جَمَل المِعْصَارَة (التاريخيّ)! بقلم: أ.د.عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

جَمَل المِعْصَارَة (التاريخيّ)! بقلم: أ.د.عبدالله بن أحمد الفَيفي 

على الرغم من (فتنة الجَمَل) فقدظلّ الصحابةُ يُجلّون أُمّ المؤمنين السيّدة عائشة، رضي الله عنها،ويفقهون قَدرها، ومكانتها من النبي، عليه الصلاة والسلام، بمَن فيهم عليٌّ، رضيالله عنه. وتلك هي الصورة المعقولة، واللائقة بمن ربّاهم رسول الله، وتنزّل فيهمكتاب الله، وهم أهل بيت النبوّة- وإنْ لم يرتفعوا، بطبيعة الحال، عن مستوى البشريّةفي المراوحة بين خطأٍ وصواب- لا ما دبّجه أوباش الخلق في القرون المنحدرة منترّهات، مفرغين ما في رؤوسهم من جهالات وجاهليّات، وما في صدوهم من حنق، وما تحملهنفوسهم من قماءة، ليسوّدوا بسواد تلك الأمراض صفحاتٍ من التاريخ، ويلتاكوا الأُمّةإلى يوم القيامة بعصبيّات لا تنتهي، وطيش طائفيّات أكل الدهر عليها وشرب، كانت ومازالت فيهم أحبولة الأعداء من اليهود والعَجَم، معيقين كلّ بارقة أملٍ نحو تخطّيالماضي إلى الآتي. ومَن كان قُوْتُه التاريخ السياسيّ والأيديولوجيّ، ظَلَّ يقيءويستردّ قَيئه، لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى! ومصداق تلك الصورة- التي لا

