مفهوم العلامة عند ديكرو وتودوروف ترجمة: يونس لشهب

 

اَلْعَـلَامَةُ (1)  ترجمة: يونس لشهب

تمثل العلامة مفهوما أساسيا في كل علم للغة، غير أنها، وبسبب هذه الأهمية نفسها، من المفاهيم التي يصعب تعريفها صعوبة كبرى. وتزداد هذه الصعوبة بسبب محاولة أخذ العلامات غير اللفظية في الحسبان، إضافة إلى الكيانات اللسانية، في نظريات العلامة المعاصرة.
إن تعاريف العلامة التقليدية لتبدو، لعين الناظر المتوسم، إما حشوا وإما عجزا عن استيعاب المفهوم في خصوصيته الذاتية.
ويفترض أن العلامات جميعها، تحيل إحالة ضرورية على علاقة بين واقعين مترابطين، غير أن بتحديد الدلالة تحديدا بسيطا، من خلال العلاقة، لن يستطاع التمييز بعدُ بين مستويين هما، مع ذلك، مختلفان اختلافا شديدا: من جهة، فإن العلامة "الأصل" مرتبطة ارتباطا ضروريا بالعلامة "الفرع". ومن جهة أخرى، فإن "الأصل" يعني "الأصل"، لا "الفرع".
لقد اقترح القديس "أوغسطين"، في إحدى نظريات العلامة الأولى أن: "علامة ما هي شيء يجعل شيئا آخر يتبادر منه إلى الذهن، إضافة إلى ذلك النوع الذي تدمجه الحواس.". بيد أن جعل]شيء] يتبادر، (أو ]القيام] ب"استحضار")، يعتبر مقولة ضعيفة جدا، وواسعة جدا، حيث يفترض فيها، من ناحية، أن المعنى يوجد خارج العلامة، (حتى يمكن استدعاؤه إليها). ومن ناحية أخرى، أن استحضار شيء شيئا آخر أمر يقع في نفس المستوى دائما؛ والحالة هذه، فقد تدل صفارة الإنذار ]مثلا]، على بداية القصف، وتستدعي الحرب، وذعر السكان، وغير ذلك. أيقال، إذن، إن العلامة شيء يتبدّل بشيء آخر أم يعوضه؟
سيكون هذا تبديلا خاصا جدا، وهو في الحقيقة أمر ممكن سواء بمعنى أو بآخر: إذ لا يمكن لـ"الدلالة" أو "المرجع"، باعتبارهما كذلك، أن يندرجا داخل جملة ما، مكان "الكلمة".
وقد أدرك "سويفت" ذلك جيدا، وهو الذي كان عليه أن يصل، بعدما افترض إحضار المتكلم معه الأشياءَ التي يريد الحديث عنها، ما دامت الكلمات ليست سوى بَدَلِها، أن يصل إلى الخلاصة الآتية: "إن كانت اهتمامات رجل عظيمة، ومتعددة المشارب، فسيكون، على قدرها، ملزما بأن يحمل على ظهره علبة كبيرة من الأشياء."، ملقيا بنفسه في الهلكة تحت ثِقَلها…
وعليه، قد تُعرّف العلامة تعريفا محترزا، بأنها كيان:
أ‌-     يمكن أن يصير محسوسا.
ب‌-    ويسجل خَصاصةً في حد ذاته، فيما يخص زمرة محددة من المستعملين.
ويطلق، منذ "سوسير"، على القسم من العلامة، الذي يمكن أن يصير محسوسا، اسم الدال (signifiant)، وعلى القسم الغائب اسم المدلول (signifié)، وعلى العلاقة التي يقيمانها دلالة (signification). ولْنفصّل عناصر هذا التعريف عنصرا عنصرا.
إن علامة ما توجد، يقينا، دون أن تكون مدركة. ولنفكر في كلمات اللغة الفرنسية كلها، في لحظة معينة من الزمن، لم يكن لها أي وجود مدرَك. ومع ذلك، فإن هذا الإدراك ممكن دائما. ويقترح "بورك" قلب نظام الدلالة، واعتبار الأشياء بوصفها علامات على الكلمات (الأفكار).
لكن هذا التصور المساير لأفلاطون، يفترض دائما أن الدال قد يصير مدرَكا. وعلى النحو نفسه، فإن هذه الخصيصة لا ينقضها وجود الوحدة الصوتية الصغرى (phonème) "خلف" الأصوات، أو الوحدة الكتابية (graphème) "فيما وراء" الحروف.
إن العلامة مؤسسية دائما، وبهذا المعنى، فلا وجود لها خارج مجموعة من المستعملين محدودة. وهذه المجموعة قد تقتصر على شخص واحد (ومن ذلك العقدة التي أعقدها بمنديلي). لكن العلامات لا توجد خارج مجتمع ما، مهما قل. وليس صوابا القول إن الدخان علامة "طبيعية" على النار، ذلك أنه ناتج عنها، أو أحد أجزائها. وطائفة من المستعملين هي فقط، تستطيع أن تجعل منه علامة.
