خط التقطيع الناعم من السودان إلى العراق / بقلم د .خالد المعيني.

 

خط التقطيع الناعم من السودان إلى العراق  

بقلم د .خالد المعيني

من النادر في تاريخ العلاقات الدولية أن تحظى ولادة دولة جديدة قبل الاستفتاء عليها  بدعم مسبق كما هو الحال في نموذج انفصال جنوب السودان, فالإدارة الأمريكية تصرح بأنها ستدعم الدولة الوليدة سياسيا واقتصاديا دون أن تنتظر نتائج الاستفتاء ، وإنها ستتكفل بحل كافة معوقات ومشاكل ما بعد الانفصال ، الأمر الذي يعد  تدخلا فاضحا في سيادة واستقلال السودان ويشكل سابقة في العلاقات الدولية ترقى إلى حد التحريض المسبق على خيار الانفصال ويضع أكثر من علامة استفهام حول جدوى ونزاهة ومشروعية الاستفتاء إذا كانت نتائجه محسومة سلفا.

    لم تكن واقعة انفصال جنوب السودان قد حصلت بالصدفة وإنما جاءت تتويجا لخطوات منهجية ومدروسة على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي استغرقت عقود من الزمن تأسس من خلالها خيار وقرار الانفصال الذي تصب نتائجه مباشرة في المحصلة النهائية لتوازن القوى في الصراع العربي الإسرائيلي, لان هذه الخطوة ليست بعيدة عن السعي الإسرائيلي المحموم منذ وقت مبكر منذ منتصف القرن الماضي إلى محاصرة وتجفيف منابع القوة لدول المواجهة العربية وفتح جبهات خلف خطوط هذه الدول.

     يشكل التقطيع الناعم لدول المنطقة على غرار ما يجري في السودان إستراتيجية فرعية تنسجم مع مخططات إعادة رسم المنطقة من جديد لإنتاج " سايكس – بيكو " جديدة على ضوء تبدلات تراتبية القوة ونظام القطبية الأحادية في النظام الدولي وهو أمر لطالما نظر له مفكري السياسة الخارجية الأمريكية أمثال صموئيل هنتكتون أو فرانسيس فوكوياما في إن خطوط الصراعات الدولية القادمة ستكون على أساس عرقي وديني, الأمر الذي تعبر عنه الإدارة الأمريكية بمشروع الشرق الأوسط الكبير والذي جوهره تجزئة المنطقة إلى دويلات وكيانات هزيلة تقوم على أساس عرقي أو طائفي تتناحر فيما بينها على مصادر المياه والثروات والحدود ، وبهذا تكون إسرائيل الدولة المحورية والقوية في هذه الخارطة الجديدة التي ستحاول كافة هذه الكيانات الارتباط معها بعلاقات ودية كوسيط مع القطب الأكبر في العالم.

      يتيح التقطيع الناعم للأطراف الذي تستخدمه تحقيق نتائج باهرة على مستوى إنجاز أهداف إستراتيجية في الصراع دون إطلاق رصاصة واحدة, حيث يعمد طرف إلى استغلال تناقضات ومشاكل الوحدة الوطنية التي تعتري بنية معظم الدول العربية نتيجة إخفاقاتها في بناء ومراكمة التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية .

    المنفذ السحري لتفتيت مجتمعات الشرق الأوسط وتفجير أنظمتها السياسية الحديثة نسبيا من الداخل هو شعور الأقليات واستغلال الوهن الذي يتعمق تدريجيا كنتيجة مباشرة لاستمرار الفشل في بناء الهوية الوطنية مقارنة بالهويات الفرعية سواء الدينية أو القومية, تلجأ دوائر التخطيط المعادية إلى دراسة معمقة للبنية الاجتماعية لكل دولة على حده وحسب نضج ومعاناة بعض الأقليات وتستغل لهذا الغرض زعامات طامحة تجد في هذا النهج فرصة ذهبية لتحقيق أحلامها المريضة, ومستعدة تماما للسير في مخطط التفتيت حتى وإن قامرت بحقوق هذه الأقليات المشروعة أو وحدة بلدانها الوطنية لتقوم بتحويل الحقوق القومية والإنسانية المشروعة إلى شعور طاغي بالعنصرية وهي انحراف سرطاني عن فكرة القومية وكذلك تعميق الشعور الطائفي كانحراف سرطاني عن فكرة الدين .

    إنطلاقا من هذا الأساس يتم ترتيب الدعم الخارجي ودعوات التدخل الإنساني وإيجاد شتى الذرائع لإجبار الحكومات في تقديم تنازلات سياسية وعسكرية أمام الضغط الداخلي المتمثل بتمرد محلي يرافقه دعم سياسي خارجي الأمر الذي يغري قادة التمرد للاستمرار في تعميق هوة الخلافات وزيادة التناقضات والتوترات والاصطفاف الطائفية والاثنية والمذهبية عبر مختلف الوسائل وفي مقدمتها تقديم المساعدة والخبرة اللازمة في إنشاء وتجنيد وتدريب وتسليح ميليشيات شبه عسكرية ذات عقيدة انفصالية تمارس عمليات التهجير القسري أو القتل والاغتيالات وإثارة النعرات لتحقيق مزيد من العزل الديموغرافي السكاني والأخطر من ذلك التسريع في اعتماد خيار الانفصال بتهجير جماعي والتطهير العرقي لغرض خلق واقع أمر ديموغرافي وفعلي .

    إن أشد أنواع التهديدات والمخاطر التي تواجه المجتمعات العربية لا ينحصر في أنماط التهديدات المحلية أو التهديدات الخارجية وإنما تفشى صنف في غاية الخطورة وأشد فتكا بمستقبل وتماسك هذه المجتمعات  ذلك هو الخطر والتهديدات المركبة وهي نمط من التهديدات تلتقي فيها مصالح وأطماع قوى محلية  مع تهديدات وأطماع أطراف خارجية .