نزعمطبعًا أنها كانت ورديّة- ما جاء مثلاً في سياق تلك الفتنة، وقبل المعركة: من أنه "قام عليٌّ فخطب الناسَ، فقام إليه الأعوربن بنان المنقري، فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة، فقال له عليٌّ: عليَّ الإصلاحوإطفاء النار، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأُمَّة بنا ويضع حربهم. قال: فإن لميجيبوا؟ قال: تركناهم ما تركونا. وقال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا. قال: فهل لهم في هذا مِثْل الذي عليهم؟ قال: نعم! وقام إليه أبو سلام الدالاني،فقال: أترى لهؤلاء القوم حُجّةً فيما طَلَبوا من هذا الدَّم، إنْ كانوا أرادوا اللهبذلك؟ قال: نعم! قال: فترى لك حُجّةً بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان لايُدرَك، فالحُكم فيه أحوطه وأعمّه نفعًا. قال: فما حالنا وحالهم إن ابتُليناغدًا؟ قال: إني لأرجو ألاّ يُقتل منّا ومنهم أحدٌ نقيٌّ قلبه لله إلاّ أدخله اللهالجنّة.. وقال في خطبته: "أيها الناس املكوا أنفسكم، وكفّوا عن هؤلاء القوم أيديَكموألسنتكم، وإيّاكم أنْ تسبقونا، فإن المخصوم غدًا من خصم اليوم"." وجاء الأحنف بنقيس إلى عليّ، رضي الله عنه- وكان قد بايعه بالمدينة بعد مقتل عثمان، رضي الله عنه- فقال: "إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إنْ ظفرتَ عليهم غدًا قَتَلْتَ رجالهموسَبَيْتَ نساءهم!" قال: "ما مثلي يُخاف هذا منه! وهل يحلّ هذا إلاّ لمَن تولَّىوكَفَر؟! وهم قوم مسلمون." "ولمّا تراءى الجمعان في موقعة الجَمَل خرج الزبيرُ علىفَرَس وعليه سلاح، فقيل لعليّ: "هذا الزبير!" فقال: "أما إنه أحرَى الرجلين إنْذُكّر بالله أن يَذْكُر". وخرج طلحة، فخرج إليهما عليٌّ، فدنا منهما حتى، اختلفتأعناق دوابهم، فقال: "لعَمْري لقد أعددتما سلاحًا وخيلاً ورجالاً، إنْ كنتماأعددتما عذرًا عند الله، فاتّقيا الله، ولا تكونا "كالتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍأنكاثاً"، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي وأحرم دماءكما؟! فهل من حَدَثٍأحلّ دمي؟!"  فقال طلحةُ: "اللّبثُ على دم عثمان". فقال عليّ، رضي الله عنه: ""يومئذ يوفيهم اللهُ دينهم الحق"، يا طلحة، تَطلب بدم عثمان؟! فلعن الله قتلةعثمان! يا طلحة، أتيتَ بعرس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تقاتل بها، وخبّأت عرسكفي البيت؟! أما بايعتني؟!"  قال: "بايعتُكَ والسيف على عنقي!"  ثم قال للزبير: "ماأخرجك؟" قال: "أنت، ولا أراكَ لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منّا."  فذكّره عليٌّ،رضي الله عنه، بأشياء، ثم قال: "أتذكر يوم مررتُ مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم،في بني غنم، فنظر إليّ، فضَحِكَ وضَحِكْت إليه، فقلتَ: لا يدعُ ابنُ أبي طالبزَهْوَه! فقال لك رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إنك لتقاتله وأنت ظالم له"؟!" فقال: "اللهم نعم، ولقد كنتُ أُنسيتها، ولو ذكرتُ ما سِرْتُ مسيري هذا، والله لاأقاتلك أبدًا!"… وكان مِن رأيهم جميعًا في تلك الفتنة ألاّ يقتتلوا حتى يُبدؤوا،يطلبون بذلك الحُجّة، وألاّ يقتلوا مُدْبِرًا، ولا يُجهزوا على جريح، ولا يستحلّواسلبًا." وكان الفريقان لا يريان إلاّ أن الصلح بينهما وشيك، لكن (السبئيّة) كانت ماتنفكّ تُغري بين الفريقين وتوغر صدورهما. وعَقِب انقضاء المعركة راح عليٌّ إلىعائشة في دار عبدالله بن خلف الخزاعي، "ودخل على عائشة فسلّم عليها وقعد عندهاولمّا خرج من عند عائشة، قال له رجل من الأزد: "والله لا تغلبنا هذه المرأة!" فغضب،وقال:"مَهْ، لا تهتكنّ سترًا، ولا تدخلنّ دارًا، ولا تهيجنّ امرأةً بأذى، وإن شتمنَأعراضكم، وسفّهنَ أمراءكم وصلحاءكم! فإن النساء ضعيفات، ولقد كنّا نؤمر بالكفّعنهنّ وهنّ مشركات، فكيف إذا كنّ مسلمات؟!"  ومضى، فلحقه رجل فقال: "يا أميرالمؤمنين، قام رجلان على الباب فتناولا مَن هو أمضّ شتيمة لكَ من صفيّة"، [يعنيبصفيّة زوجة عبدالله بن خلف، وكانت قد جبهتْ عليًّا بكلام حين دخوله دارها؛ لمقتلولديها]. فقال: "ويحكَ لعلّها عائشة!" قال: "نعم"… فبعث القعقاعَ بن عمرو إلىالباب، فأقبل علَى مَن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، وهما: عجلانوسعد ابنا عبد الله، فضربهما مئة سوط… وسألتْ عائشةُ، رضي الله عنها، عمّن قُتلمن الناس معها وعليها، فكلّما نُعِيَ واحدٌ من الجميع قالت: "رحمه الله!" فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: "كذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلانٌ في الجنّة وفلانٌفي الجنّة". ثم جهّز عليٌّ، رضي الله عنه، عائشة بكلّ ما ينبغي لها من مركبٍ وزادٍومتاعٍ وغير ذلك، وبَعَثَ معها كلّ من نجا ممّن خرج معها، إلاّ من أحبّ المقام،واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسَيَّر معها أخاها محمّد بنأبي بكر، رضي الله عنهم. فلمّا كان اليوم الذي ارتحلتْ فيه، أتاها عليٌّ، فوقف لها،وحضر الناسُ، فخرجتْ، وودّعوها وودّعتهم، وقالت: "يا بَنِيَّ، لا يَعْتَبْ بعضُناعلى بعضٍ، إنه واللهِ ما كان بيني وبين عليٍّ في القديمِ إلاّ ما يكون بينَ المرأةِوأحمائها، وإنه- على مَعْتَبَتِي- لمن الأخيار".  فقال عليٌّ، رضي الله عنه: "صَدَقَتْ واللهِ ما كان بيني وبينها إلاّ ذاك، وإنها لزوجةُ نبيِّكم في الدنياوالآخرة". وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرّة شهر رجب سنة ست وثلاثين،وشَيَّعَها عليٌّ أميالاً، وسَرَّحَ بَنِيْهِ معها يومًا. وتَوَجَّهَتْ إلى مكّة،فأقامت إلى الحجّ، فحجّتْ، ثم رجعتْ إلى المدينة."(1)

