حبيبتي بعدالضياع / تحسين الاسطل

 

حبيبتي بعدالضياع / تحسين الاسطل (ابوالقسم)

( هذه القصيدة كتبتها في توافق العام الستين لضياع فلسطين وقيام الكيان الصهيوني ) 

لي طفلةٌ كانتْ تَجُوبُ مُرُوجَنَا

كالبَدْرِ تَغْدُو تزْرَعُ الضِّحْكاتِ

جميلةً كأرْوَعِ البَنَاتِ

رقيقةً كأعْذَبِ النَّسَماتِ

حَنُونَةً كَمَا الحياةْ

 

إنْ أشْرَقَتْ .. أشْرَقْتُ معَهَا والدُّجَى

وإذا تبَسَّمَتِ الطُّفولةُ أبْرَقَتْ ثَنَايَاهَا

كَمَا الفَجْرِ حينَ يُطَارِدُ الليْلَ الثَّقِيلْ

إنْ حاوَرَتْكَ سَرَى بِقَلْبِكَ دِفْءُ كلِّ حياةْ

 

في ليلةٍ مجْنونة ٍ

كمَا الثلوجِ في قعْرِ بئْرٍ خاويَةْ

بَدا الشَّيْطانُ يجْذِبُهَا إليْهِ بقَسْوةٍ

وتارةً كنَّا نصُدُّ مَعَاوِلَهْ

ومَضَتْ سُنُونَ القَهْرِ تعْدُو كالذِّئَابِ

وسْطَ الرِّيَاحِ الحَارِقَةْ

في غَفْلَةٍ منْ أمْرِنَا

منْ قبْلِ أعْوامٍ مَضَتْ

أظنُّهَا ستِّينَ فَاجِعَةْ

فقَدْتُهَا فمَا عادتْ تُرَىْ

ولا عادَتْ هُنَا

………..

ستونَ عاماً قدْ مضَتْ

منْ قبْلِ بعْثِي للْحَيَاةِ أُحِبُّهَا

منْ بعْدِ بعْثِي للحياةِ

أُحِبُّها

أسْرَعْتُ أبْحَثُ علَّنِي

أتابعُ الصَّرَخَاتْ

علَّ الصَّدَى في جِذْرِ قلْبِي

يبْعَثُ الأمْواتْ

علَّ الطُّفُولةَ في زَمَانِ الخِزْيِ تُرْجِعُ طفْلَتي

هبَّ الجميعُ لنَجْدَتِي

وتَجَمَّعُوا وتَسَرْبَلُوا وتعَمْلَقُوا

وكمَا تجَمَّعَ شمْلُهُمْ في سُرْعَةٍ

كانَ التَّفَرُّقُ أسْرْعَ

وتَقَاعَسَ العُرْبَان

وتَهَالكَ الشُّجْعَان

 وتَنَاوَمَ السُّلْطَان

وطفْلَتِي وسْطَ الزِّحَام

باتَتْ بأَحْضَانٍ غَرِيبَةْ

مغْصُوبَةً مقْتُولةً مقْهُورةً 

راحَتْ معَ النِّسْيَانْ

 

