الشّعر الحديث في المغرب: الحال و المآل / د مسلك ميمون

الشّعر الحديث في المغرب: الحال و المآل / د مسلك ميمون 

قد يكون من نافلة القول أن نقول :إنّ الشّعر المغربي الحديث ، اقتباس و تأثّر من جذوة الحرائق الشّعرية، التي عرفتها فترة أواخر الأربعينيات في الشّرق العربي، و بخاصّة في العراق على يد بدر شاكر السّياب ، و نازك الملائكة ، و عبد الوهاب البياتي، ثمّ امتدت على يد أدونيس ، و خليل حاوي ، و صلاح عبد الصبور ، ثم زادت انتشاراً على يد سعدي يوسف ، و حميد سعيد ، و سامي مهدي ، و حسب الشيخ جعفر و محمود درويش ، و محمد عفيفي مطر، إلى أن كان ميلاد قصيدة النّثر فعمّت على يد أنسي الحاج، و محمد الماغوط و عبد القادر الجنابي ، و سليم بركات ، و سيف الرّحبي .. كما كانت هناك إلى جانب المؤثرات العربية مؤثرات غربية تلقفها المبدعون و المثقفون المغاربة بشغف و تبنوها إبداعيا كالذي نجده في الكتابة : اللّوركية ، و الكايكوفسكية ، و النّاظمية ، ( نسبة لناظم حكمت ) و النيرودية ، و الإلوارية ..و كذلك كتابة آرتور رامبو ، و استيفان ملارمي ، و غيوم أبولينير، و سان جون بيريس ، و عرزا باوند ، و أكتافيو باث ، و يانيس رتسوس ، و روني شار، و هنري ميتشو …

 

 و عوداً على بدء، فقد  بدأت فترة الخمسينات محتشمة جداً و مترددة . فالظروف الأدبية و السوسيو ثقافية والسياسية، لم تكن مساعدة و مهيأة. بحيث من سنة 1929 إلى 1955 لم تظهر في المغرب إلا سبع مجموعات شعرية : (أحلام الفجر) لعبد القادر حسن 1936و ( ديوان محمد بن محمد مكوار )1937 كما عرفت نفس السنة صدور (نبذة من ديوان أحمد المصباحي ) و هو بالعربية و الفرنسية ثمّ ( باقة شعر ) لعبد المالك البلغيثي 1947 و ( لمحات الأمل ) لعبد القادر لمقدم 1948 و ( شجرة النّار ) لمحمد الصباغ 1955 و عموماً هي دواوين شعر تقليدي ينفتح على خطابات ( النضال و المقاومة و دواعي الإصلاح ) لمعايشة الفترة السّابقة ،التي كانت فيها البلاد ترزح تحت نير الاستعمار و الحماية . أمّا باقي الشّعراء فاكتفوا بالنّشر في الصّحف و المجلات.

و لكن مع إطلالة الستينيات ، و تغيّر الأوضاع الاجتماعية و السياسية و بدايـــــــــــــــــة الانتعاش في جلّ القطاعات المنتجة ، بما في ذلك التّعليم العصري بأسلاكه المختلفة ما قبل البكالوريا وما بعدها.. بدأ الإشعاع الشّعري الحديث يظهر علانية في شكل دواوين وأمسيات شعرية،و ملتقيات أدبية ، و بخاصة حين أصبحت دواوين كبار الشعراء المشارقة: أدونيس، و البياتي، و درويش ، و سعدي يوسف …. تجد طريقها إلى المكتبات المغربية.

لم تظهر دواوين كثيرة لشعراء الستينات حتّى تُشكل ظاهرة ما .و لكن رغم ذلك كانت قصائدهم تطرز المنابر الإعلامية كجريدة العلم و ملحقها ، و المحرر، و أقلام، و أفاق وأنفاس ، و الأهداف …ثمّ الزمان المغربي ، و الثقافة الجديدة …