    تسلسل الأحداث في جنوب السودان في حالة التغافل عنه يشكل نموذجا مثاليا سرعان ما سيتم تطبيقه وتعميمه على بقية المجتمعات التي نضجت فيها النعرات المذهبية أو الاثنية  كالعراق واليمن والصومال ودول عربية كبيرة ورئيسية أخرى تعتقد إنها ستكون بمنأى عن ماكنة التقطيع الإسرائيلي الناعم ، فالعملية مثل لعبة الدومينو سرعان ستتحمس بقية الأقليات للمطالبة بالانفصال تحت دعم وتشجيع الولايات المتحدة الأمريكية وباب التدخل الإنساني الذي تمارسه المنظمات الدولية لصالح إسرائيل والتي يروق لها دائما العمل خلف الخطوط وتحت الأرض لأنها في الأخير المستفيد النهائي .

     لم تكن لتقوى شوكة المتمردين في جنوب السودان دون وجود مقومات ضعف حكومي داخلي شجع من خلال الحرمان والتخلف الذي يعاني منه أهل الجنوب مما شجع على تدفق المساعدات الغربية والإسرائيلية في وقت مبكر وتفشي الحملات التبشيرية ووصل الأمر عام 1994 إلى حد قيام إسرائيل بتجنيد  وتدريب وتسليح عشرات الآلاف من الميليشيات في الجنوب .

   في نفس الوقت وفي أقصى الشمال الشرقي للوطن العربي تجري على قدم وساق التحضيرات الأمريكية والإسرائيلية عملية استنساخ وإخراج صورة ستكون الأشد خطورة على الأمن القومي العربي والأكثر قتامة في سياق مشهد الصراع العربي الإسرائيلي ، فما يجري منذ عقود في شمال العراق رغم اختلاف الظروف الإقليمية لا يشكل فرقا في حقيقة الأمر عما يجري في جنوب السودان من حيث المقدمات وما ستسفر عنه المخرجات ، الفرق الوحيد يتمثل في اختلاف الظروف الإقليمية المحيطة ، فالنموذج السوداني تم دون ضجيج ووسط عدم مبالاة من قبل جيرانه بما فيها النظام الرسمي العربي ، إلا إن الوضع في العراق قد يفجر المنطقة برمتها أثنيا وطائفيا وقد يطيح ببعض حلفاء الولايات المتحدة, فعملية السودان الجراحية في الأطراف التي جرت بدون مخدر لن تجري بهذه السرعة في قلب النظام العالمي النفطي وعصب الطاقة فيه.

     في العراق ومنذ قيام الدولة الوطنية عكفت إسرائيل وفي وقت مبكر على تحييد قوة العراق كعمق إستراتيجي في الصراع والتركيز على  تعطيل قوته العسكرية الضاربة لاسيما بعد وضوح ثقلها وخطرها في كافة الحروب العربية الإسرائيلية وكما يذكر كيسنجر في مذكراته فإن التمرد في شمال العراق الذي أعترف بدعمه أمريكيا وإيرانيا آنذاك كان واجبه استنزاف ومشاغلة القوات العراقية وتثبيت اكبر عدد من قطاعات الجيش العراقي بحيث تحول دون مشاركته بأكثر من فرقة عسكرية في أية حرب قد تنشا مع إسرائيل على الجبهة السورية أو المصرية .

     تطورت العلاقات الإسرائيلية بالمتمردين في شمال العراق على الرغم من إعطاء حكم ذاتي للأكراد في شمال العراق ولكن هذا الأمر لم يكن يفي بمتطلبات الاتفاق الاستراتيجي بين ميليشيات التمرد وإسرائيل ، فتم رفض الحكم الذاتي ولم ينتهي تمرد الميليشيات في شمال العراق ألا بعد أن شاركت فعليا مع القوات الأمريكية في غزو العراق وكانت حليفا وجزءا من هذه القوات .

       لم يتحقق لإسرائيل عند احتلال العراق إلا نصف أهدافها التي تتلخص في إخراج العراق كقوة عربية متوازنة ماديا وبشريا من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ، إلا إن ألهدف النهائي لإسرائيل في العراق لن يكتمل إلا  بتقسيم العراق إلى دويلات وكيانات هزيلة متصارعة على السلطة والثروة وهو الأمر الذي قطعت فيه شوطا كبيرا من خلال ما تم إنجازه على المسارات السياسية والعسكرية ولم يتبقى لاستكمال عناصر الانفصال سوى الجانب الاقتصادي والذي سيتحقق في حال ضم محافظة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان وهو أمر قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه, وبمجرد احتواء دول الجوار العراقي فإن إعلان دولة على أساس عرقي وعنصري في شمال العراق سيكون أقرب مما يتصور البعض وليس أكثر من مسألة وقت .

     في الصراعات الإستراتيجية الشاملة كالصراع  العربي الإسرائيلي لا يمكن تجزئة مسارح العمليات ، ففي الوقت الذي تم فيه تقييد المغامرات الإسرائيلية على مسارح الصراع التقليدية على الجبهة اللبنانية والفلسطينية حيث تحقق نوع من توازن الرعب والقوة جعل إسرائيل تفكر أكثر من مرة قبل ألإقدام على مغامرة مثل مغامرة حرب تموز 2006 أو حرب غزة ، لكن ذلك بلا شك لم يمنع إسرائيل من السعي الحثيث على فتح جبهات ناعمة خلف الخطوط الخلفية للجبهات التقليدية لا تقل خطورة عن الخطوط الأمامية وتصب مباشرة في معادلة القوة وتؤثر في ميزانها العام

Share

أكتب تعليقا