لا ربيع من زهرة واحدة / د.ماجدة غضبان المشلب

  

لا ربيع من زهرة واحدة / د.ماجدة غضبان المشلب

هارون دوما


ايتها الغمامة


اذهبي حيث يشاء

فأن خراجك

عائد اليه

ابدا


انتحبتُ بصوتها

وارتديتُ رثاء اهلها

ونهشتْ احشائي

مجاعتها

ولم ازل أنهل

ماءها المنقوع

بالدم


بمشرط صغير

تبدو الكلمات المحفورة

متوهجة

حمراء

كجمر يتقد

في الظلام


حجر وحيد

في القعر الصاخب

يتحرك بتؤدة

لا تدرك عيناه

انه قادم

لجزائرها

حتما


تناثرتْ على جلبابها

المسوخُ

وتساقطت خلفها

اوراق الشجر

واندحرتْ كلُ الوجوه

المقدسة

فوق حطام المدن


ترمقني

زهور البنفسج

وفي أصيصها القميء

تفتح المجراتُ

ثغرَها

كأطيار بلا زغب


طاف

كما يطوفون

وهرول

كما هرولوا

في الليل

انتحبتْ السماء

طويلا

وحفرتْ سواقيها

الدموعُ


يمتدُ

غير مكترث

بالمسافة

ولا بغروب

يتلوه فجر

انه يمتد

يمتد

فحسب


يبيحون لي

قرار البحر

قرار النهر

قرار البئر

قرار الكأس

قرار القبر

ولا قرار لموتي


للزهر أن ينحني

ذات يوم

في زهرية

الثراء


ناسلتْني الايام

وحبلتُ

بالقحط و الحروب

والدماء

ولم ألد

ولي العهد

بعد


في مملكة النمل

عصي على الرعايا

تسلق

حصاة طريق


ايتها الغمامة

تبددي

متى شئتِ

فأن خُرْجه

لن يمتليء

ابدا


العراق دوما

حين يحل الحزن

غالبا

ما يرحل

بتثاقل شديد


غادري المحيطات

الزرقاء

والقارات الدامية

واستقري

بين اناملي

فهنالك سكينة

قلبي

وندى القصائد


لا تكفّي عيون

العراق

كل فجر

لزهرتي

دمعتان

وآهة


للنساء

والغرّاف


والنخيل

نكهة واحدة

وعشق يتلألأ

على النحور

والسعف

وصفحة مياه

رائقة


انجبتْ قدماي

طريقها

ولم تنجبْ قدمي

الحصى

ولا الصخورُ الناتئة

بالالم

ولا شموسُ الدم

المغلقة

على آهاتها

الحرّى


كرات زجاج ملونة

تومض كالشهب

وبقعة تراب

وكفاه سمراوان

متناهيان في الصغر

تلهوان بجذل

الطيور


أيتمتْني المدائن

والشوارعُ المضرجة

بعويلي

والبيوتُ التي تهدلتْ

نوافذها

كخصلات شعر رأسها

الذبيح


أن تطير

حتى السقف

أو أن تسير

على الجدران

مائلا

كمسخ كافكا


غير مبال

بلحظة السقوط

لا يعني ابدا

انك قد اصبحتَ

حراً


تختفي أشجار البرتقال

وتعوي المفازات

القادمة

في أذنيه

وتتساقط ارياش

طيور التم

نائيةً

عن اهوارها


لا ندبةَ

على جذع شجرة

مقطوع

ولا نأمة للعشب

تحت اقدام الجنود


جردتْني السنابلُ

من حباتها

وهوتْ بمناجلها

شمسُ نيسان


تحت ذلك السقف

أدرك السحابُ

ان لا بهجة للايتام

تحت سياط

المطر


بردتْ صحوني

في انتظار عشاء

يسوع

وجفّتْ أنهار تعميدي

وتناوشتْني

سيوفُ يزيد


هو دوما

إغلقْ عينيك

وتمادى

في حلمك

تمادى

والأحرى

ان لا تستيقظ ابدا


عقارب الساعة

تتلوى

تحت ثقل التبدد

وتنزفُ دمَه

على الجدار

ببطء قدم حلزون

لزجة

تك تك

تك تك

تك تك

تك

؟؟؟؟


نخلة و حَوْش

وسدرة نرميها

بحجر

هذا كل ما انتقيتُ

في جيبي المخزوق

من ذكرى الوطن


ينادمُ الكأسَ

وملامحها

على المائدة

لا تبارح العبث


البيوت التي غطاها

الغبار

الموزعة بين حقائب

السفر

أفاقتْ على جثمان

الغريب

بلا تذاكر عودتها


صفراء

كأوراق كتيّب قديم

كقمم القمح المهيبة

كذرات تبن محلقة

كخصرها الدقيق

حين يلامسُها

كشحوب عينيها

تحت سحب دخان

الفجيعة


ظنَّ أنه

كما السلحفاة

يحمل بيتَه

حيث حلّ

مساءً

يتساقط نثيثُ الثلج

وترتعد بغداد

كأمرأة عارية


الريح ثملة بي

تراقصُ

جسدَ العطر

الفتيّ

وذراعاها كأعواد قصب

تشارك الاهوارَ

مدافنَها


في زاوية

من المسرح

كان للعشق

عيونٌ من حجر

وللقلب جدارٌ

دون مسامات


نهدان نافران

اعلى الشجرة

وبرعم ينتشي

وقبلة تتأرجح

في الهواء

وصياد ماهر

يملأ السلال