تلك الأشعار التي نجدها في مرحلة أخرى قد جُمعت في دواوين.  ففي سنة 1987 ظهرت دواوين لستّينيين منهم: أحمد المجاطي ( الفروسية ) و محمد الخمار الكنوني ( رماد هسبريس ) و عبد الكريم الطبال و محمد السرغيني ( و يكون إحراق أسمائه الآتية ) و سنة 1979 أحمد الجوماري (أشعار في الحب و الموت) و في سنة 1980 عبد الرفيع الجوهري و ( وشم في الكف) و في سنة 1992 بنسالم الدمناتي و( قفاز بلا يد ) و سنة 1994 عبد السلام الزيتون و ( نسيت دمي عندهم ) . و أَمرُ تأخر الطباعة  يعود بالدّرجة الأولى لقلّة دور النشر وارتفاع تكالفها ، إذ لم تبدأ الحركة الفعلية لنشر الدّواون الشّعرية في المغرب ،إلا سنة 1965 و لكن بوتيرة بطيئة و حذرة . و ما ينبغي ملاحظته هنا أنّ الشّعر المغربي الستيني حافظ على نظام قصيدة التّفعيلة و الشّطر الواحد ، و لم يشذ عن ذلك إلا محمد الصباغ، الذي بدأ مبكراً في كتابة قصيدة النّثر. في الوقت الذي كانت قصيدة التّفعيلة محل تساؤل، و مثار حيرة عند البعض .

غير أنّ فترة السبعينيات ،عرفت انتعاشاً ملحوظاً، ففضلا عن شعراء الستينيات الذين عمدوا إلى نشر دواوينهم ، نلاحظ ظهور جيل من الشّعراء متحمّس للنشر، و حبّ الظّهور في فترة حاسمة من تاريخ المغرب، اتّسمت بالصّراع الإيديولوجي و السياسيي انعكس على معظم شعر هذه الفترة . بل لامس النّقدَ أيضاً و أثّر فيه . إذ أصبح النّقد الإيديولوجي فوق كلّ اعتبار. بتأثير واضح من كتابات عبد الله العروي، و عبد الكبير الخطيبي، و محمد عابد الجابري .. و لكنّها فترة خصبة من حيث الإنتاج الإبداعي و النّقد معاً. إذ ظهر واحد و سبعون ديواناً. بعد أن كان العدد لا يتعدى العشرين ديواناً. و ربما هذا يعود لظهور دور نشر جديدة، و اهتمام الشّعراء بالإنتاج الشّعري ، كمحمد بنيس ، و أحمد بلبدوي و محمد الأشعري و علال الحجام و رشيد المومني …كما ظهر ميل إلى التّنظير و النّقد الشّعري و ذلك من خلال مساءلة النّصوص، و تطبيق مفاهيم البنيوية التّكوينية ، و نظرية رومان جاكوبسون R jakobson، و جون كوهين J cohen و لوسيان كولدمان L Goldman إلا أنّه يمكن أن نلاحظ أنّ ما يعرف بقصيدة النّثر انتعشت في عقد الثّمانينيات . و خرجت القصيدة عن الوقفات الثلاث ، و استقلالية الشّطر ، فتمّ الاستغناء على التّدوير و التّضمين في معظم القصائد. و أصبحت الجملة الشّعرية أو المقطع الشّعري هو الأساس ، الشيء الذي جعل الهاجس النّثري أقوى و أبين، فوظفت أشياء كالسّرد و مكونات أخرى كانت تعتبر و إلى وقت قريب لا شعرية . و كلّ ذلك تأتى تأثراً بمجلة (شعر) و كتابات أنسي الحاج و محمد الماغوط .. و على مستوى النّقد عمّ تحليل الخطابdiscours و ضبط المفــــاهيم conceptesو قد أثمر هذا، على ظهور كتابين هامين في نقد الشّعر الحديث في المغرب    الأول : ” ظاهرة الشّعر المعاصر في المغرب ” لمحمد بنيس.و الثاني:” القصيدة المغربية المعاصرة : بنية الشّهادة و الاستشهاد ” للمرحوم عبد الله راجع .