يتعلق شِقُّ النظرية، ]نظرية العلامة]، الأكثر إثارة للجدل بطبيعة المدلول. ولقد حُدِّد هنا بوصفه خصاصة، وغيابا في الشيء المدرك، الذي يصير، على هذا النحو، دالا. وعليه، يعادل هذا الغيابُ الجزءَ غير المحسوس، ذلك أن الحديث عن العلامة، يستلزم القبول بوجود اختلاف جذري بين دال ومدلول، بين محسوس وغير محسوس، بين حضور وغياب. ولْنَقُلْ قولا يخلو من الحشو: إن المدلول لا وجود له خارج علاقته بالدال، فهو لا يوجد قبله، ولا بعده، ولا في موضع آخر؛ ذلك أن الدال والمدلول ينشآن عن نفس العامل، وهما مفهومان لا يمكن التفكير في أحدهما بمنأى عن الآخر. إن الدال دون مدلول لا يعدو كونه مجرد شيء، هو موجود ولكنه لا يدل. وإن مدلولا دون دال أمر يعجز عنه الوصف، والتفكير، إنه العدم نفسه.
وتتعارض علاقة الدلالة، بمعنى من المعاني، مع ]مبدإ] الهوية، حيث إن العلامة سمة (marque)، وخصاصة في الآن نفسه، فهي ذات أصل مزدوج.
ولا بد من مراعاة مظهرين متكاملين في كل مدلول: الأول، إن صح القول، عمودي: يتبدى لنا في العلاقة الضرورية التي يقيمها مع الدال. وتَسِمُ هذه العلاقةُ موضعَ المدلول، لكنها لا تمكننا من تحديده تحديدا يقينيا، فهو ما ينقص الدال.
والثاني، هو المظهر الذي نحب أن نتصوره أفقيا، ويقوم على علاقة هذا المدلول بالمدلولات الأخرى كلها، داخل نسق من العلامات. وهذا التحديد هو الآخر، "سلبي"، (فهو يفضي بالمدلول، كما قال "سوسير"، إلى: "أن يكون على غير ما هي عليه باقي المدلولات". ولعل من الأصوب تسمية هذا التحديد بـ"العلاقي")، لكنه يجري في قلب مجموعة اتصالية (continuum)، يؤلفها مجموع المدلولات التي تشكل نسقا، (ولا يعتبر وصف هذه المجموعة الاتصالية بأسماء من قبيل: "فكر"، و"مفاهيم"، و"ماهية"… تفسيرا لطبيعتها، وهو أمر لا نعدمه، مع ذلك، عند كثير من الفلاسفة وعلماء النفس).
في كلتا الحالتين، يكون الوصول إلى المدلول بواسطة الدال. وهنا بالتحديد العقبة الكأداء في وجه كل خطاب في العلامة. وليس المعنى جوهرا عاديا يمكن فحصه على نحو مستقل عن العلامات، حيث يُدْرَكُ؛ فهو لا يوجد إلا بواسطة العلاقات التي ينخرط فيها.
بَيْنَ يَدَيِ الْعَلَامَةِ.
إن تعريف العلامة "الضيقَ" هذا، يوجب إقحام مفاهيم أخرى، من أجل وصف بعض العلاقات المتشابهة، والمختلفة مع ذلك، والتي عادة ما تلتبس تحت اسم "الدلالة"، أو "الدليل". وهكذا، يكون التمييز بين الدلالة (signification)، والوظيفة المرجعية، التي تسمى أحيانا تعيينا (dénotation)، تمييزا دقيقا (كما فعل كل منظري العلامة تقريبا).
ولا ينتج التعيين بين دال ومدلول، وإنما بين العلامة والمرجع، أي الشيء الحقيقي، في أيسر حالة يمكن تصورها: ليست المتتالية الصوتية أو الحرفية "تفاحة" هي التي ترتبط بالمعنى تفاحة، بل إن الكلمة (أي العلامة نفسها): "تفاحة"، هي التي ترتبط بالتفاح الحقيقي. ويينبغي إضافة أن علاقة التعيين تخص من جهة العلامات-التواردات، لا العلامات-النماذج. ومن جهة أخرى، يغلب عليها أنها أقل وقوعا مما نعتقد؛ فالحديث عن الأشياء في غيابها أكثر منه في حضورها. وفي الوقت نفسه، يصعب تصور ما سيكون "مرجع" أغلب العلامات. وقد ألح "بيرس" و"سوسير" أيضا، على أن دور التعيين في تعريف العلامة دور هامشي.
