تغرق روحي بدم وردة بيضاء../ د اعتدال عطيوي

 

تغرق روحي بدم وردة بيضاء../

د اعتدال عطيوي

راهنت الدراسات طويلا  ان النخب هى صانعة التغيير فى الوطن العربي وتعلقت آمالها بالطروحات الفكرية التي قادها بعض مفكري العالم العربي كمحمد الجابري -أركون الأنصاري- وادوارد سعيد- ومحمود أمين العالم- جمال حمدان  وكثر بين غيرهم

وكثر التنظير على مدى سنوات طويلة وضاع فى دهاليزه ان الوطن العربي فى نضاله المطحون قد لايتعلق بالفكر كثيرا فى ظل سيطرة  لقمة العيش والكدح اليومي فاذا حضر الجوع والظلم الاحتماعى فلا صوت اعلي منه  من جهة

ومن جهة أخري ففى   العالم العربي  هناك قطيعة وعدم تماس واع مع الفكر مما افرز تقهقرافى قيمة  المفكرين والمثقفين وأطروحاتهم  وغيابها فى  صنع القرار الاجتماعي او الاقتصادي فما بالك بالسياسي

فهم ابعد مايكون عن دوائر صنع القرار بل هم احد مخاوفه وطواغيته الكبرى و رغم تسليمنا بأهميتها   الامر قزم دورها وحدده وحكره الى درجة كبيرة فإضافة الى ماذكرته هناك أسباب متداخلة وعديدة منها الوضع الاقتصادي المنخفض وغياب العدالة الاجتماعية والسيطرة الإعلامية الموجهة رسميا وحالة ألامية الطاغية فى عالمنا العربي

وكانت الإحداث الأخيرة هى الفاصل الذى اثبت ان التغيير لايكون من خلال المكاتب المغلقة وهاهي تونس ثم مصر بعدها تنبتان صحة ذلك فقد جاء التغيير من خلال الشارع والإنسان العادي الذي فقد امله وترنح طويلا فى دروب الحياة الوعرة والمطبات الشائكة التحى صنعتها ظروف جائرة أخرجت الحكمة من ذاتها وحركت التراكم الجمعي الصامت ظاهريا

ودلالة ذلك ان خروج المصريين المشتعل لم يكن تحت قيادة ما ولا استلهم احد ولم يتعلق بأذيال أبطال او رموز معينة كما شهدت ثورات العالم من قبل فلم يكن لديهم  قائدا ولا مرشدا  ولا جيفارا

 بل تقهقرت الأنا لديهم لصالح المجموع  و تماذج الواحد فى الكل  والكل في الكل وصنعوا من واقعهم جيفارا خاص

وقراة سيسيولوجية سريعة لملامح ذلك البركان الذى تدفق مرة واحدة فحصد وغير وفرض واقعا جديد يثبت انه رغم تلقائيته الظاهرة الا ان له سمات نفسية واجتماعية فريدة

كان من اهم ملامحها ذوبان الأنا وهى سمات معروفة للثورات ولكنها لم تظهر بهذ الشكل الواضح من قبل  ولذلك شقان تحليليان قد يقدمان تفسيرا منطقيا لذلك  أولهما طول المدة التى امتدت الى 18 يوما التى  حققت تمازجا قويا ونادرا بين طبقات اجتماعية مختلفة تجلي فى تكافل اجتماعي وتقارب جمعي مميز

 ثم طبيعة الشعب المصري وصفاته العامة التى يغلب عليها القدرة على الاندماج السريع فى كل الظروف ورغم أهمية المؤشرين الا انه كان واضحا ان  طبيعة الشعب وصفاته هي الأكثر تأثيرا فى ذلك بدليل  انه المراهنة الكبرى من النظام الذى كان سائدا منصبة على عامل الوقت باعتبار تعطيل المصالح الشخصية  الذي قد يصيب هؤلاء بالملل

وقد استحضر الشارع  المصري ارثه الثقافي الخاص بقوة  في التغيير والتأثير و تجلى ذلك فى وصف ( فرعون) الذى  ردده الكثيرون وهى كلمة ذات دلالة اجتماعية وثقافية ونفسية عميقة فى أشارتها الى الديكتاتورية العمياء التي تصيب بعض الأنظمة فتختفي البصيرة فى جبروت   القوة عنجهيتها  

كما استحضر التراكمات الفكرية والاجتماعية نحو العدو الأول مستلهما تاريخه الطويل فى نضاله تجاه ذلك العدو وحزمة من السياسات الأخيرة التى انتهجها نظام مبارك المتراخي كما يرونه ويصفونه  ضده

 كموضوع غزة والمعابر وتمثل ذلك بقول الكثيرين ( كلموه عبري يمكن يفهم ؟)  فأطلق المحتجون  بمثل هذه الشعارات شحنة عاطفية كبري لايمكن تجاهل تأثيرها على شعب ناضل العدو طويلا و فقد الكثير مقابل ذلك وظل رافضا التطبيع  على المستوى العام بكل أشكاله

وكانت النكتة حاضرة  وابنة وقتها وهى للعلم من اقسي الاسلحة النفسية وقد استخدمها الشارع المصري بتلقائية فريدة ومسبوقة على كل ماسطر التاريخ فى سجل الشعوب

  فكان لها وقعا كبيرا فى التحريك والتلازم والانتشار على مستوى العالم العربي وغيره فقد ظل الشارع يهدر  بشعاراته الطريفة رغم صهيل الخيول وخفاف الجمال وقعقعة السيوف التى خرجت عليهم من اوكار خفية ازهلت العالم وقدمت له صور بربرية غاية فى الشناعة

 ولكنها بعثت فيهم قوة خلاقة ولم تضعفهم وتفرقهم  كما كان متوقعا لان الإغراق فى السلبية من الطرف الأقوى  قد يخلق إيجابا عملاق يلتهم سلبيته فى لحظة السلبية وذلك  ما حدث تماما ولم يكن متوقعا بالطبع لان السلوك الانسانى فى مجمله يصعب وضعه فى اطر تحليلية وتنبوئية  حتى لاعتى المختصين   

كما اتسمت الجموع بتلقائية السلوك الذي  تناسب مع طبيعة السواد الأعظم من  الشارع المصري المعروف بميله للبساطة  فقد تآخوا وتكافلوا وتناولوا طعامهم بل وتزوجوا في الميدان  فشكلوا ظاهرة اجتماعية غير مسبوقة ونادر  لفتت أنظار العالم بقوة

ولعل هذا غيض من فيض مما قرأته فى هذا التحرك الجمعي الفريد واسميه أعادة تخليق  وتشكيل عل كل الأصعدة للمجتمع المصري الذي أبلج تجربة فتية  ناصعة البياض أسمعت صوتها للكون وهى دعوة لمزيد من الاستبصار والتأمل والاستقراء الواعي

 واستعير كلمة للمفكر والمؤرخ الشهير جمال حمدان غلها تفيدنا فى ذلك حيث قال ان التاريخ جغرافيا متحركة، والجغرافيا تاريخ ساكن

اعتدال عطيوى

Share

أكتب تعليقا