 

و إذ نصل مرحلة الثمانينيات ، نصل منعطفاً كبيراً . أولا ، من حيث الأحـــــــــداث و الاضطرابات التي عرفتها سنة 1986 و سنة 1990التي فجّرها واقع القمع والظلم الشيء الذي أدى إلى انتكاسة في مجال الحريات العامّة ، و سيادة القانون … و من جهة أخرى وفي نطاق الشّعر الحديث في المغرب ، فقد قفز نشر الدواوين من 71 ديواناً إلى 141ديوانا شارك في ذلك ـ طبعاً ـ شعراء ينتمون لمراحل سابقة،و لم يكن من جيل الثمانينات إلا أربعة و أربعين شاعراً: نذكر منهم حسن نجمي ، صلاح الوديع ، عبد السلام الموساوي، و محمد بوجبير و آخرين. و أصبحت دور النشر في تزايد إذ بلغت ثلاثيــــــــــــن داراً. و ساهم بعض الشّعراء في بعض الدّور، كما فعل الشّاعر محمد بنيس بالنسبة لدار طوبقال للنّشر التي لم تكتفي بالنشر للمغاربة فقط بل انفتحت على الشّعر العربي فنشرت لدرويش من فلسطين ،و أدونيس من سوريا، و و أحمد فؤاد نجم من مصر، و باسط بنحسن من تونس . كما لعبت الملتقيات، و الجمعيات الأدبية.. دوراً أساسياً في تنشيط الحركة الشّعرية الحديثة مثل جمعية قدماء الإمام الأصيلي بأصيلة، و جمعية الشّعلة بسلا..و كذلك نلاحظ بالنّسبة لهذه المرحلة أنّ قصيدة النّثر فرضت نفسها، كنسق شعري فأصبحت أغلب الدّواوين الصّادرة قصائد نثرية و قلّت بشكل ملحوظ قصيدة التّفعيلة . بينما القصيدة العمودية اندثرت أو كادت و لم يعد لها وجود فعلي إلا في بعض المواسم الدّينية،والوطنية بخاصّة.و كأنّ كلّ ما له علاقـة بالوزن ، و الإيقاع، غيّب و اندثر. بل أصبحت الصّورة  الشعرية ؛ هي الأساس. كل القصائد التي

و إذا انتهينا إلى التّسعينيات فإنّنا سنفاجأ بالكمّ الشّعري يتضاعف بشكـــــــل لا فـــــت إذ ارتفع عدد الدّواوين الصّادرة إلى 313 ديوانا واصل خلالها شعراء المراحل السّابقة الإصدار إلى جانب شعراء المرحلة التّسعينية إذ بلغ عدد الشّعراء الناشرين في هذه الفترة 232 شاعرا و هي قفزة إلى الأمام إذ لم يبلغ عدد الشّعراء في فترة التمانينيات إلا 95 شاعراً ومن شعراء التسعينيات عبد الدين حمروش وديوانه ( وردة النّار ) 1993 وعبد العزيز أزوغاي ( لا أحد في النافذة) سنة 1997 و في نفس السنة صدر لجلال الحكماوي ( شهادة عزوبة ) و لرشيد نيني( قصائد فاشلة في الحب) و تواصل النّشر إلى ما بعد التسعينيات إذ واصل التّسعينيون نشر جديدهم و دواوينهم كمحمد الصّالحي ( أحفر بئراَ في سمائي) 2000 و في نفس السنة زهرة المنصوري و ( تراتيل ) و ياسين عدنان ( بقايا نساء ) و في سنة 2001 مجموعة من الإصدارات لكلّ من:جمال الموساوي ، و وكريم بلقاسم، و رضوان أعيساتن و سعيد أنوس ، و محمد بلمو، وعبد الحق مفراني .

 

بعد هذا السّرد الجيلاني، من جيل الستينييات إلى وقتنا الحاضر دون سرد للأسماء الكثيرة للشّعراء، و الشّاعرات ، يبقى السّؤال، أيّ مستقبل للشّعر الحديث في المغرب ؟             و إن كان هذا المستقبل لا ينفصم عن مستقبل الشّعر العربي عامّـــــــة .

