المجاهرة بالأحاسيس ..دراسة في كتاب الشاعرة خالدية قوصرة / نعمان إبراهيم حميشة


المجاهرة بالأحاسيس ..دراسة في كتاب الشاعرة خالدية قوصرة ..

الغزل عند شاعرات سوريا المعاصرات 

نعمان إبراهيم حميشة

القصيدة لوحة عاكسة روحَ مبدعها وأحاسيسه , وتتميز لغة العاطفة وتعبيراتها عند النساء عن لغة الرجال , وما أدراك عندما تعزف الأنثى على وتر الحب ؟!  

 

 

عند دراسة كتاب ( الغزل عند شاعرات سوريا المعاصرات ) تنتصب أمام الخيال صورة زاهية خصبة عن لون من الشعر نتذوقه ونفتتن به , فقد استهلت الشاعرة كتابها بداية معجمية حول الغزل وأنواعه وأسماء الحب ومعانيها ومراتبها , وواقع اختيار الشاعرة على ست شاعرات أتاحت لهن الظروف والزمن جزءاً من حرية التعبير عن خلجات قلوبهن , ثلاث منهن رحلن , وثلاث على قيد الحياة , في مساحاتهن الإبداعية تشغل العاطفة حيزاً كبيراً من نصوصهن , كل واحدة تتحدث عن آمالها وآلامها مابين قصة عاطفية ألهبت الفؤاد , و غصة مجتمعية أدمت العين وبللت الوسادة , بخطاب عفوي صادق مليء بالمحبة والإنسانية والكبرياء .‏

 

 

الحب يبقى في صميم ذاتنا صرحاً عظيماً ثابت الأركان ¯ راسخ البنيان ( وعزيزة هارون ) ابنة اللاذقية تعيدنا الى الغزل العذري والنظرة الأولى التي تسلب العقول …. امرأة تخز الشعر بإبرة حزنها , تصطاد صور الذاكرة وتلبسها من مخيلتها أثوابها الداكنة الحزينة : ( إن عزيزة هارون ظلمت وحرمت من نعيم الحياة الزوجية .. الأمان والأمومة والفرح العائلي ) ص48 , فها هي تصف حياتها بالأشواك وتجعل من نفسها شاعرة اللوعة والبؤس :‏

 

 

 

 

 

أنا في الأشواك يا فاتن لو تسأل عني‏

 

 

 

 

 

أجرع الصاب وأقتات اللظى من أجل فني‏

 

 

 

 

 

أنا اللوعة في الدنيا وللبؤس أغني .. ص49 .‏

 

 

 

 

 

وكما تحضر المرأة كثيراً في عقل الرجل , يحضر الرجل كثيراً في عقل المرأة … فكيف الحال حين يأتي الحب كصاعقة من الأعلى ويضرب قلبها ..؟ كوليت خوري صادقة مع نفسها , لا تخجل من تعرية حياتها أمام الناس , لم تخفِ شيئاً , تعرب عن جميع عواطفها بكلمات تخرج من الشفاه قُبَلاً ناعسة , لأنها لم تجد عيباً فيها , فهي تصر على الحسية في الغزل بالرغم من آلام الوداع :‏

 

 

 

 

 

غاية مناي وجودك : وكل الأملْ‏

 

 

 

 

 

يامن جعلت أنوثتي … أعذب قطعة غزلْ‏

 

 

 

 

 

ابق معي .. لأعيد كتابة تاريخي بالغزلْ ص62‏

 

 

 

 

 

فاطمة حداد : شاعرة كَحَّلَ أحداقها الوجد والسهر , رحل زوجها باكراً فأطلقت صرخة فزع باطنية تصدع القلب لها , دون أن تسربها الى الخارج , واستطاعت بمضامينها من أفكار وقيم أن ترقى الى مستوى الشعر النبيل … فها هي تنشر في الجو أنغاماً مهدهدة كأم صغيرة تغني لطفلها , وكراع يتقدم خرافة عند الغروب , لكن من ينصت الى الصوت المتفجر في قرارة النفس الثكلى ..؟!‏

 

 

 

 

 

أماناً يا خميلة لا تبوحي‏

 

 

 

 

 

حبيبان استقلا واستظلا‏

 

 

 

 

 

بما في الحب باح البلبلان‏

 

 

 

 

 

بغصنك ياخميلة يصدحان‏

 

 

 

 