وينبغي كذلك تمييز الدلالة عن التمثيل (représentation)، الذي هو ظهور صورة ذهنية لدى مستخدم العلامات. وهذه الصورة الذهنية رهينة بدرجة التجريد في مختلف طبقات مفردات اللغة. ويقع هذا التدرُّج، من منظور أجزاء الخطاب، بدءًا من أسماء الأعلام، إلى غاية حروف المعاني (particules)، وأدوات العطف (conjonction)، والضمائر. ومن منظور دلالي، يمكن أيضا ملاحظة درجات من التجريد متنوعة.
ويستخدم الخيال (fiction) خصوصيات الكلمات التمثيلية استخداما كثيرا، وقد كانت إحدى مثالياته زمنا طويلا، درجة "الاستحضار" العليا، وهذا منشأ عادة الحديث عن الأدب بمصطلحات من قبيل "المناخ"، و"الفعل"، و"الأحداث"…
إن هذه التقابلات قد حددها "الرواقيون" من قبل، وميزوا في القسم المدرَك من العلامة ثلاث علاقات:
–       العلاقة بـ"الشيء الحقيقي"، (التعيين).
–       "الصورة النفسية"، (التمثيل).
–       "المقول"، (الدلالة).
وفي الحقيقة، يُعَدُّ التعيينُ والتمثيلُ حالتين خاصتين لاستعمال أعم للعلامة، نسميه الترميز، (symbolisation)، وهو بذلك يقابل بين العلامة والرمز، (ويدرس "هلمسليف" ظواهر قريبة ]من هذا] تحت اسم التضمين (connotation)، لكن هذا المصطلح الأخير عادة ما يؤخذ بالمعنى الأضيق).
إن الترميز ترابط يكاد يكون مستقرا، بين وحدتين من نفس المستوى، (بمعنى بين دالين، أو بين مدلولين). فكلمة "لهب"، تدل على اللهب، لكنها ترمز، في بعض الأعمال الأدبية، إلى الحب، وعبارة: "أنت خليلي."، تدل على: أنت خليلي، ولكنها ترمز إلى الألفة، وغير ذلك.
إن العلاقات الناشئة في الحالتين الأخيرتين علاقات خاصة خصوصية تكفي لأن يكون من المستحب أن تطلق عليها أسماء متميزة.
إن المحك التطبيقي، الذي سيمكن من الفصل بين علامة ورمز، هو اختبار العنصرين، وهما في علاقة. ففي العلامة، يكون هذان العنصران، ]العلامة والرمز]، بالضرورة من طبيعة مختلفة. بينما في الرمز، وقد رأينا ذلك للتو، ينبغي لهما أن يكونا متجانسين.
تسمح هذه المقابلة بإيضاح مشكل اعتباطية العلامة، الذي أحياه سوسير في حقل اللسانيات. فالعلاقة بين دال ومدلول هي بالضرورة علاقة غير معللة: ذلك أن الاثنين، ]الدال والمدلول]، من طبيعة مختلفة، ولا يخطر على القلب أن متتالية من الحروف أو من الأصوات تشبه معنى ]معينا]. وفي الوقت نفسه، فإن هذه العلاقة علاقة ضرورية، بهذا المعنى الذي يكون فيه وجود المدلول غير ممكن دون الدال، وينعكس.
وبالمقابل، فالعلاقة في الرمز، بين "مرموز به" (symbolisant)، و"مرموز إليه" (symbolisé)، علاقة غير ضرورية، (أو اعتباطية)، ما دام "المرموز به" وأحيانا "المرموز إليه"، (المدلولان: لهب، وحب)، يوجدان وجودا كل واحد منهما مستقل فيه عن الآخر. زمن أجل هذه العلة نفسها، لا يمكن للعلاقة إلا أن تكون معلَّلَةً، وبعبارة أخرى: لا شيء كان سيدفع إلى إقامتها. وعادة ما تصنف هذه التعليلات إلى مجموعتين كبيرتين، مقتبستان من تصنيف الترابطات في علم النفس، وهما: المشابهة (ressemblance)، والمجاورة (contiguité)، (وأحيانا يعبر عنهما أيضا بـ"الإيقون" (icône) و"المؤشر" (indice)، ولكن بمعنى للمصطلحين مختلف عن ذاك الذي لهما عند "شارل بيرس").
ولْنُضفْ أن العلاقة القائمة بين العلامة والمرجع، بين العلامة والتمثيل، قد تكون معللة، تماما مثل علاقة الترميز؛ إذ أن ثمة مشابهة بين الأصوات: "كوكو"، وتغريد العصفور، (المرجع أو التمثيل السمعي)، مثلما هي أيضا بين المعنيين: لهب وحب. غير أنه لا يمكن أن يوجد تعليل فيما بين الأصوات "كوكو"، والمعنى كوكو، وفيما بين كلمة "لهب"، والمعنى لهب.
