أذكر تماماً ذلك الصباح قبل عام، عندما عقدتُ إحدى تلك اللقاءات المهمة معي، وقلتُ لي مُقِراً: "سأهديني شيئاً.. وليكن هذه المرة نصّاً"، كنت على بُعد ساعاتٍ من إتمام عَقدي الثالث، ولا بد من هدية تقطرُ حكمة، على مشارف حِقبة يعتريها تمردٌ متأخر، لكني ما أن أمسكت القلم، وبدأتُ بجمع شتات الكلمات، حتى صُعِقت من ابتذال هديتي المفترضة، فوضعتُ لساني جانباً، واحتفى بي أصدقائي في المساء، كردٍ لاعتبارٍ يجهلونه حتى اليوم .

 

   شِبهُ عارِ ونصفُ أعمى، أغرق الآن في الظلمة، أترقّبُ عيدَ ميلادي الوشيك، وأتحسس  سابقةَ العُقم تلك، وهي تغرز مخلبها الأخير في لحمي، "لا، لن يصبح هذا التاريخ عيداً للخيبات" _نهرتُني بتسلطِ الأبِ العربيّ_، و إصرار وحشيّ على كتابة نصي المنتظر، ألفيتُه يَنسَلّ من مراسلاتِ وظيفتي العبثية، وبقايا انتكاساتي النفسية، وليلٍ تموزيّ منزوع الكهرباء.. يضجّ بنعيقِ جوقة مولداتٍ كاد آخرها أن يداهم شقتي، إذ وضعه جاري المقابل جوار بابه بلياقة فذة ! .

 

   أشعلتُ بقايا شمعتي البائسة، جالساً على الأرض ِ ببرودِ المتشردين، وأمسكتُ قلمي ملتفتاً بعفوية إلى يمناي، كعادتي عندما استحضر شياطين الإلهام، "تراكيبُ شاعرية سريالية، وفلسفةٌ تضاهي قريحة الأثينيين، ما يستحقه نصي المُزمَع"،_قلتُ بغرور الكُتّاب المخضرمين_، وهِمتُ في تفضيلاتِ أجناسِ نصي الفنية، حائراً بين قصيدة نثرية، وقصة شعرية، ونص مجهول النسب يحتقر علاقات الأدب الشرعية.. لكنها اللا جدوى مجدداً، تسخر مني بضحكةٍ خِلتها خرجت من حنجرة ذلك الكائن الغامض، الذي كان بطلاً لكوابيسي منذ الطفولة .

 

   براحتيّ المذعورتين هشّمتُ قلمي، وعدتُ بظهري للخلف سانداً إياه بالأريكة، وحدّقتُ منكسراً في سُحُب الدخان حولي، فرأيتُ فيها حدَقَتيّ العسليتين، تترقرقان بأنفة من يترفع عن البكاء، وفي غمرة هواء مُشبَع بِعَرَق الذكورة، ورطوبة منفضةٍ تفيضُ بالرماد وأعقاب السجائر، غطَتُّ في سبات القبور .

 

   

 

 لم تسعفني ساعتي البيولوجية المهترئة، في تقدير الوقت الذي لبثتُه في ذلك الكهف، إذ أجبر ضوء الغرفة جفنيَ على الارتعاش، منذراُ بعودتي إلى التمدُن، أصبح بإمكاني تمييز عشرات الألوان، من بينها الأزرق الباهت الذي دمغ "بوكسراً" لا أرتدي غيره، كانت خصيتاي تتدلى من تلك الخِرقة بطريقة جعلتني أبدو كمهرج أبله ! فانفجرت ضاحكاً، وطرِبتٌ لإيقاع ضحكتي الذي حيّدَ كل الأصوات دونها، كانت ضحكتي المجسمةَ تلك كأيقونةِ وجودية، فأنا لا زلت هنا على قيد الضحك، غير آبهٍ سوى بفصلٍ واحدٍ من مأساتي المسرحية السابقة، فما دمت مُصراً بتطرف على تقديم هدية لي في عيدي، فلماذا لا تكون هذا العام "بوكسراً" جديداً ؟

 

+ قاص فلسطيني

aymoon79@hotmail.com

Share

تعليق واحد لـ to “على قيدِ الضَحِك / أيمن عويضة …… ص 69”

أكتب تعليقا