إنّ مستقبل الشّعر الحديث يتحدّد من خلال ثلاثة عناصر أساسية : الشّاعر المبدع ، و النّاقد المتمرس، و المتلقي المهتم. و السّؤال ، منذ نهاية الأربعينيات وإلى وقتنا الحاضرـــ   مسافة الحرائق الشّعرية الحديثة في العالم العربي عامّة و بداية الخمسينيات في المغـــــــرب المتأثر بالشّرق بخاصّة ــــ هل استطعنا أن نكتسب شعراء مبدعين، و نقاداً متمرسين ، و جمهوراً من المتلقين المهتمين؟

أستطيع القول أنّ ما نعتزّ به من شعراء ، و على صعيد العالم العربي. هم من فلتات الزّمن، كونوا أنفسهم بأنفسهم و بعصامية فـذّة.و ما عندنا من نقاد على قلّتهم القليلة، و الذين استطاعوا أن يغالبوا الظروف اللا ملائمة ،و يتركوا بصماتهم في مقالات، و محاضرات و دراسات و كتب…إنّما وصلوا إلى ذلك بجهود فردية ، و بدافع غيرة على الأدب. و ما عندنا من متلقين لهذا الجنس الأدبي، رقعة بشرية تضيق يوماً بعد يوم،حتّى أكاد أقول إنّ الشّعراء يؤثثون في الغالب الأعمّ ،ما نسميه بالجمهور المتلقي … و هذا إذا كان ينطبق على العالم العربي . فلا يستثنى من ذلك المغرب ، الذي تلقى ضروب الشّعر الحديث من الشرق تقيداً و تأثراً منذ البداية . و هذا يعني بصراحة غياب دور المؤسّسة التعليمية و الأدبيـة و الثقافية التي مـن الممكن أن ، تعاضد، و تساند ، وتوجّه ،و تعين، و تُعدّ،و تؤطر.. فأغلب شعرائنا و نقادنا، هم خريجو جامعات في الوقت الحاضر .. و لكن قلّة هي المبدعة، بمفهوم الفن و الإبداع ، و قليل هم النّقاد. بمفهوم التّقويم و التّعليل و التّحليل  والنقـــد .

و لا ينبغي الاغترار بما تقذف به المطابع يومياً، من مجموعات شعرية.فالفائدة ليست في الكم، و لكن في النّوعية و الكيف…و إلا كلّ ذلك غثاء كغثاء السّيل.و زَبد كزبد البحر. و ركام يضاف إلى ركام..و نفس الشّيء يقال و لو بصورة بئيسة جداً في مسألة النّقد. فإذا كان الإبداع الشّعري عندنا محصوراً جداً في بضعة أسماء . و إذا كان النّقد لقلّته لا يواكب إلا لِماماً،و لا ينشط إلا موسمياً ، في شكل عروض، و محاضرات ، في ملتقيات خاصّة . و إذا كان جمهور الشّعر أغلبه من الشّعراء أنفسهم ..ألا يعني هذا أنّ الشّعر الحديث أصبح نخبوياً بشكل بالغ التّخصّص ؟

لا أريد أن أجعل من هذا العرض عرض تشاؤم و سودوية . و لكن أحياناً . نجد أنّ الواقع بما فيه من سلبيات، مدعاة لشحذ العزائم، و بعث الهمم ، و استنهاض القدرات … بغية رسم رؤية خاصّة لمستقبل خاص .

لهذا أعود إلى العناصر الثلاثة الآنفة الذكر. و أحدّد ما لها و ما عليها. من أجل هذه الرؤية المستقبلية التي نحرص على تحديد أبعادها :

أ ــــــ الشّاعر المبـــــدع :

1 ـــــ لا يكون إلا بتوفره على شروط الإبداع و الموهبة ، و مهارات و أدوات الكتابة. الكثير يستسهل الشّعر الحديث. و بخاصّة مع انتشار قصيدة النّثر. إذ أصبحتُ في أغلب ما أقرأ حالياً لا أجد إلا نصاً خالياً من الوزن. و كأنّ التّحرّر من الوزن هو الشّعر الحقيقي.  

2 ـــــ الإلمام قدر الإمكان بثقافة العصر، و استيعاب تراث الأمّة، و التّراث الحضاري. النص علامة واضحة عن المبدع وقدراته الثقافية،و خصائصه التراثية التي تميزه عن شعراء الدنيا ، و مدى تفهمه لتراث الأخر و الاستفادة منه .

3 ـــــ تجاوز المعنى العقلي المباشر إلى التّخييل و الحلول الشّعري في القصيدة .و هذا من الميز البليغة التي ينبغي أن ترسخ في ذهن المبدع،حتى لا يكون سارداً مباشراً أو وصّافاً تقريرياً ، يخلط بين جنسي الشّعر و النّثر، و في ذلك معضلة الإبداع .