إن تلقي الدلالة لا ينبني، إذن، على ترابطاتِ مشابَهة أو مشارَكة أو غيرهما، ذلك أن علاقات من هذه الطينة لن توجد بين الدوال والمدلولات. هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن التواصل اللفظي ينهض على استخدامٍ للرموز، على قدر استخدام العلامات، إن لم يكن أكثر.
ويتعينأخيرا تمييز العلامة عن مجاوراتها] من المصطلحات] الأقل قربا. وقد دأب اللسانيون الأمريكيون من مدرسة "بلومفيلد"، على اختزال العلامة في مجرد إشارة (signal). والإشارة تسبب ضربا من الاستجابة، لكنها لا تتضمن أية علاقةِ دلالةٍ. وفي العادة، يُختصر تواصل الحيوانات في إشارات. وفي اللغة الإنسانية، قد تستخدم صيغة الأمر استخدام إشارة، غير أنه من الوارد أن تُفهم الجملة: "أغلقوا الباب!"، دون أن يُنجَز الفعل المشار إليه مطلقا؛ فالعلامة عملت عملها، أما الإشارة فلا.
وهناك فصل تبدو جدواه إشكالية، وهو الفصل بين العلامة والعَرَضِ (symptôme)، أو العلامة الطبيعية. فالعرض حقا علامة، هي جزء يكون المرجع. وعلى سبيل المثال: الحرارة عرض من أعراض المرض. وفي الواقع، إن العلاقة الموصوفة هنا ليست من النمط: دال-مدلول، (إذ المرض، بوصفه حدثا حقيقيا، ليس معنى إذا ما تحرينا الدقة)، ولكنها من النمط: علامة-مرجع، (أو تمثيل). وإضافة إلى ما سبق، يبدو أن هذه العلامات "الطبيعية"، (وبالتالي الكونية) نفسَها، هي الأخرى أقل طبيعية مما نعتقد بكثير، فطريقة السعال في فرنسا تختلف عنها في زيلندا الجديدة. ]وعليه] فإن العلامة اصطلاحية دائما.
اَلْعَلَامَةُ الَّلفْظِيَّةُ (verbal) وَالْعَلَامَةُ غَيْرُ الَّلفْظِيَّةِ.
وقد حُدّدت العلامة على هذا النحو، فهي ليست لغوية بالضرورة؛ إذ العَلَمُ، والصليب المعقوف، وحكة معينة، وألواح المرور، كل أولئك كان علامات أيضا. ويلزم البحث عن خصوصية اللغة اللفظية في موطن آخر.
إن هذه اللغة، واللغة ]عامة]، تتميز بداية بمظهرها النسقي (systématique)، حيث لا يمكن الحديث عن لغة إذا لم يكن فيها غير علامة معزولة. وجَرَمَ أنّ وجود علامة معزولة نفسَه، أمر أكثر من إشكاليّ: أولا، ]لأن] العلامة تتعارض تعارضا ضروريا مع غيابه. ومن جهة أخرى، فنحن نضع العلامة دائما في علاقة، (وإن لم يكن ذلك على نحو أساسي)، مع علامات أخرى مماثلة؛ ]نضع] الصليب المعقوف مع النجمة، وعلما مع آخر، وهكذا. وبالرغم من ذلك، يقصد باللغة عادة نسق معقد. ثم إن اللغة اللفظية، ثانيا، تفترض مسبقا وجود الدلالة، بالمعنى الضيق المحدد سابقا. وحديثنا، إذن، عن "لغة" في حالة نسق رمزي آخر ]غير اللغة]، حديث يقوم على قياس كافيك من قياس مهلهَل.
ومن نظر ثالث، فإن اللغة اللفظية تنفرد ببعض السمات الخاصة، ألا وهي:
أ‌-                 يمكن استعمالها للحديث عن الكلمات التي تؤلفها نفسِها، وبالنظر إلى دواع وجيهة جدا، للحديث عن أنساق علامات أخرى.
ب‌-        يمكن إنتاج جمل لا تحتمل التعيين ولا التمثيل، من مثل: الأكاذيب، والتوريات، وتكرار جمل سابقة.
ت‌-        يمكن استعمال الكلمات بمعنى ليس معروفا عند الجماعة اللسانية من قبل، ويكون فهمه بفضل السياق (ومن هذا مثلا استخدام استعارات أصيلة).
ولو أطلقنا على ما يسمح للسان اللفظي بالاضطلاع بكل هذه الوظائف اسمَ الثانوية (secondarité)، لقلنا إن الثانوية سمة تكوينية فيه.
