول وأنا في الطريق نحو دبي مقر عملي الجديد ، قضيت يوم وليلة في إسنطبول ، كنت في ربيع العمر السادسة والعشرون على خدي تلتهبُ ومشاعري تنتفض ببركان الشباب . تجولت في ذهول في مدينة التاريخ والحضارة وتمنيت من كل قلبي البقاء في هذا البلد الأسطوري.. الجمال التاريخ و الحضارة في كل مكان، شعرت إنني أعيش في حلم ألف ليلة وليلة، كنت أسير في الشوارع حيث تعبق العطور والبخور والتوابل تحمل روح الشرق.. إنه السحر الخالد .. سحر الشرق ، أسير وزخات المطر الخفيفة تنعش روحي وكياني وتردد في أنفاسي سيمفونية الموسيقي الروسي الخالد ريمسكي ساكوف – 1844 – 1908 في الأسطورة الخالدة سيمفونية شهرزاد .. ألف ليلة وليلة التي سكنت روحي وكياني وعلمتني روعة النغم الكلاسيكي – هذه الأسطورة التي سمعتها في بلادي الجميلة عدن عاصمة الجنوبية العربية.

في العشرون من عمري علمتني سيدة بريطانية كانت تعمل معنا سكرتيرة في قوة بوليس عدن البريطاني .. علمتني تلك الجميلة فن الإستماع إلى الموسيقى العالمية وعرفت معنى الموسيقى التي تهذب الروح والقلب وتحلق بالإنسان إلي بحور من الحب الفن والجمال ، واليوم أسمع هذه السيمفونية في كياني وانا أسير في شوارع إسنطبول – إنها بلد وسط حديقة، ذهلت من عظمة التاريخ والفن والجمال – بلاد تضج بالقصور والمتاحف وصحيح إن بعض هذه التحف الفنية العربية الإسلامية جاءت من البلاد العربية والإسلامية ، ولكن من الإنصاف أن نقول إن تركيا حافظت وصانت هذا التراث الإنساني من الضياع . جاءت إلى رأسي فكرة طفولية أن أبقى في هذا البلد ولكني تركت الرومانسية وكان يجب علي أن أواصل الرحلة و أطير إلى دبي مقر عملي . غادرت تركيا وأنا أشعر بالمرارة وضجيج الشباب يدق في صدري. اليوم أعود إليها في خريف العمر بعد أن وهن مني العظم وأشتعل الرأس شيبا و تعبت من السفر الطويل حقائبي.

لقد تحدثنا عن تركيا الحضارة والتاريخ .. نقول الآن إن موقع تركيا فريد .. تركيا تربط الشرق والغرب ، تركيا نصفها غربي والآخر شرقي ، ويسكنها أعراق وشعوب وتختلط هذه الحضارات الإنسانية في بوتقة لتنتج إبداع إنساني فريد إسمه تركيا العظيمة. اليوم هناك عامل هام تعاني كثير من الدول مشاكل النكبة الإقتصادية ولكن أعجوبة تركيا إنها تجاوزت المحنة الإقتصادية بطريقة غريبة – إقتصاد قوي وراسخ . هناك عامل جغرافي مميز ففي تركيا تجد الثلوج والصحراء القاحلة والأزهار والزراعة ، تجد الصيف والشتاء والربيع معآ في وقت واحد ، لا يوجد لهذا مثيل في العالم . تركيا تعتبر أكبر مصدر في العالم للعسل والزهور والزيوت والفواكه ، وتوجد في تركيا شركات عملاقة تشتغل في بناء الدول العربية المعماري ـ إضافة إلى التصنيع والصناعة الثقيلة . اليوم التلفزيون التركي TRT يسحر القلوب – قمة في الجمال والفن والحضارة الإعلامية.

الماء سر الحياة .. تمتلك تركيا أكبر خزان ماء في العالم – تركيا بلد الأنهار كل الدول المحيطة بتركيا تشرب من الماء التركي فهي تسيطر على الماء في المنطقة ، هذه المياه الهادرة والأنهار التي تتدفق من فوق جبال تركيا على دول المنطقة ، اليوم دوافع الحرب القادمة هي الماء ولكن تركيا تقدم الماء والمحبة والسلام إلى المنطقة . اليوم سورية العظيمة التاريخ و الحضارة والإنسان المثقف الشجاع الصامد – سورية جنة الله على الأرض .. سورية الفن والجمال مدت يدها الكريمة القوية للتعاون المشترك مع تركيا الجارة والصديقة في بناء صرح التقدم الإقتصادي والحضاري لرفاهية الشعوب العريقة في الشرق الأوسط . تركيا اليوم تعود إلى العالم العربي والإسلامي في حركة إلتفاف سلمية وحضارية ، تركيا نامت في حضن التاريخ عقود – واليوم ينهض هذا العملاق الحضاري لينشئ معالم جديدة في المنطقة.. الشرق موطن الديانات والحضارات القديمة التي قادت الإنسانية إلى المحبة والتقدم والسلام.

حقيقة  وفعلآ .. الأتراك  قادمون .

 

كاتب عدني ومؤرخ سياسي .               كوبنهاجن 


Share

أكتب تعليقا