4 ــــــ الاحتجاج بظروف العصر والسّرعة الرقمية و الوسائط و الالكترونيات و الرغبة في الانجاز السّريع… كلّ ذلك يقتل الشّعر. و يستنفد الطاقة الإبداعية …

5 ــــــ التّجريب من أجل التّجريب أو الرغبة الرعناء ، في التّميز بدون آليات وخبرة، مدعاة للفشل. قد ينبهر العديد من المبدعين برغبة التّجريب ، فينطلقون بغير عتاد و لا تجربة حقيقية في فضاء لا متناهي ، بحثاً عن نجمة لا تشاكلها نجمة أخرى . فيعودون بالإحباط و الشّعر الذي ليس شعراً …

6 – الاستجابة للتأثيرات الغربية دون استيعابِ و تمثل و استقراء.. يكرس التّبعية و هذا ما نلحظه في انتاجنا الشّعري،و حتّى ما يكتب عنه من نقد – في غياب نظرية عربية – كالاستشهاد بما قال الغربيون و اعتباره  العمدة . و كأنّ الشّعر الحديث عندنا يقيم مفاصلة بينه و بين الشّعر العربي . و يشهد أنّه لا يملك من العربية إلا الكلمات.

7- استسهال التّعامل مع اللّغة يورث نصوصاً أحدية، سوريالية، شكلا ومضموناً. و هذا أيضاً عمّق المفاصلة بين النّص والمتلقي.إذ أصبحت كتابة الأحاجي و الألغـاز- بدعوى الغموض الفني، و الابتعاد عن المباشرة و التّقريرية – هي أساس كلّ كتابة شعرية . الشيء الذي كرّس انحسار العلاقة التّواصلية بالتّدريج.و يبقى السؤال لمن يُكتب الشّعر الحديث ؟

ب ـــــ النــّاقــــــــد المتمــرس :

1 ـــــ التّوسل بالمناهج العلمية الحديثة المختلفة في التّعامل مع عملية الإبداع الشّعري. شيء إيجابي . و لكن لا بدّ من استيعاب هذه المناهج ، مع العلم أنّها وضعت لعلوم خاصة و ربّما لمواد تخصّ الآخر، و لا صلة لها بما هو عربي كالإبداع و الفن عموماً. و لا يحقّ ما يصلح لزيد يصلح لعمر، و لا يمكن أخذ مبدأ المصادفة قاعدة في جميع الأحوال.و يكفي ما نعايشه من هذه الأزمة الاصطلاحية في مجال النقد . و ما تورط فيه النّقد العــــــــربي من إشكالات عدّة . لا يشعر بها إلا من يعاني حمأة النّقد و المتابعة باستمرار .

2 ـــــ عدم السّقوط في متطلبات بعض المناهج كالمنهج المادي الجدلي الذي يشكــــــلّ موقفاً إيديولوجياً.يلغي كلّ ما عداه .أو المنهج الفنّي الأسلوبي الجمالي الذي لا يعير الأفكار و المضمون كبير عناية. و هذا ما عشناه في فترة السّبعينيات و بداية الثمانينيات إذ طغى النقد الإيديولوجي وغطى عن كل ما عداه . فأصبح النّص النّقدي أو القراءة عبارة عن تقرير سياسي في إطار من الجدل و الحجاج الفكري ، و غياب تام لأدبية النّص وأدواته الفنية و طريقـــــة عرضه و أسلوبـــه. و في غير هذا لا ينبغي أخذ الشّكل بعيــــــــن الاعتبـــار وإهمال المضمون و إن كان بعض النقاد – و اجتراراً لما في الغرب – يدعون (بألا ينبغي البحث في الشّعر عن معنى) كما يرى محمد بنيس.  و ( الشّعر ليس إحساساً أو ترجمة للواقع . و ليس تواصلا عبره نتواصل ) كما يرى احساين بنزبير.  