وتبدو الثانوية خاصة باللغة اللفظية الإنسانية، وكأنها فارق نوعي يَمِيزُ اللغةَ منْ كل الأنساق الأخرى المماثلة. وعندما يتحقق الشرطان الأولان فقط، يمكن الحديث عن السنن (code)، (بمقدار ما يكون النسق الذي نحن بصدده مماثلا لنسق اللغة)، وتعني كلمة "سنن" هنا: "نظاما من الإكراهات.". وعلى هذا، فالموسيقى ]تشكل] سننا، حيث إن عناصر القطعة الموسيقية كلَّها (مقامات الصوت، وحِدّته، والرنّة الخاصة لكل آلة، وغير ذلك) تكون متعالقة فيما بينها، ولكنها لا تدل، كما أنها لا تملك خاصية الثانوية. ومعظم الأنساق الدالة التي تحيط بنا أنساق مركبة: فهي في الآن نفسه، سُنن، وأنساق من العلامات، وأنساق رمزية. بيد أن أيا منها ليس فيه خصائص اللغة الثلاث مجتمعة. ويبين الأدب، من جهته، فرضَ سنن ثان على اللغة، (من ذلك إكراهات الشعر أو الحكاية الشكليةُ). وفي الوقت نفسه، نستعمل الكلمات فيه في ]الأدب] بوصفها رموزا، أكثر من كونها علامات، وخاصة في المجاز.
تكتسب العلامة، من كونها تنتمي إلى نسق ]معين]، أبعادا تتعذر ملاحظتها عندما يُنْظَرُ إليها، ]أي إلى العلامة] وقد عُزلت عزلا.
فمن جهة، تنخرط العلامة في علاقات تداولية (pragmatiques) مع العلامات الأخرى، ذلك أنه يمكن ملاحظة كون علامتين متطابقتين أو مختلفتين، وكون إحداهما تحتوي أو تستبعد الأخرى، وكون إحداهما تستلزم أو تفترض الأخرى، وهلم جرا. ومعنى هذا، أن مجموع مفردات (vocabulaire) لغة ]ما] منظم، وأن علامات لغة ]ما] تتحدد في علاقة بعضها ببعض. ويرجع "بيرس" إلى خصيصة العلامات اللفظية هذه، سواء في مصطلح "المؤَوِّل" (interprétant)، أو "المعرفة الجانبية" (collatérale)؛ فهذه العلاقات الاستبدالية أو ]التراكبية] (paradigmatiques) التي تسمح بالتأويل، تشكل جزءا مما يسميه "سوسير": قيمةً، و"هلمسليف": شكلَ محتوًى. ولنُسمِّ مظهر العلامة هذا، مع "بنفنست"، "التأويليةَ" (interprétance).
غير أنه لوحظ أيضا منذ زمن طويل، وجود اختلاف بيّن بين العلامة نفسها، والاستعمال الفردي، الذي نسكت عنه. وهكذا يقابل "بيرس" العلامة-النموذج بالعلامة-التوارد، (النموذج (type) والعلامة (token)، أو علامة القانون(legisign) والعلامة المفردة (sinsign)). ويزودنا العدد الإجمالي لكلمات نص ]معين] بعدد العلامات-التواردات، بينما يزودنا العدد الإجمالي للكلمات المختلفة بعدد العلامات-النماذج.
وأخيرا، فإن العلامة-التوارد، وهي تندرج في جملة ]من الجمل]، تعتريها بعض التغييرات الداخلية؛ ذلك أنها قد تأتلف مع بعض العلامات، دون الأخرى. أضف إلى ذلك، أن هذه التأليفات (combinaisons) ذات طبيعة مختلفة. ويمكن تسمية هذا المظهر في العلامة، والذي يسمح لها بالدخول إلى الخطاب، والائتلاف مع علامات أخرى، بالتدليل (signifiance).
لقد لاحظ "بنفنست" أن اللغة الطبيعية تنفرد بامتلاك هذين المظهرين معا؛ فالعناصر التي تكوِّن السنن الأخرى، على سبيل المثال، حظيت بـ(صورة) من التدليل، أو شبيه به. وعلى هذا النحو، فإن النغمات (tons) الموسيقية تأتلف وفق بعض القواعد المحددة، لكنها لا تشكل محورا استبداليا (paradigme). وعلى العكس من ذلك، فإن العناصر التي تكون أنساق العلامة، غير ]نسق] اللغة اللفظية، تنخرط في علاقةِ "تأويليةٍ"، لكنها ليست علاقة "تدليل"، فاللونان الأحمر والأخضر في العلامة المرورية، يتناوبان، دون أن يأتلفا حقيقة. وسيكون في هذا أيضا سمة خاصة باللغة اللفظية الإنسانية.
 


