تونس… مصررياح التغيير… محاولة للفهم والتفسير بقلم أحمد عرار

  

تونس… مصررياح التغيير… محاولة للفهم والتفسير

 بقلم أحمد عراركاتب وباحث فلسطيني 

يقول غرايم جل بان عملية تحول النظام تمر بثلاث مراحل هي اعتلال النظام التحول الديمقراطي، ثم الاستقرار الديمقراطي، تتضمن مرحلة الاعتلال تفكك وربما انحلال النظام القديم بينما يتضمن التحول استبدال البنى والأساليب القديمة بأخرى جديدة، أما مرحلة الاستقرار فتحل عندما تصبح هذه البنى والأساليب مستقرة متماسكة منسجمة مع الوعي الجمعي العام للمجتمع مكتسبة بذلك سلطة معيارية.

ولا يقود اعتلال الحكم السلطوي بشكل حتمي إلى نظام ديمقراطي وفي معظم الحالات أعقب سقوط أنظمة حكم سلطوية حلول أخرى مشابهة لها.

أن حالة تونس ومصر مشابهة لكثير من الحالات في العالم، لكنها تختلف باختلاف مقدماتها وبالتالي نتائجها، فهل يمكن اعتبار هذه الثورة ثورة حقيقة أم هي مجرد احتجاج على أوضاع اجتماعية واقتصادية

 

بالأساس سيئة.

ربما علينا النظر في مطالب المتظاهرين، القائمين بهذه الثورة وأنا هنا اسميها ثورة مجازاً، أن هذه المطالب تتركز وتتمحور حول إصلاحات من شانها فقط أن تحسن الوضع المعيشي في الجزء الاقتصادي المادي. لكن هل يعي المتظاهرون أسباب هذا الواقع وعلاقته بالحاكم والنظام أو غير ذلك، إنهم يطالبون بإقالة الحاكم وتغيير النظام، لكن أي نظام هل المقصود هو الحزب الحاكم! ربما وماذا يختلف عن غيره من الأحزاب؟

يقول د. ناجي شراب بأن الأزمة الحقيقة التي تعاني منها نظمنا السياسية هي أزمة الخلود،فيحدد نظام الحكم الخالد محددات البيئة السياسية، ويفرض توجهاته وفلسفته،ويسعى لتقويض كل ما يشكل تهديداً لتغيير طبيعته وجوهره، وفى إطار هذاالنظام تسود فئة تفرض ثقلها الإكراهي ، بحيث يصبح كل خروج عن هذا الإطارهو بمثابة تهديد لبقائها واستمرارها اللازمني، وهكذا تتحول البيئةالسياسية إلى مناطق نفوذ ومناطق مضادة للنفوذ، والمعيار في البقاء أوالقدرة على التغيير واستيعاب عناصره ومتغيراته بما يسمح ببقاء النظام لاالأشخاص، والتغيير تفرضه وتحتمه ظروف ومستجدات معينة، وتقف ورائه فلسفةومنهاج ومرحلة تطور كاملة، فلا يكفي أن تغير شخوص الوزراء بل الفلسفةوالمنهاج الذي يقف وراء التغيير ذاته.

إذا السؤال هنا هل لدى الجماهير الثائرة فلسفة؟ هل تملك برنامجا ما؟ هل تملك نظرية في من سيمثلها أو ستفوضه للحكم كالإخوان المسلمين مثلا أو البرادعي في مصر مثلاً.

لا أظن ذلك فهذه الجماهير كما يتضح من خطابها لا تملك سوى الغضب دون أي وعي سياسي أو اجتماعي أو أي نظرية فلسفية ما.

أن ما يمكن أن يُحدث تغيير حقيقي ونقلة ديمقراطية وعملية تحول ليبرالي هي "القطيعة المعرفية" واقصد هنا تغيير في الثقافة ومصادرها، فلا يمكن أن يحدث تغيير حقيقي في ظل تراث ديني لازال يشكل الوعي واللاوعي الجمعي في المجتمع العربي.

هذا التراث هو ما ناضل طه حسين لأجل تفكيك قداسته قبل أعوام عديدة لكنه وحتى الآن لازال صوتا مرفوضا في المجتمع العربي الذي تتواءم فيه المؤسسة السياسية الحاكمة والدينية خاصة في مصر حيث تستمد الدولة مرجعية دينية من مؤسسة كالأزهر تجعل من الصعوبة بمكان تغيير في هذه البنى الثقافية السائدة والتي تتميز بالذكورية والجمود، وعدم إتاحة الفرصة لأي جديد، وهذا ما يساعد في بقاء الوضع على ما هو عليه،

إن إشكالية التغيير في المجتمع العربي كما يقول عمر فاخوري في كتابه "كيف ينهض العرب" مرتبط، بالضرورة، بواقع وسؤال الأزمة في المجتمع العربيالإسلامي، ونشأة هذا السؤال مشروط بأجهزة السلطة السياسية ونوعية علاقاتهابحركة المجتمع وتفكيره، وردود الفعل العام، وفي اتجاهات عديدة، ذلك أنالبحث في مسائل الأزمة والنهضة يعني بالضرورة البحث في طبيعة السلطةالسياسية والعلاقات الاجتماعية والنظرة إلى الكون والآخر. ومن هنا تنشأثنائية الفكر السياسي في النهضة: الاستبداد / الديمقراطية، الخراب / العمران، التأخر / التقدم. هكذا تكون النهضة مصطلحاً وفكراً ومشروعاً،مولوداً عليلاً، لأن الفضاء العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، سلطةسياسية، ومجتمعاً وثقافة وعلاقات، يراكم الأزمات ويواجه باستمرار مسائلومشاكل جديدة تزيد الركام السابق والطبقات الدفينة تعقيداً، مما يفسر أنالنهضة العربية هي باستمرار برنامج مؤجل، وبالتالي يحدث التصادم بينالمفاهيم في الفكر العربي المعاصر وتتعمق صدمة الحداثة مع واقع اللاحداثةفي المجتمع العربي الإسلامي المعاصر.

في الختام أقول بأن هناكظروفاًخارجية وداخلية كثيرة تساعد على التغيير، ربما تكون العولمة والفضاءات الإعلامية الجديدة وثقافة المعرفة المتاحة للجميع عبر هذه الفضاءات اليوم، ومؤسسات المجتمع المدني في العالم والتي أصبحت تشكل سلطة سياسية حقيقة تخشى الدول العربية منها وذلك لارتباطها بسياسات البنك الدول والمعونات الأجنبية وحتى وان لم تكن نزيهة وبريئة في تقديمها لذلك إلا أنها أصبحت تشكل عاملا مساعدا للمواطن العربي في قدرته على التعبير والصراخ عاليا.

 

Share

أكتب تعليقا