3 ــــــ اختيار المنهج لا يكون بدافع عاطفي، و إنّما بدافع الممارسة والخبرة الإجرائية . و هذا هو المراد . فالمنهج أداة و وسيلة فلا ينبغي أن يصبح غاية يغيب دونها النّص الإبداعي .. و هذا – مع الأسف – ظهر في عدّة دراسات و أطروحات جامعية إذ تحفل الدراسة بإبراز المنهج، و تخضع النّص لمقتضياته.و هذه رؤية معكوسة لما ينبغي أن يكون.

4 ـــــ الإيمان بغياب منهج كامل يستوفي ملابسات النّص الشّعري. و هذه مسألة لا جدال فيها فكلّ المناهج إنّما تطل على النّص من كوة ضيقة لا تمكنها من تفحص شامل لخبايا المتن و مغالقه .. و لكن هذا لا يمنع أن تستوفي تركيزها حقّه ، إنّما لا ينبغي أن يذهب الظنّ أبعد من ذلك. فالنّص في حاجة إلى منهج تكاملي إن أريد كشف كلّ خباياه . و ذاك أمر غير ميسور.. لناقد وحده .. بل هو عمل فريق متكامل.  

5 – الإحساس بالمفارقة بين نسقية الإبداع و نسقية التّلقي.لا شك أنّ هذا أحدث شرخاً عميقاً، بين المرسل و المرسل إليه . ففي الوقت الذي يدأب المبدع جاهداً في البحث عن أساليب جديدة ، و يخوض تجارب مستحدثة ،و يبحث و ينقب .. يظلّ المتلقى سجين ثقافة قديمة ، و قواعد متجاوزة ، ورؤية ضيقة … ممّا لا يُمكّن من الفهم و التّفاهم .

6 – إدراك إشكالية التّلقي و تقاطعها و إشكالية غموض النّص . و هذا يحيلنا على تساؤلات شتّى . هل المسألة ،و كما أسلفنا مسألة نسقية إبداع و تلقي ؟ أم هي هـــروب المبدع إلى الضّباب و السّديم والغموض عن قصد و سبق إصرار؟ أم هي اللّغة الحداثية ، و جدّة الكتابة الهامسة ، ورمزية المعنى ، و تلميح الإشارة …عموماً مسألة الغموض في النّص ليست –دائماً- بريئة،  يتطلبها الإبداع، فأحياناً كثيرة دلالة عن عجز و قصور و اضطراب في ذهن المبدع .

7 – تداول النقد الذي يعلّم فنون التّقويم الدقيق. و كما هو التّجريب في الإبداع هناك التّجريب في النّقد إذ ينتقل النّاقد بين عدّة مناهج إلى أن يستقر على بعضها ، حيث يجد نفسه و أدواته ..و لكن نقدنا خرج من دائرة الايدولوجيا التي شكلته في السبعينيات ، ليغرق في الرتابة ، و الانطباع ، و المجاملة ، و اكتب عنّي أكتب عنك .. في غياب يكاد يكون عاماً للمنهج و التّصور، و البنية السّطحية و العميقة …و هذا أثّر في الإبداع الشّعري الذي دخل متاهات ذاتية لا شعرية باسم الإبداع .  

8 – الإيمان أنّ العملية النّقدية لا تقلّ إبداعاً و أهمية عن الممارسة الإبداعية. و هو إيمان يجب أن يترسّخ في ذهن النّاقد.فهو مبدع في تحليله ،وانتقاء منهجه، و مصطلحاته ، و عمق رؤيته ، و خلاصة استنتاجاته ….

9 – مرونة التّعامل و دقّة التّوظيف تجاوزاً لأزمة المصطلح النّقدي. و هذا يحيلنا على فوضى توظيف المصطلح النّقدي . ففي كتابة نقّادنا في السّبعينات على قلّتهم كانوا يختمون أبحاثهم و دراساتهم أو حتّى مقالاتهم بمسرد للمصطلحات الموظفة و ما يتغي منها النّاقد ، حتّى لا يأخذ المصطلح بعداً آخر يعود لمصدره العلمي فيبعده عن ما يراد منه . اليوم نحن أمام خليط من المصطلحات، و أحياناً من الأقوال ،عبارة عن جمل لنقاد غربيين. لا صلة لهم بشعرنا، و لا ثقافتنا، و لا حياتنا .. و نشعر أنّ النّاقد يحشر كلامهم في مقالته كديكور أسلوبي ليس إلا .