بقطرات دم

عذراء


أصغى

مليأ

الى إرتطام القطرات

على أخاديد الرصيف

وصوتُها يغيب

يغيب


في بيت صغير

فقط

تعرف العاصفةُ

معنى الأعاصير


الوجه ينسدل

من لوحة عتيقة

وسور من العناكب

يشاكسُ الالوانَ

والدمعةَ الفاقعة

يشاكس فقاعةً

هامدة

من شهيق اخير


كتف من جليد

وعينا أنثى أنهكها

البكاء

في قطار

يتوغل غرباً

فوق هالة قنوطها

تتعرّى

طقوسُ الشروق


طُرِِق البابُ

وتقادمتْ خطوات

الامس

وتثاقلتْ

اقدامُ جثامين

الغد


الكرسي يهتز

دون توقف

بعيداً

تقطن مدينةٌ

لا شمسَ

لعتمتها


ورقة صامتة

واخرى

دون سطور

وثالثة

مزقتْ ملامحَها

خربشةُ قلم

ورابعة شطرها

البحثُ

عن إتجاه واحد

للرحيل


كل الذكريات تسجد

عند صباها

حتى الفجر

وكل البقايا من عرش

زهرة مجففة

تهطل من سقف

روحي


مذ كنت أحبو

وانتِ تهيلين

ترابَك

على وجهي

ومازلتِ

حتى قبل ان يستردني

الكفن


على جانبيها

يدرك الموج

انه لن يبلغ

قمتَها

دون ثورة

هوجائها


احرزتُ كل القبل

الخضراء

و اينعتْ

سنون جوع

مالحة

وتلك الشفاه

تتلظى

في علبة

من خزف


هي دوما

تذوي

ليس لأن الشمسَ

تغادر

او لأن القمر

يعلوه الغبار

يل لأن للماء

رائحةَ الموتى..!!


يا قرةَ العين

يا شمسَ كربلاء

أسفري عن وجهك

ذلك أجدى

من مناطحة الحجر


لم تزرني

حكاياتُ جدتي

واسبلتْ طفولتي

جفنيها

ونضتْ عن القبلات

اثوابَ حدادها

وآنتصب سرير العهر


خلف شهوتها

المتدلية من فرع

ينوء بثقلها

تبكي المرأة

رجلاً اعمى

وآخر أحمق


بكيتُ

وكان لدمعاته

حجمُ غماماتي

ولكفيه الصغيريتين

سعةُ جوف البحر


قبضة من الزهر

ومن حرقة الاصيل

ساعة المغيب

ومن بقايا لوعتي

وعيناك تنحر اللقاء


من يبيح لي

ان أهجوَ

كلَّ الكائنات؟

وكل قوانين

البشر؟

كل ما صنعتْه

خناجرُ الرجال؟


امرأة للمرايا

وضجةِ الألوان

الماجنة

وفحيحِ الرجال

ودموعٍ غارقةٍ

بكحلها


مساءً

تكون التجاعيد

أشد ألفة

مع المكان

وأقسى من الصخر

على رحى

الذكريات


بين أربعة جدران

وسقف

يمكن للمرأة

أن ترى

كل قبور الارض


البركان ينثر حممَه

على جسدها

الصقيل

ونهداها على وشك

السقوط

بانتظار

نيوتن جديد


كل قبلة

لها رضابها

الدامي

يوما ما ستشحب

شفاهٌ أربع


تعاقر وسادتَها

وتمد بصرها

من نافذة عوراء

حتى جدار جارها

المتآكل


فرعها الاخضر

من خشب

وثمرها الماسي

ينضج

وعزَّ على المؤمنين

بقصائدها

القطافُ


المرأة

لا تزرع وحدتها

في حقل الجليد

بل شفتاها المكتنزتان

ظمأً


قرط في أذنها

وآخر فقدته

حين صفعتْها

يدُ العراء


تأوهتْ..

وآنبسطَ الألمُ

تحت جسدها

كرقعة سجود

مهترئة


على الرصيف

تجلس أمام بضاعتها

بذهول

فوق رأسها

عش من صراخ

الجائعين


أنامله

تتناثرُ

كفوضى حجارة

على جلدها

المخملي

وتخز بطنَها اشواكُ

جذعه المقيت


وهو يحصي

اضلاعَ جوعها

لم يعرف الطريق

الى قلبها

أبدا


من يجيد سواها

زرعَ غابات

الغروب

على وسادة

واحدة؟

من يجرؤ

على الامتثال

لأوامر شرر

عينيها؟


يقترب الليلُ

بأرجل هرة جائعة

وتقتربُ من فراشها

السندسي

كرذاذ مطر

الصيف


تحت لمسات

اصابع باردة

تتجعدُ

كصفيحة فارغة

وينطوي لحمها

كثوب عتيق


في كنيسة نوتردام

خرجتْ كلُّ شياطين

اسميرالدا

من بقع تعذيب

زرقاء


عودي أبتها القطرة

الصغيرة

يا وريثة الغيمة الساحرة

والسماء المبللة

وأوراق السدرة

المدللة

والزمن الذي خلد

الى نوم عميق

على رضاب لذيذ


ينزلق هذا الشتاء

كجسد رضيع

على حجرها

وترسو عند سرتها

بيوتُ الثلج

وتقيم عيناها

دامعتين

مأتمَ النخيل

ولا شمسَ تواسي

حيث الصقيع


لازال في القلب

متسع للحزن

يا أبتي

ولا قبر يواريك

ولا حتى سيف موت

يحول بيني

وبين ذراعيك

 

Share

أكتب تعليقا