من مناجم الشعر بقلم / توفيق أبو شومر

 

 

من مناجم الشعر      بقلم / توفيق أبو شومر

هل الأديب والشاعرُ عرّافٌ؟ وهل يملك من الحواس حاسةً أخرى زائدة عن حواس الآخرين؟ أم أنه مسكونٌ بعالَم آخر، يختلف عن عالم البشر العاديين؟قال نوفاليس: "الشاعر يَرَى ما لا يُرى، ويَحُسُّ ما لا يُحَسُّ "الشاعر نوفاليس مات في ريعان شبابه 1772- 1801 إنه شاعر المذهب الرومانسي، الذي يعتمد مذهب [ الرؤيا] والاستشراف عن بعد، وليس الرؤية البصرية. والفرق بين الرؤيا والرؤية، ليس في حروف الكلمتين فقط، بل هو في مدلولاتهما، فأدوات (الرؤيا) هي العواطف والأحاسيس ، بينما (الرؤية

هي عملية مادية بصرية، أداتها العين. ظهر المذهب الرومانسي في أواخر القرن الثامن عشر ، واستمر حتى القرن العشرين .فقد بحث  الشباب المحبطون بعد سلسلة الحروب ومشاكل الفقر والفاقة عن  فلسفة (مريحة) تريحهم من عناء التفكير العقلي الجامد الجاف، فلجؤوا إلى المذهب الرومانسي المريح.لخَّص نوفاليس مذهبه الرومانسي في شعار آخر يقول : (( العالَم يصبح حُلما ، والحُلْمُ عالَما ))  يدل هذا الشعار على أثر الفيلسوف وعالم النفس فرويد الذي رفع شعارا جديدا أعتُبر أساس المذهب الرومانسي، حين قال:( الإنسان يعيش في أحلامه، أكثر مما يعيش في واقعه) ( ليست الحياة كلها إلا حياة في اللاشعور)فألف نوفاليس رواية هنريك ، وهي تحكي قصة شاب مضى يبحث عن الزهرة الزرقاء  المستحيلة في ذلك الوقت وقد رآها في الحلم، وصارت هاجسه ، وسار على الدرب أيضا الشاعر الإنجليزي (كولردج)الذي أمضى حياته باحثا عن اللامعقول. وصار البحث عن المستحيل هو سمة الرومانسية .ووصلت الرومانسية إلى مرحلة الخطر بعد أن أصدر المبدع الألماني غوته رواية (عذابات الشاب ويرزر)1774 ، وهي قصة تنتهي بانتحار ويرزر ، لأنه لم يحصل على محبوبته ، وقد مُنعت الرواية لأن كثيرين قد تأثروا بها وانتحروا !وتطورت الرومانسية من أحاسيس مرهفة، وعواطف جيّاشة لتصبح فلسفة أدبية ، على يد الفيلسوف فردريك ويلهلم 1775 والفيلسوف كيركيغارد 1813  الذي وضع شعارا يقول:العالم كله ليس سوى أنا فقط.وقد تأثَّر الشعراءُ العرب بالمذهب الرومانسي، ولكنهم لم يحوِّلوه إلى مذهب فلسفي كما فعل أدباء الغرب، واكتفوا بجعل المذهب الرومانسي مدرسة أدبية عربية، تمثّلت في شعراء مدرسة أبوللو ، التي ظهرت في بدايات القرن العشرين على يد الشاعر أحمد زكي أبو شادي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ، ومحمود حسن إسماعيل وأحمد رامي  ونازك الملائكة وأبو القاسم الشابي وغيرهم،  وكانت الرومانسية في شعر هؤلاء تعتمد عواطف الحزن والألم، وتمكنت من إعادة صياغة  اللغة في تعبيرات وقوالب جديدة لم تكن معروفة من قبل، وخفَّفتْ مدرسة أبوللو من حدة الالتزام بالأوزان الشعرية التقليدية، وطوّعت الشعر العربي بحيث أصبح قابلا للغناء  ، وامتزجت مدرسة المهجر معهم في هذا التيار الرومانسي وصارت الرابطة القلمية لشعراء المهجر تسير في طريق الرومانسية أيضا، ومن روادها، جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة وإلياس أبو شبكة وغيرهم.         ولكن ما الرابط بين الحديث عن الرومانسية، وبين استشراف المستقبل؟وهل استشرافُ المستقبل يندرج ضمن المذهب الرومانسي؟نعم إنني أرى بأن الرومانسية الأدبية، هي صياغة أدبية عاطفية جديدة ، غايتها إعادة صقل الروح وجعلها شفافة حسَّاسة قادرة على (الرؤيا)، باستخدام الشعر. ولا أبالغ إذا قلتُ إن جذور الرومانسية تعود إلى شعرائنا العرب الأوائل ، وعلى رأسهم الشاعر امرؤ القيس والشنفرى والحطيئة أبو تمام والمتنبي وأبو العلاء.إننا بحاجة إلى ناقدين مختصين في التنقيب في مناجم أشعارهم لنكتشف الألماس والذهب الرومانسي المخبوء في أشعارهم.إن الرومانسية كمذهب أدبي، ليست الألم والحزن والبحث عن المستحيل، وليست التحرر من السلطة الأدبية العربية الرسمية، وليس تقديس الأنا فقط، ولكنها بمعناها الواسع رؤيا عاطفية استشرافية خالدة،  فالشاعرُ نصرُ بن سيّار  الذي عاش في القرن الثاني الهجري أو الثامن الميلادي في زمن الأمويين كان رومانسيا أيضا ، حتى وإن لم يعش في زمن المذهب الرومانسي، فهو رومانسي بحاسته الاستشرافية التي توَّقعتْ الفتنة بين العرب، فقال أبياتا خالدة، لسهولتها ودقَّةِ معانيها، وصلاحيتها لكل عصرٍ وأوان فقال في أبياتٍ وجهها لوالي العراق:أرى خلل الرمادِ وميضَ جَمْرٍ… ويوشكُ أن يكونَ لهُ ضِرَامُفإنّ النارَ بالعوديْنِ تُذكَى … وإنَّ الحربَ أولُها الكلامُفإن لم يُطْفِهَا عقَلاءُ قومٍ…. يكونُ وَقُودَها جثثٌ وهامُ   إذن فإن الشاعرَ كما قال نوفاليس أيضا ليس سوى سارقِ نارٍ يضيءُ بها الظلمات!!

Share

أكتب تعليقا