ج ـــــ المتلقـــي المهتـــم :

1- إدراك مدى اختلاف سباق الإبداع و سباق التّلقي. و كما أشرنا آنفا هو سباق غير متواز ،و لا متناسق، و لا متكامل.. بل هو سباق العداء الممتاز ، و العداء المبتدئ . و حتماً سيبقى الفارق بين المتسابقين لا يستهان به.

2- ينبغي اكتساب ذائقة جديدة تواكب المستحدث لردم الهوة بين الإبداع و التّلقي. و المسألة ليست سهلة و لا في الإمكاندائماً، وذلك في غياب وعي أدبي ، و إرادة عاشقة للأدب و فنونه ، و طرائق كتابته .. و بخاصّة من طرف المتلقي ، الذي ينبغي أن يبذل جهداً إضافياً لتطوير مفاهيمه و مدركاته و خبرته .. من أجل تلق واع، و استيعاب عميق .

3- تجديد مناهج التّعليم وبخاصة فيما يتعلق بتدريس الأدب الحديث. و هذه العقبة الكأداء ،إن لم نحسن التّعامل معها وفق متطلبات العصر و مستحكمات الحداثة. سنعمق الهوة بين المبدع و المتلقي . إذ لا يعقل أنّ الشّعر انتقل شكلا و مضموناً إلى مراحل عديدة و جديدة و تبقى طرائق تدريسه ، و تبليغه و تحليله تشهد لعهد الستينيات و ما قبلهــــــــــــا. فالطالب الذي يدرك حقيقة المدارس و المناهج ، و يحتك بالمتون قراءة و تحليلا و ربّما تذوقاً و حفظاً سيكون بداية جيل يساير الشّعر في تطوره ، و لا يطرح إشكال عــدم تفهمه . و الأمر لا يتعلق بالمنهاج الدراسي فحسب. و لكن يعني الأستاذ أيضاً فلا يعقل للمتشبث بالقديم لقدمه ، أن يتعامل و يحلل الحديث لحداثته …

 

وأخيراً و إن كنت لا أحب التّشاؤم.فإنّني أشعر- كمتتبع للكتابة الشعرية – أنّ بعض الشّعراء في المغرب يقودون مركباتهم بدون كوابح ، و لا مرآة عاكسة لما هو خلفهم ، و لا زجاج صاف أمامهم ، و لا وقود كاف لرحلة طويلة قد تستمر العمر كلّه. و هذا يدعوني للتّعجب و الاندهاش!! كما هناك من نقادنا من انتهوا حقاً عند طبع بحثهم الجامعي. و كلّ ما جاء بعد ذلك هو اجترار لما في بحوثهم . و كأنّ ذلك سيبقى راسخاً خالداً لا يبلى و لا يُتجاوز. و إن أفلح الناقد في غير ذلك،فسيأتي بتعليقات و محاباة يخطب ودّ المبدع أكثر ممّا يحلّل النّص. أمّا المتلقي و هو عمدة الإبداع الأدبي ، و مدار الجهد والأتعاب… يبدو أحياناً كثيرة ، كطفل لازال في مدارج الطفولة يحبو ، و الكلّ مهيأ أمامه . و لكنّه لا يستطيع إدراك ذلك ، لأنه يفتقر إلى وسائل و أساليب القراءة الفنية التّذوقية .. لهذا الأمل معقود أن يكبر في يوم من الأيّام . بفضل جهد توعوي أدبي، و تضحيات في مستوى الإبداع و النّقد. تقليصاً لمسافة نسقية الإبداع و التّلقي.

 

 

د مسلك ميمون

 

Share

تعليق واحد لـ to “الشّعر الحديث في المغرب: الحال و المآل / د مسلك ميمون”

  • رجاء:

    جزيل الشكر على هذه الرؤية المتفحصة لحال الشعر المغربي المعاصر و حيثيلت تلقيه.فعلا هو رأي حاول أن يلم بقضية الشعر المغربي المعاصر و يقدم اقتراحات بديلة للخروج من المتاهات الضيقة التي بدأ يتخبط في سديمها.

أكتب تعليقا