الحذاء / محمد عباس علي

  

الحذاء / محمد عباس علي

قصة  قصيرة

 

تعملقت جذور الحيرة فى صدرى وانا أحدق فى الشاشة الفضية ، الرجل يبدو وقوراً جاد الملامح ، يتكلم بتؤدة مفكر وبعلم خبير ، حروفه مرتبه ولغته سليمة،  يوظف ملامح وجهه بإتقان وهو يتحدث عن الحذاء العجيب الذى هو ثورة ستزيل الغباء من الكون ، والذى تم تصميمه ليمنح الإنسان من خلال دائرة الكترونية فيه الذكاء ، الشاشة الفضية كبيرة  تعلو مدخل حانوت لبيع الأحذية ،المحل صارخ الألوان ، ذو واجهات زجاجية مضيئة بأضواء ملونة بالوان مبهرة  ،

تحيط بالأحذية الجديدة ذات الألوان والمقاسات المختلفة ،أحدق فيها لعلى أصل الى جديد فى 

شكلها أو إضافة الى تركيبها ،لاشىء ،أرى وجهاً يحمل سمات الجد تغطى عينيه نظارة طبية ، تعلوها رأس ملساء يحيط  بجوانبها شعر خفيف ، ويحمل بين يديه حذاءّا  جديداً ويخرج من الحانوت فى كبرياء قاصداً الطريق ، اتصدى له بسؤال غبى لامفرمنه  :-  
 مارأيك فيه  ؟         مشيراً الى الحذاء
ينظر الىً من خلف نظارته الطبية  مباغتاً ، يحدق  منقباً فى وجهى قبل أن يلفظ حروفه بجفاف :-
– معجزة
– جربته ؟
– سأجربه
مضيت مع إنحناءة الطريق لأجد الشارع الكبير أمامى حيث الحوانيت أكبر واللافتات تشد العين وتسلب النظر بحروف النور المنبعثة منها بشتى الألوان ، و التى تروح وتجىء وتصعد وتهبط وتدور فى حلقات لاتهدأ  ..تنبهت لأحدهم يقف وسط الشارع داعياً الى أوكازيون وتخفيض هائل فى سعر الحذاء الجديد ، الذى يحمل مميزات ستقلب الموازين وتغير الأفكار وتبدل القيم  ، فهو الحذاء الذكى المناسب لكل المهن والأعمال،  والذى سيمحو الفوارق تماما ً بين الأذكياء والأغبياء ،  وسيجعل من الكرة الأرضية شعلة ذكاء تتأجج فى سماء الكون ، اندفعت الى الحانوت ، صفاً طويلا وقفت فى آخره على  مضض  خشية أن ينتهى العرض قبل أن أفوز بما أريد ، وصلت الى الأمام ، وجدتنى أمام حاسب آلى سألنى عن إسمى وعن عملى ، قلت انا الدكتور يوسف مكتشف الإنزيم المسئول عن درجة الذكاء فى جسد الإنسان ، نظر الىّ الرجل الجالس خلف الحاسب متسائلاً :-
– هل لهذا الإكتشاف فائدة الان ؟
لم أفهم مايعنى ،أوضح :-
–  فى وجود الحذاء المعجزة لن تحتاج لهذا الإنزيم
لم أرد ، جربت الحذاء فى البيت ، لم الحظ جديداً ، حدقت فى ملامحى عبر المرآة ، كل شىء عادى ،اختبرت مستوى ذكائى بالحذاء وبدونه ، لم يتغير ، هرولت الى الطريق والحذاء فى يدى وعلامة إستفهام كبرى تتراقص أمام عينىّ كيف استطاعوا  إغلاق عقلى  والآخرين و دفعنا الى الشراء بهذا الإقبال الذى لم يحدث من قبل ، وكيف يمكن خداع كل هؤلاء الخلق وبنفس الدرجة وبذات الكيفية دون أن يخرج منهم من يقول لقد خُدعت   ، دخلت الشارع الكبير ، كان مزدحماً ،  حادثت نفسى ساخراً أن الخديعة تسرى فى النفوس الساذجة وتعبرها الى العقول المغوية و القلوب الواهنةالتى تلغى كل مساحات التفكير لتضع مكانها مساحات أكبر للغفلة والغباء ، مؤكد هؤلاء جميعا ً يتسارعون على أسبقية الشراء لمجرد الفخر بأنهم حصلوا على الحذاء الجديد   ، اقتربت أكثر ، سمعت عبارات التذمر تسرى عبر الأفواه ،إنفرج همى قليلا ً ،تطايرت العبارات مزمجرة وسط الحوانيت ذات الواجهات الزجاجية بالوانها  الصارخة وشاشتها العملاقة التى ماتزال تتحدث عن المعجزة القادمة من الغرب والتى ستحيل ظلام الغباء الى نور من الذكاء والفهم ،  كان الأمن ينتشر تحسباً لحدوث مشاغبات  ، ترنحت وانا أسمع  الهتافات تعلو ، تهز الشارع والحوانيت والأمن معاً منددة بالحذاء وبمن باعوه  ، تسللت عبر الأجساد المتلاحمة نافذا ً الى الحانوت الذى باعنى الحذاء ، قدمت شكواى طالبا ً رد نقودى ، رد الكمبيوتر :-
–  غبى ..لم يعرف كيف يستعمل الحذاء !!

 


Share

أكتب تعليقا