1- Oswald Ducrot, Tzvetan Todorov, Dictionnaire encyclopédique des sciences de la langue, éd. Du Seuil, 1972, pp: de 101 à 108.                

Share

تعليق واحد لـ to “مفهوم العلامة عند ديكرو وتودوروف ترجمة: يونس لشهب”

أكتب تعليقا

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture. Click on the picture to hear an audio file of the word.
Anti-spam image

ارسل مشاركتك word
في صدانا يسمو الحرف حتى يلامس السماء العاشرة ..نتمنى لكم وقتا ممتعا فى قراءه ما تحتويه المجلة من ابداعات ابناء الأمة
الموسوعة الكبرى للشعراء

مواقع أدبية خاصة

الاعمال الكامله /صقر القاسمي

الدكتورة سعاد الصباح

صلاة عشتار أسماء القاسمي

معبد الشجن.. أسماء القاسمي

أغتراب الاقاحي فاطمة بوهراكة

بوح البياض /المطفى فرحات

البودار /جسن الافندي

في رحاب الله ورسولة/حسن بوشو

كلام يشبه شعرا محمد خالد القطمة

إمرأة بزي جسد/ وفاء عبد الرزاق

حداد التانغو لنسيمة بوصلاح

هموم الليل والدمع /عبدالله الحضبي

زمن لانهيار البلاهة /صليحة نعيجة

مدار القوسين لناصر لوحيشي

كتاب المشلول والجرف لنازك ضمرة

على صخر جسدها أحفر قصائدي

شفاة الرحيل لسعد العميدي

مواقع أدبية عامة

\
التقويم الشهري
الأرشيف
عدد الزوار
This site is protected by WP-CopyRightPro