ولقد نال طلحةَ، رضي الله عنه،أيضًا، ما نال عائشة من إفك الأفّاكين، وما ذلك إلاّ لموقفه في تلك الأحداث. طلحةالمعروف "بـ"طلحة الخير" و"طلحة الفيّاض". قيل سُمِّيَ بالفيّاض لأنه اشترى مالاًبموضع يقال له (بيسان)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "ما أنت إلاّ فيّاض"،فسُمِّي بذلك من يومئذ. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد الستّة أصحابالشورى الذين مات رسول الله وهو عنهم راضٍ. شَهِدَ أُحُدًا وما بعدها، وأبلَى يومأُحُدٍ بلاءً حسنًا، ووقَى رسولَ الله بنفسه، اتّقَى عنه النَّبْلَ بيده حتى شُلّتإصبعه وضُرب في رأسه، وحَمَلَ رسولَ الله على ظهره حتى صعد الصخرة، فقال عليهالسلام لأبي بكر، رضي الله عنه: "اليوم أَوْجَبَ طلحةُ يا أبا بكر"، أي استوجبالجنّة. ويُروى أن رسول الله نظر إليه، فقال: "مَن أحبَّ أن ينظر إلى شهيدٍ يمشيعلى وجه الأرض فلينظر إلى طلحة".(2)

ذاك تاريخنا، كتاريخ سائر الأُمم،فيه الخلاف والتنازع، والضعف البشريّ والقوّة، والصواب والخطأ، غير أننا ابتُلينا- دون العالم- بمَن جعلوا التاريخ دينًا، وجعلوا البشر أصنامًا، فظللنا بذلك ضحاياالتاريخ، لا نغادره إلاّ إليه. بل إننا كما نرى كلّما تقدّم بنا الزمان، وابتعد بناالعهد عن الأحداث، ازداد ركامُ السنين على ظهورنا، بما قيل وما رُوي وما زُعِم،وكلّ ذلك- بحسب ثقافتنا المتوارثة- حريّ بالاحتفاء، وبالأخذ والردٍّ، والنبشوالاستحياء، والبعث والاصطراع، كي نُسهم بدورنا كآبائنا في توليد مزيدٍ من الركامعلى ظهور أجيالنا القادمة! تتجاوز الأُمم الحُرّة تواريخها، وتتناسى صراعاتها،فيغدو أعداءُ الأمس حلفاءَ اليوم، ونحن دائرون كـ(جَمَل المعصارة)(3) في دوّامتنا العتيقة تلك؛ من حيثكان قد عُقِد القِرانُ بين السياسيّ والدينيّ عقدًا أبديًّا منذ وقتٍ مبكّر. وتلكأفظع حالةٍ ما انفكّت ترتهن الأُمّة الإسلاميّة وتمزّقها شرّ ممزق، لتصنع منهاأَمامَ العالمين- بعد أن كانت "خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"- شرَّ أمةٍأخرجت للناس! أشهر منتجاتها: الطائفيّة والإرهاب!

ــــــــــــــــــــ

(1) انظر: النويري (-733هـ)، (2004)،نهاية الأرب في فنون الأدب، تح. عماد علي حمزة (بيروت: دار الكُتب العلميّة)، 20: 37- 38، 49- 50.  

(2) انظر: م.ن، 20: 51- 52.

 

 

(3) مَثَل جنوبيّ. وجَمَل امّعصارة: جَمَل يُشدّ إلى آلة خشبية تعصر السمسم أو الجلجلان، ويدور على حُفيرة العَصْر، وقد عُصبتْ عيناه لكي يظن نفسه يمشي مسافات، لا يدور في مكانه، وكيلا يصيبه الدُّوار. ويَضربون به المَثَل لمن يدور في حلقةٍ مفرغة، فيقولون: "فلان مثل جَمَل امّعصارة"، أي يدور في مكانه، بلا تقدّم. ومَثَلُهم ذاك يشبه قول

 

 

Share

أكتب تعليقا