 

ص71المرأة بحاجة الى طريقة تبوح بها مشاعرها الداخلية الرقيقة , وتتخلص من التراكمات التاريخية التي تجثم فوق صدرها , وعائشة الارناؤوط تسكن في باريس بعيدة عن مناخات القصيدة العربية , تستلهم وتنهل من الشعر المترجم , تبحث عن كلمات تملأ بها فراغ الصمت وتخمد بها نيران البعد :‏

 

 

 

 

 

دعني التصق بك أكثر‏

 

 

 

 

 

ودع قبة جسدك سمائي‏

 

 

 

 

 

لأنكَ شفاف كريح تتحرك لأول مرة‏

 

 

 

 

 

لأنك بهي ونبيل‏

 

 

 

 

 

وواضح كنار متجانسة اللهب ـ ص79 .‏

 

 

 

 

 

نبيهة حداد : شاعرة متمردة , حملت رسالة التغيير على صعيد الأدب والسياسة والاجتماع , الجملة الشعرية عندها تخترق المحظور في كمية التفاعلات الداخلية , تستحضر الرجل أمام عينيها بالروح المتوهجة التي تتغلغل داخل مسام الجماد , وتخبر الحبيب بالاشتعال الذي تعانيه , والنار التي تحرقها :‏

 

 

 

 

 

لا تقتربْ … أحس إني ألتهبْ‏

 

 

 

 

 

أخذت من عدمي السحيق‏

 

 

 

 

 

وكنتُ فيه أضطربْ … ص87‏

 

 

 

 

 

ابتسام الصمادي : ترتل مقطوعاتها وشدة غرامها وتماهيها في كيان محبوبها على مقام الصدق ووتر الحرف الناصع بشعر عاطفي ذاتي تلقائي رقيق , وأية امرأة في العالم بحاجة الى طريقة تبوح فيها مشاعرها الداخلية الدفينة , وتتخلص من التراكمات التاريخية التي تجثم فوق صدرها :‏

 

 

 

 

 

يا سيد الورد .. زيّنْ سور مملكتي‏

 

 

 

 

 

بالحب تزهرُُ أعماقي وأصقاعي‏

 

 

 

 

 

إن كنت تحلم , قيّدْ بِيْضَ أوردتي‏

 

 

 

 

 

فالكيّ بالنار يشفي مُرَّ أوجاعي .. ص93‏

 

 

ربما كان من حق المرأة العربية حين تدوس أرض الكتابة أن تعمل على ترتيب فوضاها الداخلية , وأن تفتح شبابيكها للشمس لتعمل على تعقيمها … ست نساء من أجيال مختلفة يقطفن ما في الشعر من جمال وعطاء وألوان باقتدار وصدق , ولكل شاعرة عالمها الخاص , ومراميه التي يسعى إليها ـ في منازلة أو مهادنة ـ لازدواجية العقل العربي القائم على التقديس والتأثيم التي تتحرك يميناً ويساراً على قطبي الحلال والحرام والاختناق الروحي .. وإذا كان في بعض الأحيان مظلماً مغلقاً , فهناك الكثير من النوافذ المشرعة التي يدخل منها الهواء .‏

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هناك كتب عديدة تظهر وكأنها لم تظهر كونها لم تعد تمثل قيمة ثقافية ولا مرجعية تاريخية , أما كتاب ( الغزل عند شاعرات سوريا المعاصرات ) للشاعرة خالدية قوصرة فقد جاء ليعوض قلة الدراسات النقدية واغفالها شعر الغزل الأنثوي , وضعف اهتمامها به فتستحق شاعراته التعريف بهن , وإضاءة تجاربهن ودراسة ما أبدعن من شعر .‏

 

الحب لغة الكون بأسره , وهو الصلة الحقيقية بين الرجل والأنثى الذي لا تدركه العيون ولا تناله الظنون , وحتى في أيامنا هذه . فإن استطاعت الأنثى المجاهرة ببعض الموضوعات , فهناك كثير منها يظل محرماً عليها وفي مقدمته المجاهرة بإحساساتها تجاه من تحب .. فهل تحول بوح الذات الشعرية والأنثوية اى خوف كبير يجعلها تدندن بها كمعزوفات منفردة هنا وهناك خوفاً من تدوينها مجمعة والحكم عليها بالجرم المشهود ..؟!‏

 

 

 

Share

أكتب تعليقا