هو الي انتصر / سعدالحجي

 


بورتريت: هو الذي انتصَر / سعدالحجي 
 
مختبئاُ كانَ أوّلَ وهلةٍ يكتمُ أنفاسَه  
في هَدْأةِ ليلٍ مغتسلٍ للتوّ برشَاشِ المطر  
تنفّسَ على حينِ غرّة  
ينهضُ رويداً بحُمرةٍ تُشْبهُ الحريق  
وسطَ الغابةِ الكثيفةِ المكتظةِ بأشباحَ سوداء  
الأشباحُ التي لم تعبأ برهةً باختباءٍ عن أعينِ الناظرين  
تعمّدتِ احتلالَ الأفقِ الفسيحِ  
تلوحُ من بعيدٍ للرائي بضحكتِها المكتومةِ بخبث
ونظرتِها الماكرةِ الساخرة  
تقولانِ: (ما جرّأكَ إذن على التطلّعِ إلينا  
ومن تكونُ أنت؟

  
نحن الجالباتُ الكوابيسَ السوداءَ إلى هناءِ الكرى  
نحن النافثاتُ القشعريرةَ الباردةَ في المناكبِ المستدفئةِ بمواقدِ الجمرِ  
المرسلاتُ بين النجومِ رصَداً، عجائزَ ساحراتٍ يمتطينَ المكانسَ  
ويَجُبْنَ فضاءَ المخاوفِ والظنون  
أنتَ.. ألا تستمع؟  
آه… ألستَ الذي يزعمُ أنهُ تموزُ القتيل؟  
ينتظرُ عشتروتَ في ليلةٍ بابليةٍ مقمرةٍ تأتي عالمَه السفليّ  
تمضي بهِ إلى ربيع الخصبْ!
أنتَ أيها الحالِمُ الواهِم..  
نحنُ أميراتُ السمواتِ السبعِ  
والليلِ المُطارَدِ في نصف الأرضِ من نصفه الآخر..
ليس ثمةَ عشتروت
ولا وجودَ لها إلاّ في وساوسِكَ…)  

الجمالُ كان ينطقُ خللَ صمتِه الباهر  
ورُوَيْداً تسلّق جدارَ ظلمةِ السماء  
فتوسّطها مُعلناً سلطانَ ضيائه  
بوجهٍ لُجينٍ يتلألأُ  
خشيتُ عليه حينئذٍ من مفترسٍ لا يرعوي  
كان حشدُ الأشباحِ السوداء قد غطّ في صمتٍ  
وأوصِدَتْ محاجرُ العيونِ تظاهراً بالنوم أو الاختباء!  
تفرّستُ فيهنّ مُتَشفّياً  
صرختُ: (كأنَّكُنّ لا تُبصِرنَهُ!  
هذا الرائعُ العصيُّ على أنْ يُمَسّ   
الجمالُ المبهرُ يتجلّى فوقَ الأفق  
المُرتقي أشجارَكنّ المعتمةَ المدلهمّة  
المستنكِفُ أغصانَ بيوتِكنَّ المتفحّمة  
يرنو خلالَ سفر عليائهِ إليّ بابتسامةِ محيّا  
يرتفعُ وئيداً.. حثيثاً  
يشرئبّ من الظلامِ إلى الحياة  
من المواتِ إلى الولادة  
صامتٌ بوقارْ، ناطقٌ بموسيقى  
ملتهبٌ بأشواقْ، محترقٌ كعشّاقْ  
آسِرٌ مُسفِرْ ..   
مُغدِقٌ مُغرِقْ ..  
لكَم هي مدهشةٌ مباهِجُكِ-مآسيكِ أيتها الحياة..    
ويلُ مُجافيكِ..
ويلُ عاشقيكِ!  
لطالما استدعيْـتِـني من خلفِ سورِ الغبَشِ المائيّ هناكَ لآتيكِ..
حينَ تُشرعُ عصافيرُ الصبحِ بأنشودتها
 لكنني هنا الآن أتلقّى شلالاً من ضياءِ قمرٍ ذهلٍ هو الآخر  
برغمِ الأفقِ المُدجّجِ بالأشباحِ السوداء) ..!
 
 
بنغازي.. 1-2-2010

Share

أكتب تعليقا