ومضَتْ حياةُ الليلِ تعْركُ طِفْلَتِي

أوَّاهُ يَا صَغِيرَتِي

أوَّاهُ يا مَلِيكَتِي

كمْ قدْ جَنَيْنَا حينَ تَرْكِكِ للضَّيَاعْ

كمْ قدْ سَكِرْنَا مِنْ كُؤُوسِ الذُّلِّ نكْرَعُ ما ارْتَوَيْنَا مِنْ هَوَانْ

………

وشبَّتِ الحَيَاةُ

وَطِفْلَتِي

مضَتْ كمَا الحَيَاةْ

لكنها منذ الضياع

في كلِّ يوْمٍ في عُيُونِ الكوْنِ تُبْحِرُ

تُعَانِدُ الصَّلَفَ الذي

فوْقَ الكَرَامةِ حطَّ أرْكَانَ التَّجَبُّرِ والسِّفَاحْ

نادَتْ بأعْلَى صَوْتِهَا واسْتَصْرَخَتْ

بلْ نادتِ الأسْوَارَ والأَغْوَارَ والأَشْجَار

بلْ نادتِ الأكْوَان

حتَّى تَنَاهَى للعُيُونِ ضَجِيجُهَا

وتَعَالَتِ الصَّرَخَاتُ مِنْ أعْمَاقِهَا

منْ كلِّ جُرْحٍ قدْ تَمَادَى نَزْفُهَا

منْ كلِّ آهٍ قدْ تَعَالَى صوْتُها

لكنَّها

ظلَّتْ تُنَادِي فى الفَرَاغ

و كأنَّهُمْ

فى الموْتِ ظلَّ مكانُهُمْ أو انَّهم}

أسْرَى المَوَاتِ بأرْضِهَا

 

يا ويْلَهَا ؛ يا ويْلَهُمْ منْ حُزْنِهَا

منْ قهْرِهَا وعذَابِهَا منْ كسْرِهَا

بَاتَتْ تُلَمْلِمُ فى المَسَاءِ ظِلَالُهَا

كمَلِيكَةٍ تَاهَتْ خُطَاهَا عنْ بِسَاطِ الصُّبْحِ

فَمضَى بِهَا الليلُ الطَّويلُ يَجُرُّهَا

نحْوَ الضَّيَاع

نحْوَ الغِيَابِ و رُبَّمَا نحْوَ الهَبَاء

إنْ عاتَبَتْ أوْ قاوَمَتْ أوْ حاوَرَتْ

فلمَنْ تكدُّ وتتْعَبُ

ولمَنْ تُنَاضِلُ تطْلُبُ

ولمَنْ تُهَادِنُ تَحْلمُ

أبْنَاؤُهَا طُلَّابُها عشَّاقُها

لا يعْبَئُونَ بقَهْرِهَا

باتُوا يَجُرُّونَ الخُيُوطَ كَمَا الشُّعَاعْ

أضْحَوْا بِلا شِرَاعْ

وتمَزَّقَتْ أحْلامُهُمْ خلْفَ التِّلال

فمَا تبدَّتْ للعيَانِ عُيُونُهَا

كيْ ينْشلُوها منْ عمِيقِ الليل

نحْوَ البَقَاء

…………..

وبعْدَ طولِ فرَاقِنَا

وبعْدَ كلِّ عَنَاء

هلْ تخْبِرينَ

مليكتي

هلْ تُبْصِرينَ شِرَاعَنَا

يجدُّ نحْوَكِ فى العُبَابْ

هلْ تسْمعينَ صدَى الأَحِبَّةِ

قادماً

يشْدُو

منادياً ومُلَبِّيَاً ومُصَبِّحَاً

هلْ تشْعُرينَ بِنَا ندبُّ كمَا الحياةْ

أمْ انَّنَا في غفْلةٍ منْ أمْرِنَا

وشِرَاعُنا لا زَالَ يُغْربُ

فى السَّراب

فى الوَهْمِ نَمْضِي خلْفَ كُثْبَانِ الضَّيَاع

 

يا طفْلَتي يا أمَّنَا يا جِذْرَنَا

يا كلَّ صوْتٍ فى الحَيَاةْ

إنْ كانَ قارِبُنَا يسيرُ لتيهِهِ

لا تحْزَنِي لا تيْأَسِي

ولْتَعْلَمِي

أنَّا وإنْ طالَ الغِيَابُ

 لا بدَّ يوْماً عنْ قريب

نُعَاودُ الطَّريقَ

ونفْتَحُ الأبْوابْ

وتُفْتَحِ الأَبْوابْ

 

moha_astal@hotmail.com

 

Share

أكتب تعليقا